English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 9 / 9   والأخير من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : الإيمان باليوم الآخر -  الشرائط الكبرى ليوم القيامة-الأعور الدجال .

تفريغ               : عماد علان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم  ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع من دروس اليوم الآخر ، وقد تحدثت في الدرس الماضي عن أشراط الساعة الصغرى ، تحدثت عن معظمها ، واليوم أنتقل لشرح حديث ، أو فقرات من حديث ، عن الأعور الدجال ، وهو من أمارات الساعة الكبرى ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَكْثَرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنْ الدَّجَّالِ وَحَذَّرَنَاهُ فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ : ((إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنْ يَخْرُجْ مِنْ بَعْدِي فَكُلُّ امْرِئٍ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ...))

(ابن ماجه بهذا اللفظ ، وهو عند مسلم )

يعني أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ينبئنا أن هناك فتنة لم تكن هناك من فتنة أخطر منها على وجه الأرض منذ أن خلق الله آدم ، وإلى يوم القيامة ، فهذه الفتنة هي الأعظم والأخطر ، ومعنى فتنة ، يعني امتحان ، قال تعالى:

[سورة طه]

الإنسان قد يُفتن ، ينسى دينه ، ينسى آخرته ، ينسى ربه ، ينسى طاعة ربه ، ينسى سر وجوده ، ينسى أنه خُلق لعمل صالح ، فُتن ، فيسعى إلى المتعة ، وإلى الشهوة ، وإلى الراحة ، وإلى العلو في الأرض ، والفتنة تعني أن تتحرك لغير ما خُلقت ، فالطالب الذي ذهب إلى بلد غربي ليدرس، مهمته الأساسية أن يدرس ، فإذا نسي الجامعة ، ونسي الدكتوراه ، ونسي القراءة ، ونسي المكتبة، واتبع الملاهي ، والموبقات ، والنوادي الليلية ، والسهرات العامة ، وتسكع في الطرقات، وتبع الفتيـات ، نقول ، هذا فُتن ، نسي مهمته ، نسي سر وجوده في بلاد الغربة ، نسي غاية وجوده ، فالفتنة أن تتحرك لغير ما خُلقت له ، يقول الدجال : أنا ربكم ، وفي الحقيقة الحديث يحتاج إلى شرح طويل ، وإلى تأنٍّ في فهْمِه ، إنْ وجدت إنسانًا قويا يفعل ما يقول ، ولضعف التوحيد ، وضعف الإيمان ، وجدت كل مصلحتك أن تكون معه ، على الحق ، أو على الباطل ، في الخير أو في الشر ، فأنت عاملته كأنه إله ، ونسيت ربك ، ونسيت دينك ، ونسيت قيمك، ونسيت مبادئك، وعملت من أجل إرضائه ، يقول : أنا ربكم ، يعني يجب أن يُعامل كإله ، ولا ترون ربكم إلا بعد دخول الجنة ، يقول عليه الصلاة والسلام : ليس ربكم ، ما دمت تراه ، فهو ليس إلها ، إن الله جل جلاله لا تدركه الأبصار ، ما دام يدعي أنه إله ، وتراه بعينك ، فليس إلها، يعني لو أردت أن أضيق الشرح ، أو أن أُوسعه ، فمثلا قد يكون هناك ابن جاهل ، له أب غني جدا ، هذا الابن يتوهم أن رضاء أبيه عنه هي الدنيا بأكملها ، فقد يأمره أبوه بمعصية كبيرة ، هناك آباء منحرفون ، يأمرون أولادهم بشُربِ الخمر ، يأمرون أولادهم أن يقترفوا الفاحشة ، هذا الابن بجهله ، يعامل أباه كأنه ربه ، وسِّع ، أو ضيق ، حينما تعامل جهة تخاف منها خوفا شديدا، تعاملها كما لو أنها إله ، فهذا معنى قول الدجال : أنا ربكم ، ويقول عليه الصلاة والسلام ، : ولا ترون ربكم حتى تموتوا .

        أول فتنة أنك تتوهم أن الخير كله بيده ، وأن الشر كله بيده ، وأن طاعته جنة ، وأن معصيته نار ، وأن الدنيا بيده ، يعطيها لمن يشاء ، ويحرمها مَن يشاء ، وأن حياتك متوقفة على رضاه عنك ، فإذا غضب أفقدك الحياة ، وكذلك إذا تعاملت مع جهة متغطرسةٍ قوية في الحياة ، فهذا التعامل ملخَّصه كمَن يقول ، أنا ربك ، ولو كان بشرا مثلك ، هذا الحديث يحتاج إلى شرح طويل ، فالعالم الآن مبتلى بجهات قوبة جداًّ ، في بلاد الغرب ، حتى المسلمون ، يتوهمون ، لضعف إيمانهم ، أن هذه الدولة القوية ، تفعل ما تريد ، يعني رضاها جنة ، وغضبها نار ، يمكن أن تُميت شعبا بأكمله ، وقد يكون معك الدليل على ذلك ، ويمكن أن ترفع شعبا إلى الأوج ، حينما تعتقد أن في الأرض جهة ، بيدها كل شيء ، بيدها الدنيا ، لها أن تُعطي ، ولها أن تمنع ، تُشقي، وتُسعد ، ترفع ، وتخفض ، ولضعف الإنسان ، يعاملها كإله ، هذا هو حالُ الأعور الدجال ، نعم، يعني ، هل هناك من إنسان له فضل عليك أكثر مِن الأب ؟ قال تعالى :

[سورة الإسراء ]

العبادة لله وحده ، والإحسان للوالدين ، فحينما تتجه إلى أن تعبد إنسانا من دون الله ، فهذا عين الشرك ، يعني أن تعبده ، أن تطيعه طاعة عمياء ، وأن تُحبه محبة شديدة ، وأن تتوهم أن الخير كله برضاه ، وأن الشر كله بغضبه ، وأن عطاءه جنة ، وأن منعه نار ، وأن الأمر كله بيده ، هناك شعوب كثيرة ، وكثيرة ، في شرق الأرض ، وغربها ، تتعامل هكذا مع لأقوياء ، وكأن هذا القويَّ ربُّها ، قال : يقول أنا ربكم ، يعني يطلب من الناس أن يُعامِلوه كإله ، هناك تصريح لرئيس أمريكي  يقول : لقد أصبحت سياستنا الخارجية كسياستنا الداخلية ، يعطي أمرا فقط إلى أي جهة في العالم ، وعليها أن تنفذ ، وإلا تحاصر ، وقد ترى شعبا حوصر ، وذاق ألوان التعذيب ، وألوان الجوع ، وألوان التنكيل ، هذه فتنة كبيرة جدا ، والله الذي لا إله إلا هو ، وأنا في بلاد الغرب ، قلت في محاضرة ، إذا رسمت دولة قوية خطة لصالحها على حساب شعوب الأرض ، ونجحت هذه الخطة على الأمد الطويل ، فإن نجاحها يتناقض مع وجود الله ، مستحيل ، لكن نحن في فتنة الآن ، وإذا أخذ الشخص البطاقة الخضراء فكأنه ملَكَ الدنيا ، يهنئه كل إنسان ، إذا سُمح لك أن تطأ بقدميك أرضها ، هكذا إذا سُمح لك أن تطأ بقدميك أرضها ، وكأنك تدخل الجنة ، وإذا لم يُسمح لك فأنت محروم ، أنا لا أتكلم من فراغ أبدا ، أنا أعتقد أن طموح الناس في القارات الخمس أن ينالوا سمة الدخول إلى هذه البلاد ، وأنّ حلمَ كل إنسان  أن يعيش هناك ، وهذه أكبر فتنة ، سآتيكم بالتفاصيل ، يقول : أنا ربكم ، يحاسبك ، حسابا كما يحاسبك الرب ، على كلمة ، على إشارة ، على أي تصريح غير صحيح ، تُحرم من الدخول ، طبعا أنا لا أعين جهة معينة ، فأيّة جهة قوية تفعل ما تقول ، ومِن ضعف إيمان الناس يتوهمون أن الجنة بيدها ، وأن النار بيدها ، وأن رضاها جنة ، وأن غضبها هو النار ، يعني ، لا يقبل إلا أن تعامله كإله ، وربٍّ ، يجب أن تنفذ أوامره تنفيذًا أعمى ، يجب ألاّ تعترض ، ألاّ تسأل ، ألاّ تُناقش ، ألاّ تبحث، طاعة عمياء ، يعني أستغرب ، دولة قوية في أوربا ، تتحدى الحصار ، وترسل طائرة ، ما هذه الهيمنة ، دولة قوية جدا ، ممنوع أن تصل طائرة إلى هذا البلد المحاصَر ، دولة في أوربا تتجرأ، وترسل طائرة معونات ، فالقصد كأنّه يقول : أنا ربكم ، فيجب أن تعاملوه كإله ، لا يُسأل عما يفعل ، وهم يُسألون ، يكيل بمكيالين ، بل بعدة مكاييل ، يعني أنّ بلدًا يكتسح بلدا ، ويقتل مئات الألوف ، يقول : شأن داخلي ، بلد آخر ، ينفصل عن بلد ، فالبلد الأصلي إنْ حاولَ أنْ يرجعه إلى حضيرته  يقال عندئذٍ : انتهكتْ حقوق الإنسان ، مرة يقولون : انتهاك لحقوق الإنسان ، ومرة شأن داخلي ، ومرة ... ، ولا أحد يحاسبهم ، يقول : أنا ربكم ، قال : وإنه أعور ، معنى أعور ، أنه ينظر إلى الدنيا فقط ، فقط ، الآخرة ساقطة من حسابه ، الشهوة ، المتعة ، الطعام ، البيت ، الراحة ، الرفاه ، لا يرى إلا الدنيا ، أعور ، قال تعالى:

[سورة الروم ]

في الدنيا تَفوقٍ لا يُوصف ، أما في أمور الآخرة فعلى الناس العفاءُ ، ولقد قاموا بتعريف الزواج الحديث ، بعد عشرين يوما هناك مسيرات في كل أنحاء العالم ، من أجل محاربة التمييز ضد المرأة ، قالوا : يجب أن نعتقد أن الزواج عقد بين شخصين ، دققوا : بين شخصين ، لا بين رجل وامرأة ، يجب أن يفرضوا قيمهم على العالم كله ، قبل أيام زار وفد سياحي تركيا ، والوفد من الشواذ ، فمُنع من دخول قلعة ، فيأتي مسؤول كبير ، في الحكومة التركية ، فيعتذر لهذا الوفد ، وهو وفد مِثْلَيْ الجنس ، إنسان حكمه في الإسلام القتل ، يعتذر منه ، ويفتخر ، مدينة في أمريكا ، سان فرانسيسكو خمسة وسبعون بالمائة من سكانها شواذ ، ما لمحت إلا طفلا واحدا طوال اليوم ، يعني ، الشذوذ ، مُعترف به ، يعني ، من الذي يستحق الجنسية الكندية ؟ شاب تزوج فتاة كندية ، أو شريك جنسي لشاب كندي ، لا يرون إلا الدنيا ، طبيب بالشام له ابن في بأمريكا ، أرسل الابن أنّ عقد قراني يوم كذا ، وهو يعتقد أن الأب لن يزوره بهذه المناسبة ، ففوجئ الابن بأن الأب جاء في الوقت المناسب ليزور ابنه ، ويحضر عقد قرانه ، لكن الأب فوجئ أن ابنه ليس هو الزوج ، بل هو الزوجة ، وقع مغشيا عليه ، وقد أُصيب بأزمة قلبية ، أبوه طبيب كبير ، علِم أن ابنه زوجة ، هكذا كان العقد بين شخصين ، العقد بين شخصين ، لا بين رجل وامرأة ، أنا أوضح لكم الأعور الدجال ، أعور ، يرى الدنيا فقط ، ولا يرى الآخرة ، يعني ، أنا ما رأيت المرأة محتقرة ، كما هي محتقرة في المجتمع الغربي ، سلعة ، قال: وإنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور، الله عزوجل خلقنا للآخرة ، أنا أتمنى  على كل أخ ، أن يوازن ، لا بين دنيا ودنيا ، فقد يوازن بين بلد نام ، وبين بلد متقدم ، يجد بونا شاسعا جدا ، ينبغي أن توازن بين الدنيا والآخرة ، فأي مكان فيه طريق إلى آخرتك  يجب أن تسلكه ، أي مكان فيه الطريق سالك إلى آخرتك يجب أن تسلكه ، والله أيها الإخوة ، في زيارتي الأخيرة لأمريكا ، وأرجو أن تصدقوني عدة أشخاص ، وهم أعلام في المجتمع هناك ، أطباء كبار ، يحدثني أحدهم وهو يبكي ، إنّ ابنته أحبت يهوديا ، وقالت لي أمٌّ ، ابنتي تحب الرقص ، وابني ملحد ، وبكت ، لقد دفع المسلمُ ثمنا باهظا جدا ، فهناك تضع الأم لابنتها شطيرة لتأكلها في المدرسة ، كما نضع شيئا آخر ليقيها مرض الإيدز ، إنه واق، تضعه لها في محفظتها ، قضية الزنا كشربة الماء ، حتى بين الصغار ، حتى بين طلاب المدارس ، هكذا شأنُ المجتمع هناك ، أما دنياهم فعلى العين ، والله جنة ، على العين ، على الشبكية ، شوارع ، حدائق ، أبنية ، نظام دقيق ، على الشبكية جنة ، لكنْ إذا انتقلت الصورةُ إلى المخ فتصبح جهنم ، قال : وإنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور ، وإنه مكتوب بين عينيه كافر ، يقرؤه كل مؤمن كاتب ، أو غير كاتب ، يعني ، كل القيم الدينية بعيدة عنه ، قوة باطشة ، ولا مكان للعدل ، القوي هو المسيطر ، أنت قوي فالحقُّ إذاً معك ، ولو سحقت الناس ، ولو دمرتهم ، إذا كنت قويا فأنت معك الحق ، لكن عندنا وفي الإسلام الحق من وحي السماء ، ولكنه يحتاج إلى قوة ، بين أن يكون الحق هو القوة ، وبين أن يحتاج إلى قوة ، مسافة كبيرة جدا ، الحق ما جاء به الوحي ، ولكنه يحتاج إلى قوة ، أما عندهم فالحق هو القوة فقط ، قال : وإنه مكتوب بين عينيه كافر ، يقرؤه كل مؤمن كاتب ، أو غير كاتب ، وإن من فتنته ، أن معه جنة ونارا " ، خيرات ، أموال ، بلاد شاسعة ، كلها جامعات ، وكلها معامل ، وكلها حقول ، كلها بيوت رائعة جدا ، كلها خضراء ، كلها مطارات ، كلها معاهد ، فإذا رضيت عن إنسان أغدقت عليه أموالا لا تُعد ولا تُحصى ، وقد قرأت إحصاء أنّ ما تأكله الكلاب في أمريكا لا يأكله شعب الهند بأكمله ، وهم تسعمائة مليون ، ولقد سمعت هناك شيئا لا يُصدق ، عملية زرع مفصل ، تكلف عشرة آلاف دولار ، تُجرى هذه العملية لكلب ، هم يعطفون على الكلاب عطفا عجيبا ، ويسحقون الشعوب سحقا عجيبا ، الكلب يعطفون عليه ، عملية زرع مفصل ، من أغلى العمليات ، عملية زرع سن لكلب ، أطباء نفسيون للكلاب ، أصابت الكلبَ كآبةٌ ، فهو يحتاج لطبيب نفساني ، والله شاهدت مقبرة للكلاب من أجمل الحدائق ، وحدثني هناك طبيب أسنان فقال لي : جاءتني مريضة ، معها فطور عجيبة ، لم أدَعْ نوعا من أنواع الزراعة لهذه الجراثيم ، إلا وزرعتها ، ولم أعرف السبب، ضجرت ، شددت عليها ، فإذا هي تعاشر كلبا ،   في الفراش ، فيبدو أن لعابه ، وصل إلى فمها، وأنشأ معها هذا المرض ، شيء لا يُصدَّق ، جنته نار ، وناره جنة ، تجد هنا في بلادنا - الله يحميها - بيوتا نظيفة ، فيها بقية أدب وأخلاق ، وبقية حياء ، وبقية خوف ، وبقية بر للوالدين ، وبقية عطف ، وبقية مروءة ، أقول : بقايا ، فضلات كلها ، بقايا ، ليس شيئا دسما ، بل بقايا ، وفتات ، لكن حتى هذا الفتات هناك في بلادهم لا تجد منه شيئًا ، مرة طرق بابي ، طبيب ، كان هناك امتحان ، إذا أخذ الإنسان شهادة عليا ، دكتوراه من بلاد الغرب ، ولم يحصل على ثانوية من بلاده لا يُعين في وظيفة ، هكذا النظام قديما ، ثم اكتُشف أننا خسرنا شبابا كثيرين ، علماء كبارا خسرناهم ، أحدثوا شهادة ، اسمها ما يعادل الثانوية ، إنسان يحمل دكتوراه ، له اختصاص نادر جدا ، يعود إلى وطنه ، ويقوم بهذا الفحص الشكلي ، ليُعين في الجامعة أو في غيرها ، فأنا كنت أصحح أوراق اللغة العربية ، طرق بيتي طبيب ، قال لي : أنا أعمل في مانشيستر في بريطانيا ، ولي دخل كبير جدا ، ولكنني أرغب أن أعود إلى بلدي ، قلت له ، ما السبب ؟ مع أنك في بحبوحة هناك ، وربما لا تجد هذا في بلدك ، قال : ولكني أسكن في بيت ببناية فيها أربعة طوابق ، أو ست طوابق ، بلندن ، قال لي ، آخر طابق في أيام الشتاء  يسكنه رجل وحده ، وله خمسة أولاد في لندن ، مات هذا الرجل الأب ، وكان الفصلُ شتاءً ، ولم يتفقده أحد من أبنائه ، منذ ستة أشهر ، الأبواب محكمة ، والفصل بارد ، فمضى على موته ستة أشهر ، دون أن يتفقده أحد مِن أبنائه ، نحن إذا لم يزر الابن أباه وأمه كل يوم فتلك مشكلة ، كل يوم ، قال : وأن معه جنة ، ونارا، الآن دققوا فيما قال النبي ، فناره جنة ، وجنته نار ، كلام دقيق جدا ، وعميق جدا، ناره جنة ، أن تبتعد عنه ، وأن تحافظ على دينك ، وعلى مبادئك ، وعلى قيمك ، وعلى رضاء الله عزوجل ، ولو عشت حياة خشنة ، فأنت في جنة ، ولقد ذهبت إلى هناك ورأيتُ بعيني ، والله هناك بيوت يصعب أن أصفها لكم ، ضمن البيت هناك مسبح دولي ، بمقاييس دولية ، ساخن في الشتاء ، بارد في الصيف ، قصور مِن الرخام ، الحدائق ، شيء لا يُصدقُ ، لكن بعد خريف العمر ، تشعر أن الأب هناك يكاد يتمزق ، ابنه غير مسلم ، ابنته غير مسلمة ، يعني إذا فاجأ ابنته ، ومعها صديقها بالفراش ، وغضب ، يكون غير حضاري ، همجي ، تُقام عليه دعوى ، يكتب تعهدا بالمخفر ، أو بالقَسم على ألاّ يعود إلى هذا الغضب ، لأن الغضب يصدر عن إنسان همجي ، دعت صديقها لينام معها ، فماذا جرى ؟ ! لماذا انزعجتَ ؟ ناره جنة ، كل شيء دنيوي ميسَّر ، كل شيء ميسر إلى درجة لا تُصدقُ ، لكن ، كل شيء متعلق بالآخرة ممنوع ، الشهوات مستعرة ، والإنسان بعد حينٍ يألف المجتمع ، ويصير وضعه الأخلاقي صعبا جدا ، أِلف الحياة المادية المرفهة ، وباع دينه شيئا فشيئا ، إلى أن يأتي إلى بلده الأصلي ، فيحتقر بلده ، وهناك كلمة باللغة العامية ، "اللي بيجي من هناك يقرف ، ويُقرِّف " ، وضعه لا يحتمل ، كأنه آكل أكلة حامضة ، تجد عقله غربيا ، قيمه غربية ، همه الدنيا فقط ، الآخرة كلها خارج حسابه ، قال : وأن معه جنة ونارا ، فناره جنة ، وجنته نار ، صدقوا فهو النبي الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، قال سعد : ((ثلاثة ، أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك ، أنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا علمت أنه حق من الله تعالى)) ، فناره جنة ، لا تغتر ببيوتهم الكبيرة ، وكل بيت فيه مسبح ، تحيط به حديقة خضراء ، والأمور ميسرة إلى درجة لا تُصدق ، ولك كرامة كبيرة جدا هناك ، يعني ، الإنسان محترم جدا هناك ، هذا الواقع ، لكن على حساب آخرته ، وعلى حساب دينِ أولاده وأخلاقهم ، ماذا يحدث مع الأب ، إذا رأى ولده ليس مسلما ، ولا يعبأ بدين أبيه إطلاقا ، ولن يكون مسلما ، وذريته ليست مسلمة ، ماذا يحصل للأب ؟ وهو في خريف العمر ؟ والله يأتي على مَن أقام هناك إلى آخر عمره ساعةٌ في خريف عمره ينسى فيها حليب أمه ، من شدة الألم ، ورأيت هذا بعيني والله، فأولاده كلهم ، كما  حدثني أخ كريم ، قال : لي قريبة تُوفيت بمطار بأمريكا ، قلت : كيف ؟ قال: ذهبت إلى هناك لتزور ابنها ، ولابنها بنت شابة ، فلما نالت درجة الثانوية ، هناك العادة  أن يذهب الشباب إلى ولايات أخرى ، ليتابعوا تعليمهم الجامعي ، وألِف الناسُ أنْ يعيش وحده ، ويحقق ذاته وحده ، يتحمل المسؤولية وحده ، فكما هي العادة ، الأب أخذ ابنته إلى ولاية أخرى ، أدخلها الجامعة ، وأمَّن لها بيتًا ، ورجع ، يأتي من الشام شاب مهندس وسيم ، من أسرة راقية جدا ، فالأب ، قال : هذا الشاب مناسب جدا لابنتي ، فاتصل بها ، ليقنعها أن تعود ، لترى هذا الشاب ، والأب يتمنى أن هذا الشاب يتزوج هذه الفتاة ، فاعتذرت ، بأن عندها امتحانات ، يا بنيتي ، قضية مصيرية ، زوج مناسب جدا ، فاعتذرت ، قالت له ، بعد أسبوعين ، سآتي ، فذهب الأب ، والأم ، والجدة ، أمه التي جاءت لتزوره إلى المطار لاستقبال ابنتهم ، فإذا هذه الفتاة ، تنزل من سلم الطائرة ، ويدها بيد شاب ، فالجدة ، قالت لها : يا بنيتي ، مَن هذا الشاب ؟ قالت : هذا صديقي ، ولماذا جاء معك ؟ قالت ليبقى معي في غرفتي ، فوقعت ، وأصابتها أزمة قلبية ، وماتت على إثرها بأرض المطار ، يبدو أنها امرأة نشأت على طاعة الله ، والاستقامة ، والطهر، فلم تحتمل أن تكون حفيدتها بهذه الأخلاق .

          فيا أيها الإخوة ، جنته نار ، وناره جنة ، فمن ابتلي بناره فليستعذ بالله ، وليقرأ فواتح سورة الكهف ، وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تُمطر ، فتمطر ، الآن هناك سحاب اصطناعي، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت ، وإن من فتنته أن يمر بالحي ، فيكذبونه ، فلا يُبقي لهم سائبة إلا هلكت ، يعني عنده سلاح مدمر ، سمعنا بحرب البلقان ، ضربوا قنبلة ، عطلت كل الكهرباء ، في بخارست ، في العاصمة ، ويمكن بقنابل النابالم ألاّ يبقى كائن حي ، في دائرة كبيرة جدا ، هناك قنابل جرثومية ، قنابل كيماوية ، قنابل ذكية ، تنفجر بعد الانفجار الأول ، يكون هناك انفجار ، فيتجمع الناس ، ثم تنفجر ثانية ، تُطيح بالمئات ، فعلى كلٍّ ، وإن من فتنته، أن يمر بالحي ، فيصدقونه ، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت ، فتنبت ، وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا ظهر عليه ، قال تعالى:

[سورة يونس ]

        مرة أطلعني أخ على مجلة فيها شيء عجيب ، أول صورة ، الأرض كما هي من القمر ، صورة واحدة ، بكاملها ، صورة صارت مألوفة ، على هذه الأرض مربع صغير جدا ، الصورة الثانية ، كُبِّر هذا المربع ، فإذا هي قارة أمريكا الشمالية ، على هذه الصورة مربع صغير ، كُبِّر هذا المربع ، فإذا هي فلوريدا ، على هذه الصورة الثالثة مربع ، كُبِّر هذا المربع ، فإذا هو ساحل فلوريدا ، على هذا السحل مربع صغير ، كُبّر هذا المربع فإذا هو رصيف ميناء مع حديقة بفلوريدا ، هناك مربع صغير ، كبّر ، فإذا شاب مستلق على الأرض ، يقرأ قصة ، وفي يده ساعة ، وإلى جانبه صحن فيه تفاح ، ويمكن أن تقرأ اسم الكتاب الذي بيد هذا الإنسان ، هذه الصورة من الأقمار الصناعية ، يمكن أن  يُقرأ أسم الكتاب لإنسان ، مستلق على الأرض ، يقرأ قصة ، من الأقمار الاصطناعية ، وظن أهلها أنهم قادرون عليها استطلاعا ، وتدميرا ،

[سورة يونس]

      لا أريد أن أدخل في التفاصيل ، ولكن اخترت من هذا الحديث ، فقرات منه ، كي تعلموا أن ما كل يقال عن الأقوياء مسعد ، فقد تكون جنتهم نارا ونارهم جنة ، وقد سمح الله لهم أن يفعلوا أشياء عجيبة جدا ، طائرة سقطت في البحر ، أعيدت إلى البر قطعة ، قطعة ، وركبت ، كما كانت ، الشيء الذي يفعلونه لا يُصدق ، هكذا شاءت حكمة الله عزوجل أن يمنحهم قوة على كفرهم ، أنا أقول لكم دائما : هناك ابتلاءان من الله شديدان ، أحد هذين الابتلاءين قائم الآن ، يقوي الكافر ، ويقويه ، ويقويه ، إلى أن يقول المؤمن : أين الله ؟ لا ترى إلا إنسانا يكفر بكل القيم ، يفعل كل ما يريد ، وكأن الناس رهن قبضته ، ثم يُظهر آياته إلى أن يقول الملحد : لا إله إلا الله ، فنحن في الامتحان الأول ، قطب واحد يتحكم في العالم كله ، جنته نار ، وناره جنة ، يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت ، فتنبت ، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا ظهر عليه ، على كل ينبغي أن ننظر بعينين ، لا بعين واحدة ، ماذا نستفيد من الحديث ؟ يجب أن تنظر بعينين ، أن تنظر إلى الدنيا ، وأن تنظر إلى الآخرة ، أنا وطنت نفسي من سنوات طويلة ، فلا يمكن ، أن أوازن بين شيئين ، ولا بين تجارتين ، ولا بين شخصين ، ولا بين أمتين، إلا أن أضيف الآخرة للدنيا ، يعني مطعم (خمسة نجوم) ، يبيع خمرا ، دخله فلكي ، مطعم متواضع جدا ، دخل صاحبه ، قد لا يكفي مصروفه ، طبعا بمقياس الدنيا ، أين هذا من هذا ؟  بمقياس الآخرة هذا استقام على أمر الله ، وباع طعاما حلالا ، ونجا من عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة ، أما ذاك فسوف يُحاسب حسابا عسيرا ، فلو ضممت الآخرة لأول مطعم ، والآخرة لثاني مطعم ، لأصبحت الموازنة صحيحة ، لا توازنْ بين شيئين ، إلا أن تضم الآخرة للأولى ، ولدينا قاعدة أيها الإخوة ، أرجو الله سبحانه وتعالى ، أن ننتفع من هذا الحديث الشريف ، حتى يكون للإنسان رؤية ثاقبة ، وحكم صحيح ، وألاّ يؤخذ بما أخذ الناس به ، وأحيانًا أنا أتألم ، فأرى صفوفا طويلة جدا على أبواب السفارات ، كل هؤلاء يريدون الهجرة ، هذه والله هجرة في سبيل الشيطان ، عش في بلد تستطيع أن تؤدي شعائر دينك ، ولو كان فيه متاعب قليلة ، هذا ثمن الجنة،  وأنت في بلدك زوجتك لك ، قال لي أحدُهم ممّن هاجر إلى أمريكا : تزوجت أمريكية ، وبينما أنا جالس معها في أول يوم ، قالت له : أنا عندي موعد مع رفيقي ، ليس معقولا هذا ، هذا الحاصل ، ذهبتْ ، وثاني يوم موعد ثان ، وفي اليوم الرابع قعدتْ معه ، وسهرتْ معه ، وبعد ذلك طلقها ، وتزوج امرأة ذات دين مِن بلده ، قال لي ، وهي نائمة ، قال لها : (الله يَخَلِّي لي إياك ، كلك لي أنت) ، فعرف قيمة امرأة من بلده ، زوجتك لك ، ابنك لك ، بيتك منتظم ، ليس فيه خيانة زوجية ، ليس فيه مشكلة ، فما يعرف قيمة بلادنا الإسلامية إلا أهلها ، فيها أذان ، فيها مسجد ، فيها تذكير ، فيها درس علم ، فيها روحانية ، فيها أُسَر منضبطة ، فيها حياء ، فيها بقية خجل ، فيها عمل طيب ، فيها بذل ، فيها تضحية ، فإياك أن تنظر إلى السلبيات فقط ، لن تكون موضوعيا أبدا ، انظر للإيجابيات ، عندنا مليون إيجابية ، نحن نعيشها ، لكن المرءَ أَلِفها ، فلا قيمة لها عندنا بسبب الألفة ، لكنّها شيء ثمين جدا .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi