English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة والإعجاز : الدرس "01" - علة وجود الإنسان  – الأحد 08/04/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الأول من دروس العقيدة والإعجاز .

 

Text Box: الإنسان كائن متحرك :

 

1 – حركةُ الإنسان ناتجةٌ عن دوافع فيه :

بادئ ذي بدء ، الإنسان كائن متحرك ، هناك كائن سكوني ، قطعة الخشب هذه سكونية ، لكن الإنسان كائن متحرك ، ما الذي يحركه ؟ دوافع أودعها الله فيه ، أودع فيه حاجة إلى الطعام ، أودع فيه حاجة إلى الزوجة ، أودع فيه حاجة إلى تأكيد الذات ، هو كائن متحرك .

2 – حاجاتُ الإنسان الأساسيةُ ثلاثٌ :

وقد أودع الله فيه حاجات أساسية ثلاثا ، الأولى إلى الطعام و الشراب و الثانية إلى الزواج و الثالثة إلى تأكيد الذات ، ولولا هذه الدوافع الثلاثة لما رأيت شيئاً على وجه الأرض ، لأنك بحاجة ماسة إلى الطعام و الشراب ، تعمل ، وبالعمل تبني ، هذا أنشأ مدرسة ، أو مستشفى ، أو رصف طريقاً ، أو صنع خزانة ، أو درس طبا ، أو درس هندسة ، لأن الإنسان بحاجة إلى الطعام والشراب إذاً هو يعمل ، وحينما يعمل يبني ، لذلك الله جعل العمل ابتلاء لنا ، نصدق أو لا نصدق ، نتقن أو لا نتقن ، نخلص أو لا نخلص .

3 – بين الجماد والنباتِ :

 

لكن بالمناسبة تعريف الجماد أنه شيء يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، هذا الجماد .

أما النبات فشيء أيضاً يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، لكنه ينمو ، هذا الفرق ، بينما الحيوان شيء يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وينمو كالنبات ويتحرك ، ويمشي الحيوان ، أما الإنسان فشيء يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وينمو ، ويتحرك ، ويفكر .

إذاً أشرف شيء في الإنسان عقلُه ، أودع الله فيه قوة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية غذاؤها العلم ، فما لم تطلب العلم ، ما لم تبحث عن الحقيقة ، ما لم تسع إلى الحقيقة ، ما لم تؤمن فقدتَ قيمتك الإنسانية ، أصبحت حياة الإنسان حيوانية ، لذلك الإنسان من دون علم هو كالبهيمة ، والدليل :

] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) [ .

[ سورة الجمعة ]

] إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) [ .

[ سورة الفرقان ]

بل كأنهم :

] خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4) [ .

[ سورة المنافقون ]

أيها الإخوة : النقطة الدقيقة الأولى أن الإنسان كائن متحرك ، أما يوجد كائنات جامدة سكونية لا تتحرك ، ما الذي يحركنا ؟ الحاجة إلى الطعام ، لذلك الله عز وجل لما أراد أن يثبت بشرية الأنبياء ماذا قال ؟ قال : ] وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ [ .

[ سور الفرقان : من الآية 20 ]

أي هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام ، ومفتقرون إلى ثمن الطعام ، إلى أن يعملوا في الأسواق ، إذاً : هذا دليل بشريّتهم ، يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق .

 

Text Box: غذاءُ العقلِِ والقلب والجسم :

 

لذلك أيها الإخوة الكرام ، الإنسان كائن فيه عقل يدرك ، وفيه قلب يحب ، وفيه جسم يتحرك ، العقل غذاؤه العلم ، والقلب غذاؤه الحب ، والجسم غذاؤه الطعام والشراب ، وما لم تلبَّ الحاجات الثلاث ، ما لم تطلب العلم ، وما لم تطلب الحب مع الله عز وجل ، وما لم تطلب حاجتك الأساسية من الغذاء والنوم والراحة فقد تطرفت .

Text Box: تفادي التطرف في تلبية غذاء على حساب آخر :

 

ما الفرق بين التطرف والتفوق ؟ التفوق أن تلبيَّ كل الحاجات دفعة واحدة ، أن تعمل على الخطوط الثلاثة تطلب العلم ، وتنمي القلب ، وتعتني بالجسم ، بينما التطرف أن ينمو عقلك على حساب قلبك ، أو ينمو قلبك على حساب عقلك ، أو أن تنمو عضلاتك على حساب عقلك و قلبك ، الفرق كبير بين التطرف و بين التفوق ، وقد ذكرت لكم من قبل أن الإنسان ما لم يهتم بعلاقته بربه ، وبعلاقته بأهله ، وبعلاقته بعمله ، وبعلاقته بصحته ، فإن أي خلل في أحد هذه البنود الأربعة ينعكس على البنود الثلاثة .

 

Text Box: متى تصحُّ حركةُ الإنسانِ ؟

 

الآن الإنسان كائن متحرك ، هذه الحركة متى تصح ؟ الحركة قد تصح ، وقد لا تصح ، قد تكون هادفة ، وقد تكون عشوائية ، قد تكون مثمرة ، وقد تكون مخفقة ، فالبطولة لا أن أتحرك ، لكن البطولة أن تأتي حركتي وفق الهدف الصحيح .

إنسان جائع ، أو إنسان في حالة عطش شديد ، وهو على مشارف الموت ، وأمامه طرق عديدة ، بطولته لا أن يتحرك ، بطولته أن يتحرك نحو الماء ، لأن سلامته بالماء ، إذاً : الإنسان كائن متحرك ، فيه عقل يدرك ، فيه قلب يحب ، فيه جسم يتحرك ، هذه الحركة لا تصح إلا إذا عُرف الهدف .

أوضح مثل : ذهبت إلى بلد غربي ، نزلت في بعض الفنادق ، استيقظت في اليوم الأول ، سألت : هذا اليوم إلى أين أذهب ؟ نقول : أنت لماذا جئت إلى هنا ؟ نسألك لماذا جئت إلى هنا ؟ فإن قلت : أنا أتيت طالب علم نقول له : اذهب إلى المعاهد والجامعات ، يقول : أنا جئت سائحاً ، نقول له : اذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، يقول : أنا جئت تاجراً ، نقول : اذهب إلى المعامل والمؤسسات .

الحقيقة الدقيقة : لا تصح حركتنا في الحياة ، أول كلمة قلتها : الإنسان كائن متحرك ، هذه الحركة لا تصح ، ولا تكون سليمة ولا تكون مثمرة ، ولا تكون ناجحة إلا إذا عرفت الهدف من وجودك في هذا المكان .

أحياناً تتحرك السيارة حركة طائشة فتسقط في الوادي ، يموت كل ركابها ، فالبطولة لا أن تتحرك ، انظر إلى الناس صباحاً كلهم يتحركون :

]وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى(4) [ .

[ سورة الليل]

كل شخص في باله شيء يسعى إليه ، فالبطولة لا أن نتحرك ، البطولة أن تأتي حركتنا وفق الهدف الصحيح ، لذلك قال تعالى :

]قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) [ .

[ سورة الكهف ]

لابد من أن تكون الحركة وفق هدف ، مع الأسف الشديد أجريَ استبيان ، وسئل ألف إنسان : ما الهدف الذي تسعى إليه ؟ فكان الجواب : أن ثلاثة بالمئة من الذين أجري عليهم الاستبيان أهدافهم واضحة ، والسبعة والتسعين بالمئة حركة عشوائية بلا هدف ، لذلك أنا أقول دائماً : إما أن تخطط ، أو أن يُخطط لك ، إما أن تفعل ، أو يُفعل بك ، إما أن ترسم هدفًا لك أو يُرسم لك هدف ماكر من أجل أن تكون مستَغلاً .

 

Text Box: العلم قضية خطيرةٌ :

 

لذلك قضية العلم قضية خطيرة ، قال تعالى :

]وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) [ .

[ سورة النساء]

وأنا أقول دائماً أيها الإخوة الكرام : أعظم كرامة للإنسان هي كرامة العلم ، هي كرامة لا تحتاج إلى خرق للعادات ، لذلك الآية الدقيقة :

]وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) [ .

[ سورة النساء]

]وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) [ .

[ سورة القصص ]

إذاً : أنت حينما تذهب إلى بلد غربي كي تنال الدكتوراه ، بلاد واسعة جميلة ، فيها مقاصف ، فيها متنزهات ، فيها مسارح ، فيها دور سينما ، فيها ملاهٍ ليلية ، فيها شوارع منحطة ، فيها أماكن جميلة ، فيها متاحف ، فيها آثار ، فيها جامعات ، فيها مدارس ، فيها معامل ، فيها مؤسسات ، فيها مقاصف ، أنت حينما تعرف أنك في هذا البلد من أجل هدف واحد ، و هو نيل الدكتوراه ، دقق الآن ما الذي يحدث ؟ إذا كان هدفك واضحاً تختار مئات بل ألوف الوسائل التي تعينك على تحقيق الهدف .

ذهب طالب إلى بلد غربي للدكتوراه ، أول شيء يستأجر بيتاً إلى جانب الجامعة توفيراً للوقت و الجهد والمال ، يصادق طالباً يتقن اللغة الفرنسية ، يشتري مجلة متعلقة باختصاصه ، يزور معرضاً علمياً ليزداد علماً باختصاصه ، أنت حينما يتضح هدفك تُرشد إلى الوسائل المعينة على تحقيق هدفك ، لذلك أول حقيقة : لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سر وجوده و غاية وجوده .

 

Text Box: متى يسعدُ الإنسانُ ؟

 

1 – معرفةُ الهدف في الحركة اليومية :

شيء ثان : متى يسعد ؟ يسعد إذا جاءت حركته في الحياة وفق الهدف الذي رسمه لنفسه ، الدليل : إنّ طالباً على مشارف امتحان مصيري ، له أصدقاء يحبونه ليسوا في الجامعة لهم أعمال حرة ، أرادوا أن يأخذوه معهم إلى متنزه جميل ، هو يحبهم ، ويحبونه ، والمكان جميل جداً ، والطعام فاخر ، و المناظر رائعة ، لكنه على مشارف امتحان مصيري ، إذا أخذوه مرغماً لماذا يشعر بضيق شديد ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه ، يشعر بانقباض ، هذا الطالب لو قبع في غرفة مظلمة ، وقرأ الكتاب المقرر ، وفهمه ، واستوعبه يشعر براحة كبيرة جداً ، من أين تأتي الراحة ؟ حينما تأتي الحركة مطابقة للهدف ، إذاً : أنت تصح حركتك إذا عرفت سر وجودك ، وأنت أيضاً تسعد إذا جاءت حركتك مطابقة لهدفك ، هذه كلها مسلمات .

2 – الإنسان مفطور على حب وكمال وسلامةِ واستمرارِ وجودِه  :

أيها الإخوة الكرام ، من الثابت أيضاً أن الإنسان مفطور أو مجبول أو بالتعبير المعاصر مولَّف على حب وجوده ، اعترفت بهذا أم لم تعترف ، أأقررت بهذا أم لم تقر ، مفطور مجبول على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، أي لا يوجد شخص من بين الستة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض في القارات الخمس إلا و هو حريص حرصاً لا حدود له على حب وجوده و على حب سلامة وجوده و على حب كمال وجوده و على حب استمرار وجوده .

مَن منا يتمنى المرض ؟ من منا يتمنى الفقر ؟ من منا يتمنى أن يفقد حريته ؟ أبداً ، هذه قواسم مشتركة في الأرض ، ] خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [ ، الفطرة واحدة ، الخصائص واحدة ، الأهداف واحدة .

 

Text Box: متى أحقق سلامة وجودي ؟

 

لذلك أيها الإخوة ، أنا متى أحقق سلامة وجودي ؟ أنت أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع حكيم ، صانع خبير ، ومع هذا الصانع تعليمات التشغيل والصيانة ، فأنت انطلاقاً من حبك لذاتك ، من حبك لوجودك ، من حبك لسلامة وجودك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع :

] مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (15) [ .

[ سورة الجاثية ]

1 – بمعرفة علاقة المعصية بنتائجها :

حينما تنطلق من أن تعليمات الصانع فيها نتائجها ، وأن المعصية فيها نتائجها ، وأن العلاقة بين الأمر ونتائجه علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، وأن العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة .

للتوضيح : حينما تُنهَى عن أن تقترب من خط التوتر العالي ، إذا اقتربت فلا داعي إلى الشرطة ، و لا إلى الضابطة القانونية ، ولا إلى تسطير مخالفة ، التيار نفسه يعاقبك ، إذا اقتربت من التيار إلى مسافة أقلَّ من ثمانية أمتار يصبح الإنسان قطعة من الفحم ، إذاً : القضية ليست مخالفة ضبطت ، وليست إنسانا وضع نظاما حاسبك ، الأمر أعقد بكثير ، لذلك حينما تؤمن أن العلاقة بين الأمر ونتائجه ، وبين النهي ونتائجه علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة تستقيم على أمر الله طلباً للسلامة .

لعل هذا الدرس من دروس المقدمات ، مقدمات العقيدة ، العلاقة بين الأمر والنهي علاقة علمية ، قد تكون علاقة وضعية .

أحياناً بلد بدافعٍ من حفاظه على قوة عملته يمنع تحويل العملة ، فلو أن مواطناً حمل معه عملة صعبة ، وغادر بها يحاسب حساباً شديداً ، وفي  بلاد أخرى لا يحاسَب ، إذاً : نقول : هناك علاقة وضعية ، أي أنّ أولي الأمر ارتأوا أن يحاسبوا من يخرج العملة الصعبة من بلده ، العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة وضعية ، وليست علمية .

لو أن أباً منع ابنه أن يستخدم هذا الباب ، وللبيت بابان ، فمنع ابنه من استخدام الباب الأول ، وسمح بالباب الثاني ، لو أن ابنه استخدم الباب الأول ، والباب من أجل الخروج ، لكن الأب منع ذلك ، نقول : العلاقة بين المنع والعقاب علاقة وضعية ، لأن الأب وضَعها ، لذلك معظم القوانين علاقة وضعية ، لكن أوامر الشرع علاقة علمية ، أي كل أمر فيه بذور نتائجه ، و كل نهي فيه بذور نتائجه ، أنت بهذا تكون فقهياً .

الفقيه إذا رأى لوحة كتب عليها : " ممنوع التجاوز حقل ألغام " ، لا يحقد على واضع اللوحة ، ولا يراها حداً لحريته ، بل يراها ضماناً لسلامته .

 

2 – طاعة الخالقِ الخبير العليم :

لذلك أيها الإخوة ، تتحقق سلامة وجودك حينما تطيع الخبير :

] وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) [ .

[ سورة فاطر ]

خبير بسلامتك ، خبير بسعادتك ، خبير بنشاطك ، خبير بمآلك ، إذاً : سلامة الوجود يحققها اتباع تعليمات الصانع ، أي افعل ولا تفعل ، لذلك المؤمن يقول أحياناً : أنا لا أكذب ، هذا جيد ، يطبق تعليمات الصانع ، أنا لا أغتاب ، جيد جداً ، أنا لا آكل المال الحرام ، جيد جداً ، لكن الاستقامة طبيعتها سلبية ، أكثر كلمات الاستقامة مسبوقة بما النافية ، ما آكل مالاً حراماً ، بارك الله ، ما أكذب ، ما بغش ، ما أغتاب ، ما أزني ، ما أشرب خمراً ، ما أقتل ، جيد ، السلامة تحتاج إلى استقامة :

] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) [ .

[ سورة فصلت]

الآن أنت مفطور على حب وجودك ، وعلى حب سلامة وجودك ، وعلى حب كمال وجودك ، كمال الوجود يحتاج إلى قرب من الله ، قال تعالى :

] أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) [ .

[ سورة الرعد]

3 – القربُ من الله :

لا طريق للسعادة إلا أن تكون قريباً من الله :

] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (124) [ .

[ سورة طه]

والله قرأت بحثاً عن أربعمئة إنسان ، وهي دراسة مطولة مجهدة عن أربعمئة إنسان في قمم النجاح ، أكثرهم انتحر ، لأنه أراد الدنيا فقط ، ونسي الآخرة :

] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) [ .

[ سورة طه]

لذلك أحد كبار المهندسين في العالم صمم جسر استنبول الأول الذي يربط قارتي آسيا وأوربا ، و هذا الجسر يعبره في اليوم ثلاثمئة ألف سيارة ، في أثناء افتتاح الجسر ألقى بنفسه في البوسفور ، فذهبوا إلى غرفته بالفندق فإذا ورقة كتب عليها : لقد ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً فأردت أن أذوق طعم الموت .

إن الحياة من دون معرفة الله حياة جوفاء ، حياة تافهة ، حياة لا قيمة لها ، لذلك مساكين أهل الدنيا ، جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها ، ولم يذوقوا أطيب ما فيها ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة :

] وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) [ .

[ سورة محمد]

ذاقوا طعمها في الدنيا :

فلو شاهدت عيناك مـن حسننـا        الذي رأوه لمـا وليت عنا لغيرنا

ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا        خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا

ولـو ذقت من طعم المحبة  ذرة        عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنا

ولـو نسمت من قربنا لك نسمة         لمتّ غـريباً واشتيــاقاً لأجلنا

***

أيها الإخوة الكرام : السعادة الحقيقية أن تتصل بالله :

] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) [ .

[ سورة طه]

] أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) [ .

[ سورة الرعد]

هذه حقيقة ، البطولة أن تكشفها في مقتبل العمر ، لا أن تكشفها في نهاية العمر :

] لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً (158) [ .

[ سورة الأنعام]

 

Text Box: خيارُ الناس مع الإيمان خيارُ وقتٍ :

 

إخوتنا الكرام ، خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط ، أنت معك مليون خيار قبول أو رفض ، قد ترفض هذه الوظيفة لضآلة دخلها ، وقد ترفض هذه الزوجة ، أو هذه الفتاة إذا خطبتها ، لأن ثقافتها لم تعجبك ، وقد ترفض هذا البيت لصغر مساحته ، لكنك إذا رفضت الإيمان تحتقر نفسك :

] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) [ .

[ سورة البقرة ]

Text Box: كيف تحقق استمرار وجودك ؟

 

خيارك مع الإيمان خيار وقت ، إذاً : سلامة الوجود بإتباع تعليمات الصانع ، وكمال الوجود بالتقرب إلى الله ، بقي الشيء الثالث ، واستمرار الوجود بتربية الأولاد ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) .

[ صحيح عند ابن خزيمة]

مرة توفي أحد خطباء دمشق الكبار ، كان خطيباً بالأموي ، وأجري له حفل عزاء كبير في الجامع الأموي ، في آخر يوم اعتلى ابنه المنبر ، وألقى خطبة كأبيه ، فقلت في نفسي : والله لم يمت أبوه إذاً ، هناك استمرار .

حينما تتزوج ، وتنجب الأولاد كما قال سيدنا عمر : << و الله إني أقوم إلى زوجتي ، و ما بي من شهوة إلا ولداً صالحاً ، أرجو الله أن ينفع الناس من بعدي >> .

حينما تتزوج ، وتفكر أن يكون أولادك أولاداً صالحين ، والحديث الشريف يؤكد هذا المعنى :  (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) ، فأنت تحقق سعادتك بالتقرب منه ، التقرب من الله إيجابي .

الاستقامة : أنْ تقول : أنا ما كذبت ، ما غشيت ، ما اغتبت ، ما سرقت ، ما خنت ، كلها نفيٌ ، لكن العمل الصالح أنْ تقول : يا رب ، أنا بذلت أي دفعت من مالي ، بذلت من وقتي ، بذلت من جهدي ، جئت إلى مجلس علم ، أنا أجلس في البيت مرتاحاً ، على أريكةٍ مريحة ، وهناك شاي ، وقهوة ، وضيافة ، وفواكه ، وأمامي ، و زوجتي أمامي ، لكن أنا جئت إلى المسجد ، وركبت ساعة بالسيارة ، و لدرس ساعة ، والعودة ساعة من أجل أن أطلب العلم يا رب ، فلذلك التقرب من الله إيجابي ، ليس فيه نفيٌ ، يا رب ، أنا حضرت درساً ، أنا بذلت علماً ، أنا ألفت كتاباً ، أنا أسست جمعية ، أنا أنشأت ميتماً ، أنا أنشأت مستوصفاً ، أنا أعنت على الخير ، أنا بنيت مسجداً .

لذلك أيها الإخوة الكرام ، تسلم باستقامتك ، وتسعد بعملك الصالح ، و العمل الصالح يرفعك ، و تستمر بتربية أولادك .

إن أردت أن تستمر فربِّ ولداً يدعو لك من بعدك ، ربِ ولداً صالحاً :

] وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) [ .

[ سورة الطور]

أي ألحقنا بهم أعمال ذريتهم .

Text Box: أهمية المنهج الإلهي :

 

أيها الإخوة الكرام ، من أجل أن نعلم قيمة المنهج قال تعالى :

] الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) [ .

[ سورة الرحمن ]

بالترتيب ، وهنا سؤال كبير : أيعقل أن يُعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟

الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)

[ سورة الرحمن ]

هذا غير معقول ، لكن علماء التفسير قالوا : هذا الترتيب ترتيب رتبي ، وليس ترتيبًا زمنيًا ، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، والمثل واضح جداً ، آلة بالغة التعقيد ، غالية الثمن ، عظيمة النفع ، استوردتها ، وهناك خطأ بالاستيراد ، لم يرسل لك تعليمات التشغيل والصيانة ، إن استخدمتها من دون تعليمات تتلفها ، وتخسر ثمنها ، وإن جمدتها خوفاً على سلامتها عطلت ثمنها ، أليست تعليمات المعمل الصانع أهم منها ؟

] الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) [ .

[ سورة الرحمن ]

Text Box: كل مصيبة ومعصية بسبب الجهل والخروجِ عن تعليمات الخالق :

 

أؤكد لكم أيها الإخوة الكرام أنه ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن تعليمات الصانع ، و ما من خروج عن تعليمات الصانع إلا بسبب الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .

إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .

إن طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .

مرة دخلت إلى ثانوية في دمشق ، وهي من أقدم الثانويات ، درست فيها سنوات طويلة ، كُتب في مدخلها لوحة بخط أكبر خطاط : رتبة العلم أعلى الرتب .

إذاً : أيها الإخوة الكرام ، ما من إنسان في الستة آلاف مليون على وجه الأرض إلا وهو يتمنى السلامة والسعادة ، وقد فطر كل إنسان على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، سلامة الوجود بطاعة الله ، بالاستقامة على أمره ، وكمال الوجود بالقرب منه ، واستمرار الوجود بتربية ولد صالح ينفع الناس من بعدك ، ويكون استمراراً لك .

 

Text Box: ما هي علّةُ وجود الإنسان ؟

 

1 – عبادة الله وحده هي علّةُ وجود الإنسان :

الآن ما علة وجودنا في الأرض ؟ في البداية قلت : حينما تعرف سر الوجود تصح الحركة ، ما علة وجودنا على سطح الأرض ؟ نفتح القرآن الكريم ، يقول الله عز وجل :

] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [ .

[ سورة الذاريات ]

العبادة علة وجودنا على سطح الأرض :

] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [ .

[ سورة الذاريات ]

فعلة وجودنا العبادة ، أنت حينما تعبد الله حققت الهدف من وجودك .

2 – مفهوم العبادة يضيق ويتّسع :

ولكن العبادة مفهوم يتسع كثيراً جداً ، و ضيق ، يضيق عند الجهلة إلى أن يُتوهم أداء الصلوات والصيام والحج والزكاة ، ويتسع ، ويتسع ، ويتسع إلى أن يصبح منهجاً كاملاً لكل شؤون الحياة ، يبدأ من فراش الزوجية ، و ينتهي بالعلاقات الدولية ، منهج كامل ، و أي إنسان يتوهم العبادة بأن صلى ، و صام ، و حجّ ، و زكّى فهو واهم أشد الوهم .

لا أريد أن أبالغ إن قلت : قد يصل منهج الله عز وجل إلى خمسمئة ألف بند ، منهج الله يدور معك في كل أوقاتك ، وفي كل شؤون حياتك ، إن دخلت إلى البيت فهناك سنة نبوية دعاء خاص ، إن جلست إلى الطعام ، إذا نظرت إلى الزوجة ، إذا نظرت إلى نفسك في المرآة : اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي ، إذا خرجت من البيت : الله إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل ، أو أَذل أو أُذل ، أو أجهل أو يُجهل علي ، إذا قمت بعمل جراحي ، وأنت طبيب : الهم إني تبرأت من حولي و قوتي ، و التجأت إلى حولك و قوتك يا ذا القوة المتين .

3 – كل حركةٍ في الحياة منوطة بحكم شرعي :

عندنا أمر فرض ، أمر واجب ، أمر ندب ، أمر استحباب ، أمر تحسين ، عندنا شيء مباح ، عندنا شيء مكروه تنزيهاً ، شيء مكروه تحريماً ، شيء حرام ، ما من حركة ، ولا سكنة ، و لا نشاط ، و لا صلة ، و لا قطع ، و لا غضب ، و لا رضا إلا ويغطّيه حكم فقهي .

 

4 – وجوبُ طلب العلمِ الضروريِّ :

لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم ، كيف تطيع الله إن لم تعرف أمره و نهيه ؟ حضور مجلس علم لمعرفة الأمر والنهي ، وليس العلم شيئا لك الخيار فيه ، لابد من طلب العلم ، الذي ينزل بالمظلة يمكن أن يجهل شكل المظلة ، يا ترى دائري ، بيضوي ، مربع ، مستطيل ،  يمكن أن يجهل نوع القماش ، خيوط صناعية ، أو طبيعية ، يمكن أن يجهل كم عدد الحبال ، وما نوع خيوطها ، وما ألوان الحبال ، هناك عشرات المعلومات والمعطيات في المظلة قد يجهلها المظلي ، لكنه إذا جهل شيئاً واحداً ينزل ميتاً ، طريقة فتحها ، طريقة فتح المظلة علم ينبغي أن يُعلم بالضرورة .

تقود مركبة قد تجهل من أية مادة صنعت المكابح ؟ كيف جعلت هذه المركبة انسيابية الخطوط ؟ يا ترى ضغط ، صب ، تطريق ؟ كيف صنع المحرك ؟ ما آلية المحرك ؟ قد تجهلها كلياً ، لكن كيف توقف المركبة مستحيل أن تجهل هذه الحقيقة ، وإلا كان الحادث محققا ، فإقلاع المركبة ، وإيقاف المركبة ، وانحراف المركبة أشياء يجب أن تعلم بالضرورة ، لا خيار لك فيها .

أؤكد لكم قد تكون طبيباً تحمل أعلى شهادة ، بورد بأمريكا ، ببريطانيا ( إف آر إس ) ، أعلى شهادة في الطب ، بفرنسا ( أك ري جي ) ، عندنا بورد عربي ، قد تحمل أعلى شهادة ، وأنت في الدين أميٌّ ، كما أن عالم الدين إذا أطلعته على تخطيط قلب هو أميّ ، لكن الطبيب يفهم منها كل شيء ، من هذه الخطوط ، إذاً : لو معك شهادة علمية قد تكون في الدين أمياً ، إذاً : هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة ، وهذا العلم فرض عين على كل مسلم ، أما تاريخ التشريع الإسلامي فهو فرض كفاية ، الفقه المقارن فرض كفاية ، أدلة الفقهاء الكبار فرض كفاية ، علم التجويد غرض كفاية ، علم الفرائض فرض كفاية ، أما كيف تؤدي الصلوات الخمس ؟ كيف تصوم ؟ كيف تحج ؟ كيف تبيع ؟ كيف تشتري ؟ كيف تتزوج ؟ حقوق الزوجة ، حقوق الزوج ، هناك جزء و كم كبير من الدين يجب أن يُعلم بالضرورة تماماً كطريقة فتح المظلة ، إن لم تعلم فتح المظلة ينزل الإنسان ميتاً .

إنّ إنسانا مظليًّا بلغوه أن أول زر يضغطه تفتح ، إذا ما فتحت فهناك زر آخر تضغطه تفتح ، إذا ما فتحت فهناك زر ثالث تضغطه تفتح ، وعندما تنزل إلى الأرض تجد سيارة تأخذك للثكنة ، كبس أول زر ما فتحت ، الثاني ما فتحت ، الثالث ما فتحت قال : أحلى ألاّ نجد سيارة أيضاً .

إذاً : هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة ، هذا علم أركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، والقسم الفقهي المتعلق بشؤونك الشخصية وبحرفتك :

أنت تاجر أحكام البيع والشراء .

أنت محامٍ ، أو طبيب ، أو مدرس ، أحكام الجعالة أن أجر الطبيب يأخذه لا على الإنجاز ، يأخذه على بذل العناية فقط ، كل حرفة لها أحكام معينة ، فما لم تطلب الأحكام الشرعية تقع في المعاصي والآثام ، ومن دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى ، طلب العلم ليس شيئاً ترفاً ، شيء مصيري ، لأنّ بعد الموت جنة ونارًا ، لماذا قدم الله الموت على الحياة ؟ قال تعالى :

] الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (2) [ .

[ سورة الملك ]

لأن خيارات الإنسان عندما يولد مليار خيار أمامه ، يا ترى سيكون مهندساً أم طبيباً أم طياراً .

ثمة في ة حدودية ، دخل موجه تربوي إلى مدرسة ابتدائية ، وأوقف طالبا، رآه نبيهاً ، قال له : أنت يا بني ، حينما تكبر ماذا تحب أن تكون ؟ هناك جواب تقليدي : طبيب ، أستاذ ، طيار ، ضابط ، عالم ، قال له : مهرب .

إذاً : أيها الإخوة الكرام ، هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة ، هو العلم الديني ، أركان الإيمان ، أركان الإسلام ، كتاب الله ، تفسير كتاب الله ، تفسير حديث رسول الله ، نحن في ذكرى المولد مثلاً ، قال تعالى :