English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 3 / 9    من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : الإيمان باليوم الآخر : حقيقة الإنسان وما يبقى منه وجوهره .

تفريغ              :  م . م . حسان العودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث من دروس اليوم الآخر ، وقبل أن نتابع الحديث عن هذا اليوم العظيم لا بد أن نتعرف إلى حقيقة الإنسان ، وما الذي يبقى منه ، وما جوهره .

     أيها الإخوة ، الإنسان نفس ، وروح ، وجسد ، نفسك هي أنت ، هي ذاتك ، هي الجانب الذي يؤمن ، والذي يكفر ، والذي يشكر ، والذي لا يشكر ، والذي يسعد ، والذي يشقى ، هي الجانب الباقي في الإنسان ، والله عز وجل يقول :

( سورة آل عمران : 185 ) .

        ذوق الموت شيء ، والموت شيء آخر ، النفس تذوق الموت ولا تموت ، إنها من روح الله عز وجل ، وهي خالدة إلى أبد الآبدين .

( سورة الزخرف : 77) .

       في الإنسان أيها الإخوة جانب لا يفنى ، أبدي إلى ما شاء الله ، إما في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفُد عذابها ، الإنسان له جسم ، وهو وعاء تماماً ، غلاف تماماً ، ثياب تماماً ، فإنْ خلعت ثيابك ، فهل أنت ثيابك ، أم أنت شيء غير ثيابك ؟ قد ترتدي ثياباً رائعة ، مفصلة على قدك تماماً إذا خلعت هذا الثوب ، الثوب هو أنت أم أنت شيء غير الثوب ، هذا الجسم وعاء ، قالب ، مرتكز ، جانب مادي ، عند الموت تخلعه ، ويعود إلى أصله الترابي ، أما أنت فباقٍ .

        يا فلان ، يا عتبة بن ربيعة ، يا صفوان ، ذكر النبي أسماءَهم ، وهؤلاء هم قتلى بدر من الكفار ، واحداً واحداً ، ‏فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ : ((يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ)) .

(رواه مسلم)

        فيك جانب خالد لا يتأثر لا بالموت ، ولا بالقبر ، هذا الجانب له مصيران لا ثالث لهما ، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ، النفس خالدة ، هي التي تشكر ، هي التي تكفر ، هي التي تؤمن ، هي التي تنافق ، هي التي تكون كريمة ، هي البخيلة ، هي النظيفة هي القذرة ، هي الصادقة ، هي الكاذبة ، هي التي تسعد بالله عز وجل ، وهي التي تشقى بالبعد عنه ، كل صفات الإنسان صفات نفسه ، فمثلاً المركبة القذرة من هو القذر ؟ صاحبها ، المركبة النظيفة من هو النظيف ؟ صاحبها ، والبيت المرتَّب من هو المرتَّب ؟ صاحبه ، والبيت الفوضوي من هو الفوضوي ؟ صاحبه ، فنفسك ذاتك ، هي أنت ، وإليك هذا المثل :

           قد تكون في بيت واسع جداً ، مريح جداً ، كل حاجاتك مؤمَّنة ، أنواع الطعام ، أنواع الشراب ، حتى الفواكه ، والحلويات ، والزهور ، يأتيك اتصال هاتفي مزعج جداً ، تشعر بضيق لا يحتمل ، لماذا الضيق ؟ ما هي الجهة فيك التي تألمت ؟ نفسك .

الآن هناك خبر سار يملأ النفس بهجةً ، وهناك خبر سيئ يملأ النفس ضيقاً .

         أخوان توأمان ينامان على سرير واحد ، الظروف كلها واحدة :  السرير ، الجو ، الحرارة ، الرطوبة ، وقد تناولا طعاماً واحداً قبل أن يناما ، فأحدهما رأى نفسه في المنام داخل بستان جميل مع أصدقائه وأحبابه ، وتبادلوا ألوان الحديث الممتع ، والثاني رأى نفسه مع ثعبان أقرع ، فصاح صيحةً ملأت الغرفة صخباً ، فلماذا سعِد هذا ، وشقي هذا ؟ الظرف المادي واحد ، معنى ذلك أن لك نفساً تسعد وتشقى ، ترضى وتغضب ، تتصل وتنقطع ،  تسمو وتنحط ، تؤمن وتكفر ، تطيـع وتعصي ، تحب وتكره ، نفسك هي أنت ، ذاتك ، كيف خاطب الله ذات الإنسان  قال:

( سورة لقمان : 23) .

( سورة الفجر : 27 ـ 28) .

يا أيها الإنسان فالمقصود بالخطاب نفسه .

( سورة الانفطار : 6) .

         لذلك أيها الإخوة ، هذه النفس التي هي ذاتك تذوق الموت ، ولا تموت ، وهي إما في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفد عذابها ، فجسمك هو الوعاء ، والنفس ترى من خلال العينين ، وتستمع إلى الأصوات من خلال الأذنين ، وتعبر عن حاجاتها عن طريق الفم واللسان ، وتتصل بالعالم الخارجي من خلال الحواس ، فهذا الجسم وعاء له نوافذ ، منها نوافذ تتلقى الأصوات ، نوافذ تتلقى الصور ، نوافذ تتلقى الأحاسيس ، نوافذ واسعة جداً تتلقى الحر والقر ، فجسمك وعاء نفسك ، وفيه نوافذ تنتقل عبرها إحساساتك بالعالم الخارجي ، الجسد وعاء ، أو ثوب يُخلَع ، لكنّ الروح القدرة الإلهية التي تحرك الجسد ، فالروح وللهِ المثل الأعلى ، من باب التقريب أقول : لدينا مسجلة ، الروح هي الكهرباء التي تسري فيها فيعلو صوتها ، لو قطعت عنها الكهرباء لأصبحت كتلة لا معنى لها ، البراد ما الشيء الذي يجعله يعمل ويبرد ؟ الكهرباء ، لو وزنت براداً أو ثلاجة في ميزان دقيق ، وهو يعمل ، ثم قطعت عنه الكهرباء هل يقل وزنه ؟ أبداً ، كان ثلاجةً فأصبح كتلة لا معنى لها ، فكل أعضاء الإنسان ؛ كالعين ترى بالروح ، والأذن تسمع بالروح ، واللسان ينطق بالروح ، والدماغ ينشط بالروح ، والمعدة تهضم بالروح ، فالروح هي الطاقة المحركة ، عند الموت تقطع عن الإنسان هذه الطاقة ، فمثلاً الكبد عن طريق الروح ، أي الحياة ، يقوم بخمسة آلاف وظيفة ، فلما انقطعت عنه الروح ، وانقطعت عنه الحياة ، صار قطعة من اللحم ، فإما أن تحفظها في براد ، وإما أن تتفسخ ، فالإنسان يقول لك : أريد شطيرة سودة ، فأساسها كبد ، كبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة ، فلما ذبح الخروف أصبح لحماً يؤكل .

أيها الإخوة الكرام ، معنى ذلك أن في الإنسان نفساً هي ذاته ، هي الخالدة ، هي التي مصيرها الجنة أو النار ، هي التي تسعد بالله أو تشقى بالبعد عنه ، هي التي تسمو ، هي التي تسفل ، كل صفات الإنسان صفات بذاته ، يعني لو جئنا بجسم نبي ، أو بجسم أبي جهل ، عينان عينان ، أذنان أذنان ، لسان لسان ، شفتان شفتان ، يدان يدان ، وعاء ، أما ما الذي يميز هذا النبي العظيم، سيد الخلق ، وحبيب الحق ؟ أن نفسه تعرف الله ، ونفسه اتصلت بالله ، واصطبغت بالكمال الإلهي ، وذلك الآخر نفسه بعيدة عن الله ، انقطاعها عنه جعلها تسفل وتشقى .

      فيا أيها الإخوة ، يقول أحدكم : إنه اليوم متضايق ، فهو أكل ، وشرب ، ونام ، كل أمورك ميسرة ، لماذا أنت متضايق ، لأن لديك مشكلة تعاني منها نفسك ، يعني لو فرضنا  مثلاً للتقريب: أحد صفوف الإعدادي فَقَدَ قلمًا ثمينًا جداً ، فالمدرس أغلق الباب ، وفتش الطلاب طالباً طالباً ، واستخرج هذا القلم من جيب أحد الطلاب ، هذا الطالب لم يُضرَب ، ولم يُوَبَّخ ، لماذا كاد يذوب من الخجل ، ومن الضيق ، ألم يمر على أحدكم ظرف صعب جداً ، كاد قلبه يذوب من شدة الألم، إنها النفس ، هي النفس ، وإذا قال الله عزوجل :

( سورة الأعراف : 179 ) .

            فهذا قلب النفس ، وهو المقصود بالآية ، ليس قلب الجسد ، ليس هذه المضخة الصنوبرية ، لا ، النفس لها قلب حقًّا ، لها قلب ، ومسكنها الصدر .

" إن الله عليم بذات الصدور ".

" يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية " .

        الإنسان في الدنيا يخاطب بعناصره الثلاث ، يا أيها الإنسان ؛ يعني جسداً وروحاً ونفساً ، على كلٍ الحديث الطويل عن الروح قد يكون غير مجدٍ ، ذلك أن هذا أمر إخباري ، قال تعالى :

( سورة الإسراء : 85) .

       نظام الروح غير نظامي الجسد والنفس ، وقد درسنا في الجامعة في علم النفس أن أمًّا في ميلانو ، وهي في المطبخ رأت ابنها قد دهسته سيارة في باريس ، رأته بعينها ، وبعد يومين جاءها النعش ، ومعه تقرير بالحادث في الساعة التي رأته قد دهس فيها ، تفسير هذه الحادثة صعب جداً ، الحادثة واقعة ، لكن سمَّوها التخاطر النفسي ، معناها النفس لا تزال حتى الآن مجهولة ، أعتقد الأكسكنيز ألف كتابًا عنوانه [الإنسان ذلك المجهول] ، وقصد نفسه ، لا جسده ، ولقد درس الأطباء القلب والرئتين والعينين والأذنين والأجهزة ، ودراسات علوم الطب متقدمة جداً ، لكن علوم النفس لا تزال في البدايات ، ومعلوم لديكم أنّ سيدنا عمر وهو يقف على المنبر في المدينة ، قطع الخطبة ونادى : يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ ، وهو في بلاد الفرس ، ويقول سيدنا سارية سمعتُ صوت أمير المؤمنين يحذرني العدوّ ، وأن ألتزم الجبل ، فهذا هو التخاطر النفسي، وهو ثابت علمياً ، لكنه غير معروف تفصيلياً ، كيف !! لا نعرف ؟ فهذه النفس كأنها إشعاع ، أحياناً إنسان تذكره ، فإذا هو أمامك ، يقال عندئذٍ : حضرت ملائكته ، فهذا إشعاع صادر عنه ، وهناك حوادث كثيرة جداً من الصعب أن تصدق ، الحياة النفسية حياة لا تزال في البدايات .

        أنا قرأت مقالة علمية ، أستاذ في جامعة ببلد عربي ، والجامعة محترمة جداً ، وكان سيعقد في هذه الجامعة مؤتمرًا علميًّا ، فهذا الأستاذ جاء بأربعة خيوط بلاستيكية ، حفر في أرض في مكان في الجامعة ، وهو حديقة كبيرة جداً ، حفر فيها أربع حفر بعمق واحد ، وجاء بتربة موحدة ، وجاء بنوع قمح موحد ، وعدد الحبات واحد ، ألفيْ حبة بألفين ، بألفين ، بألفين ، والتربة واحدة ، والحَب واحد ، والسقيا واحدة ، والتسميد واحد ، والعناية واحدة  ، والمبيدات واحدة ، وهو أستاذ جامعة ، وجاء بطالبة كلفها أن تقرأ عن البيت الأول في الأسبوع مرتين سورة ياسين والفاتحة والمعوذتين والإخلاص بالأسبوع مرتين ، البيت الثاني كلف طالبة أخرى أن تمسك بالنبات ، وتمزقه لإحداث ألم في النبات ، والبيت الثالث كانت الطالبة تلقي كلاماً قاسياً على هذا النبات ، وتعذب نباتاً أمامه ، والبيت الرابع تُرِك على حاله ، وجعله مقياسًا ، لا قرآن ، ولا تعذيب ، والنتائج نُشِرتْ في مجلة علمية متخصصة ، وأنا ذكرت هذا في خطبة إذاعية مرة ، البيت الأول الذي تلي عليه القرآن نسبة النبات كانت 44 % زيادة على البيت الثاني والثالث ، ونمو النبات كان أطول 64 % أو بالعكس ، وعندي رقمان هما : 44 ـ 64 ، الآن لا أذكر أيهما لكل نسبة ، وأيهما لكل  بيت ، لكن رقم بنسبة النمو ، ورقم للإنتاج ، طبعاً البيت الثاني والثالث أقل بمقدار 44 أو 64 في نمو الإنتاج ، وكان المقياس البيت الرابع ، إذا فالله عز وجل قال :

( سورة الحشر : 21 ) .

         معنى ذلك أن هذا القرآن يتوجه إلى نفس النبات ، والله ألقيت هذا الموضوع بخطبة ، وأحد الإخوة المصلين قال كلاماً يكاد لا يصدق ، قال لي : نحن لنا بيت قريب من المسجد ، بيت عربي قديم ، وفيه شجرة تثمر ثمرًا معينًا ، قال : لقد بقيت عشر سنوات تعطي ثمرتين أو ثلاثًا في السنة ، فوالدي شكا همه إلى بستاني ، قال له : واللهِ أنا أريد أن أقطع هذه الشجرة ، لأنه لا فائدة منها ، ثم قال له : دعها لي ، وسآتيك يوم الجمعة ، وفكر والدي أن المشكلة تكمن في التسميد ، قال : أنا سأمسك بالمنشار لأقطعها ، وأنت يجب أن ترجوني ألاّ أقطعها ، عملية تمثيل أمام نبات ، قال لي : والله أنا استصغرت عقلَ هذا البستاني ، قال لي : والله جاء بسُلّم ، وصعد إلى منتصفها ، وجاء بالمنشار ليقطعها ، قال له : أرجوك ألا تقطعها ، سوف تحمل ، تعدني أن تحمل ، وهذا الرجل ، والله هو صادق عندي ، أقسم بالله أنه في العام القادم حملت أكثر من خمسمائة ثمرة ، وبقيت عشر سنوات تحمل ، فالنبات له نفس ، واسأل هؤلاء الذين يتعاملون مع النبات يقول لك أحدُهم : هذه النبتة لما نقلت من بيت إلى بيت ماتت ، كانت منسجمة مع صاحب البيت الأول ، هذه أمور لا زالت في البدايات .

       ومرة اطلعت على بحث مفاده أنهم جاءوا بجهاز لكشف الكذب ، هذا الجهاز مبني على التعرق ، فلما يكذب الإنسان يتعرق عرقًا باردًا ، فقد يضعون هذا الجهاز على يد إنسان ، ويسألونه ، أهو يكذب ، فحين يكذب تتحرك الإبرة ، هذا اسمه جهاز كشف الكذب ، وهذه الساعة تتحسس بدقة بالغة بالرطوبة ، فإذا كذب تحدث رطوبة زائدة ، وتتحسس الساعة ، جاءوا بهذا الجهاز ، ووضعوه على نبات ، وجاء إنسان ، وآذى نباتاً أمام نبات فتحرك العقرب ، فهذه التجربة بداية لحياة نفسية للنبات ، لا نعلم عنها شيئاً الآن.  

      في علم الأحياء بعض أنواع الديدان نادرة جداً ، هذه إذا قطعتها نصفين ينمو في رأسها ذنب ، ولذنبها رأس ، جاءوا بهذه الدودة ، يريدون أن تُشكَّل عندها ذاكرة ، فوضعوها في محلول، ما الذي يؤلم هذه الدودة ؟ أن نكهرب المحلول ، فلما نكهرب المحلول ، ومع الكهرباء يتألق مصباح ، ويحدث ترابط ، كلما كهربنا المحلول تألَّق المصباح ، أي يضيء يشعل ، وهذه التجربة استمرت ستة أشهر ، إلى أن صار إذا تألق المصباح اضطربت الدودة ، هذه بدايات الذاكرة ، نحن ربطنا بين تألق المصباح وبين كهربة المحلول بستة أشهر كل يوم ، إلى أن تشكل في العقدة العصبية في هذه الدودة ذاكرة بسيطة ، الكهرباء في المحلول تعني تألُّقَ المصباح ، بعد ستة أشهر تألَّق المصباح فاضطربت الدودة ، يعني صار لديها ذاكرة ، قطعوا هذه الدودة شطرين، تجربة خطيرة جداً ، وألقوا رأسها في المهملات ، فنما لذنبها رأس جديد ، وفي هذا الرأس الذي نما عقدة عصبية ، وضعوا هذه الدودة في محلول ، وألقوا المصباح فاضطربت ، يعني أنّ القضية ليست مادية ، فلو كانت مادية فذلك الرأس الذي فيه العقدة العصبية ، والذي برمجناه على إحداث ذاكرة عنده خلال ستة أشهر ألقيناه في المهملات ، الآن نما رأس جديد ، فمن أين جاءت هذه الذاكرة ، فقالوا : هناك حياة نفسية لا علاقة لها بالجسد ، وهناك شخص قال: قضيت ثماني سنوات في سجن ، وكأنني في الجنة ، أنا والله ، لا أكذبه ، حفظ كتاب الله كله ، وإنسان يقيم بأجمل مكان يقول لك : أكاد أموت من الضيق .

         ولقد حدثني أخ من إخواننا ، وهو عندي واللهِ صادق ، قال لي : دخلت على إنسان من أثرياء البلد ، وقال : والله لا أبالغ إنّ حجم ماله أكثر من أربعة آلاف مليون ، وقال : كان كلُّ حديثه عن تعاسته ، وعن شقائه ، فلا يرضى عن بيته ، ولا عن زوجته ، ولا عن أولاده ، ولا عن البلد ، ويشكوا الأسواق ، فلا بيع ، ولا حركة قال لي : والله يزيد حجم ماله عن أربعة آلاف مليون ، قال : واستمعت إلى شكواه ، حتى ضاقت نفسي ، أربعة آلاف مليون ، لم أعُد قادرًا على الاستماع ، وقال كذلك  : مِن غرائب الصدف أنّ رجلاً من إخواننا الكرام محسن ، قال : ما إنْ دخلت محلي التجاري في الحريقة حتى جاءت امرأة محجبة تطلب مساعدة ألف ليرة بالشهر ، ما السبب يا أختي ؟ قالت له : والله زوجي موظف ، معاشه يكفي للطعام والشراب ، وليس معنا ثمن أجرة البيت ، أين بيتكم ؟ قالت له : في داريا ، قال لها : أنا عندي بالمساء اجتماع بداريا ، ونبحث القضية ، وأخذ عنوانها ، في أثناء الاجتماع مع الجمعية الخيرية قال لهم : عندنا أخت تطلب مساعدة ، يُرجَى التحقيق معها ، قال : قم نذهب سويًّا إليها ، قال : فدخلنا البيت ، فما رأت عيني بيتاً مثل هذا البيت ، ما هو ببيتٍ ، تحت الدرج ، والدرج تحته في فراغ ، وهو غرفة فحسب ، ومطبخ ، وحمام ، مع فسحة صغيرة ، بيت لا يمكن أن يسكنه إنسان ، وفيه كما قال : أثاث متواضع جداً ، لكن البيت نظيف جداً ، وزوجها مريض ، وعندهم أربعة أولاد ، وقال : ما شاء الله ، وجدتهم في نباهة ونظافة ، وأقسمَ بالله وهو عندي صادق ، وقال : واللهِ كأن هذا البيت قطعة من الجنة ، أقسم بالله معجبًا ، شعرت بانجذاب للبيت عجيب ، إنه بيت تحت الدرج ، أكبر مساحة فيه غرفة ، والتي بعدها المطبخ والذي بعده الحمام ، مع فسحة صغيرة ، فقال لهم : والله الوضع يحتاج منا مساعدة ، قال له : اكتب ألفين ، فقالت له : لا ألف فحسب ، أعطوا الألف لغيرنا ، نحن تكفينا ألف ليرة ، والحمد لله المعاش يكفينا ، قال : أنا دهشت ، واحد حجمه المالي أربعة آلاف مليون من شدة الشكوى ، والألم ، والضيق ، والضجر كدت أنْ أسقط على الأرض ، وهذا البيت كأنه قطعة من الجنة ، ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، القضية نفسية .

      قد يكون إيمان إنسان بالله قويًا جداً ، واتصاله بالله قويًا ، تشعر أنه غني ، وهو متفائل ، يشع سعادة ، وقد يكون الطرف الآخر أغنى منه بكثير ، وحركته بمئات الملايين ، ومع ذلك فهو متضايقٌ ، معنى ذلك أنّ النفس غير الجسم ، الآن وضعنا يدنا على محور الدرس ، لك نفس تسعد بذكر الله ، وتشقى بالبعد عنه ، وهناك شيء اسمه سكينة ، إذا أنزل الله على قلبك سكينته سعدت بها ، ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، أيُعقَل أن يكون لقائد القوات الإسلامية في الشام ، سيدنا أبو عبيدة الجراح ، غرفة فيها جلد غزال ، وقدر ماء مغطى برغيف خبز ، وعلى الحائط سيفه ، قال له : ما هذا يا أبا عبيدة ؟ قال له سيدنا : هو للدنيا ، وعلى الدنيا كثير ، ألا تبلغنا المقيل ، إنسان في أسعد درجات حياته بهذا التقشف ، إنسان عمره ثمانون عاماً سيدنا أبو أيوب الأنصاري بسن الثمانين يغادر المدينة لينضم إلى الجيوش الفاتحة ويموت في استنبول ما هذا ؟ هذه السكينة تتنزل على النفس ، تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .

         أيها الإخوة الكرام ، هذه الدروس كما أرى مهمة جداً ، وهي رحلة النهاية ، الآخرة ، كلنا إلى هذا اليوم قادمون ، فالبطولة والاستعداد لهذا اليوم ، والإنسان لا يدري متى الأجل ، ولله درُّ القائل :

تزود من التقوى فإنك لا تــدري      إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـر

فكم من صحيح مات من غير علة      وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر

فإذا عرف الإنسان حقيقته ، وعرف مهمته ، وعرف مصيره    وعرف هدفه الكبير ، ينسجم مع هذه المعطيات فيسعد .

         فيا أيها الإخوة ، لاحظ نفسك ، فإنْ كنت في تقشف شديد ، وشعرت أن الله راضٍ عنك فأنت تشعر بسعادة لا توصف ، وحينما تكون بأعلى درجات النعيم المادي ، و كنت غارقًا  في معصية ، فأت محجوب عن الله عز وجل ، وأنت معذب ، هذا شأنُ القلب البشري ، أمّا قلب النفس فلا يسعد إلا ذكر الله ، واقرأ الآية الكريمة :

( سورة الرعد : 28) .

لا تطمئن إلا بذكر الله سبحانه ، لو أن الله عز وجل قال : تطمئن القلوب بذكر الله لبقي المعنى قاصرًا ، يعني وقد تطمئن بغير ذكر الله ، أما حينما جاءت الصيغة صيغة قصر " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله ، وجرب أكْل طعام طيب ، واجلس في مكان جميل ، لكن مع البعد عن الله ، فهذا المكان قطعة من النار ، وجرب أن تجلس في مكان متواضع ، ولتأكلْ أكلاً خشنًا ، وأنت ذاكر لله ، فالحال مختلف ، لذلك أنا حينما أمرُّ في الطريق إلى الزبداني فرضاً أرى مقاصف ، كما أرى ملاهي ، مائة سيارة أمامها ، أقول : ماذا في الداخل ، راقصة ، ومغنِّية ، وطعام ، هؤلاء الذين أرادوا هذا المكان يبحثون عن متعة ، عن لذة، يأكلون ويشربون ويملؤون عيونهم من محاسن امرأة لا يحل لهم أن ينظروا إليها ، أقول لو عرفوا ما عند الله من سعادة ، والله لَأَوَوْا إلى الله ، ولجؤوا إليه ، وأقاموا في محرابه ، ومرغوا جباههم عند أعتابه ، هم لا يعلمون ، شخصٌ واحد يأكل الدبس ، وهو يقسم أنه أطيب طعام على الإطلاق ، لأنه ما ذاق طعم العسل ، لو ذاق طعم العسل لما أقسم هذه اليمين ، مَن عرف الله زهد فيما سواه ، المؤمن إذا ارتقى في إيمانه فلا تطمئن نفسه إلا أن تكون العلاقة بينه وبين الله علاقةً عالية المستوى ، المؤمن رأس ماله محبة الله له ، رأس ماله أنه في رضوان الله ، رأس ماله أن المستقبل لصالحه ، لاحظْ خط الزمن ، كلام دقيق ، الزمن في صالح المؤمن وليس في صالح الكافر ، كلما تقدمت بالمؤمن السن ازداد معرفة بربه ، وازداد يقيناً بلقائه ، وازداد عمله الصالح إخلاصاً ، وازداد وقته انشغالاً بطاعة الله ، وكلما اقترب العمر من نهايته رأيته مستبشراً لأن كل هذا العمر من أجل ساعة اللقاء .

         ولدينا حديث قدسي حينما أقرأه يقشعر بدني ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)).

(البخاري)

        يقول الله عن ذاته العلية : وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، وإنّ الله لا يتردد ، لكن هذا لتقريب المعنى إلينا ،  يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ، هيّأ له جنة عرضها السماوات والأرض ، له حياة مريحة ، لا تعب فيها ولا نصب ، فالإنسان كل معلوماته دنيوية مع إيمانه ، واستقامته ، ويدعو الله بطول عمرك ، وأن يحفظه الله ، فالإنسان يتمنى أن يعيش أطول فترة ممكنة ، لكن لو عرف ما عند الله لقال كما قال مؤمن ياسين :

( سورة يس : 26) .

           هناك حديث مشكل عند علماء الحديث ، فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهُ فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ)).

(متفق عليه)

           ما علاقته هو إذا بكى أهله ؟ يعذَّب زيادة ؟ بعض علماء الحديث فَهِم هذا الحديث فهماً رائعاً ، قال إن الميت المؤمن إذا انقلب إلى الله عز وجل ، ورأى ما فيه من النعيم يتألم لبكاء أهله عليه ، يعذب ببكاء أهله عليه ، يقول أنا : في خير ، أنا في جنة ، إياكم أن تبكوا .

          ولقد قصّ علي أحدُ إخواننا قصة تكاد لا تصدق ، امرأة صالحة لدرجة غير معقولة ، حدثني عن قصتها ابنها وزوجها كان في مجلس التعزية ، في ثالث يوم ، قال : كانت تقضي ليلها في قراءة القرآن ، والصلاة ، مطيعةً لله عز وجل ، تؤدي واجباتها لزوجها أداءً غير معقول ، ترعى أولادها ، وبناتها رعاية فائقةً ، لكرامتها عند الله قالت : لهم لقد دَنَا أجلي ، لكن لا تشكوا شيئًا ، ودعت أولادها ، وطلبت بناتها وأصهارها ، ثم وافتها المنية ، قالت قبل أن تموت : لا تقيموا مأتمَ عزاء ، أقيموا حفلة عند موتي ، والذي فعله أهلها ، أنهم جاءوا بمنشدين ، وأقاموا حفلاً ، ووزعوا حلويات ، لأنّ يقينها بما عند الله من سعادة شيء لا يوصف ، المؤمن كذلك يجب أن يتيقن أن بعد الموت جنة فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، نحن في غفلة ، نحن كل مقاييسنا مادية ، فلان بيته كبير فهنيئًا له ، فلان يملك شركة ضخمة فهنيئًا له ، فلان سيارته موديل جديد ، ما أسعدَه ، فلان ورث أرضًا فصار ثمنها مائة ضعف فالهناء له ، هذا ما فعله قومُ قارون :

( سورة القصص : 79 ) .

        أيها الإخوة الكرام ، أريد أن أقول : إنّ لكم موضوعات يوم الآخر موضوعات خطيرة جداً ، فيجب أن تعرف من أنت ، وما الذي يبقى منك ، وهذا الذي يبقى منك ما يسعده ، وماذا بعد الموت ، وماذا في القبر ، وماذا بعد القبر ، لأن هذا كله حقٌّ ، وسيكون ، كل يوم تُعلَّق صفحات النعي ، سألت مرة شخًا يعمل في دفن الموتى فقال : لدينا كل يوم في الشام ثمانون حالة وفاة ، وهم بشر مثلنا ، أشخاص لهم بيوت ، ولهم أعمال وتجارة ،  فهذا المرحوم فلان ، وهذا الشاب فلان ، وهذه الشابة فلانة ، مرة عميد أسرتهم ، ومرة الدكتور فلان ، ومرة المحامي فلان، المهندس فلان ، مرة رتبة عسكرية عالية جداً ، هكذا والحبل جرَّار ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

و الليل مهما طال فلا       بد من طلوع الفجر

والعمر مهما طال فلا       بد من نزول القـبر

من هو العاقل ؟ هو الذي يستعد لهذا الموت الذي لابد منه ، يستعد له بالتوبة ، بالعمل الصالح .

كنا في درسنا هذا مع النفس ، وهي ذات الإنسان ، وهي الخالدة ، وهي التي تعذِّب في نار جهنم، أوهي التي تسعد بالجنة ، هي النفس لا سواها التي تسعد بمعرفة الله وطاعته ، وتشقى بالبعد عنه ومعصيته .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi