English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 7 / 9    من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : الإيمان باليوم الآخر -  الشرائط الصغرى ليوم القيامة "1" .

تفريغ المهندس     : عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس السابع من دروس الدار الآخرة ، وموضوع درس اليوم (أشراط الساعة ) ، وقبل الحديث عن أشراط الساعة ، ما الساعة ؟ وما دليها من الكتاب والسنة ؟ فقد قال الله عز وجل:

( سورة الحجر )

       " لآتيةٌ " هذه اللام أصلها لام التوكيد ، وهي الآن تُعرَبُ اللام المُزَحْلَقَة ، أما أصلها : لَلسَّاعة آتية ، فلما دخلـت (إنّ) على هذه الجملة زُحْلِقَتْ لام التوكيد إلى خبرها ، فسميت اللامَ المزحلقة ، ففي قوله تعالى :

( سورة الحجر )

       أي لابد أن تأتي ، وفي آية أخرى يقول الله عز وجل :

( سورة العنكبوت : من آية " 5 " )

       إنسان عادي جداً ، ولكنه قوي ، إذا قال فعل ، إن قال كلمة يُحسب لها ألف حساب وحساب ، إن قال إنسان من بني جلدتك يخطئ ويصيب ، فإذا كان قوياً ، وتعلم أنه يفعل ما يقول، فلمجرَّد أن ينطق بكلمة واحدة ، يُحسَب لهذه الكلمة ألف حساب وحساب .

       وفي آيةٍ ثالثة يقول الله عز وجل :

( سورة النساء : من آية " 87 " )

       ثم إن الله عز وجل في آيات أخرى يُقْسِم فيقول :

( سورة الذاريات )

( سورة الطور )

( سورة سبأ : من آية " 3 " )

       أيها الإخوة ... خالق الأكوان الذي أنزل هذا القرآن ، وهذه آياتٌ واضحة وضوح الشمس يؤكِّد الله عز وجل فيها أنه لابد من يوم نُرجَع فيه إلى الله ، ونحاسب عن كل أعمالنا ؛ صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها ، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى :

( سورة القمر)

       أي أن انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة ، بعضهم قال : وقع هذا في عهد النبي ، وبعضُهم قال : من علامات قيام الساعة انشقاق القمر .

       أما الآية الدقيقة في قوله تعالى :

( سورة النحل : من آية " 1 " )

       (أتى) فعل ماضٍ ، أي قامت القيامة ..


 

( سورة النحل : من آية " 1 " )

       ومن أسلوب ربنا الحكيم أنه يعبِّر عن الحدث المستقبلي بالفعل الماضي ، تأكيداً لوقوعه.

( سورة النحل : من آية " 1 " )

       وما وجدتُ مثلاً يقرِّب الحقيقة إلا هذا المثل ، فلو أن إنساناً يركب مركبة فارهةً ، وفي طريقٍ شديدة الانحدار ، وهذه الطريقُ المنحدرة تنتهي بمنعطفٍ حاد ، وفجأةً اكتشف قائد هذه المركبة أن المكبح معطّل ، فماذا يقول ؟ يقول : مُتْنَا ، بالفعل الماضي ، هَلَكْنا ، دون أن يشعر ، لأن الشيء محقق ، فما دام الحدث محققَ الوقوع إذاً يعبّر عما سيكون بالفعل الماضي ، وهذا معنى قوله تعالى :

( سورة النحل : من آية " 1 " )

       فلابد أن يأتي ، إذْ كلُّ متوقع آتٍ ، وكل آتٍ قريبٌ ، دعونا من موضوع الساعة ، ولنتحدث عن الفصول ...

       يأتي الصيف ، ويمتـد الصيف ، فالإنسان يمل الحر ، بعد حين يأتي الشتاء ، الأمطار ، والبرد ، والدرجة خمسة تحت الصفر ، فينسى الصيف ، ويمتد الشتاء ، فيسأم الإنسان مِن البرد الشديد ، ثم يأتي الصيف ، والناسُ كلٌّ له عُمُر ، كل سنة فيها صيف ، وشتاء ، وخريف ، وربيع، يأتي هذا ، ويذهب ذاك ، وهكذا دواليْك ، فكلُّ متوقعٍ آت ، وكل آت قريبٌ .

        هناك حقيقة دقيقة أشار النبي عليه الصلاة والسلام إليها ، ففي صحيحي البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ)) .

        أي إذا كان مجموع عمر الأمم أربعًا وعشرين ساعة ، فماذا بقي مِن هذا المجموع الذي هو تاريخ البشرية ؟ ما بقي منه يساوي من صلاة العصر إلى غروب الشمس ، إذًا فنحن الآن قُبَيل الغروب ، فإذا بدأت الحياة البشرية من مغرب اليوم السابق ، وانقضى الليل بطوله حتى الظهر ، حتى العصر ، فنحن في مدة ما بين العصر والمغرب ، هذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ، يَعْنِي إِصْبَعَيْنِ)) .

( أخرجه البخاري عن أبي هريرة)

        يشير بإصبعيه السبابة والوسطى ، بعثت أنا والساعة كهاتين ، مسافة بسيطة جداً بيني وبين الساعة ، هي بقدْر ما بين السبابة الوسطى ، فماذا بقي إذًا ؟ بقي مسافة ضيقةٌ جداً .

        أيها الإخوة ... لكن ظهر علينا مؤَخَّرًا بعض مدَّعي العلم ، وبحساباتٍ رياضية مضحكة ادَّعوا زورًا أنّهم اكتشفوا متى يوم القيامة ، وهذا شيء فيه خلط ودجل ، وكلام لا أصل له ..

( سورة النازعات )

       الساعة لا يعلمها إلا الله ، ويروى أن الإمام مالك إمام دار الهجرة رأى في المنام مَلَك الموت ، لقاء عجيب ، قال : يا ملَك الموت كم بقي من عمري ؟ فأشار ملك الموت إليه هكذا بأصابعه الخمس ، فاستيقظ الإمام الملك قلقاً فزَعًا ، ويقول في نفسِه : يا ترى خمس سنوات ، أم خمسة أشهر ، أم خمسة أسابيع ، أم خمسة أيام ، أم خمس ساعات ، أم خمس دقائق ، أم خمس ثوانٍ ، يروى أنه توجه إلى الإمام ابن سيرين وكان بارعاً في تأويل الأحلام ، قال مالك :

   ـ يا إمام رأيت ملك الموت ، وسألته فأجابني .

   ـ فقال : يا إمام ، يقول لك ملك الموت : إن سؤالك واحدٌ من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله .

         وهذا هو الجواب الصحيح ، إن سؤالك واحدٌ من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله ، قال تعالى في سورة لقمان :

( سورة لقمان )

ويقول في آية أخرى :

( سورة النازعات )

       أي أن منتهى علمها إلى الله وحده .

       وفي آية ثانية :

( سورة الأعراف : من آية " 187 " )

       لقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخاف من البغتة ، فكان يدعو بدعاء عظيم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)) .

(أخرجه مسلم)

       رُكَّاب الطائرات أحياناً لا تأتيهم آجالُهم إلا بغتة ، طائرة فخمة جداً ، وهي أحدث نموذج ، وهو جالس بالدرجة الأولى ، وخبر صغير خلاصته : سقطت الطائرة ، وقد مات جميع ركابها .

       في آية أخرى يقول سبحانه :

( سورة الأعراف : من آية " 187 " )

*  *  *  *  *

وها نحن الآن نتناول بالتفصيل أشراط الساعة

        أيها الإخوة ، هذه الساعة لها أشراط ، وقد تحدَّث النبي صلى الله عليه وسلم عن أشراطها، وهي قسمان ؛ أشراط صغرى ، وأشراط كبرى .

        بالمناسبة ، هناك أحاديث لا تعد ولا تحصى عن أشراط الساعة ، كثير من هذه الأحاديث لا أصل لها ، بل موضوعة ، وبعض هذه الأحاديث ضعيف لا يعتد به ، طبعاً هذا الدرس لا يحتمل إلا الأحاديث الصحيحة ، فقد روى مسلم في حديث طويل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... ((قَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ))       

(متفق عليه)

بالمناسبة ، يمكن أن نقول : هناك ساعة كبرى ، وساعة صغرى ؟ فما هي الساعة الصغرى ؟ إنها ساعة الموت ، موت الإنسان ساعته الصغرى ، ويوم القيامة ساعته الكبرى .

         ولكن لماذا أخفى الله عن الإنسان ساعة موته ؟ إنه سؤال دقيق جداً ؟ لعله يتوب قبل سنة، قبل ساعة أتوب وأخلص ، فالله عز وجل أخفى عن الإنسان ساعة موته ليجتهد في الطاعة، والاستقامة ، والعبادة ، والتوبة ، وما إلى ذلك .

         يروي الإمام مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ قَالَ : ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا)) .

       هذا من أصدق الأحاديث عن أشراط الساعة ، وكان أعلم الصحابة في هذا الموضوع سيدنا حذيفة بن اليمان ، وهذا الحديث الصحيح مروي عنه ، قال : " من هذه الأشراط فتنٌ كرياح الصيف ، منها صغار ومنها كبار ، هذه الفتن يتمنىَّ الإنسان معها الموت " ، فكم مِن إنسان باليوم يتمنى الموت ؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ)) .

(رواه مسلم)

        أحياناً تأتي المصائب من كل جانب ، تضيق الأمور ، تكثر المطالب ، تقل المكاسب ، ينحرف الأولاد ، تنحرف الفتيات ، تنشز الزوجة ، لا دخْل ، زوجة سيئة جداً ، أولاد عاقون ، مكاسب قليلة ، ضغوط نفسية شديدة ، أُناس كثيرون جداً يقولون : ليتنا نموت ، فهذا من أحد أشراط الساعة أن تضيق الدنيا بالإنسان ، وتشتد عليه المصائب ، ويضعف أمام ما حوله ، فيتمنى الموت ، طبعاً هذا كلام لعامة الناس ، لكنّ المؤمن يصبر ، والمؤمن يتماسك ، والمؤمن لا يتمنى الموت لعل الله عز وجل يهبه في الحياة عملاً صالحاً يلقى الله به ، وليس من شأن المؤمن تمنِّي الموت ، لكن المؤمن يدعو بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فكَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ))

( متفق عليه عن المغيرة بن شعبة )

         فإذا رأيت الإنسان يتكلم مع نفسه من شدة الهموم ، فقد يمشي الإنسان في الطريق وهو يتكلم مع نفسه ، من شدة الهم يخاطب نفسه ، من شدة الهم لا يعي مَن حوله ، فإذا ضاقت الدنيا ، واشتدت الهموم ، واستحكمت المصائب ، وقلَّت المكاسب ، وكثرت المطالب ، وفسدت الأسرة ، وجاءت الضغوط من كل جانب ، حتى يتمنى الإنسان الموت ، هذا التمنيّ أحد أشراط الساعة .

وأنا أقسم بالله ، ولا أحنث إن شاء الله ، إن أناساً كثيرين جداً لا يعدون ولا يحصون في كل دقيقةٍ يتمنون الموت ، لشدة ما أحيطوا به من مصائب ، وهموم ، وأحزان ، ألم يقل الله عز وجل :

( سورة إبراهيم )

       تجد شعوبًا تنفق أموالاً بغير حساب ، وشعوبًا يأكل كلابُها من اللحوم ما لا يأكله شعب الهند الذي يزيد عن تسعمائة مليون ، فضيق مادي اقتصادي ، جفاف ، غلاء أسعار ، هناك أناس كثيرون جداً يتمنون الموت ، فتمني الموت أحد أشراط الساعة ، نعوذ بالله من تمني الموت .

        عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ)) .

(متفق عليه)

        والله أخبارنا كلها مصائب ، ساعة يقال لك : طائرة مصرية عليها مائتان وستة وثلاثون راكباً سقطتْ ، حتى الآن ليس هناك خبر يشفي الغليل في سبب سقوطها ، أهو صاروخ أصيبت به ؟ أم هناك مَن أفسد بعض أجهزتها ، لأن عليها ما يزيد عن ستة وثلاثين ضابطاً مصرياً كبيراً تدربوا في أمريكا ؟ انتهى حديث الطائرة المصرية ، ثم يأتي حديث الطائرة البَحْرينية ، كيف سقطت ؟ ثم حديث الغواصة ، هل ارتطمت بصخرةٍ أم بغواصة ، أم بصاروخٍ ؟ المذابح في البشرية كثيرة جداً ، وأنا اذكر مذبحةً في جنوب إفريقيا ، الذين قتلوا في أيام معدودة ما بين خمسمائة ألف إلى مليون ، خلال يومين أو ثلاثة ، مذبحة بين قبيلتين في رواندا ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ : ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ ... ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ)) .

(البخاري)

  يقال لك : تطهير عرقي ، من أشراط الساعة  الصغرى .

((إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ)) .

(متفق عليه)

       نحن نشأنا بالخمسينات ، فكانت تمضي سنتان ، أو ثلاث ، أو أربع ، أو عشر سنوات ، يُشْنَق خلالها إنسان في ساحة المرجة ، على أساس أنه مجرم ، الآن تستمع لنشرة الأخبار ، وكل يوم تطالعك في مذابح ، ودمار ، وقتل ، ثلاثمائة ألف نازح بالشيشان ، أربعمائة ألف نازح بالجهة الفلانية ، مشرَّدون في أيام البرد والشتاء ، فهذا القتل الكثير أيضاً من أشراط الساعة .

        وإن من أشراط الساعة  كما يقول عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ وَيَكْثُرَ الزِّنَا وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ)) .

(متفق عليه)

 الآن تجارة الرقيق الأبيض مخيفة ، دول بأكملها ، تكاد تكون منطقة جنوب شرق آسيا التجارة الأولى الرابحة فيها تجارة الزنا ، والرقيق الأبيض ، ودور الدعارة ، وتصدير المومسات إلى العالم ، بكوسوفو هناك مَن يشتري الفتيات ليعملن في الدعارة شراء قطعيًا ، هذا خبر مؤلم جداً ، يكثر الزنا ، أي يحل الزنا محل الزواج ..

      ((وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ))، بسبب الحروب ، حتى وقعت مذابح جماعية من جرَّاء الحروب الأهلية في العالم ، فقلَّ الرجال ، وكثُر النساء ، وهذا من أشراط الساعة .

        وفي بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة الصغرى ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ)) .

(مسلم)

       نحن ألِفنا بالفطرة في تاريخ البشرية أنّ القاتل يُقتل ، الذي يعتدى على أعراض الناس يُقْتَل، وكذلك مَن يعتدي على أموالهم .. إلخ ، لكنّ إنسانًا يُقتَل لا لشيء إلا لأنه مسلم ! أو لانتمائه لدين معين فقط يقتل !! فهذا من أشراط الساعة ، وقد أخبر النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذا .

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ )) .

( متفق عليه )

 

        أنتم عشتم قبـل سنوات الحرب الباردة بين الغرب والشرق ، كتلتان كبيرتان ، وكل كتلة تستقطب دولاً لا تعد ولا تحصى ، إلى أن أصبح العالم شرقاً وغرباً ، دولاً شرقية تؤمن بالمجتمع، ودولاً غربية تؤمن بالفرد ، وبينهما حروبٌ طاحنةٌ ، ثم انتهت هذه الحروب إلى حروب باردةٍ ، حتى هاتان الفئتان الكبيرتان اللتان تقتتلان ودعواهما واحدة ، اقتتالهما رحمةٌ للناس ، فلما انتصرت إحدى هاتين القوتين ، وأصبحت هي القُطب الأوحد في الأرض ، بعدها عرف الناس ما قيمة أن يتصارع قطبان في الأرض ، قال تعالى :

( سورة البقرة : من آية " 251 " )

               وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ)).

( متفق عليه )

       في العصور السابقة كانت الكلمة لها قدسية كبيرة ، الذي يقوله الإنسان يفعله ، والذي يعتقده يقوله ، يقول ما يعتقد ،  ويفعل ما يقول ، هذا الأصل في سلوك الإنسان ، لذلك جاء الأنبياء بالكلمة الصادقة ، الكلمة الصادقة وحدها قلبت حياة البشرية ، الكلمات الصادقة التي جاء بها الأنبياء هي وحدها أشاعت العدل والفضيلة في الأرض ، أمّا الآن فالكلمة لا قيمة لها إطلاقاً ، للتوضيح أقول :

        مثلا قد يغتصب إنسان مالَ إنسان آخر ، حتى يتركه فقيراً ، يتسول ، ويعتدي عليه حتى يكسِّر عظامه ، وينتهك عرضه حتى يجعله في الوحل ، فإذا قال له في النهاية : إني أحبك ، هل يقبل منه هذه الكلمة ؟ إنه يكفر بكلمة الحُب ، لأن مقابل هذه الكلمة ضاع ماله ، وكسرت عظامه، وانتهك عرضه ، فإذا قال له مَن بغى عليه : إني أحبك ، كان هذا كذبًا ودجلاً ، وابتزازًا لا حدود له .

        فلذلك ، من علامات قيام الساعة أن كثيرًا من الناس العالم يدّعي أنه إنسان ، وهو وحش..

قتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر    وقتل شعب آمنٍ مسألةٌ فيها نظر

*  *  *

         أي : في جهة معينة في العالَم يقع تدخل ، واجتياح ، وقتل مئات الألوف ، وما مِن أحد يتدخل ، بل يقال : شأن داخلي ، وفي جهة ثانية يهبّ مَن يهبّ بحجة أنّ حقوق الإنسان انتُهِكتْ ، فالموازين مزدوجة ، بمكان ما يسمح لجهةٍ قوية أن تذبح مئات ألوف المسلمين ، والتعليقات (شأن داخلي ) ، بمكان آخر لا يسمح لبلد إسلامي كبير انشقت عنه مقاطعة كانت تابعةً له منذ ثلاثمائة عام ، فإذا تحرك أصحابُها لاستعادتها ثانيةً ، يقال : انتُهِكتْ حقوق الإنسان ، فإذاً هناك دجالون كذابون كثيرون جداً ، يكاد يكون أكثر ما نسمعه في الأخبار الدولية كذبًا في كذب .

       فمثلاً : اغتصاب أرض ، تشريد شعب ، الأجانب يسمونها أزمة الشرق الأوسط ، ليست أزمة ، بل عدوان ، واغتصاب ، أزمة الشرق الأوسط ، إنسان يدافع عن أرضه يقول لك : هذا أصولي ، كلمة (أصولية) فيها مكر ، إنسان هز كيان اليهود ، وقدَّم حياته رخيصة ، يقول لك : (عمل انتحاري) ، دققوا في المصطلحات ، المصطلحات دقيقة جداً ، حتى يبخس قيمة العمل الفدائي يقولون لك عمل انتحاري ، وحتى يبخس قيمة التمسك بالدين يقولون لك : (أصولية) ، أي أن الأصوليين يقتلون ، الأصوليون إرهابيون ، حتى نبخس قيمة الدفاع عن الأرض نسميه عملاً إرهابيًّا ، فالمصطلحات خبيثة جداً وماكرة ، فهناك دجالون كذابون لا يعدون ولا يحصون ، هذه من أشراط الساعة ، حتى  إنهم قالوا : الدبلوماسية هي التعبير عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ ، فمن علامات قيام الساعة الصغرى : كثرة الدجالين ، وكثرة الكذابين ، فهناك بلاد غربية تحاسب الإنسان على الكذب ، وهي ترتكب أبشع كذب وأكبَره.

        ومن علامات قيام الساعة ما صحَّ مِن حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)) .

( متفق عليه )

وهذا الشيء ملاحظ ، عالم جليل ، عالم عامل ، عالم ورع ، عالم له شأن كبير إذا قبض ، لا تجد إنسانًا آخر يحل محله ، كلما قبض عالم انتزع العلم انتزاعاً ، وهذا من أشراط الساعة .

       كأنني بهذه الأشراط وقعت واحدةً واحدة فمن أشراطها (أنْ يُقْبَضَ الْعِلْمُ) ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ)) .

(البخاري)

أول زلزال بتركيا ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، آخر زلزال كان قبل أشهر ضعيفًا ، لكن من شدة خوف الناس ألقوا بأنفسهم من الشُرفات ، فأصيب أكثر من مائة إنسان ، ألقى بنفسه من الطابق الثالث من شدة الخوف ، فالزلازال ، والفيضانات ، والأعاصير ، والاجتياحات مِن أشراط الساعة.

        ومن أشراط الساعة : تقارب الزمان ، يقول لك : قطعنا الأطلسي في ثلاث ساعات بالطائرة ( الكونكورد ) ، فقط خلال ثلاث ساعات ، الطائرة العادية سرعتها ألف كيلو متر ألف وزيادة ، تقطعه في سبع ساعات ، سبعة آلاف كيلو متر ، ، بينما تقطعها طائرة الكونكورد في ثلاث ساعات ، شيء طبيعي جداً تركب من أقاصي الدنيا من ( سان فرانسيسكو ) برحلة واحدة إلى أمستردام دون توقُّف ، في اثنتي عشر ساعة محلقاً في الجو ، تنتقل من طرف الكرة إلى طرفها الآخر ، عشر ساعات ، خمس عشرة ساعة وصلت إلى الشام ، نصف الكرة ، تقارب الزمان ، قديماً كان إرسال رسالة مع سُعاة للبريد ، وفي خيول مُطهَّمة ، وفي مراكب ، تحتاج الرسالة من المدينة إلى العراق لمدة شهر تقريباً ، الآن بالفاكس تنتقل رسالة إلى أي مكان في العالم في الثانية نفسها ، تتحول نسخة عن هذا الكتاب عن طريق الفاكس إلى هناك ، صار العالمُ بمثابة قرية ، بل صار غرفة واحدة ، وهذه من علامات قيام الساعة ، تقارب الزمن .

         ولكن هذا التقارب لم أجد مثلاً رائعًا ينطبق عليه كهذا المثل : الشعوب المسلمة عندهم عقيدة سليمة ، عندهم قيَم ، عندهم مبادئ ، عندهم ورع ، عندهم أدب ، عندهم خجل ، فلما تقارب الزمان ، صار عصر الاتصالات ، كل واحد يتابع أخبار العالم كلها باليوم بالمحل الفلاني، بالمكان الفلاني ، فكأنه خلاط كبير ، كل ما عند البشر تجمَّع في هذا الخلاَّط ، فلما دار اختلطت الأمور ، فنحن طعامنا الطيِّب ، وماؤنا الطاهر العذب ضاع مع الماء الملوَّث ، والطعام الفاسد بهذا الخلاط ، وحلّ في العالَم نموذج فاسد ، وعندما لم يكن هذا التواصل كانت لكل شعب مكانته، وقيمه ، ومبادئه ، وتربيته ، الآن الفساد الشديد جداً الذي في طرف الدنيا ينتقل إلى طرف الدنيا الآخر عن طريق الفضائيات ، وعن طريق شبكات الاتصال ، والإنترنت ، وما إلى ذلك ، فكأن هذا الاتصال الشديد بمثابة خلاَّط ، الغث والثمين ، الصالح والفاسد ، فهذه سلبيَّات الاتصالات .

        والله لقد سمعتُ من قبل عشرين سنة أن في أمريكا زنا محارم ، إنه خبر كالصاعقة ، هل مِن المعقول من إنسان يزني بأخته ؟!! والله أيها الإخوة في هذه البلدة الطيِّبة أكثر من مائة حادثة سمعتها بهذه السنوات ، زنا محارم ؛ أب مع ابنته ، أخ مع أخته ، خلاَّط ، ما عندهم هناك تعمَّم هنا ، كل أنواع الشر موجودة بهذه الفضائيات ، بالعالم كله ، يقول لك : أنا عندي (ديجيتال) ، ثلاثمائة وخمسين محطة ، والله شيء جميل ، وكله ( نت ) ، صورة واضحة تمامًا ، هنيئاً لك على هذا القيام في الليل ، ليلك البهيم الأسود ، وهنيئًا لك بقنوات المجاري هذه .

        فهذا تقارب الزمان ، وهذه من سلبياته ، صار لكل أمة فسادها ، وانحلالها ، وانحرافها بهذا الخلاط ، وهو يدور ، فكل إنسان بأي مكان بالعالم يرى كل فساد الأرض ، وهو بشر ، لذلك استشرى الانحراف الآن ، إنه انحراف أخلاقي خطير ، سببه هذا الخلاط ، أو هذا التواصل ، أو ثورة المعلومات ، أو المعلوماتية ، وهذا من نتائج تقارب الزمان .

        ((وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ)) ، فهل من المعقول أن يقيم إنسان حفلة عرس بالشيراتون بخمسة وثمانين مليونًا ، في حين أنه يمكن لشاب أنْ يتزوج بمائتي ألف ؟!! هذه الخمسة والثمانون مليونًا كم مائتي ألف تعدل ؟ كنت مرة بعقد قران قبل أيام ، قام أحد الخطباء تكلم كلمة أعجبتني ، قال : دخلت إلى بيت ، أقسم بالله أنّ بهو الاستقبال وحده تعدل مساحته مائتي متر ، قال : وحشيتْ زوايا هذا البهو بتحف ، وظننت أن ثمنها قليل ، ثم علِم أنّ أقل تحفة ثمنها نصف مليون فما فوق .

        تذكر هذا الخطيب الذي ألقى هذه الكلمة ، جزاه الله خيراً ، قال : جاءتني رسالة من شاب يتضوَّر من شدة الحاجة إلى الزواج ، ولا يجد لا مالاً ليشتري بيتاً ، ولا ليستأجر بيتًا ، ولا شيء، فقال هذا العالِم لهذا الغني : لو بعت أحد هذه الفارزات ، التحف ، لزوجت بها شاباً ، ما جدوى الاحتفاظ بها ؟ فانظرْ رعاك الله لهذا التفاوت الطبقي الكبير جداً ، شخص يملك مليونًا ، ومليون لا يملكون واحداً .

       أيها الإخوة ... لازلنا في أشراط الساعة ، ومن أشراط الساعة : أن يتطاول الناس في البنيان ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ ... حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ ...)) .

(متفق عليه)

         كنت في بلد خليجي ، (أبو ظبي) ، أبنية كثيرة جداً ، عشر طوابق ، خمسة عشر ، تهدم، وقد كلفت مئات الملايين ، تُهدَم ويُبنى مكانها بناء من ثلاثين طابقًا ، أو أربعين ، إلى خمسين طابقًا ، وهذا التطاول في البنيان من أشراط الساعة الصغرى ، حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ ، طبعاً في العالم الغربي تجد مائة وعشرين طابقًا ، وتصل الطابق الأخير في دقيقة واحدة، ستين ثانية ، يقطع المصعد مائةً وعشرين طابقاً ، هذا أعلى بناء بالعالم ، (بشيكاغو ) ، أما في دول المنطقة فهناك تطاول عجيب في البنيان.

       ومن أشراط الساعة أن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان ((قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَان)) .

(مسلم عن عمر)

 أناس فقراء ، ظهرت عندهم ثروات فاحشة ، فأصبحوا أغنياء فجأة ، طبعاً أشادوا هذه العمارات العالية ، هذا أيضاً من أشراط الساعة .

       ومن أشراط الساعة أن تطلع الشمس من مغربها ... فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)) .

(متفق عليه)

 وهذا الحديث حوله جدل كثير ، بعضهم قال في تفسيره : إنه الشيء الثمين القادم من الغرب ، فإذا لم يحمل الطبيب شهادة طب من أمريكا ، أو من إنكلترا ، أو من فرنسا ، فلا أحد يأتي إلى عيادته ، فكل شيء موصوف بالغرب ، أو بأمريكا ، ثمين جداً وله قيمة كبير جداً ، فكأن شمس المعرفة أصبحت تشرق مِن هناك . هذا تفسيرٌ يرفضه بعض المسلمين ، هم يقولون : من أشراط الساعة أن تشرق الشمس من مغربها . والله أعلم ، على كلٍ ورد هذا الحديث على أنه من أشراط الساعة .

       أيها الإخوة ... ومن أشراط الساعة أيضاً : يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً ... فَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ : ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ... ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا...))

(البخاري)

نزعة مادية شديدة ، مهما أعطيته يبقى ساخطاً ، مهما أجزلت له العطاء يبقَ ساخطاً ، كأن الذي يقول : هناك نزعة مادية شديدة جداً تعم الناس ، فكل شيء له ثمن ، فليس مِن عمل لوجه الله ، أو عمل تطوعي ، أو عمل في سبيل خدمة الحق ، ب كل شيء له ثمن ، كم تدفع ؟

        اسمعوا هذا الحديث :  فَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ : ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ... ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ)) .

(البخاري)

        ولكي تتأكد من صحة هذا الحديث ، اصعد إلى جبل قاسيون ، وانظر إلى أسطحة أبنية الشام من فوق ، فما من بيتٍ من البيوت إلا ودخلته هذه الفتنة .

        أيها الإخوة ... لعل هذه الأشراط التي ذكرتها لكم واضحةٌ جداً ، ولا أشك أنها وقعت جميعها ، لذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا أن نضاعف جهودنا في معرفة الله وطاعته ، لأن الله عز وجل يقول :

( سورة الأنبياء)

        فتنٌ كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها ... فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي شَرٍّ فَذَهَبَ اللَّهُ بِذَلِكَ الشَّرِّ وَجَاءَ بِالْخَيْرِ عَلَى يَدَيْكَ فَهَلْ بَعْدَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ : ((نَعَمْ قَالَ مَا هُوَ قَالَ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَأْتِيكُمْ مُشْتَبِهَةً كَوُجُوهِ الْبَقَرِ لَا تَدْرُونَ أَيًّا مِنْ أَيٍّ)) .

(أخرجه أحمد)

 وأكثر هذه الفتن في حقلين كبيرين ؛ في حقل المال والكسب الحرام ، وفي حقل العلاقة المحرمة بالنساء ، زنا ، ودعارة ، وانحراف ، وتفلُّت ، ونساءٌ كاسيات عاريات ، مائلات مُميلات ، فتنة المرأة ، وفتنة المال ، وهما من أشد أنواع الفتن ، وهذه الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولَها آخرُها، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)).

(رواه مسلم)

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi