English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

موضوعات مختلفة في العقيدة : الجن والسحر : الدرس 5 : أسباب تسلط الشياطين و السحرة  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من دروس الجن و السحرة و المشعوذين ، و قد بينت لكم في دروس سابقة أن شريحة كبيرة من المسلمين كانت ضحية الشعوذة و الوهم والجهل ، و لابد من توضيح الأمور ، ننتقل اليوم أيها الإخوة إلى أسباب تسلط السحرة والشياطين .

بادئ ذي بدء ، في الحديث القدسي الصحيح عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : (( يَا عِبَادِي ، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا .....)) .

هذا الحديث الطويل ينتهي بالفقرة التالية : (( .....فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) .

[ مسلم ، الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي]

يأتيك إنسان يقول لك : إبني أصابه مس من الجن ، ويثني على ابنه ثناء غير معقول ، وكأن الله سبحانه و تعالى ضيق عليه بلا سبب ، يحرجك ، و يحيرك ، لكن الحقيقة التي ينبغي أن تكون معلومة لديكم هيأنه ما من إنسان يصاب بمس من الشيطان إلا بذنب كبير اقترفه ، لكن الأب يميل دائماً إلى حسن الظن بابنه كي يرتاح .

و الله أيها الإخوة ، كم سمعت ثناء من آباء على أولادهم ، هم من أسوأ خلق الله ، لكن الأب من أجل أن يريح نفسه يحسن ظنه بابنه ، وبشكل عام لا تصدق ، و لا تعتقد أن إنساناً يتحرك وفق منهج الله يصاب بمس من الجن ، مستحيل ، و ألف ألف مستحيل :

[ سورة الإسراء : الآية 65]

الإنسان الموصول بالله عز وجل لا تستطيع شياطين الأرض أن تمسه بسوء :

[ سورة البقرة : الآية 102]

شياطين الإنس و الجن لو اجتمعوا على أن ينالوا من إنسان موصول بالله عز وجل ، مستقيم على أمره لا يستطيعون .

أنا لا أقول لك : إذا شكا لك أحد أنه أصابه مس من الجن فعليك أن تفضحه ، أو عليك أن توبخه ، لا ، قل : عافاك الله ، و لكن لا تظن بالله غير الحق ، ظن الجاهلين ، اعتمد قوله تعالى :

[ سورة النساء : الآية 147]

إخواننا الكرام ، بالمناسبة ، كل واحد منا معه مئات القصص ، لكن كل هذه القصص لا تصلح أن يستنبط منها شيئاً ، لماذا ؟ لأنه يعرفها من الفصل الأخير ، لكن الواحد منا قد يقف على بعض القصص من أول فصل إلى آخر فصل ، هذه القصص تؤكد عدل الله ، و تؤكد رحمته ، و تؤكد عفوه ، و تؤكد كل أسمائه الحسنى ، و صفاته الفضلى .

 مرة إنسان استوقفني في بعض أسواق دمشق ، و قال لي بقسوة : إنك تخطب على المنبر؟ قلت له : نعم ، قال : يوجد إنسان بأحد أسواق دمشق بَكَّرَ إلى عمله ليكسب رزق أولاده ، وقال لي : أليس طلب الحلال عبادة ؟ قلت : بلى ، فتح محله التجاري ، سمع إطلاق رصاص في سوق مغلق مغطى من أسواق دمشق ، فمدّ رأسه ليستطلع ما الخبر ، فإذا رصاصة تستقر في عموده الفقري ، فيصاب بشلل نصفي ، قال لي : هذا ماذا فعل ؟ أين رحمة الله ؟ ذهب ليكسب قوت أولاده ، و عمله مشروع ، و المادة التي يتاجر بها مشروعة ، و هو في عمله ، و العمل عبادة فماذا فعل ؟ والله أنا لا أعلم الجواب ، أنا واثق من عدل الله ، لكن هذه الحادثة تحتاج إلى علم إلهي .

بالمناسبة لا تستطيع أن تثبت عدل الله بعقلك إلا بحالة مستحيلة أن يكون لك علم كعلم الله ، أي قصة من آخر فصل إنسان ذهب إلى محله التجاري ليكسب قوت أولاده سمع إطلاق رصاص مدّ رأسه فجاءت رصاصة استقرت في عموده الفقري ماذا فعل ؟ و الحقيقة لم يفعل شيئاً في هذه الحدود ، قلت له و الله أنا لا أدري أي نصف العلم لا أدري ، لكن الذي أدريه أن الله عز وجل  يقول :

[ سورة النساء : الآية 147]

أحد إخوتنا الكرام ، هو قديم في هذا المسجد ، و له مكانة عندي ، حدثني عن قصة جرت مع أحد جيرانه في البناء ، قلت : ما القصة ؟ قال لي : رجل يبيع القماش في أحد أسواق دمشق المغطاة ، قلت له : نعم ، قال لي : أولاد أخيه الأيتام لهم بيت قد اغتصبه منهم ، و هم في أمسّ الحاجة إليه ، طالبوه بهذا البيت مرات عديدة ، فكان يرفض ، فحكّموا أحد علماء دمشق في الميدان ، و قد توفي رحمه الله ، و كان عالماً جليلاً ، استدعاه ، و طلب منه أن يعطي البيت لأولاد أخيه ، فرفض أشد الرفض ، هذا العالم حكيم قال لهم : لا تشتكوا على عمكم هذا ، لا يليق بكم ، و لكن اشكوه إلى الله عز وجل ، هذا الكلام كان الساعة التاسعة مساء ، في اليوم التالي الساعة التاسعة صباحاً هو الذي جاءته الرصاصة فأصابته بالشلل ، إنسان يرى إنساناً في محل تجاري يكسب رزق أولاده ، مدّ رأسه ، فأصابته رصاصة جعلته مشلولاً نصفياً ، ماذا فعل ؟ هذه قصة من آخر فصل .

أيّ قصة تحفظها من فصلها الأخير لا تصلح أن تستشهد بها ، إنسان أصابه مرض عضال، لي أخ كريم ، أخ في المسجد شاب قال لي : نسكن في بيت قد اشتراه والدي مع عمتي مناصفة من سنوات طويلة حينما كانت البيوت رخيصة ، يوجد جمعية تعاونية في إحدى الوزارات ، فأخته موظفة في هذه الوزارة ، فاشترت هذا البيت ، و عرضت على أخيها أن يكون مناصفة بينه و بينها ، فوافق ، و نقدها نصف ثمن البيت عداً و نقداً ، بالتمام و الكمال ، و بعد عشرين سنة البيت أصبح ثمنه من مئتي و خمسين ألفاً إلى ثمانية عشر مليوناً ، و لأن البيت مكتوب باسم أخته قالت له : هذا البيت لي ، وسأعطيك مليون ليرة ، وعليك أن تخرج ، عنده أربعة عشر ولداً ، ولا يملك مأوى سواه ، و أخته ، لكن خطأه الكبير أنه حينما نقدها المبلغ لم يطلب منها أن تسجل باسمه هذا البيت ، أو أن تسجل له إيصالاً بثمن البيت ، أو بنصف ثمن البيت ، القصة طويلة ، لسنا في معرض الحديث عن تفاصيلها ، إلا أن الذي حدث أنها أخرجته من البيت بحيلة قانونية ، هي محامية ، و استطاعت أن تؤجر البيت بأعلى سعر، و اضطر أخوها أن يوزع أولاده بين بيتين من أقاربه ، و أن يضع أثاث بيته في مستودع في غوطة دمشق ، و ابنه أحد إخوتنا الكرام ، لما أخبرني أن عمته قد أخرجتهم من البيت ظلماً وعدواناً طمعاً في قيمة البيت التي تضاعفت أضعافاً كثيرة ، قلت له : و الله ، و هذه معرفتي بالله ، وأقول لكم هذه الكلمة : يكاد المؤمن من معرفته بقوانين الله عز وجل أن يستطلع ما سيكون ، لا من باب علم الغيب ، لأن علم الغيب لا يعلمه إلا الله ، قلت له : و الله إن الله عز وجل سوف ينتقم من عمتك انتقاماً لا حدود له ، لأنها اعتدت على حق أخيها ، وبالفعل ، والله الذي لا إله إلا هو بعد شهر قال لي : عمتي مصابة بسرطان في أمعائها ، و هي في ريعان الشباب ، أعرف صديقاً لي استمر هذا المرض في أمعائه سنتين ، قلت : لعل هذا المرض يطول أمده ، بعد شهر آخر ، قال لي : توفيت عمتي ، وأتمنى عليك أن تعزي والدي ، و أن تلقي كلمة في البيت الذي اغتصبته ، وريثها الوحيد أخوها ، رجع البيت إليه ، و رجع أولاده إلى البيت ، و لعنها الله في عليائه ، و لعنتها الملائكة ، و لعنها أهل الأرض .

أما أنت فتجد هذه الإنسانة شابة ، طبعاً هذا الكلام أتمنى عليكم ألا يفهم منكم أنه إذا أصيب إنسان بمرض أنه مجرم بحق الآخرين ، لا ، هذا استنباط غير صحيح ، لكن هذه الحالة لا تقل: مسكينة ، هذه الشابة في ريعان الشباب أصابها مرض عضال ، فقصف عمرها ، كما يقولون ، الله كبير ، أنت لست مؤهلاً أن تعلم الغيب ، تأدب مع الله ، و أحسن الظن به ، أي إنسان مسه السحر ، أو مسه الجن ، أو مسه شيطان و هو يعاني ما يعاني لا تصدق أن هذا الذي مسه جاءه بلا سبب ، و جاءه بلا مبرر ، لأن الله عز وجل  يقول :

[ سورة النساء : الآية 147]

و من أمثال هذه القصص هناك والله مئات ، بل عشرات المئات من هذه القصص :

[ سورة البروج : الآية 12]

(( إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ـ كما في الحديث القدسي الصحيح ـ وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ .... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ )) ، لا يقل : القدر قلب لي ظهر المجن ، لا يقل : لا حظ لي في الدنيا ، لا يقل : الله عز وجل يطعم الحلاوة لمن ليس له أضراس  ، هذا كلام كفر :

[ سورة الشورى : الآية 30]

[ سورة آل عمران : الآية 165]

ما من عثرة ، و لا اختلاج عرق ، و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، و ما يعفو الله أكثر .

أنا أريد أن تكون هذه الحقيقة واضحة عندكم ، إنسان مسه الشيطان ادع الله له ، و عاونه ، و لكن لا تتهم الله أنه ساق مصيبة لإنسان لا يستحقها .

 والله أيها الإخوة ، من شأن الإنسان أن يظهر لك أنه ملاك ، وقد يكون شيطاناً رجيماً ، وأي سؤال يأتي : إنها صائمة ، مصلية ، تحفظ كتاب الله ، و لها أعمال من دون ذلك لا يعلمها إلا الله ، و الله أنا يمكن من ثلاثين سنة ما حضرت عقد قران إلا قال الخطباء : العروس تحفظ كتاب الله ، وهذه المشكلات التي تحدث بين الأزواج من أين جاءت ؟ من فتاة تحفظ كتاب الله ؟ أكاد لا أصدق ذلك ، هذه القصص التي تنتهي إليك ، و ينتهي إليك فصلها الأخير ، هذه لا تعبأ بها إطلاقاً ، و لكن القصة التي تعرف أول فصل فيها ، و آخر فصل فيها هذه تنطق بعدل الله ، و تنطق برحمة الله ، و تنطق بحلم الله .

الآن بينك و بين نفسك أعلم الناس بك أنت ، هل تثبت أن الله ظلمك ؟ أبداً :

[ سورة القيامة ]

يوجد جريمة وقعت في دمشق ، أن إنساناً ضابطًا في الشرطة يسكن بطابق من بناء ، و هو ينزل على الدرج رأى إنساناً خرج من بيت مضطرب جداً فقبض عليه ، ودخل إلى البيت ، فإذا صاحبه مقتول ، فاستقرت التهمة أنه هو القاتل ، وحوكم ، وحكم كما أعتقد بثلاثين سنة سجنًا ، وبعد ثماني سنوات ألقي القبض على قاتل آخر ، فاعترف بهذه الجريمة ، إذاً هو بريء ، أحد إخوتي الكرام يؤمن بعدل الله ، قال لي : و الله ـ طبعاً أخرجوه من السجن ، وأعطوه تعويضاً عن هذا السجن الظالم ـ بعد أن قبض التعويض ، و همّ بالخروج من المحكمة سأله صديقي ، هذا المتهم البريء ، قال له : بربك أنت سجنت ثماني سنوات ظلماً ، هل تصدقني الحديث ؟ هل عملت عملاً يستأهل هذا السجن ؟ قال له : و الله ، ويستأهل أكثر من ثماني سنوات ، من هذه التهمة هو بريء لكن من تهمة أخرى ليس بريئاً .

مرة شخص استوقفني يبيع قماشاً وطنياً ، قال لي : أجبني عن هذا السؤال : الأقمشة كلها وطنية ، و أسعارها نظامية ، و على كل ثوب سعره ، قال لي : تسعيرة وقعت دون أن أراها، دخل موظف التموين كتب لي مخالفة فيها سجن شهرين ، أين العدل ؟ وانفجر ، قلت له : نحن في التجارة يوجد عندنا سندات ، و عندنا حساب جار ، الله لا يحاسبك بسندات ، كل قضية وحدها ، يحاسبك بحساب جار ، إذا وجد بالليل سهرة مخالفة للشرع ، يأتيك شخص بالنهار يظلمك ، هذه بتلك ، يقولون : شوحة التقت مع سيدنا سليمان ، قالت له : يا نبي الله ، الله عز وجل  مهول أم عجول ، فسأل الله عز وجل ؟ فالله عز وجل أخبره أنني مهول ، و لست بعجول ، فطمأنها ، هذه الشوحة بعد أن اطمأنت أن الله عز وجل  مهولاً ، و ليس عجولاً ـ هي قصة رمزية ـ وجدت بعض الناس يأكلون اللحم ، خطفت اللحم ، و قد علقت جمرة في قطعة اللحم ، فلما وضعت اللحم في عشها احترق العش كله مع بيضاتها ، فرجعت إلى سيدنا سليمان ، و قالت له : يا نبي الله ، ألم تخبرني أن الله مهول ، ها هو ذا عجول ، عوقبت فوراً، فسأل الله عز وجل ، و القصة رمزية ، فقال له : لها حساب قديم ، وهذا ليس على آخر عمل .

 يوجد حساب قديم ، لكن الله عز وجل يعامل عباده بحساب جار ، يدخل إلى البيت ، والسهرات المختلطة ، والساعة الخامسة على الفضائيات ، و الغيبة ، و النميمة ، و الغش ، والتدليس ، أين المحل التجاري  ؟ فيأتي شخص فعلاً قد يخالفك ظلماً ، و لكن ليس على هذه ، و إنما على سهرة البارحة ، الله عز وجل  يعاملك بحساب جار ، طبعاً كل هذا تمهيد لحقيقة دقيقة جداً في هذا الدرس ، هي أن الله سبحانه و تعالى لا يسمح للجن ، و لا للسحرة أن ينالوا من الإنسان إلا إذا كان قد ارتكب شيئاً محرماً ، و الدليل ، و لولا الدليل لقال من شاء ما شاء:

[ سورة الزخرف ]

هذه الآية أصل في هذا الموضوع ، و من يعش ، أي يتعامَ ويتغافل ويعرض .

ابن عباس قرأها ، و من يعشَ بمعنى يعمى ، في لغة العرب عشي يعشى إذا عمي ، رجل أعشى ، و امرأة عشواء ، إذا كانت لا يبصر ، و في اللغة العربية خبط خبطة عشواء أي عمياء .

يوجد ملمح لطيف :

[ سورة الزخرف : الآية 36]

هذا الشيطان يسيطر عليه ، يتحكم بفكره ، و فهمه ، و عقله ، و قلبه ، و حركته ، عقاب من الله ، يوجد قراءة حتى إذا جاءانا ، من هما ؟ الإنسان و الشيطان الذي له قرين ، حتى إذا جاءانا قال : يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين .

إذاً تسلط الشيطان على الإنسان لأنه غفل عن الله عز وجل ، و انقطع عنه ، و تفلت من منهجه ، و أساء إلى خلقه .

أكبر حصن لكم من الشيطان أن تكون موصولاً بالله ، مستقيماً على أمره ، منيباً
إليه ، هذا أكبر حصن :

[ سورة الزخرف : الآية 39]

أي لا يوجد إنسان يضل إنساناً :

[ سورة ق]

بالمناسبة أيها الإخوة ، المؤمن لا يزال يطيع الله عز وجل ، و يألف الطاعة ، و يحبها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزاً ، و تحرضه عليها تحريضاً ، و تزعجه عن فراشه و مجلسه ، و لا يزال إنسان آخر يألف المعاصي ، و يحبها ، و يؤثرها حتى يرسل الله إليه الشياطين ، فتؤزه إليها أزاً .

الإنسان يعصي ، و يعصي ، و يعصي فيأتي قرينه من الشياطين فيدفعه إلى المعصية كل حين ، و الإنسان يطيع ، و يطيع ، و يطيع فالملك يلهمه كل خير ، هذا ممكن أن يتفسر بعالم الفيزياء بقانون العطالة ، فالجسم إذا تحرك يرفض السكون ، و الجسم الساكن يرفض الحركة، و الإنسان حينما يطيع ، و يطيع يرفض المعصية ، و حينما يعصي ، و يعصي يرفض الطاعة، و الإنسان بنيته حركية ، و ليست ساكنة ، و التعبير الغربي ( ديناميكي) ، و ليس ستاتيكيا ، أي الطاعة تجر إلى الطاعة ، و المعصية تجر إلى معصية ، حتى إن أحد أصحاب رسول الله سأل النبي عليه الصلاة والسلام  قال : يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : إيمان بالله ، فسأل هذا الصحابي ، و هو أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، أمع الإيمان عمل ؟ قال : أن يعطي مما أعطاه الله ـ العطاء مطلق العطاء ـ قال يا رسول الله : أفإن كان لا يملك ، فقال : فليأمر بالمعروف ، ولينهَ عن المنكر ، قال : فإن كان لا يستطيع ، قال : فليعن الأخرق ، قال : فإن كان لا يحسن ، قال له: أما تريد أن تدع لصاحبك من خير .

لا يستطيع أن ينفق مما أعطاه الله ، و لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ، و لا ينهى عن المنكر، و لا أن يعين الأخرق ، ليس له أي إيجابية ، قال له : فليمسك أذاه عن الناس ، فجاء السؤال المحرج ، أو إن فعل ذلك دخل الجنة ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : ما من عبد مسلم يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة .

أنت ابدأ بالصلاة ، الصلاة تجرك للصدقة ، تصدّق الصدقة تجرك إلى مجلس علم ، احضر مجلس علم يجرك إلى عمل صالح ، اعمل عملاً صالحاً يجرك إلى دعوة إلى الله ، تدعو إلى الله يجرك إلى اتساع الدعوة ، ثم يجرك هذا الشيء إلى اتصال بالله طويل المدى ، ثم بعد ذلك تتألق ، ثم يرفع الله لك ذكرك ، لذلك عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ....)) .

 [ ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي ]

أي لن تحصوا خيرات الاستقامة ، أي المستقيم ينتظره خير لا يعلمه إلا الله .

الملخص : أسباب تسليط الله للسحرة و الشياطين مردها إلى مخالفات شرعية يستسهلها العبد أحياناً ، و لا يأبه لمكانتها فيعاقبه الله عز وجل بما يذكره ، و يعيده إلى مقام التعظيم ، فالذي لا يعظم حرمات الله عز وجل  يذله الله ، و يفضحه ، و لو في جوف داره .

أيها الإخوة الكرام ، ما من تسلط للشياطين على البشر إلا بسبب غفلة وذنب ، إذاً التحصين من السحرة ، و من الجن أن تكون مع الله ، لائذاً بحماه ، مقبلاً عليه ، مطبقاً لأمره ، تذكره في كل حين ، عندئذ أنت في حصن حصين .

إخواننا الكرام ، لو سألت الإنسان : لماذا هو مشدود إلى الله ؟ الجواب : لعلك تظن أن هذا الإسلام دين الله ، هو في الحقيقة دين الله ، أو لعلك تقول : إن هذا الإسلام أعطانا تفسيراً عميقاً و دقيقاً و متناسباً حول الكون و الحياة و الإنسان ، هذا الإسلام العظيم قدم لك تفسيراً عميقاً ، و قدم لك صورة متناسقة ، و قدم لك فلسفة مريحة .

إخواننا الكرام ، المسلمون فقط يوجد عندهم انسجام ، غير المسلم لو أنه رأى ما يجري في العالم من حروب ، من قهر ، من قتل ، من هدم بيوت ، من تجريف مزارع ، من ردم آبار ، من إذلال ، يختل توازنه لأنه لا يجد عنده جواب دقيق عن كل ما يجري ، المؤمن إذا قرأ القرآن لا يوجد شيء يجري أمامه إلا عنده تفسير واضح ، شخص مثلاً يذهب إلا بلاد الغرب يجد بلاداً جميلة جداً ، غنية جداً ، أنيقة جداً ، نظيفة جداً ، الناس في بحبوحة ، في ترف ، غارقون في كل اللذائذ المحرمة ، يرتكبون كل المعاصي و الآثام ، و هم أقوياء و أغنياء و ، يسيطرون على العالم ، الشخص يختل توازنه ، مسلمون يعانون الأمرين ، يعانون من الظلم و الجور في كل بقاع الأرض ، و كفار ملحدون منحرفون ، شاذون ينعمون بكل شيء ، يختل توازنه ، يقرأ القرآن عندما يستعيد توازنه :

[ سورة الأنعام : الآية 44]

إنسان آخر يرى ما يجري في العالم من حروب و من صراعات ، و من أحقاد و من قتل ، فيعجب ، الإنسان لماذا هكذا ؟ يقرأ القرآن :

[ سورة المائدة : الآية 14]

هذا قانون العدالة و البغضاء ، يأتي إنسان آخر يجد شخصاً غير موفق ، أينما ذهب الأبواب مغلقة في وجهه ، و إنسان كيفما تحرك وفقه الله عز وجل .

إن كان لا يقرأ القرآن يقول لك : محظوظ ، هذا حظ ، الحظ إله الحظ ما هذا الحظ ؟ ماذا يعني الحظ ؟ لا يعني شيئاً ، شيء وهم ، إذا قرأ القرآن :

[ سورة الليل ]

هذا قانون التيسير و التعسير ، و هذا قانون العدالة و البغضاء ، و كل شيء له قانون ، إذاً قانون الأمن : إذا كان الشخص مطمئنًا الأخطار تحيط به من كل جانب وهو مطمئن ، و إذا كان مع إنسان أموال لا تأكلها النيران إنسان وهو خائف ، إياك ، اقلب العملة ، يوجد أحداث خطيرة ، يأتي شخص ليس معه قرش ليقلب العملة ، لا يوجد معه شيء ، و هو مطمئن ، و  تقرأ القرآن :

[ سورة الأنعام]

الأمن له قانون ، التيسير له قانون ، التوفيق له قانون ، العداوة و البغضاء لها قانون ، بطولتك أن تكتشف قوانين القرآن ، هذه القوانين هي التي تتحكم في كل شيء :

[ سورة الأنعام : الآية 115]

هذه كلمات الله ، أي قوانين الله عز وجل .

أيها الإخوة الكرام ، النصيحة لا تحابِ نفسك ، لا تحسن بها الظن ، اقسُ عليها ، اتهمها فهو لصالحك ، الإنسان دائماً يميل إلى أن يتملق نفسه ، فإذا أصابته مصيبة يقول كذباً و بهتاناً: هذه ترقية ، من قال لك : إنها ترقية ، و إن أصابت غيره مصيبة قال : هذا عقاب ، من قال لك : هذا عقاب ؟ لماذا تفسر المصيبة تصيبك على أنها ترقية ، و المصيبة تصيب أخاك على أنها عقاب ؟ اقرأ قوله تعالى دائماً :

[ سورة النساء : الآية 147]

اتهم نفسك ، و سيدنا عمر يقول : " تعاهد قلبك " ، يجب أن تفحص نفسك كيف صلاتك ؟ تصلي فلا تشعر بشيء ، تذكر فلا تشعر بشيء ، تقرأ القرآن فلا تشعر بشيء ، ادع الله أن يهبك قلباً ، لأنه لا قلب لك ، لا يوجد قلب أبداً .

أحياناً براد يباع ببعض الأسواق لا يوجد له محرك إطلاقاً ، لكن يوجد وصل من المأخذ الكهربائي إلى بلورة في داخله ، يقول لك : شعل ، إذاً هو شغال ، لا ، لا يوجد محرك أبداً ، إذاً إذا صلى شخص ، و لم يتأثر ، ذكر ، و لم يتأثر ، قرأ القرآن ، و لم يتأثر ، لا يوجد قلب إطلاقاً ، قلبه خاوٍ :

[ سورة البقرة : الآية 259]

أيها الإخوة الكرام ، هذه الدروس أولاً لها فائدة ، طبعاً دروس الجن والسحرة والمشعوذين لها فائدة ، أنها تعلمك طريق الوقاية منها ، وصدّق عدد الذين يصابون بمس من الجن كثيرون جداً ، حينما قررت هذه الدروس لم أقررها من فراغ .

بالأسبوع يوجد سؤالان ، ثلاثة ، أربعة ، خمسة ، أحياناً عن أسر أحد أفرادها مصاب بمس من الجن ، و مشكلة كبيرة يكاد يخنقه يجعل حياته جحيماً لا يطاق ، والإنسان حينما يلهمه الله الصواب يقيه من هذا المس ، هذه واحدة .

الهدف الثاني : أنك إذا فهمت هذه الحقائق أحسنت الظن بالله عز وجل ، و محور هذه الدروس :

[ سورة الأنعام : الآية 129]

أي ظلمة الجن تضيق على ظلمة الإنس :

[ سورة الأنعام : الآية 128]

الجن استعلوا على الإنس ، و الإنس أخذوا بعض المساعدات ، و بعض الأفكار ، و بعض الترهات ، نقلوها بين الناس ، و ابتزوا أموالهم ، أو اعتدوا على أعراضهم .

قضية السحرة و المشعوذين هذا موضوع ينبغي أن يكون واضحاً لديكم أولاً ، ولمن حولكم ثانياً ، لأن المشكلة أنه أحياناً إنسان مثقف ينصاع لهذه التصرفات المنحرفة ، فأنا أريد أن يكون الإنسان محصناً بالعلم ، أنا أكثر دعاء أتأثر به ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل و الوهم إلى أنوار المعرفة و العلم ، و من وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi