English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : العقيدة والإعجاز : (2) علة وجود الإنسان ( العبادة )  – الأحد 15/04/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

Text Box: العبادةُ :

 

1 – العبادةُ هي علّةُ وجودِ الإنسان :

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من دروس العقيدة و الإعجاز ، وموضوع الدرس اليوم ، العبادة .

العبادة علة وجودنا على وجه الأرض ، فلو أن طالباً سافر إلى بلد غربي لينال درجة الدكتوراه ليس له في هذا البلد من هدف إلا هذه الشهادة ، نقول له : إن علة وجودك في هذا البلد نيل الدكتوراه ، وأيّ شيء في هذا البلد يقربه من هدفه فهو مشروع ، وأي شيء يصرفه عن هذا الهدف فهو غير مشروع .

2 – اختيار الوسائل المشروعة لتحقيق الهدف المشروع :

فإذا علمت أن العبادة علة وجودك على وجه الأرض ، وهذا هو الهدف الكبير ، إذاً يجب أن تختار من جزئيات حياتك ، ومن معطيات بيئتك ما له علاقة بهذا الهدف ، وهذا هو النجاح كل النجاح ، وهذا هو الفلاح كل الفلاح ، وهذا هو الفوز كل الفوز ، علة وجودك أن تعبد الله ، كما أن الطالب علة وجوده أن ينال هذه الدرجة .

حينما تتضح الأهداف تتضح الوسائل ، وإذا أبلغتكم مع الأسف الشديد أن سبعة وتسعين بالمئة من الشباب في بلاد نامية لا يعرفون أهدافهم إطلاقاً يعيش هكذا بحكم وجوده بحكم الصوارف والمغريات والدوافع ، لذلك لا شيء يعلو عن أن تعرف سر وجودك ، وغاية وجودك ، أو لا شيء يعلو عن أن تعرف عن علة وجودك ، لقد أخبرنا القرآن الكريم بأن علة وجودنا أن نعبده ، الدليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، قال تعالى :

] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [ .

[ سورة الذاريات ]

3 – المفهوم الواسعُ للعبادة :

لكن كلمة عبادة قد تفهم فهماً ضيقاً جداً ، وهذه هي الطامة الكبرى ، وقد تفهم فهماً موسعاً جداً ، وهذه البطولة .

مثلاً : أي شيء يسير يسمى سيارة ، قال تعالى :

] وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ (19) [ .

[ سورة يوسف ]

 

أيّ شيء يسير بالمفهوم الواسع لكلمة سيارة ، أيّ شيء يسير ، بالمفهوم الضيق المركبة التي تتحرك على عجلات بقوة من محرك انفجاري فيه وقود سائل ، فإذا فهم المسلمون العبادة على أنها صلاة وصيام ، وحج وزكاة ، والنطق بالشهادة ، ليس غير ، ابتعدوا بُعد الأرض عن السماء عن فهم حقيقة دينهم ، لأن الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ )) .

[ البخاري عن ابن  عمر ]

الإسلام شيء ، والأركان الخمس شيء آخر ، الأركان دعائم ، الإسلام بناء ، منهج ، مجموعة قيم أخلاقية ، منظومة مبادئ ، سلسلة أوامر ، مجموعة نواه ، هذا هو الإسلام ، الإسلام منهج تفصيلي .

وصدقوا أيها الإخوة ، ولا أبالغ إن قلت : إنه يقترب من خمسمئة ألف بند ؛ في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في زواجك ، في طلاقك ، في تربية أولادك ، في تعاملك مع الناس ، مع مَن هم أقوى منك ، مع مَن هم أضعف منك ، مع مَن هم في مستواك ، في حلك ، في ترحالك ، في سفرك ، في حضرك ، في فقرك ، في غناك في حالة السلم في حالة الحرب منهج تفصيلي فكيف ضغطه المسلمون إلى خمس عبادات شعائرية ؟

4 – الدين ليس في المسجد !!!

كيف أصبح الإسلام ، هو الذي يصلي فقط ؟ هنا الطامة الكبرى ، ما لم نفهم العبادة فهماً موسعاً ، ما لم نفهمها منهجاً مفصلاً ، ما لم نفهمها فضلاً عن الشعائرية افعل ولا تفعل ، فنحن بعيدون عن حقيقة الدين ، ودائماً وأبداً الطرف الآخر يريدون أن يحصروا الدين في المسجد فقط ، أنت هنا مسلم ، لكنك خارج المسجد تأكل وتشرب ، وتلتقي وتحتفل ، وتمارس كل الشهوات ، وتقيم كل الحفلات التي ترضي والتي لا ترضي ، الإسلام في المسجد ، الذي أقوله بالعكس : أنت في المسجد تأخذ تعليمات الصانع ، وأنت في المسجد تقبض الثمن ، إن حضرت مجلس علم ، أن تتلقى تعليمات الصانع ، أما إذا دخلت لتصلي يتجلى الله عليك في المسجد ، فيمنحك الرضا ، يمنحك الحكمة ، يمنحك القرب ، يمنحك السعادة ، يمنحك الأمن ، المسجد لتلقي التعليمات ، والمسجد لقطف الثمرة ، دينك في مكتبك ، دينك في عيادتك ، دينك في غرفة العمليات ، دينك في مكتب المحامي ، دينك في زراعة الأرض ، هل تستخدم الهرمونات المسرطنة ؟ دينك في وظيفتك ، هل تضع العصي في العجلات أمام المواطنين لتبتز أموالهم ، أم تقدم لهم خدمة ، وهم دافعوا الضرائب ، دينك في عملك ، دينك في بيتك ، دينك في حفلاتك ، دينك في كسب مالك ، دينك في إنفاق مالك ، الدين النصيحة ، الطامة الكبرى أن نفهم العبادة مفهوماً ضيقاً ، أن نقصرها على الصلاة والصيام .

النبي عليه الصلاة والسلام  سأل أصحابه الكرام : من هو المفلس ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( أتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ : الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) .

[ مسلم ، الترمذي ]

أيها الإخوة ، علة وجودك في الدنيا العبادة ، علة وجودك في الدنيا أن تعرف الله ، وأن تعرف منهجه ، بل أن تعرف الله معرفة تدفعك إلى تطبيق أمره ، وأن تعرف الآخرة معرفة تمنعك مِن أن تؤذي مخلوقاً كائناً من كان ، وأن تبتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ، أن توظف مالك وعملك ، ووقتك وخبرتك ، وقدراتك ومهاراتك في سبيل الله عز وجل .

العبادة مفهوم واسع جداً ، وأسأل الله جل جلاله أن يمكنني في هذا الدرس أن أوضح العبادة .

 

Text Box: ما معنى العبادة ؟

 

أيها الإخوة الكرام ، من التعاريف الجامعة المانعة للعبادة أنها : طاعة ، فالذي لا يطيع الله لا يعبده ، بشكل مختصر العبادة الطاعة .

نحن في حياتنا ليس هناك إعجاب سلبي في الإسلام ، ما شاء الله دين رائع ، دين حضاري ، دين الفطرة ، لكنك لا تطبقه .

أحب شاب فتاة في بلاد الغرب ، فاستأذن والده بالزواج منها ، فأقام عليه الدنيا ، وتوعده أن يتبرأ منه ، ماذا يفعل ؟ بعد شهر عرض عليه شيئاً ، يا أبت ، لو أنها أسلمت فجاء الجواب إيجابياً ، قال له : لا مانع ، اختل توازن هذا الشاب من الفرح ، فانطلق إلى المكتبة ، واشترى لها كتباً باللغة الإنكليزية لتقرأها ، وتستوعب الإسلام كي تسلم ، ثم يوافق أبوه على الزواج منها ، أعطاها الكتب ، لكنها ذكية جداً ، طلبت منه إجازة أربعة أشهر كي تقرأ الكتب بهدوء ، وبعيداً عن ضغوطاته وعن تمنياته ، ومرت عليه هذه الإجازة كأربع سنوات ، عدّ الوقت بالدقائق والثواني ، فلما انقضت هذه الأشهر الأربعة اتصل بها ، وسمع منها كلمة اختل لها توازنه فرحاً ، قالت له : لقد أسلمت ، إذاً : حقق الهدف ، لكنها قالت كلمة ثانية ، قالت : ولكنني لن أتزوجك ، لأنك بحسب ما قرأت لست مسلماً .

والله لا أبالغ ، والله لا أبالغ ، والله لا أبالغ ، هذا معظم حال المسلمين ، والده مسلم ، أمه مسلمة ، يصلي ، يحج ، أما في بيته ، وعمله ، وكسب ماله ، وإنفاق ماله ، وقضاء أوقات فراغه ، وهواياته ، ولهوه ، ولعبه ، ومبادئه ، وقيمه ، وطموحاته ، وتمنياته ليس مسلماً ، لذلك هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله ، قال تعالى :

] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) [ .

[ سورة مريم ]

Text Box: ملخّص العبادة :

العبادة طاعة ، طاعة طوعية ، وما من إنسان إلا ويطيع القوي طاعة قسرية ، هل تسمى الطاعة القسرية عبادة ؟ مستحيل ، طاعة طوعية ، الله عز وجل أرادنا أن نأتي إليه طائعين بمبادرة منا ، أن نأتيه محبين ، قال تعالى :

] لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256)  [ .

[ سورة البقرة ]

] فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(29) [ .

[ سورة الكهف]

] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) [ .

[ سورة الإنسان ]

] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) [ .

[ سورة البقرة ]

طاعة طوعية ، لا يكفي أحياناً أن تقتنع أنك إذا نظمت وقتك ، ونمت باكراً ، واستيقظت صباحاً باكراً ، ودرست فالساعات الصباحية تعدل أضعاف ما في النهار ، فنمت باكراً وفق السنة ، واستيقظت باكراً وفق السنة ، وتبتغي أنت أن تحرز الدرجة الأولى في الامتحان ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، ما عبد الله من أحبه ، ولم يطعه ، كما أنه ما عبد الله من أحبه ، ولم يطعه ، ولا من أطاعه ، ولم يحبه ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية .

قال بعض العلماء : العبادة غاية الخضوع وغاية الحب ، غاية الاستسلام ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، فيها جانب معرفي ، وجانب سلوكي ، وجانب جمالي ، الجانب السلوكي هو الأصل ، لا يمكن أن نقطف من الدين شيئاً إن لم نستقم على أمر الله ، وإذا شئت فقل : يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة ، هي الاستقامة ، كما يمكن أن تضغط التجارة كلها بكلمة واحدة ، ألا وهي الربح ، فإن لم تربح فلست تاجراً ، وإن لم تستقم فلست ديناً .

هناك إسلام فلكلوري ، وخلفية إسلامية ، وأرضية إسلامية ، ونزعة إسلامية ، واهتمامات إسلامية ، وأقواس إسلامية ، وفي زخرفة إسلامية ، ورسم إسلامي ، وطموحات إسلامية ، وثقافة إسلامية ، وآلاف الأشياء الإسلامية ، لكنها شيء ، والإسلام شيء آخر ، ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام .

إذاً : مركز الثقل ثلاثة خطوط ، اللون الأحمر على كلمة سلوك ، طاعة طوعية ، أساسها معرفة يقينية ، حرف عريض ، حرف أسود ، حرف أحمر ، التركيز على كلمة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية .

زعم المنجم والطبيب كلاهما          لا تبعث الأموات قلت إليكمـا

إن صح قولكما فلست بخاسر         أو صح قولي فالخسار عليكما

***

ليس هذا هو الإيمان ، الإيمان معرفة يقينية ، لو أن أهل الأرض جميعاً كفروا ، أهل الأرض ستة آلاف مليون ، وأنت واحد منهم ، لو أن ستة آلاف مليون عدا واحد كفروا فأنت لا تكفر يقيناً ، في كل خلية في جسمك ، وفي كل قطرة ، في دمك تجد الإيمان ، الإيمان بالله موجودا وواحدا وكاملا ، الإيمان بأسماء الله الحسنى ، وصفاته الفضلى ، الإيمان باليوم الآخر ، الإيمان بالملائكة ، الإيمان بالكتب ، الإيمان بالنبيين ، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى .

أيها الإخوة ، أساسها معرفة يقينية ، لكن ما سمعت إنساناً نام مساءً استيقظ ومعه دكتوراه ، يقول لك : ثلاثا وثلاثين سنة لم أعرف الراحة ، ولم أعرف النوم ، ولم أعرف لقاء مع صديق ، ولم أعرف نزهة ، حتى أضيف إلى اسمه حرف دال ، كان يكتب اسمه من دون شيء ، صار بحرف الدال ، ثلاث وثلاثون سنة دراسة ، الإنسان يتوهم أنه مؤمن ، متى حضرت درس علم ؟ متى اقتنيت كتاباً ؟ متى قرأت كتاباً ؟ متى قرأت القرآن الكريم ؟ متى قرأت السنة ؟ متى فكرت ماذا يأمرك الله ؟ متى قلت لماذا أنا في الدنيا ؟ ما سر وجودي ، ما غاية وجودي ؟ متى تأملت؟ متى تفكرت ؟ متى قرأت ؟ متى التحقت بمسجد ؟ متى حضرت درساً ؟ أنا مؤمن إيماني أقوى من إيمانك ، وهو غارق في المعاصي والآثام ، سبحان الله !!! كل حرفة لها اختصاصيون ، كل حرفة لها أرباب ، لها خبراء ، إلا أن الدين عند عامة الناس كأنه كلأ مشاع ، كل إنسان يتحدث في الدين على مزاجه ، هذه ما قنعت بها ، من أنت ؟

يقولون هذا عندنا غير جائز          فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ

***

أحيانا تكون في وزارة الخارجية ، وفيها مستخدم يقول لك : عيّنا فلانًا سفيراً ، مَن أنت حتى تعينه سفير ؟ فيأخذ مرتبة الوزير ، عيناه سفيرا .

فلذلك أيها الإخوة ، العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، اسأل نفسك : هل التزمت بدرس علم ؟ هل قرأت كتاباً وانتفعت منه ؟ هل لخصته ؟ هل نقلت كلمة حق للآخرين ؟ تسبقها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية ، حاجتك إلى الجمال أساسية ، أنت بحاجة إلى أن تكون سعيداً إلى أن تحيى حياة جميلة ، إلى أن تتصل بالله ، إلى أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض ، لذلك هؤلاء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة تحركوا بدافع من حبهم للجمال في وقت غير مناسب .

 

Text Box: نحن في دار عملٍ وتعبٍ لا درا تنعم ورفاه :

 

الطالب في مدرسة ، المقعد من خشب ، والزاوية قائمة ، والجو أميل للبرودة ، والوظائف كثيرة ، والسبورة ممتلئة ، والمدرس يتكلم ، هذا مكان دراسة ، هذا مكان طلب علم ، هذا مكان تحصيل ، هذا مكان تقشف ، هذا مكان أن تكون أميل إلى الجوع ، لأن البطنة تذهب الفطنة .

لو أن طالباً في الدرس أراد أن يكون له مقعد وثير كمقاعد الطائرات ، يصبح سريراً ، وأمامه المشروبات ، القهوة ، والشاي ، والموالح ، والفواكه ، وبعض الألعاب ، وراديو صغير ، وشاشة صغيرة ، يريد أن يترفه ، هذا ليس مكان ترفه ، هذا مكان عمل ، لكن بعد أن تأخذ الدكتوراه تترفع ، تنشئ غرفة خاصة ، مكتبًا خاصًا ، غرفة استقبال ، غرفة نوم  مريحة ، ومنظرا طبيعيا .

نحن في دار عمل ، ولسنا في دار أمل ، نحن في دار تكليف ، ولسنا في دار تشريف ، نحن في دار مسؤولية ، نحن في دار هي إعداد لدار أبدية ، يا ليتني قدمت لحياتي ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، لا تستقيم لأحد لحكمة بالغة ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، لأن الرخاء مؤقت ، والشقاء مؤقت ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .

ورد في بعض الحديث عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ :

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ )) .

(مسند الإمام أحمد)

قد تتنعم ، وقد تسر ، إنْ في شراء بيتك ، أو في زواج ، أو في جلوسك مع أهلك ، لكن القصد إرضاء الله ، القصد تحقيق هدف ، إلهي أنت مقصودي ، ورضاك مطلوبي ، الله عز وجل لا يضنّ علي بالتنعم ، تتنعم دون أن تجعله هدفاً وحيداً .

مشكلة الناس اليوم أنهم يجعلون التنعم هدفاً وحيداً ، واسألوا الفلاسفة حينما تتخذ اللذة هدفاً ، فإنها تنقلب إلى ألم ، لذلك خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه ، وهو لا يشعر ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) .

[ الترمذي ]

سأل ملك وزيره قال له : مَن الملك ؟ قال : أنت يا سيدي ، ليس هناك ملك إلا أنت ملك قال له : لا ملك الملك رجل لا نعرفه ملك ، ولا يعرفنا ملك له بيت يأويه ، وملك وزوجة ترضيه ، ورزق يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في إرضائنا ، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه ، لذلك : (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) .

العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

أيها الإخوة الكرام ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة الدليل ، قال تعالى :

] وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) [ .

[ سورة محمد ]

إنها جنةٌ في الدنيا ، وذاقوا بعضها ، إنها جنة القرب ، لذلك قال بعض العلماء الشعراء :

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي     رأوه لمـــا وليت عنا لغيرنا

و لو سمعت أذناك حسن خطـابنا      خلعت عنا  ثياب العجب وجئتنا

و لو ذقت من طـعم المحبة ذرة       عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا

و لو نسمـت من قربنا لك نسمة      لمت غريباً واشتياقاً بقربنــا

ولو لاح من أنوارنا لك لائــح              تــركت جميع الكائنات لأجلنا

***

أيها الإخوة ، الحاجة إلى الجمال أساسية في الإنسان ، والدين أول ثمراته السعادة ، لذلك في قلب المؤمن من السعادة ما لم وزع على أهل بلد لكفاهم ، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لطمأنهم ، في النفس فراغ لا يملؤه المال ، ولا الزواج ، ولا المرأة ، ولا المنصب ، ولا المتع ، لا يملؤه إلا الإيمان ، وهذا الذي يبحث عنه الإنسان في وقت متأخر في حياته ، وكان يتمنى أن يبحث عنه في وقت مبكر من حياته .

 

Text Box: أقسام العبادة :

 

1 – العبادة الشعائرية :

أيها الإخوة الكرام ، ننتقل إلى موضوع آخر ، أن العبادة تقسم إلى عبادة شعائرية وإلى عبادة تعاملية .

 العبادة الشعائرية :

الصلاة : تقف تقرأ الفاتحة ، وبعض القرآن الكريم  ، وترفع ، وتسجد ، وتقعد وتسلم .

الصيام : تدع الطعام والشراب من الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، والذي منعك الله منه أيضاً .

الحج : تقصد مكة بيت الله الحرام ، وتطوف ، وتسعى ، وتقف في عرفات ، وتؤدي مناسك الحج .

الزكاة : تدفع زكاة مالك .

النطق بالشهادة : تقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، هذه عبادات شعائرية .

2 – العبادة التعاملية :

لكن الحجم الأكبر والأخطر هو العبادات التعاملية ، شاهدُها الكبير أن النجاشي ملك الحبشة سأل المسلمين الذين هاجروا إليه ، وفي مقدمتهم سيدنا جعفر ، قال له : حدثني عن الإسلام ، قال أيها الملك :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ...)) .

[ أحمد ]

Text Box: حقيقة العبادة التعاملية :

 

العبادة الشعائرية قيم أخلاقية ، أو انضباط أولاً ، وفعل للخيرات ثانياً .

العبادة التعاملية استقامة وعمل صالح ، الاستقامة سلبية ، والعمل الصالح إيجابي ، العبادة الشعائرية أن تصلي ، وأن تصوم ، وأن تحج ، والعبادة التعاملية ألا تكذب ، وألا تأخذ ما ليس لك ، وألا تعتدي على إنسان لا مادياً ولا معنوياً ، ولا من أي نوع من أنواع الاعتداء .

المشكلة الكبرى ، والطامة الكبرى أن المسلمين توهموا أن العبادة هي العبادة الشعائرية فقط ، فإذا وصلى ، وصام ، وحج ، وزكى أدى كل شيء ، ووقف عند هذا الحد .

 

Text Box: لا تصح العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 

وأخطر ما في هذا الدرس أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، طالبوني بالدليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء .

الصلاة :

عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )) .

[ ابن ماجه ]

العبادات الشعائرية في أعلى درجة .

ثمة طرفة لإنسان من تركيا عنده وليمة ، اشترى كمية من اللحم كبيرة ، وعنده قِط أكل هذا اللحم ، والقط له خرير يسميه العوام أورادًا ، فهذا التركي نظر إلى هذا القط ، كاد يتميز من الغيظ ، قال له : أوراد شوك أمنات يوك .

هذه المشكلة ، إمام مسجد معين في مدينة لندن ، نقل إلى بلدة في ظاهر لندن إلى مانشيستر ، والقصة واقعية ، فاضطر أن يركب المركبة كل يوم مع السائق نفسه ، في أحد المرات  صعد إلى المركبة فأعطى السائق قطعة نقد كبيرة ، وردّ له السائق البقية ، عدها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق ، مسلم ورع يعرف الحقوق ، فلما جلس في المقعد ، قال : لا بد أن أؤدي الزيادة إلى السائق حينما أنزل ، لكنه استرخى قليلاً ، وقال : إنها شركة عملاقة ، ودخلها فلكي ، والمبلغ يسير ، وأنا في أمسّ الحاجة إليه ، فلا علي أن آخذه ، لا تستعجلوا بالحكم على هذا الإمام ، لكن لما أراد أن يغادر المركبة دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه ، وأعطى السائق عشرين بنساً ، ابتسم السائق ، قال له : ألست أنت إمام هذا المسجد ؟ قال له : بلى ، قال : حدثت نفسي قبل يومين أن آتيك في المسجد لأتعبد الله عندك ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك .

الذي أرسل لي هذه الرسالة بالبريد الإلكتروني قال : هذا الإمام وقع مغشيًا عليه ، أغمي عليه ، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو أبقى المبلغ في جيبه ، فلما صحا من غفوته قال : يا رب ، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً  .

وضعت يدي على مشكلة المسلمين يبيع دينه بيمين كاذبة ، يبيع دينه بتصريح كاذب ، يبيع دينه باغتصاب بيت ، يبيع دينه باغتصاب شركة ، يبيع دينه باعتداء على أعراض الآخرين ، وهو مسلم .

فلذلك أيها الإخوة ، الدين كله مجموع بكلمة استقامة ، وما لم نستقم يصبح الدين تراثاً ومنتجاً أرضياً ، وثقافة عامة وفلكلوراً ، وعادات وتقاليد ، وهذا واقع المسلمين ، والحقيقة المرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح .

 (( ... لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )) .

هذه الصلاة .

الصوم :

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) .

[ البخاري ، الترمذي  أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]

      ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، أول فقرة انتهت الصلاة ، الفقرة الثانية انتهى الصيام .

الفقرة الثالثة :

الحج :

مَن حج بمال حرام ، و وضع رجله في الركاب ، و قال : لبيك اللهم لبيك ، ينادى أن لا لبيك ، و لا سعديك ، و حجك مردود عليك .

انتهى الحج .

الزكاة :

بقيت الزكاة ، قال تعالى :

[ سورة التوبة : الآية 53]

الشهادتان :

بقي النطق بالشهادة : قال عليه الصلاة والسلام :

(( من قال :  إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله )) .

[ ورد في الأثر ]

إذاً : العبادات الشعائرية ، ومنها الصلاة والصيام ، والحج والزكاة ، والنطق بالشهادة لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية .

 

Text Box: احذر ما يكون بينك وبين أخيك من الحقوق :

 

ما معنى قوله تعالى :

]لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (10)[ .

[ سورة إبراهيم ]

من للتبعيض ، يعني يغفر لكم بعض ذنوبكم ، أي ذنب يغفر ؟ ما كان بينك وبين الله فقط ، أما الذنب الذي بينك وبين الناس هذا لا يغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة ، لذلك يتوهم معظم المسلمين أنهم إذا صاموا رمضان إيماناً واحتساباً ، وإذا قاموا رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم ، وقد أجمع العلماء على أن الله يغفر لهم الذنوب التي بينه وبينهم فقط ، أما الذنوب التي بينهم وبين العباد فلا تغفر إلا بالأداء والمسامحة ، لأن حقوق الله عز وجل  مبنية على المسامحة ، بينما حقوق العباد مبنية على المشاححة .

ومعظم المسلمين يتوهمون أنهم إذا حجوا بيت الله الحرام رجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ، أيضاً الذنوب التي بينهم وبين الله تغفر في الحج ، أما التي بينهم وبين الناس فلا تغفر .

أيها الإخوة ، هل من عمل أعظم على الإطلاق من أن يقدم الإنسان حياته في سبيل الله ؟ والجود بالنفس أقصى غاية الجود ، هل من عمل على الإطلاق يرقى إلى أن يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله ؟ اسمعوا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ )) .

[ مسلم ، أحمد ]

عَنْ جَابِرٍ قَالَ :

(( تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ ، وَكَفَّنَّاهُ ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ ، فَقُلْنَا : تُصَلِّي عَلَيْهِ ، فَخَطَا خُطًى ، ثُمَّ قَالَ : أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قُلْنَا ، دِينَارَانِ ، فَانْصَرَفَ فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : الدِّينَارَانِ عَلَيَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُحِقَّ الْغَرِيمُ ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ ، قَالَ : نَعَمْ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ : مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ ، قَالَ : فَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ الْغَدِ ، فَقَالَ : لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ )) .

[ أحمد ]

عَن عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((