English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 5 / 9    من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : الإيمان باليوم الآخر .أهمية حدث الموت وساعته .

تفريغ المهندس  : عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ،        اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس من دروس اليوم الآخر .

         أيها الإخوة ، بينما كنت في طريقي إليكم قبل دقيقتين ، أخ كريم أبلغني أن صديقاً له في رَيْعان شبابه ، ولا يشكو من شيءٍ إطلاقاً ، وهو يحفظ كتاب الله قد توفي ، والشيء الغريب خلال هذا الشهر أنّ عددًا لا يستهان به ممن أعرفهم ، وهم في أوج صحتهم ، ونشاطهم ، وحيويتهم ، وفي سنٍ صغيرة توفوا ، فهذا الموت الفجائي يكثر إلى درجة مذهلة ، والله الذي لا إله إلا هو من هذه الملاحظة المقلقة كانت هذه الدروس ..

( سورة آل عمران )

       هذا الموت بين أن يكون تحفةً لك ، وأن يكون عُرْساً لك ، وأن يكون أسعد لحظةٍ في حياتك ، وبين أن يكون أكبر مصيبةٍ على الإطلاق ، لأنه خروجٌ من كل شيء إلى لا شيء ، بل إلى عذابٍ لا يحتمل، بينما المؤمن يخرج من الدنيا إلى الآخرة ، يخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا .

       الرحم حجمه سبعمائة وخمسون سنتيمترًا مكعبًا ، فالرحم بحجم البيضة قبل الحمل ، ثم يصبح حجمه سبعمائة وخمسون سنتيمترًا مكعبًا ، فجنين كان في سبعمائة وخمسين سنتيمترًا مكعبًا يخرج إلى الدنيا ؛ إلى خمس قارات ، وينتقل من أمريكا ، إلى اليابان مثلاً ، وقد يكون رائد فضاء ، فيصل إلى القمر ، وازن بين سبعمائة سنتيمتر مكعب ، وبين رائد فضاء وصل إلى القمر، هل يوازن حجم الرحم مع حجم الدنيا ؟ وفي الأثر : ((ينتقل المؤمن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا)) .

       أيها الإخوة ... أعيد وأقول : لا يستطيع أحدٌ على وجه الأرض أن ينكر حدث الموت ، لأنه ما من حدثٍ مستقبليٍ أشد واقعية كالموت ..

( سورة الزمر )

       عش ما شئت فإنك ميِّت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به ، الموت يأتي فجأة والقبر صندوق العمل ، أنا هدفي الوحيد من سلسلة هذه الدروس ألاّ نكتفي أن نؤمن بالموت ، بل أن نستعد له ، نستعد له بالتوبة النصوح ، نستعد له بالعمل الصالح ، نستعد له بالبذل والتضحية ، لذلك إن شاء الله أرجو الله عز وجل أن ينفعنا بهذه الدروس .

مشهدٌ من مشاهد الموت

        قال تعالى :

( سورة الواقعة )

       المريض على فراش الموت ، وأولاده حوله ، أحد أولاده يجسّ نبضه ، وأحد أولاده يضع يده على جبينه ، يتلمَّس حرارته ، وآخر من أولاده يفكر ، هل يموت اليوم ، أو لا يموت ؟

( سورة الواقعة )

       أي : هل يستطيع أحدٌ في هذه اللحظة أن يرجع الروح إلى البَدَن ؟

 

       أيها الإخوة الكرام ...

( سورة القيامة )

       كلما وقعت أعينكم على جنازة اسألوا أنفسكم : مَن في هذا النعش وإلى أين يسير ؟.

( سورة القيامة )

       أتمنى على بعض الإخوة الكرام ، أو عليكم جميعاً ، أن تأخذوا من القرآن الكريم مشاهد الموت ، وتجعلوها نصب أعينكم ، لا لكي تقف الحياة ، بل لكي تتألق الحياة ؛ كي تتألق الحياة باستقامة المؤمن على أمر ربه ، كي تتألق الحياة ، وينقل المؤمن اهتماماته من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية .

       أولاً : مما ورد في الحديث الشريف أن المؤمن يرى مقامه في الجنة عند الموت فيقول : لم أر شراً قط ، وأن الكافر يرى مكانه في النار فيقول لم أر خيراً قط ، وأن الكافر فيما قرأت حينما يرى مكانه في النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا .

        ولتستمع لقوله تعالى في الآيات التالية :

( سورة فصلت )

       هذا حال أهل الإيمان ، فالملائكة يبشِّرونهم بالجنة ، وأما حال أهل الكفران .. فالملائمة يضربون وجوههم وأدبارهم ، قال تعالى :

( سورة الأنفال )

       اليوم كان درس في جامع الطاووسية ، وعقب نهاية الدرس ، جاءني أخٌ كريم ، وعرض علي سؤالين ، ظن أن هناك تناقضاً كبيراً بين آيتين : الآية الأولى :

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       ثم قال لي هذه الآية الأولى ، وهي واضحة ، ثم قال : فماذا نفعل بالآية الثانية :

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

         ما دام هناك دعاء ألاّ يحملك الله ما لا طاقة لك به ، فمعنى ذلك أن الله يمكن أن يحمل الإنسان ما لا طاقة له به ، فكيف نجمع بين الآيتين؟

       قلت : كل آية لها معنىً مستقلٌ عن الآخر ، الآية الأولى :

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       أي أن كل التكاليف الشرعية في وسع الإنسان ، فالله ما منعك من أن تتزوج ، ولكن منعك من الزنا ، ما منعك من أن تأكل ، ولكن منعك من أكل المال الحرام ، ومِن أكل الطعام الذي اشتريته بمالٍ حرام ، ما منعك أن تكسب المال ، ولكن سمح لك بالكسب المشروع ، فما مِن شهوةٍ أودعها فيك إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها ، فما كلفنا فوق طاقَتِنا ، حتى العبادات ، ما كلفك أن تصلي ألف ركعة في اليوم ، خمس أوقات فقط ، ما كلفك أن تصوم مائتي يوم ، كلَّفك أن تصوم ثلاثين يوماً في العام ، وإن كنت مريضاً فلك أن تُفطر ، وإن كنت مسافراً فلك أن تفطر ، فما من تكليف شرعي إلا وضمن وُسْع الإنسان .

        لكن بالمناسبة إياك ثم إياك ثم إياك ، أن تقول : هذا التكليف فوق طاقتي ، لأن وسع الإنسان لا تحدده أنت ، بل يحدده الله عز وجل ، فلو قلت : أنا لا أستطيع أن أصوم في الصيف ، يُمنَع أن تدلي بالرأي في الوسع ، وسع الإنسان يحدده رب الإنسان الذي خلَقه ، ويعرف مدى طاقته ..

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       الآية واضحة ، فأي إنسان يقول لك : لا أستطيع ، كأنْ يقول لك مثلاً : أين أذهب بعيوني، ويقول : كيف أعيش ولابد من أكل المال الحرام ، يقول: لابد من أن أغش لأن عندي أولادًا من أين أطعمهم ؟ هذا كلام مردودٌ ، وكأنه رد للقرآن الكريم ..

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       ما أمرك أن تدفع مالك كله زكاةً ، لا ، بل اثنان ونصف في المائة في العام ، فالصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة كله في وسع الإنسان ، هذا معنى الآية .

        أما :

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       الإنسان حينما يختار المعصية ، وحينما يختار أن يظلم الناس ، وحينما يختار أن يبتزَّ أموال الناس ، وحينما يزني ويعتدي على أعراض الناس ، وحينما يفعل الشر ، وحينما يتغطٍرس، وحينما يكون سبباً لهلاك الكثير من الناس ، في حروب ، كالحرب العالمين الثانية ، انتهت بخمسين مليون قتيل ، هؤلاء الذين سببوا هذه الحروب من أجل مصالح شخصية ، ومن أجل غطرسةٍ واستيلاءٍ وسيطرة ونفوذ ، تركوا خمسين مليون قتيل ، فالإنسان حينما يُجْرِم ، وحينما يعتدي ، وحينما يظلم ، قد يأتيه عذابٌ لا يحتمله ، هذه الآية الثانية ، لا تحملنا بسبب أخطائنا ، وبسبب ذنوبنا ، وبسبب معاصينا ، وبسبب ظلمنا ما لا طاقة لنا به .

          والله التقيت مرة بإنسان قال لي : أكاد أموت ، معي مرضٌ خطير في القلب ، ومرض خطير في الجهاز الهضمي ، وقال : أدوية القلب تؤذي جهاز الهضم ، وأدوية جهاز الهضم تؤذي القلب ، فأنا لا أستطيع أن أتناول أي دواء ، والآلام لا تحتمل .

        فالإنسان حينما يرتكب الفواحش ، ويرتكب الذنوب ، فمرض الإيدز وحده ، تحمُّله فوق طاقة الإنسان ، والله هناك أمراض أيها الإخوة يكاد الإنسان من شدة الألم يعوي كالكلاب ، هذا معنى قوله تعالى :

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       بل إن الله عز وجل يعجب ويقول :

( سورة البقرة )

       هل تحملتم يا أيها الإخوة : الستة والأربعين درجة حرارة قبل أسابيع ؟ كنت في عقد قران، فقام أحد العلماء يلقي كلمة ، قال له : يا رب لا نحتمل حر الشام فكيف بحر النار ؟ كلام لطيف ، لا نحتمل حر الشام فكيف بحر النار ؟ قال:

( سورة البقرة )

       إذاً : المؤمنون يُبَشَّرون ، والكفار يرون مكانهم في النار فيصيحون صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا .

       الآن ، قال تعالى :

( سورة ق )

       الإنسان قد يشرب الخمر فيسكر ، وقد يطرب فيسكر ، هؤلاء الذين يحبون بعض المغنين، لو التقوا بهم شخصياً وطربوا ، قد يضربون أنفسهم ، وقد يرمون ببعض أمتعتهم من شدة الطَرَب، وبالمناسبة ورد في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ)) .

( متفق عليه)

       والمؤمن يطرب لسماع كلام الله ، ويتأثر به ، كما لا يطرب أعظم مدمني الغناء إدماناً على أغانيهم ، المعنى الأول سكرة الخمر ، سكرة النشوة ، سكرة ... أما هنا فنحن أمام معنى آخر :

( سورة الحج )

        هذه سكرة الخوف ، هذه سكرة الفَزَع ، هذه سكرة الدَهْش ، حدَّثني أخٌ شهد زلزال القاهرة، قال لي : والله ، زوجته من شدة الفزع أمسكت حذاء زوجها وظنَّته ابنها ، حملت الحذاء وولت هاربة إلى الطريق من شدة الفزع ، وهي تتوهَّم أنها تحمل ابنها ، كم هي مضطربة وخائفة؟!

        في تركيا قبل أسبوعين أو ثلاثة وقع زلزال بسيط ، شدته ثلاثة درجات على مقياس رختر ، مائة شخص وزيادة ألقوا بأنفسهم من الشرفات ، ومن طوابق عُليا من شدة الخوف ، فنزلوا ، وقد تكسرت عظامهم ، من شدة الخوف ..

( سورة الحج )

       هنا معنى قوله تعالى :

( سورة البقرة : من آية " 286 " )

       أي إذا كنت لا تقوى على تحمل هذا العذاب ، فكيف تعصي الواحد الديَّان ؟ .

( سورة ق )

       بالمناسبة أيها الإخوة ، طريقة الموت لا يمكن أن تكون عشوائية ، ولا بالصدفة ، طريقة الموت يحددها رب الإنسان ، ويلخص بها عمله كله. أنا أعرف رجلاً له أعمال صالحة تفوق حدَّ الخيال ، له إنفاق لا يصدَّق ، له تواضع ، له مؤاثرة وتضحية لدرجة عالية جداً ، عاش ثمانين عاماً ، وفي رمضان وقد ختم القرآن ، وفي ليلة القدر وهو في المسجد وهو ساجد قبضه  الله عز وجل إليه .

        وهناك أناس آخرون ، ادَّعى رجل في الهند أنه نبيٌ بعد رسول الله ، وقد اجتاحت الهند موجة كوليرا عارمة ، فمن تبجُّحه قال : لأنني نبي لا أصاب بهذا المرض ، فما الذي حدث ؟ أنه أصيب بهذا المرض ، ووجدوه ميتاً في المرحاض ، في دورة المياه ، في الحمام . فموت الإنسان يلخص عمله في الدنيا كلها .

       وذات مرة كنت في تعزية ، وجلس إلى جانبي عالم جليل من خطباء دمشق اللامعين ، أنا لا أزكِّي على الله أحداً ، ولكنني أحسبه صالحاً ، وجريئاً ونزيهاً ومستقيماً ، وكان بيني وبينه ودٌ شديد ، فجلس إلى جانبي ، وسألته عن صحته ، لا يشكو شيئاً ، خرج من بيت التعزية ، فما إن مشى عدة أمتار حتى رآه أخٌ لا يعرفه إطلاقاً ، ولا يعرف اسمه ، ويسكن إلى جوار بيت التعزية، قال له : يا أستاذي أتحب أن أوصلك إلى بيتك ؟ قال له : بارك الله بك يا بني إذا شئت . وهذا الأخ يسكن إلى جوار بيت التعزية ، أوصله إلى مدخل البناية ، هذا الشيخ الجليل صعد الدرج ، بيته في الطابق الرابع ، وفتح الباب ، وذهب إلى غرفة النوم ، وخلع عمامته ، وخلع جبته ، واستلقى على السرير ، وسلَّم روحه إلى بارئها ، فلو أراد أن يستأجر سيارة عامة ، لا يمكن إلا أن يموت في السيارة ، لكرامته عند الله عز وجل جعله يموت على سريره وبين أهله ، فالموت حقٌّ ، ولكن قد ورد : " صنائع المعروف تقي مصارع السوء " .

        مرة كنت ذاهباً إلى عملي في أحد أسواق دمشق ، رأيت أمام قصر العدل جثة وقد جللت بقماش ، سألت عنها ؟ فأخبرت أنها لإنسان توفي في هذا المكان فجأة ، ذهبت إلى عملي وعدت الساعة الرابعة ، ولا زالت هذه الجثة في مكانها تنتظر القاضي الشرعي ، أهذه ميتة ؟.

        أعرض عليكم أنواعاً كثيرة من طرائق الموت ، صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، إنسان يجلس أمام التلفاز ، وجد أن الصورة قد اختفت ، فصعد إلى السطح حيث الصحن موجود ، فرأى أن هناك سارقًا يسرق الإبرة ، فتعارك معه ، وتلقى لكماتٍ منه ، فوقع مغشياً عليه ، وأصيب بأزمة قلبية ، فمات ، لأن الصورة اختفتْ ، وهذه ميتة كذلك .

        وإنسان آخر ، اضطربت الصورة ، فتبيّن أنّ هناك غصنًا شجرة يأتي أمام الصحن ، ويحجب الصورة ، فجاء بسلم ، وصعد على السلم ، وأمسك بالمنشار وقطع هذا الغصن ، لم ينتبه أنه متمسك بالغصن نفسه الذي يقطعه ، فلما انتهى من قطعه سقط فنزل مع الغصن ميتاً ، وهذه ميتة أيضاً ، فرأينا ميتة بالمرحاض ، وميتة في سبيل الصورة ، والفيلم الرائع حيث اضطربت الصورة ، وميتة في المسجد في ليلة القدر ، وقد أنهى ختمَ القرآن ، وغيرها كثير ، هذا الموت ، طريقة الموت تلخيصٌ لحياتك كلها ، هل تصدق أن الميت أحياناً ، أو الذي على مشارف الموت مهما لُقن (لا إله إلا الله) لا يلفظها أبداً ، فأن ينطق الإنسان بالشهادتين بيسرٍ وراحة ، وأن يستسلم لرب العالمين ، وأن ينتقل إلى الدار الآخرة انتقالاً رائعاً ، فهذه علامة الإيمان .

        يا أيها الإخوة ... والله الذي لا إله إلا هو لا أجد إنساناً أعقل ولا أذكى ولا أشد توفيقاً من هذا الذي يعد لهذه الساعة التي لابد منها ، إذاً سكرة الموت مخيفة جداً . وحسبما يقول العلماء : حتى الأنبياء ما نجوا من سكرة الموت :((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) .

( متفق عليه عن عائشة )

       فسكرة الموت للمؤمن آخر شيء مزعج في حياته ، وبعدها جنة عرضها السماوات والأرض ، أما سكرة الموت للكافر فأقل شيء مزعج لما سيأتي ، فبين أن يكون الموتُ أكبر شيء مزعج في كل حياته ، وبين أن يكون أقل شيء مزعجٍ لما بعد الموت ، ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) .

( سورة ق )

       مرة ثانية يا إخواننا الكرام ... الحقائق التي جاء بها الأنبياء تُكْشَف لك كلها عند الموت ، ولكن إن كُشِفَت لك وأنت حي تنتفع بها ، أما إن كشفت لك بعد الموت فلا قيمة لها ، حتى الكفار، حتى فرعون يؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، ويقول : أنا من المسلمين ، ولكن بعد فوات الأوان .

       فبربكم لو أن طالباً لم يكتب شيئاً في الامتحان ، فلما خرج من الامتحان ، راجع الأسئلة في الكتاب فعرف الإجابة ، فأرسل كتابًا إلى وزير التربية : أن يرجى إدراج اسمي مع الناجحين، لأنني عرفت أجوبة الأسئلة بعد الامتحان ، ما قولكم ؟!! هذا يحتاج إلى مشفى الأمراض العقلية ، فكل إنسان عند الموت تُكشَف له الحقائق ، ولكن لا ينجح الإنسان إلا إذا كشفت له في الوقت المناسب .

       إخواننا الكرام ... يقول الله عز وجل :

( سورة الأنعام )

       هذه آيةٌ أيضاً تصف حالة الكافر عند الموت ، لكن كما قلت قبل قليل : ما يصيب المؤمن في أثناء سكرة الموت ، هو آخر شيء يصيبه من متاعب الحياة ، لما ثَقُلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا الحديث في صحيح البخاري ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام : ((وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ...)) .

( سورة النحل )

       ذات مرة وقعت قصة منذ أربعين سنة تقريباً ، إذْ ارتأت وزارة التربية أن تكرم الناجحين، وهي تكرمهم كل عام تقريباً ، فأكرمت الأوائل في الشهادة الثانوية ، ودعتهم إلى حفل راقٍ جداً ، وحضره رئيس الجمهورية ، وهذا منذ أربعين سنة ، ولقد أكرموهم ، وأطعموهم أطيب الطعام ، وأثنوا على ذكائهم ، وتفوقهم ، وهذا الحفل ترك في نفسي أثراً أن الطالب درس وتعب ، وأجبر نفسه على الدراسة ، وترك النزهات ، وترك الجلسة مع أهله ، وتابع ،  فلما وصل إلى هدفه ، اختلف الموقف ، كان موقف بذلِ جهد فصار موقف تكريم ، تقريباً الدنيا دار تكليف والآخر دار تشريف ، الدنيا دار عمل والآخر دار جزاء ، الإنسان بعد التعب الشديد ، يلقى نتائج عمله ، في بعض البلاد إلى الآن الأوائل في الشهادات تقام لهم حفلة تكريمٍ عاليةٍ جداً ، ويتسلمون شهاداتهم من يدِ أعلى شخصية في بلدهم ، هذا من باب التكريم ، والمؤمن كذلك ..

( سورة الزمر : من آية " 73 " )

       لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة الزهراء :"يا أبتاه ، أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه" ،فلما دفن عليه الصلاة والسلام قالت لأنسٍ الذي شارك في دفنه : " يا أنس ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ؟!! " .

       أيها الإخوة ... يروي الإمام مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :" ألم تروا إلى الإنسان إذا مات شخص بصره ـ أي فتح عينيه ونظر إلى الأعلى ـ قالوا : بلى . فقال صلى الله عليه وسلم : فذلك حينما يتبع بصره روحه " .

        وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة ، وقد شق بصره ـ أي شخص بصره إلى أعلى ـ فأغمضه صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن الروح إذا قبضت تبعها البصر .

         لذلك من السنة إذا مات لأحَد المسلمين قريب ، وكانت عيناه مفتوحتين ، أن يغمضهما ، فإذا وضع الإنسان يده على عيني الميت أسبل الجفنان ، وكأنه أغمض عينيه ، وهذا من السنة ، أما لماذا فسَّر النبي شخوص البصر بأن الروح إذا صعدت إلى بارئها تبعها البصر ، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأبي سلمة .

        ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون".

       أتمنى على كل إنسان أن يعلِّم أهله ، فبعض النساء الفاجرات إذا مات أزواجهن يقلن : الجسر انهد ، قالت امرأة بعد أن مات زوجها : ما عرفته رزَّاقاً ، بل عرفته أكالاً فقط ، فالرازق هو الله عز وجل .

        يروى أن عالماً جليلاً صالحاً من أهل البصرة ، تمنى أن يحج بيت الله الحرام ، فاستشار أولاده ، وهو معه مال يكفيه كي يحجَّ بيت الله الحرام ، وليس معه مال يكفي لنفقة أهله في غيابه، فتاقت نفسه للحج فاستشار أهله ، فرفضت زوجته ، وأولاده رفضوا ، عنده بنتٌ صالحة جداً ، قالت : يا أبت اذهب ، واللهُ لن ينسانا من فضله .

        وبالطبع أنا لا أقول هذه القصة تشريع ، إياكم أن تقلدوها ، فالإنسان إذا أراد أن يحج بيت الله الحرام ينبغي أن يمتلك نفقةً له في الحج ، ونفقة لأهله في غيبته ، هذه هي السنة ، يجب أن تفرقوا دائماً بين الحكم الشرعي والموقف الشخصي ، أحياناً هناك موقف شخصي ، سيدنا الصديق حينما شرب اللبن تقيَّأه ، ولا يكلف أي مسلم إذا علم بعد أن أكل طعاماً أنه حراماً أن يتقيأه ، سيدنا عمر لما هاجر تحدى المشركين ، وقال : مَن أراد أن تثكله أمه فليتبعني بهذا الوادي ، هذا موقف شخصي ، أما النبي الكريم فقد خرج في الليل تحت جنح الظلام ، وسار مساحلاً ، واختبأ في غار ثور ، ولو أن النبي هاجر كما هاجر عمر لعدَّ أخذ الحيطة حراماً ، ولعدَّ اقتحام الأخطار واجباً ، ولهلكت أمته من بعده ، دائماً تتبع الحكم الشرعي ، ولكن الموقف الشخصي ، هذا موقف إنْ نجح فاعلُه فبها ونعمت ، وإلاّ فصاحبه مسؤول ، فالحكم الشرعي أن تؤمِّن نفقة أولادك في غيبتك .

       فالزوجة رفضت ، والأولاد رفضوا ، إلا أن هذه البنت التقية الورعة قالت : يا أبت اذهب فإن الله لن ينسانا ، بعد أيامٍ عدة نفد ما عندهم من طعام ، ونفد ما عندهم من مال ، فصُبَّت النقمة كلها على هذه الفتاة التقية ، التي شجعت أباها على الذهاب إلى الحج ، ولم تعبأ بمصروف البيت، نقموا عليها نقمة شديدة ، دخلت إلى غرفتها وصلت وقالت : يا رب لا تخزني ، أنا اعتمدت على أنك أنت الرزاق ، وأردت لوالدي أن يحج بيت الله الحرام ، وتوسلت إلى ربها ألاّ يخزيها .

       من غرائب الصدف أن أمير البلدة كان في جولة في تلك البلدة ، وأمام بيت هذا الرجل الصالح ، ويبدو أنه حاتم الأصم ، فعطش عطشاً شديداً ، قال : ائتوني بماء ، فطرق جنوده باب حاتم الأصم ، فقالوا : الأمير يطلب الماء ، فهيؤوا له ماءً بارداً عذباً ، لأنه أمير ، فيبدوا أن الأمير استمتع بالماء إلى حدود كبيرة جداً ، فكأنه تمتَّع به متعةً استثنائية .

       ـ قال : بيت مَن هذا ؟

       ـ  قالوا : بيت حاتم الأصم .

       ـ  قال : العالم الجليل ؟

       ـ  قالوا : نعم .

       ـ قال : لو نسلم عليه ؟

       ـ  قالوا : هو في الحج .

       ـ  قال : والله ينبغي إذًا أن نُكرم أهله في غيبته ، فأخرج من جيبه دنانير ذهبية وألقاها ، وقال : مَن أحبني فليفعل فعلي ، فجاءهم رزقٌ وفيرٍ يغنيهم إلى آخر عمرهم ، يبدو أن هؤلاء الأهل سروا وفرحوا ، ودخلوا على ابنتهم ليعلموها ، فإذا هي تبكي شكراً لله عز وجل .

       وذات مرة حدثني رجل عن امرأة زوجها مسافر سفرًا بعيدًا ، وكلمة مسافر قد تفهم بمعنى آخر ، ولا معيل لها ، وابنها في مرضٍ شديد ، ولا تملك ثمن الطعام فضلاً عن ثمن الدواء ، فطُرق بابها الساعة الثانية ليلاً ، مَن ؟

   ـ قال : الطبيب فلان ، عجيب ، فتحت له الباب ، وعرضت عليه ابنها ، وعالجه ، وقال لها: يا أختي أعطِني الأجرة .

   ـ قالت له : أي أجرة هذه ؟

   ـ قال لها : ألا تستحين !! تتصلين بي بالهاتف من أجل أن آتي في هذا الوقت المزعج ، وتقولين أي أجرة ؟

   ـ قالت : والله ما اتصلت بك ، وليس عندي هاتف أساساً .

   ـ قال : بيت من هذا ؟

   ـ قالت : بيت فلان .

        إذًا اتصل بجيرانهم به ، فطرق الباب خطأً ، فلما فهِم القصة ، أعطاهم ثمنَ الدواء ، وأكرمهم إكراماً شديداً ، وأكرمهم إكراماً بالغًا ، بأن خصَّص لهم معاشاً شهرياً ، فلما عاد زوجها قَصَّت عليه القصة ، وقالت له يومًا مداعبةً : إذا ضاق بنا الأمر فاذهب ، وسافر .

       فيا أيها الإخوة ... أريد أن أقول لكم : إنّ الله عز وجل لا ينسى أحداً من فضله ، إذًا لا تقولي : جسر هُدَّ ، أعرفه أكالاً ، ولا أعرفه رزاقاً ، لا تقول : من بعده ضعنا ، هذا كلام النساء المنحرفات ، كلام النساء الجاهلات ، هذا الموت قدر الله عز وجل على الإنسان ، فالمؤمن كلما كان إيمانه أكبر يستقبله بصدرٍ رحب ، وبرضا من الله عز وجل .

       من دعاء النبي للميت : " اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه ، لقِّه الأمن والبشرى والكرامة والزلفى ، اللهم إن كان محسناً فزد في حسناته ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن إساءته ، اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد ، نقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، أبدله أهلاً خيراً من أهله ، وداراً خيراً من داره ، وجيراناً خيراً من جيرانه ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده ، واغفر لنا وله " .

       هناك استثناء وحيد هو : أن الشهيد إذا استشهد في ساحة المعركة لتكون كلمة الله هي العليا ، فالشهيد بحسب ما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ))

       ولو كان القتل بآلة حادة ، فلا يجد الشهيد أَلَمَ القتل إلا كما يجد أحدُكم أَلَمَ القرصة .

       آخر شيء أيها الإخوة ... هو أن التوبة عند الغرغرة لا تُقبَل ..

( سورة النساء )

        وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)) .

        إخواننا الكرام... لعل أحدكم يعلم أنّ المؤمن الصادق المستقيم الورع ، الذي بذل وضحى في حياته ، فساعة الموت أجمل ساعات عمره ، تراه مستبشراً ، راضياً عن الله ، معرضاً عن الدنيا ، متعلقاً بالآخرة .

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَه)) .

( متفق عليه )

       هذا مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه .

       سليمان بن عبد الملك ، رحمه الله تعالى ، لما دخل المدينة حاجاً قال : هل بها رجل حازم مِن التابعين أدرك بعضَ صحابة رسول الله ؟ أريده من التابعين ، قالوا : نعم ، هناك أبو حازم ، فأرسل إليه فلما أتاه قال :

     ـ يا أبا حازم ، ما لنا نكره الموت ؟

     ـ قال أبو حازم : لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة ، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب .

       وكمثل واقعي أقول : شخص يسكن بيتًا في أرقى أحياء دمشق ، بيت ثمنه خمسون مليونًا، أربعمائة متر ، الأرض رخام ، مكيف ، مدفَّأ ، فيه كل أنواع المفروشات الراقية ، فيه ما لذ وطاب من الطعام ، لو نقلناه إلى بيت قبو ، مساحته خمسون مترًا ، سياقه مكشوف على العظم ، فهل يكون مرتاحاً ؟ اعكس الوضعَ ، فالمؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، قال : لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة .

       والله أعرِف رجلاً اشترى بيتين في شارع برنية ، متلاصقين ، بلاطة واحدة ، مكسوَّيْن ، فكسر البلاط ، وقلع النوافذ ، وأعاد البيتين على الهيكل ، وكساهما كسوة تفوق حد الخيال ، بقي سنتين والبيتـان في الطابق الثاني عشر ، وليس هناك مصعد ، كل يوم مرتين أو ثلاثًا يصعد وينزل ، صُنِعتْ له طاولة رخام من الأونكس الشفاف ، وضع لها إضاءة مخفية ، حدثوني عن هذين البيتين بقصص لا تصدق ، بعد أن انتهى البيتان من كسوتهما بأسبوع وافته المنية ، ولم يسكن فيهما ، هكذا الدنيا فاعتبروا يا أولي الأبصار .

    ـ قال : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟

    ـ قال : لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة ، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب .

    ـ قال : صدقت ، ثم قال : ليت شعري ما لنا عند الله تعالى ؟

    ـ قال : اعرض عملك على كتاب الله . أيْ قس أعمالك بمقياس كتاب الله .

    ـ قال : أين أجده ؟

    ـ قال : في قوله تعالى :

( سورة الانفطار )

    ـ قال : فأين رحمة الله ؟

    ـ فقال أبو حازم : رحمة الله قريبٌ من المحسنين .

    ـ قال : يا ليت شعري كيف العَرض على الله تعالى غداً ؟

    ـ قال : أما المحسن فكالغائب الذي يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه .

        فبكى سليمان حتى علا صوته ، واشتد بكاؤه ، ثم قال :

    ـ أوصني .

    ـ فقال أبو حازم : إياك أن يراك الله تعالى حيث نهاك ، وإياك أن يفقدك حيث أمرك .

        أيها الإخوة الكرام ... هذه بعض آياتٍ وأحاديث ومواقف وأقوال متعلقة بساعة الموت ، وهذا الموت قدر كل حَيّ ، وكل الذكاء والعقل والفلاح والنجاح في الإعداد لهذه الساعة التي لابد منها ، لكن قد يقول أحدكم : أنا مازلت صغيرًا ، فمَن منا يعلم ما سيكون بعد ساعة ؟ الموت يأخذ الصغير والكبير ، والصحيح والمريض ، والمقيم والمسافر ، والقوي والضعيف ، الموت لا يفرِّق بين الناس ، قد يقول أحدكم : لماذا أخفى الله ساعة وفاتنا عنا ؟ إذا واحد عمره ثمانية عشر عامًا، واللهُ أعلمه بطريقة أو بأخرى أنه لن يموت إلا وهو في الثامنة والتسعين ، فلن يتوب ، بل يقول : العمر طويل ، ولا يتوب إلاّ قبل سنة مِن وفاته ، أما إن كان الإنسان لا يعرف متى يموت فإنه يبادر بالتوبة ، فإخفاء ساعة الموت عن الإنسان لحكمة بالغة جداً ، ولو أن الله أطلعنا عليها لأمكن لإنسان أجله طويل أن يتوب من الآن ، يقول : الآن بكير علي . أما المؤمن فلا يعلم متى الأجل ، لذلك يستعد لهذا الأجل منذ ساعة معرفة الله عز وجل .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi