English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 4 / 9    من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : الإيمان باليوم الآخر ـ واقعية حدث الموت .

تفريغ              :  م . م . حسان العودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من دروس اليوم الآخر .

         هناك مَن يتبجح ، ويقول : أنا واقعي ، أي أن الواقعَ هو مقياس حقائقه ، فهل من حدث أكثر واقعيةً في حياة الإنسان من الموت ، حتى لو تبجحت وقلت أنا واقعي ، هل من حدث يستطيع إنسان كائن على الإطلاق بدءًا مِن أقوى ملِك ، ولأدنى إنسان أن ينجو من الموت ، كلا ، ثم كلاّ ، الحدث المستقبلِي الخطير هو الموت ، لذلك قال تعالى :

( سورة الملك : 2 ) .

لماذا بدأ بالموت ؟ لأن الإنسان حينما يولد أمامه مليون خيار ، أما حينما يموت هناك مصيران فقط .

فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار .

          خيار الحياة واسع جداً ، أما خيار الموت جنة أو نار ، جنة يدوم نعيمها ، أو نار لا ينفذ عذابها .

        أيها الإخوة ، في الدرس الماضي بينت لكم أن حقيقة الإنسان جسم هو غلاف مادي ، ونفس هي ذات الإنسان ، وروح هي القوة المحركة ، عملية الموت انفصال النفس عن الجسد ، هناك انفصالات عديدة ، هناك انفصال مصغر ، كل واحد منا حينما ينام يموت موتاً موقتاً ، تنفصل نفسه عن جسده ، وتبقى معلقةً به نوعاً من التعليق ، أما فهو غائب في عالم آخر من هنا عليه الصلاة والسلام كان يدعو قبل أن ينام ويقول :((اللهم إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها ، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحينَ)) .

[ متفق عليه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ] .

      أيها الإخوة ، انتبهوا إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كلما أوى إلى فراشه يظن أنه قد لا يستيقظ .

     لي صديق توفي رحمه الله ، ينام في سريره مع زوجته ، في منتصف الليل مست يد زوجته يدَه فإذا هي باردة ، فقامت مذعورةً ، فإذا هو ميت .

     كم من إنسان أوى إلى فراشه ولم يستيقظ ، وكم من إنسان ذهب إلى عمله ولم يرجع ، وكم من إنسان سافر ولم يعُد ، وكم من إنسان دخل إلى البيت ، ولم يخرج إلا أفقياً ، فلا بد أن تدخل المسجد مرةً ليصلى عليك ، قد تدخله طوال حياتك لتصلي ، وفي إحدى هذه المرات تدخله لِيُصَلَّى عليك ، طوال حياتك تخرج وتعود ، إلا في مرة واحدة تخرج ولا تعود ، فإذا جاءت الساعة الثانية عشرة لا يقلْ أحد من أفراد الأسرة : مات ، ولا رجعة له إلى الدنيا ، هذه الساعة الحرجة التي لابد منها كلُّ بطولتك في الإعداد لها ، دقق .

( سورة الإنسان : 27) .

       وحينما يسأل إنسانٌ إنسانًا ترتعد فرائصه ، ويصاب بجلطة فوراً ، فإذا بدأ يُسأل ، ويحاسَب عن كل فترة عمله ، كيف وقعت هذا العقد ؟ وما قيمة عمولتك من هذا العقد ؟ ترتعد فرائصه ، وكم من إنسان أصيب بجلطة لتوهمه أنه سيمثل أمام المحاكمة ، فكيف لو وقفت في محكمة خالق الأكوان ، وهو الذي يعلم السر وأخفى ، لا تخفى عليه خافية .

أيها الإخوة ، الموت حقٌّ ، ولا بد منه ، يقول الله عز وجل :

( سورة العنكبوت : 57 ) .

ذوق الموت شيء ، والموت شيءٌ آخر ، نفس الإنسان تذوق الموت ، لكنها لا تموت .

( سورة الزخرف : 77) .

         لا موت ، ولكن الله عز وجل يقول : " كل نفس ذائقة الموت " أول انفصال بين النفس والجسد انفصال النوم ، هذا موت موقت ، والانفصال الثاني انفصال النفس عن الجسد عند الموت، هذا الموت الأكبر ، وقال بعضهم : هذه القيامة الصغرى ، يقول لك يوم القيامة : هناك قيامة لكل إنسان خاصة به ، يوم موته هو يوم قيامته ، إذا قلت : فلان قامت قيامته يعني مات ، وهناك قيامة كبرى ، يوم يجتمع الناس جميعاً عند رب العالمين ، وهناك قيامة صغرى عندما يموت الإنسان .

         كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول إذا استيقظ من نومه : ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أحْيانا بَعْدَما أماتَنا وإلَيْهِ النشُورُ)) .

[ رواه  البخاري عن حذيفةَ بن اليمان رضي اللّه عنهما ، وعن أبي ذر رضي اللّه عنه ] .

       يحب أن تعتقد أن النوم موت موقت ، ويجب أن تدعو قبل أن تنام : اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها ، ويجب أن تقول حينما تستيقظ : الحمد لله الذي رد إلي روحي ، وعافاني في بدني ، وأَذِن لي في ذكره ، والإنسان العاقل يعيش حياته يومًا بيوم ، استيقظنا : الحمد لله ، جاهزية عالية ، سمع ، وبصر ، وحركة ، يا نفس لقد سمح الله لك أن تعيشي يوماً جديداً ، فماذا تفعلين في هذا اليوم؟

( سورة الأنعام : 60 ) .

الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتي لم تمت في منامها .

أيها الإخوة ، الآية التي ترتعد لها الفرائص هي قوله تعالى :

( سورة آل عمران : 185 ) .

       فمعنى الآية أن بعض الناس في الدنيا يعاقَبون ردعاً لبقية المسيئين ، وأن بعض الناس في الدنيا يكافََؤون تشجيعاً لبقية المحسنين ، أما الحساب النهائي ، وكشف الرصيد ، والحكم القاطع الذي لا استئناف فيه هو يوم القيامة " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فوطِّن نفسك .

                ارتكب إنسانٌ كل المعاصي والموبقات ، ومات ولم يصبْ بمصيبة ، هناك امرأة في بريطانيا انحلت أخلاقها إلى درجة غير معقولة ، وفي مؤتمر صحفي سمعه أكثر من خمسين مليون إنسان قالت : أنا زنيت سبع مرات ، مرة في المكان الفلاني مع فلان الفلاني ، بلا حياء ولا خجل ، فلما ماتت مشى في جنازتها ستة ملايين إنسان .

        فالعبرة أن يكون الإنسان مطيعاً لله عز وجل ، من الممكن أنْ يُعاقَب إنسان في الدنيا ، ويمكن ألاّ يُعاقَب ، يمكن أنْ يُكافَأ إنسان في الدنيا ، ومن الممكن ألاّ يُكافَأ ، يجب أن تعتقد أن الدنيا ليست دار جزاء ، إنما هي دار ابتلاء ، فإذا عاقب الله بعض المسيئين فإن ذلك ردعٌ لبقية المسيئين ، وإذا كافأ الله بعض المحسنين فذلك تشجيعٌ لبقية المحسنين " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " .

     فأنت في الحياة الدنيا ، كيف تحكم على إنسان غاص في أعماق البحر ، وتلهى عن قطف اللؤلؤ بقطف المحارات والأصداف ، أحياناً حبة لؤلؤ ثمنها مئات الألوف ، بينما مائة قطعة صدف لا تساوي شيئاً ، فاللهو كتعريف دقيق له : أن تشتغل عن النفيس بالخسيس ، الآية :

( سورة المنافقون : 9) .

      جمع المال ممتع ، وأن تكون مع أولادك تمتع نظرك بهم ، وتلاعبهم شيء آخر ممتع ، لكن هناك إنسان يلهو ، وينسى ربه ، وينسى سر وجوده ، وغاية وجوده ، فيؤثِر جلسةً مع أهله على درس علم ، ويؤثر جمع المال على طلب مرضاة الله عز وجل .

( سورة المنافقون : 9 ـ 10 ) .

الجواب :

( سورة المنافقون : 11) .

تفكَّرْ وتمعَّن في هذه الكلمة ، (لن) للتحدي ، لنفي التأبيد " ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها " .

     لما مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بقبرٍ ، قال : ((صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم)) .

     قد يملك شخصٌ شركة دخلها فلكي ، فمرة قرأت في بعض الصحف عن شركة سيارات ألمانية ، عندها فائض نقدي مائة مليار دولار ، لا تدري أين توظف هذا المبلغ ، مائة مليار ، شركة كهذه الشركة لو أنك تملكها ، ولم تعمل لآخرتك شيئًا فأنت خاسر " لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " .

     يُروَى أن أكبر غني في العالم يهودي اسمه روكشلد ، دخل مرة إلى غرفة أمواله ، أمواله ليست في صندوق ، بل في غرفة ، ولها باب محكم كالصندوق الحديدي ، ونتيجة خطأ أراده الله عز وجل أُغلِق عليه باب الغرفة ، وهذه الغرفة يبدو أنها عميقة في البيت ، صاح وصاح ، من غير فائدة ، ويُعرَف عنه أنه كان كثير الأسفار ، فتوهم أهله أنه مسافر ، فمات من الجوع ، ومن العطش ، ولم يعلم بخبره أَحَدٌ ، فجرح إصبعه ، وكتب على الجدار : أغنى إنسان في العالم يموت جوعاً " لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله " .

إنّ كل قوتك ، وكل هيمنتك ، وكل استمتاعك في الدنيا منوط بميل وربع ميل قطر شريانك التاجي ، فإذا ضاق هذا الشريان التاجي بدأت متاعب لا حصر لها ، الشيء الآخر أيها الإخوة يجب أن نعلم علم اليقين أنه :

( سورة الأعراف : 34) .

       حدثني طبيب "جراح قلب" أنه أجرى عمليتين ، العملية الأولى سهلة جداً جداً ، وهو يُجري المئات من مثيلاتهـا بلا اهتمام أبداً ، توسيع الدسام ، فجاءت امرأة وأُجريت لها هذه العملية ببساطة ، وبسلاسة ، وبنجاح تام ، وإنسان آخر أقسم لي بالله أكثر من ساعة ونصف ظلّ يمسّد قلبه ، إلى أن عادت له الحياة ، يعني ساعة وربع في حكم الميت ، ثم عادت له الحياة كل اهتمامه موجه لهذا المريض الذي أوشك على الموت ثم ردت له الحياة   قال لي بعد ساعة ماتت المريضة الأولى بسبب أو لآخر ، وعاش هذا حياةً رائعةً متمتعاً بأعلى درجات صحته زمنًا طويلاً ، إذًا فالموتُ مرهون بإرادة الله.

      هناك أخ طبيب من إخواننا نسأل الله أنْ يشفيه ، ويعافيه قال لي : كنت طالب طب في جامعة القاهرة ، فتخرجت ، وفي مرحلة التدريبات صادف أنْ كان يوم عرفة ، وأريد الذهاب إلى بيتي ، فاستأذن من الدكتور "البروفيسور" المشرف أن يذهب ، فلم يسمح له ، لأن عندهم مريضًا يعاني فشلاً كلويًا ، وقد يموت بين اللحظة والأخرى ، فانتظر ربع ساعة لعله يموت ، ثم أذهب ، وعنده ممرضة قال لها : أحضِري لي كأسَ شاي ، بينما يموت هذا ، فرفضتْ ، فامتلأ غيظًا منها، فأراد أن يضايقها ، فأمرها بإجراء تحليل لذاك المريض ، قالت له : أمَا قال لك الأستاذ ، الآن يموت ، قال لها هذا ليس أمركِ ، أجرِ تحليلاً ، فهي ضجرت ، وإذا بالمريضِ يتحسن شيئًا فشيئًا ، وكانت المفاجأة ، وقال لي ، تابعت أخباره بعد أنْ تحسَّن ، ومات هذا المريض بعد ما مات أستاذه بست سنوات ، وهو الذي قال له سيموت بعد قليل ، ثم انصرفْ إلى بيتك .

          أحد إخواننا الكرام الله جزاه الله خيرًا قال لي : ولدت في بيت ، ويوم ولدت  كنا مجموعة إخوة يسكنون في بيت واحد ، بيت عربي قديم ، أنا وأبي وأمي بغرفة وعمي وامرأة عمي بغرفة ، وعمي الثاني وامرأته بغرفة ، كل إنسان وزوجته في غرفة ، وقال : يوم ولدت كانت امرأة عمي مصابةٌ بمرض الموت ، قال لها الطبيب بالحرف الواحد : اكتبوا النعي ، لقد انتهت ، وهذه المريضة التي قال الطبيب عنها : اكتبوا النعي ، انتهت زارتني بعد خمسة وأربعين سنة في بيتي بحيّ العدوي ، فالموتُ كما قال تعالى :

كم من صحيح مات من غير علة       وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

           أعرف شخصًا أصيب بشلل عاش ثلاثين سنة لا يغادر الفراش ، وقبل أسابيع معدودة شخص رياضي من الطراز الأول ، له ساعة جري كل يومٍ ما غاب عنها يوماً منذ عشرين سنة ، وله ساعة سباحة كل يوم ، وكل حديثه عن الأكل القليل والخضار والفواكه والخبز المصنوع من النخالة ، وعليك أنْ تمشي ، وتمارس الرياضة ، وما عنده غير حديث ، كان في المسبح ، فخرَّ ميتًا ، وهو لا يشكو من شيء في حياته ، شخص مريض يستلقي على الفراش ثلاثين سنة ، وشخص سليم يموت فجأةً ، ولي صديق مِن أقربائي ، له سهرة أسبوعية ، كان يقول في أثناء جلساته مع أصدقائه : سأعيش طويلاً ، فأنا أولاً أكْلي قليل ، وأمشي كثيرًا ، ولا أدخّن ، أعتني بصحتي ، وليس عندي شدة نفسية ، ولا مشكلة ، هذا الكلام قاله يوم السبت ، ويوم السبت الثاني كان تحت التراب مدفونًا ، أحد إخواننا الكرام دعاني إلى نزهة ، عنده مزرعة ، قال لي : اخترْ عشرة من إخوانك ، وكان بيننا إنسان محترم جداً وضعته في رأس القائمة ، فالدعوة يوم السبت ، وقد توفي الجمعة ، وكان اسمه في القائمة ، المواعظ كثيرة جداً أيها الإخوة الكرام ، يكون الشخص ملء السمع والبصر فيختفي فجأةً ، من عالَم الأحياء تخطفه يدً المنون.

كم من صحيح مات من غير علـة     وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

وكم من عروس زينوها لزوجــها    و قد قبضت أرواحهم ليلة القــدر

إذاً :

تزود من التقوى فإنك لا تدري  إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

إخواننا الكرام ، يجب أن تعلم علم اليقين أنك في الحياة الدنيا من أجل مهمة واحدة بعد الإيمان بالله ، بعد أن تؤمن بالله هناك مهمة واحدة أن تؤدِّي ثمن الآخرة ، إنه العمل الصالح ، والآية :

( سورة المؤمنون : 99 ـ 100) .

قيل له :

( سورة المؤمنون : 100) .

       والله أيها الإخوة هذا اعتقادي ، في الأرض ستة مليارات إنسان ، فيها مسلمون ، وأهل كتاب ، وبوذيون ، وسيخ ، وملحدون ، وعباد النار ، وعباد الأصنام ، وعباد الشمس ، وعباد الفرج ، فيها أديان لا تعد ولا تحصى ، في الهند وحدها مائتا دين ، كل هؤلاء حينما يأتيهم ملك الموت يعرفون الحقائق التي جاء بها النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حتى أني قرأت ترجمة لكتاب من أغرب الكتب ، عنوانه (الحياة بعد الموت) ، مؤلِّف الكتاب شخص أصيب بحادث سير ، فيبدو أنه توقف قلبه لفترة طويلة ، ثم عاد إلى الحياة ، فسألوه : ماذا شعرتَ ؟ فهذا المؤلف جعل همه البحث عن مثيل لهذه القصص ، فجمعها مِن أكثر من مكان في العالم ، سافر إلى قارات عديدة ، وجمع حالات الموت الموقت ، الشيء الغريب والعجيب أن أكثر هؤلاء الذين ماتوا موتاً موقتاً أدلوا بوصف موحد لكل أحوالهم ، أحد هذه الأوصاف أنهم يبتعدون عن جسدهم مسافة أربعة أمتار ، فإنسان مات بحادث موت موقت رأى نفسه على ارتفاع أربعة أمتار ، جاءت سيارة الإسعاف ، وجاءت الشرطة ، فكان يراهم جميعاً ، أول شيء مشترك أن النفس هي ذات الإنسان تبتعد عن الجسم ، والجسم شيء ملقى أمامك ، وأن الإنسانَ يتذكر كل أعماله السيئة التي فعَلَها ، هذا الشيء الثاني ، الشيء الثالث يرى أن العملة الوحيدة الرائجة في هذا اليوم ، "اليوم الآخر" هي العمل الصالح ، هذا الذي يشعر به كل إنسان يدركه الموت "

فيكون الجواب :

ويكون المصير :

( سورة المؤمنون : 104 ـ 108) .

( سورة القصص : 88) .

        والمعروف أنّ الإنسان إذا سافر إلى بلاد أخرى يزور معالمها ، فلقد زرت مرة مصر ، وبالقلعة تاريخ المماليك ، فأين المماليك ؟ وأين قطز ؟ وأين هؤلاء الذين حكموا مصر ؟ أين هم الآن ؟

( سورة المؤمنون : 44 ) .

كان شخصاً فصار قصة " وجعلناهم أحاديث " الظاهر بيبرس ، فدراسة الآثار مؤثرة جداً ، ولما دخلت الأهرامات انتابني شيء لا يصدق ، وتساءلتُ : أين الفراعنة الشداد ؟ أين الرومان الذين عاشوا في هذه البلاد ، آثارهم واضحة ، مدرج بصرى ، وفي السويداء لهم أثار ضخمة جداً ، أين الرومان ؟ أين الإغريق ؟ أين هؤلاء الأقوياء الذي حكموا العالم ، أين هم " كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " .

( سورة الرحمن : 26 ـ 27) .

فمن هو سيد الخلق ، وحبيب الحق ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد قال الله له :

( سورة الزمر : 30) .

( سورة الأنبياء : 34) .

         هناك مَن يقول : فلان مات وارتحنا منه ، فهل أنت خالد ؟ تموت كما مات ، قد يكون الأب بخيل مثلاً ، فيأتي الطبيب ، ويقول لهم : أزمة عَرَضية ، فينزعجُ الأولاد ، لا نريدها عرضية ، نريدها القاضية ، فالبخيل أقرب الناس إليه يتمنى موته ، وإذا كان كريمًا فالكلُّ يحبُّه ، وبصراحة الموضوع بين قوسين ، علامة نجاحك كأب إذا دخلت إلى البيت يجب أن يكون دخولُك عيدًا ، وكل مَن حولك يتمنى بقاءك  ، ويدعو لك بطول عمرك ، ذات مرة دخلت إلى مزرعة فأعجبني مِن صاحبها أنْ كتَبَ جملةً : إننا نسعد بالضيوف ، لكن بعضهم نسعد بقدومهم ، وبعضهم نسعد بمغادرتهم ، فبعض الضيوف تسعد بمجيئهم ، وبعضهم تسعد بمغادرتهم ، فإذا كان الإنسان محسنًا وكريمًا يسعد أولاده به ، ويتمنون بقاءه ، ويدعون له بطول العمر ، أما إذا كان فيه بخل شديد ، وإمساك ، وقال لهم الطبيب : أزمة عرضية ينزعجون ، نريدها القاضية .

من أدعية النبي عليه الصلاة كما ثبت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ)) .

[ أخرجه البخاري ] .

الله حي باق على الدوام .

         وبالمناسبة كل إنسان ربط علاقاته مع إنسان يموت فمشكلته كبيرة ، إذا مات تلاشت كل آماله ، أما إذا ربط الإنسان مصيره مع الحي الذي لا يموت فليست عنده مشكلة أبداً ، الفكرة واضحة ودقيقة ، اربط مصالحك ، وآمالك ، وأحلامك ، وأهدافك مع الحي الذي لا يموت ، فإذا ربطت آمالك ومصالحك مع الذي يموت ، فإذا مات ماتت كل مصالحك بموته .

بالمناسبة أخطر حدث مستقبليّ في حياة الإنسان هو موته ، وهذا الموت بيد الله وحده ، ولو توهمتم أن شخصًا يقول لآخر : اقتله ، فهل يقتله ؟ لا ، هذا الشيء صورة ، والموت بيد الله ، لكن :

( سورة آل عمران : 145 ) .

          يروى مرة عن جمال السفاح ، وكان طاغية ، اسمه جمال السفاح ، فأودع عند مدير سجن القلعة سبعة عشر سجيناً كي يعدمهم ، فهرب أحدُهم ، مدير السجن من شدة خوفه من جمال السفاح أرسل اثنين من الشرطة إلى باب الجابية ، أو إلى السنجقدار ، وأخذ شخصًا لا على التعين، ووضعه معهم ، فرجعوا سبعة عشر ، لكن هذا لم يفهم السببَ ، أخذوه ووضعوه بين المعدومين ، لما وصل إلى المشنقة سأل : ما القصة ؟ الستة عشر معروف وضعُهم ، أما هذا الذي أُخِذ من الطريق ، لما تبيَّن أنه سوف يعدم قال : والله أنا قتلت قتيلاً في زماني ، ولم يعلم به أحد ، فهذا الشرطي ساقه الله إلى شخص مجرم فأخذه ، وكمل السبعة عشر : " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا " إياك أن تتوهم أن إنسانًا يميت إنساناً إلا أن يأذن الله عز وجل .

( سورة النساء : 78 ) .

بعض الشعراء العباسيين اسمه أبو العتاهية قال هذه الأبيات :

لا تأمنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسٍ     ولو تـمتعتَ بـالحُـجَّابِ والـحرسِ

واعلمْ بأن ســـهامَ الموتِ نافذةٌ      في كل مدرَّعٍ منـــــا ومـترسِ

أراك لست بوقاف ولا حذرٍ كــــ  الحافظ الخالق الأعواد في الـــغلسِ

ترجو النجاةَ و لم تَسْلُكْ مسـالكَها      إِن السفينةَ لا تجري على اليَـــبَسِ

" أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة "

           وهذه قصة رمزية تُروى للعبرة ، هي ليست قصة واقعية ، ذات مرة بمجلس سيدنا سليمان كان ملَكُ الموت جالسًا على هيئةٍ شخص ، وعنده ضيف ، فصار ملك الموت يحدق فيه تحديقاً غير طبيعي ، فقال لسليمانَ : من هذا ؟ فقال له : هذا ملَك الموت ، ولماذا ينظر إليَّ هذه النظرة الفاحصة ؟ فرجاه أن يبعثه إلى آخر الدنيا ، فرَّكبه في بساط الريح ، ونقله إلى الهند ، من الغرب إلى الشرق ، وفي اليوم الثاني  قُبِض هناك في الهند ، فسيدنا سليمان سأل ملك الموت : لماذا كنت تحدق فيه ؟ فقال له عجبتُ من وجوده هنا ، وأنا معي أمر بقبض روحه في الهند ، فلماذا أتى إلى هنا؟

        الإنسان قد يسافر إلى أجله ، فأم حبيبة ، من هي أم حبيبة ؟ زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ، وهي بنت أبي سفيان ، بماذا كانت تدعو ؟ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)).

(صحيح مسلم)

يعني يا ربّ ، أتمنى عليك أن تطيل أعمارهم حتى أتمتع بهم .

فهذا الدعاء لا أثر له . 

 ((قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)).

[صحيح مسلم] .

       هناك أدعية ليست ذات معنى ، مثلاً أسمعه أحياناً : يا رب لا تسألنا عن شيء ، إذا كان الله يقول في القرآن :

( سورة الحجر : 92 ـ 93) .

يا رب لا تسألنا ، فإياك أن تدعو بدعاء لا معنى له ، الآن نصف كلام العامة ماله معنى ، يا رب تأخذ من عمري وتضع في عمر ولدي ، لا يرد عليك ، كلام لا معنى له ، كمثل إخواننا الحلاقين يقص بالمقص عشر قصات بالهواء ، وقَصة على الشعر ، هذا كله لا اعتبار له ، يا رب تأخذ من عمري ، وتضع في عمر ولدي ، الله يطيل عمرك ، كلام فارغ، العمر لا يطول ولا يقصر ، ((قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)) ، عوِّدوا أنفسكم أن يكون الدعاء شرعي .

        يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ)) .

       إنسان خطب فتاة ، وهو غني جداً ، وكان له عمل متعلق بالخارجية ، أرسل في مهمة إلى واشنطن ، فهذا عَقَد قرانه عليها خارج المحكمة ، ويبدو هكذا اجتهد ، وذهب إلى واشنطن ، نزل من الطائرة ، وبينما هو واقف في غرفة المسافرين فجأةً مات في المطار ، لقد ركب سبع عشرة ساعة ليموت في واشنطن " وما تدري نفس بأي أرض تموت " .

      ولدينا دقيقة ، أحب أن أذكركم بها ، إنّ طريقة الموت مدروسة ، وأحيانًا تلخص كل عمرك، شخص ركّب صحنًا لتلفازه ، والصورة غير واضحة ، وشجرة كينا أغصانها أمام الصحن ، تحجب الصورة ، فوضعَ سلَّمًا ، وصعد على الشجرة ، وفي أثناء قص الغصن لم ينتبه فأمسك الغصن ، وقصه فوقع مع الغصن ، ونزل ميتًا ، هذا شهيد الصحن ، فكيف ، ولِمَ مات ؟ من أجل الصحن ، قد يموت مع (فلم إباحي) ، أعرف رجلاً صالحًا جداً مات في المسجد ، وهو ساجد ليلة القدر ، بعد أن أتم ختم القرآن الكريم ، فتأكَّدوا أن طريقة موت الإنسان تلخص كل حياته ، فليست قضية صدفة ، إنسان يموت في المرحاض أحياناً ، وإنسان يموت في معصية ، وإنسان يموت سارقًا ، وإنسان يموت زانيًّا ، وهناك رجلٌ قال لزوجته : أنا مسافر من أجل العمرة ، من منطقة الظهران ، فجاء نعشه من شرق آسيا ، وكان في وضع مشبوه ، والآن يسافرون ، ويسمونها سياحة جنسية ، إنه مصطلح جديد ، السياحة الجنسية بسافر ليزني ، فهو أعلن أنه مسافر إلى العمرة ، فذهب في سياحة جنسية ، وكذب على الله ، كما كذب على أهله ، فموت الإنسان يلخص حياته كلها ، والموت مقدَّر بحادث مبرمج تماماً .

        روى الإمام أحمد والترمذي في صحيحهما عَنْ أَبِي عَزَّةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ فِيهَا أَوْ قَالَ بِهَا حَاجَةً)) .

أيها الإخوة ، في حديث صحيح دقيق جداً يروي كيف يقبض المؤمن وكيف يقبض الكافر .

        فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : ((اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ ـ يعني إذا انتهى أجله ـ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ  ـ مواد عطرة ـ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ - هذه النفس - تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا ـ هي تنزل قطرة بسلاسة ببساطة بلا صوت ، بلا منازعة ـ فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي قَالَ وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ ـ متعلق في الدنيا منقطع عن الآخرة ، أما المؤمن متعلق بالآخرة منقطع عن الدنيا ـ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ ‏ـ يعني روحه تتوزع في جسده ـ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ ـ نسيج يشتعل ـ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ)).

(مسند أحمد)

       فمثلاً أدخلْ قطعة خشب عليها مسامير بقدْر ألف مسمار ، أدْخلها في صوف ، وحرِّكها ، فقد جمعت كل هذا الصوف ، ثم اسحبها فمستحيل أن تسحبها وحدها ، فتقطع معها العروق والعصب ، هذه حال أهل الكفر عند الموت ، لذلك المؤمن حينما يموت يقول لم أر شراً قط ، حينما يرى مقامه في الجنة ، والكافر حينما يموت يقول : لم أر خيراً قط ، قد يكون دُعِيَ إلى ثلاثمائة وثمانين وليمة ، وكل وليمة أطيب من الثانية ، يقول لم أر خيراً قط ، قد يكون ساكنًا في أجمل بيت ، ويركب أجملَ مركبة ، وعنده أجمل زوجة ، ويتمتع بأكبر مكانة ووجاهة ، لم أر خيراً قط ، والمؤمن قد يكون فقيرًا ، قد يكون مريضًا ، وقد يعاني مشكلات كثيرة ، فإذا رأى مقامه في الجنة يقول : لم أر شراً قط ، وإليكم الآية الكريمة :

( سورة الواقعة : 83 ـ 85 ) .

يعني أهله حوله ، منهم مَن يضع يده على جبينه ، والثاني يا أبي هل أنت متضايق ، سلامتك ، أولاده حوله ، وأيديهم فوق جسمه . " إذا بلغت الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون .

( سورة القيامة : 26 ـ 30) .

            وقد ترى جنازة محمولة ، هذه ليست جنازة ، بل هو عبد ذاهب إلى ربه ليحاسب عن كل أعماله ، عن كل أقواله ، عن كل دخله ، عن كل إنفاقه  عن زوجته ، عن بناته ، عن أولاده، عن كل كذبة كذبها ، عن كل نظرة اختلسها ، عن كل درهم أخذه حراماً ، عن كل ابتسامة ساخرة " فوربك لنسألنهم أجمعين ، عما كانوا يعملون " ثم لا يُؤذَن لهم فيعتذرون ، وليست أمامه دورة ثانية ، وليس له رب ارجعون  .

( سورة القيامة : 28 ـ 38) .

أما المؤمن في هذه الساعة الحرجة :

( سورة فصلت : 30 ـ 32) .

والآية الأخيرة :

( سورة الأنفال : 50 ) .

        في الدنيا إذا اعتُقِل المجرم يمكن من باب بيته للسيارة قد يُصفَع خمسين صفعة " يضربون وجوههم وأدبارهم " أما إذا كان الإنسان مدعوًّا لاحتفال ، وهو ضيف الشرف ، يستقبلونه ، ويفتحون له الأبواب ، وقد فرشوا له سجادًا ، ويجلسونه أولاً في قاعة الشرف ، وقد تُقدَّم له كأس عصير ، والورود أمامه ، والفرق كبير شاسع بين واحد سيق ليحاكم ، وإنسان دُعِي ليكرم .

( سورة الزمر : 71 ) .

         من قبل أن يقرع الباب فتحوه ، ضيف عظيم مفتوحة له الأبواب كلها ، يعني كل شيء مهيأ لاستقباله ، فشتان بين مَن يساق إلى الله وفداً ، وأن يساق المجرم إلى ربه ورداً ، قد بكون أشخاص محكومون بأشغال شاقة ، وردًا ، فيُؤخذون عشرة عشرة ، فرق بين أن يساق الإنسان إلى الجنة وفداً ، وبين أن يساق ورداً .

إن شاء الله في درس قادم نتابع هذا البحث .

           أيها الإخوة الكرام ، أنا ملتزم بالآيات والأحاديث الصحيحة ، كثيرة الأشرطة ، والدروس عن اليوم الآخر ، هناك أحاديث ضعيفة ، أو أحاديث موضوعة كثيرة ، وقد تكون  مؤثرة جداً ، لكنْ هذا دين ، إن هذا العلم دين ، فلا يحتمل إلا الآية ، أو الحديث الصحيح ، فأنا إن شاء الله في هذه الدروس وقد تطول عن يوم الآخر ، فأنا ملتزم بالآيات والأحاديث الصحيحة، والتعليقات التي قالها العلماء حول هذه الرحلة التي لابد منها ، نحن كلنا محكوم علينا بالموت مع وقف التنفيذ ، تمشي بالطريق فلان مات ، رحمة الله عليه ، اليوم مات عميد كلية كذا ، اليوم الطبيب الفلاني ، اليوم فلان عميد أسرتهم ، اليوم الشابة الفلانية ، اليوم الشاب فلان ، أنت تقرأ صفحات النعي كل يوم ، لكن لابد من يوم يقرأ الناس فيه نعيَك ، دخلتُ مرة في المغرب محلاً تجاريًا فقرأتُ عبارة فيه : [صلِ قبل أن يُصلَّى عليك] ، لابد أن يقرأ الناس نعيَك في أحد الأيام ، وهذا مصيرنا جميعاً من دون استثناء .

        الآن في معنى دقيق أختم به هذا الدرس ، حكاية طالب من أول يوم بالعام الدراسي ، وواقع الامتحان أمامه ، قرأ الدرس ، ولخصه ، وكتب التلخيص على دفتر ، وناقش أسئلته ، تُرى لو جاء هذا الموضوع فكيف أجيب ، احتلّت ساحة نفسه قضية الامتحان ، فهو يستعد له ليلاً ونهاراً ، صباحاً ومساءً ، في المدرسة وفي البيت ، وفي الطريق ، وهو نائم ، وقائم ، وبالليل ، وحينما يقرع جرس المادة الأولى يوم الخامس حزيران مثلاً ، فقد هيَّأ نفسه ، وكل وقته السابق مشغول بهذا اليوم ، ومستعد للمواد كلها ، وحلَّ مسائل  ودارس لغة عربية ، ودرس الرياضيات، الامتحان ليس مخيفاً عنده ، بل ممتع ، لأن كل هذا الجهد خلال تسعة أشهر من أجل هذه الساعة، أولاً : مجيء الامتحان متوقع ، وهو مستعد له ، دقِّقْ في حال المؤمن ، هو مؤمن يصلي ، ويصوم ، ويحج ، ويزكي ، ويغض بصره ، ويضبط لسانه ، ويضبط جوارحه ، أب محسن ، زوج محسن ، ابن محسن ، لصنعته متقن   ، صادق لا يكذب ، له أوراده ، له تلاوته ، له أعماله الطيبة ، كل أعماله فيها خير ، فهذا إذا جاءه ملك الموت ، هل هو في محنة ؟ لا والله ، الموت تحفته ، والموت عرسه ، وسأذكركم بحديث شريف : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) .

(متفق عليه)

        فرح مضاعف ، يفرح يوم يلقى الله ، لأن كل حياته استعداد لهذا اليوم ، كل سعيه استعداد لهذا اليوم  يوم الفرح ، وعَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام : ((وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَابَ)) .

(البخاري)

 بعد فترة الموت لم يبق شيء ، لا كرب على أبيك بعد اليوم .

           بنت سيدنا بلال قالت كما قالت فاطمة ، قالت : ((وا كربتاه يا أبتِ عندما جاءه ملك الموت ، فقال : لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه)) .

        مرة وقع تحت يدي كتاب لعالم جليل في تركيا ، ألف كتيبًا صغيرًا عن التقيد بالسنة ، ونبذ تقاليد الغربيين كالبرنيطة ، وما شاكل ذلك ، وجرتْ تطورات في تركيا ، فصار ممنوعًا ارتداء اللفة ، وأرغموا الناسَ باللباس الغربي ، فهذا الذي ألف هذا الكتاب سيق إلى المحكمة ليحاكم ، فقد أخذ رخصة لطباعة الكتاب ، والكتاب وفق الأنظمة ، لكن هناك تعسف ، فيروي زميله في السجن أنه كتَب مرافعة من حوالي ثمانين صفحة ، جاء فيها : لم أخالف ، فأولاً أخذت موافقة مسبقة ، ونشر الكتاب بموافقة وزارة المعارف التركية ، ولست مذنبًا ، يقول صديقه في السجن : إنه مرة استيقظ بحالة فرح عجيبة ، لم يعهدها منه ، الوضع غير طبيعي ، ومزق كل أوراق المرافعة ، ثمانين صفحة التي كتبها خلال شهر ، فما القصة يا فلان ؟ قال له : رأيت رسول الله فقال لي : أنت ضيفنا اليوم ، فمزق الورق ، واستبشر ، وما رآه في حالة أسعد من هذه الحالة ، في اليوم الثاني أُعدِم من أجل الكتاب ، قصة قرأتها ، تأثرت لها ، فالإنسان عندما يشعر أنه دخل الجنة ، فلا أحد في مثل فرحته يقول صديقه : أنا رأيته بحالة من حالات السعادة ، والانطلاق ، والسرور كهذه الحالة ، لأنه قال له : أنت ضيفنا اليوم ، هناك حالات حين يتجلى ربنا عليك ، وتذوق طعم القرب ، تستحضر الموت عندئذٍ ، والصحابة ذاقوا هذا ، ولقد لفت نظري أنني قرأت تاريخ سبعين صحابيًّا بينهم قاسم واحد مشترك عجيب ، أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم ساعة الموت .

         والنبي صلى الله عليه وسلم تفقَّد سعدَ بن الربيع ، فقال : أين سعدُ ، لا يعرفون أين هو ، فتبرع صحابي أن يرجع إلى ساحة المعركة وكان ذلك في معركة أُحُدٍ ، فذهب أحدُ الصحابة إلى ساحة المعركة ، فرآه بين القتلى ، لكنه لم يمتْ بعد  ، بل هو على وشك الموت ، قال له : يا سعد ، أنت مع الأحياء ، أم مع الأموات ؟ قال له أنا : مع الأموات ، قال له : أرسلني النبيُّ لأتفقدك ، اسمعوا ماذا قال له ، وهو في حالة نزاع واحتضار ، وقد مرة سألت طبيبًا أيقن أحدٌ بالموت في شأنه ، قال لي يضرب حاله ، ويندب حظه ، وينادي : يا زوجتي ، يا أولادي ، مرة أخ من إخواننا يعمل مضيفًا في طائرة ، وكانت على وشك السقوط ، قال لي : رأيت شيئًا لا يصدق ، رأيت ناسًا قتلوا حالهم ، وناسًا ولولوا ، وآخرين مزقوا ثيابهم ، وبعضهم صاحوا ، شيء غير طبيعي ، ليس معقولاً ، يحاول تهدئة الركاب ، فالوضع عصيب جداً ، وقائد الطائرة كذلك يهدئهم ، فوجد شخصًا هادئًا في أحلى هدوءٍ ، فطلب منه أن يقنعهم بالهدوء ، فوجده مغمى عليه ، هذا الوحيد في حالة إغماء ، سيدنا سعد بن الربيع لما قال له : أنا مع الأموات ، اسمعوا ماذا قال ، قال له : أبلغ رسول الله مني السلام ، وقل له : جزاك الله خيرَ ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه : لا عذر لكم إذا خَلُص إلى نبيكم ، وفيكم عين تطرف ، إنسان بهذا الهدوء ، بهذا الوعي ، بهذه السعادة ، ويقول : جزاك الله خيرًا ، مات في معركة أُحُد ، وهو يقول : جزاك الله خيرًا ، رأى مقامه في الجنة ، لأنه بفضل هذا النبي الكريم ، وبفضل هذا التوجيه الحكيم ، وبفضل هذا الشرع العظيم ، رأى مكانه في الجنة ، قال له : أبلغ رسول الله مني السلام ، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته ، وقل لأصحابه : لا عذر لكم إذا خَلُص إلى نبيكم ، وفيكم عين تطرف ، فأنت راقب مَن يموتون ، تجد المؤمن مستبشرًا ، واللهِ حدثني أخ طبيب فقال: جاءنا مريض معه سرطان في الأمعاء ، وسرطان الأمعاء فيه آلام لا تحتمل ، قال : هذا المريض مؤمن ، كلما دخل إنسان يزور هذا المريض يقول له : اشهدْ أنني راضٍ عن الله ، يا ربي لك الحمد ، وقال لي : الغرفة عجيبة ، منورة ، إذا دقَّ الجرس يتدافع الأطباء لخدمته ، شيء مؤنس ، روحانية ملموسة في هذه الغرفة ، وقال لي : آلام السرطان لا تحتمل ، وبقي يومين أو ثلاثة أيام ، ثم مات ، كلما دخل عليه إنسان يقول : اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا ربي لك الحمد ، قال لي : من غرائب الصدف ، وكدرس بليغ أراده الله لنا جاء مريض بعده بالمرض نفسه ، وفي الغرفة نفسها ، ما ترَك نبيًّل إلاّ سبَّه ، قال لي : والعياذ بالله وحش ، يسب الأديان ، ويسب الأنبياء ، وريحهُ كريهة ، ويدقُّ الجرس مرة ، ومرتين ، وخمسًا فلا أحد يردُّ عليه ، يخافون منه ، ثم قال لي : إنّ الله سبحانه أطلعنا على رجلين بمرض واحد ، وآلام واحدة ، كيف استقبل المؤمن مرض الموت ، وكيف لقي الله عز وجل ، وكيف استقبل هذا الإنسان الشارد مرض الموت ، وكيف لقي الله عز وجل .

          يا أيها الإخوة ، والله الذي لا إله إلا هو فأنا أنصحكم من حين لآخر أن تتبعوا جنازة ، وأن تقفوا عند القبر ، هذه اللحظة الحرجة يفتحون النعش ويحملون الجثة ، أين نام البارحة ؟ على سرير بغرفة النوم ، وشرشف نظيف ، ولعلّ الوسادة مِن ريش النعام ، ومسبل لطيف ، وعنده مكيف ، وأين سينام الليلة ؟ تحت الأرض ، وضعوا الرقائق ، وأهالوا التراب ، أنا أعرف شخصًا شديد النظافة لدرجة تفوق حد الخيال ، لما وضَع الحفار الرقائق ترك فرجة صغيرة ، فلما أهال التراب عليه ، أظن أنه قد  نزل فوق رأسه تراب كثير ، فأين نظافته ؟ لكن هذا هو الواقع ، فكل بطولتنا ، وكل ذكائنا ، وكل عقلنا ، وكل توفيقنا ، وكل تفوقنا ، للاستعداد لهذا اليوم الذي لابد منه .

يقول سيدنا عمر : ((كفى بالموت واعظاً يا عمر)) .

إذًا الموت يؤدِّي إلى انضباط ، وإلى خوف ، وإلى التزام ، وإلى تحري الحلال ، فالهدف واضح، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ)) .

(الترمذي)

إنّه أمرٌ نبويٌّ ، أكثروا ذكر هاذم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات .

عش ما شئت فإنك ميت .

وأحبب ما شئت فإنك مفارقه .

واعمل ما شئت فإنك مجزي به .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi