English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : العقيدة والإعجاز : (3) عبادة إنفاق المال والوقت  – الأحد 22/04/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

Text Box: العبادة هدفُ الإنسان في الأرض وعلُّة وجوده فيها :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث من دروس العقيدة والإعجاز ، وقد كان موضوع الدرس السابق العبادة ، التي هي علة وجودنا ، وسوف أنقل لكم استبياناً أجري على ألف شاب حول سؤال واحد : ما الهدف الذي تسعى من أجله ؟ فكانت الأهداف ضبابية ، والأصح أن ثلاثة بالمئة من هؤلاء الشباب يعرفون أهدافهم الواضحة ، والإنسان حينما لا يعرف سر وجوده ، وغاية وجوده يتحرك حركة عشوائية ، قد لا تثمر لا سلامة ولا سعادة ، فلذلك أول شيء ينبغي أن نعرفه لماذا نحن في الدنيا ؟ ما علة وجودنا ؟ وقد بدأت هذا الموضوع في الدرس السابق حينما قلت في قوله تعالى :

 [ سورة الذاريات ]

والآية واضحة ، الآية واضحة وضوح الشمس ، وهي بمصطلح الأصوليين قطعية الدلالة ، العبادة علة وجودنا .

 

Text Box: العبادةُ معنى واسع لا يضيق في العبادات الخمس :

 

ولكن الاختلاف بين المسلمين في مفهوم العبادة ، فمن فئة يتوهمون أن العبادة لا تزيد على أداء العبادات الشعائرية ؛ من صلاة ، وصيام ، وحج ، لكنْ هناك أناس يعرفون أن العبادة لها مغنى واسع جداً ، صدق أو لا تصدق في كل حركة وسكنة ، في كل كلمة ، في كل عطاء ومنع ، وصلة وقطيعة ، وابتسامة وعبوس ، ورضا وغضب ، هناك عبادة تدور معك .

 

Text Box: لا تصح العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 

حينما تفهم أن العبادة تدور مع الإنسان في كل أوقاته ، وفي كل أحواله ، وفي كل شؤون حياته ، عندئذ نعبد الله حق العبادة ، لذلك في اللقاء السابق تحدثنا عن العبادة الشعائرية ، وعن العبادة التعاملية ، وكان محور الدرس أن العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، وبينت قول بعض العلماء : تركُ دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ، وبينت أنه كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( لأن أمشي مع أخ في حاجةٍ خير لي من أن أعتكف في مسجدي هذا )) .

[ الطبراني عن ابن عمر ]

لذلك نتابع هذا الموضوع بتوسيع مفهوم العبادة ، بل بالحديث عن العبادة كما ينبغي ، بل كما أرادها الله ، بل هي حقيقة الدين أن تعبد الله :

 [ سورة البقرة ]

أيها الإخوة الكرام ، الآية الكريمة :

[ سورة الملك ]

الذي يعد الهدف عنده واضحاً يمشي سوياً على صراط مستقيم باتجاه هدفه ، والذي لا يعرف علة وجوده ، ولا غاية وجوده يمشي مكباً على وجهه ، لذلك ذكرت في لقاء سابق أنك إذا كنت في مدينة ، ولك في هذه المدينة هدف واضح جداً فإنك تختار الوسائل التي تحقق هذا الهدف ، هذا هو الإنسان السوي الصحيح العاقل الفالح الناجح ، أما حينما لا تعرف لماذا أنت في هذه البلدة تكون الحركة عشوائية ، والحركة غير مجدية ، والآية التي تقصم الظهر :

[ سورة الكهف ]

وهذا ينطبق على نصف المتعلم ، فلا هو متعلم فينتفع بعلمه ، ولا هو جاهل فيتعلم ، لذلك من الناس من لا يدري ، و لا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه .

إذاً : في اللقاء السابق كانت هناك أفكار دقيقة جداً حول العبادة التعاملية ، والعبادة الشعائرية ، العبادة التعاملية أن تكون صادقاً أميناً ، عفيفاً رحيماً ، متواضعاً منصفاً ، وعادلاً .

والعبادة الشعائرية ؛ أن تصلي ، وأن تصوم ، وأن تحج ، وأن تزكي ، وأن تشهد أنه لا إله إلا الله .

 

Text Box: مفهوم آخر للعبادة : عبادة الهوية : 

 

Text Box: 1 ـ  عبادة الهوية : 

 

الآن هناك تقسيم للعبادة بشكل آخر :

1 – عبادة الغني إنفاقُ المال على الوجه الصحيح :

أولاً : هناك عبادة الهوية ، مَن أنت ؟ كل إنسان له دور اجتماعي .

أولا : هذا رجل ، وهذا امرأة ، هذا ذكر ، وهذا أنثى .

ثانياً : مَن هذا الرجل ؟ رجل غني ، هويته أنه من أهل الغنى ، هذا الرجل قوي من وصفه الاجتماعي أنه يحتل منصباً رفيعاً ، فهو قوي ، معه توقيع ، بجرة قلم يحق حقاً ، ويبطل باطلاً ، يقر معروفاً ، ويزيل منكراً ، هذا الرجل عالم ، هويته عند الناس داعية عالم .

 

Text Box: العبادة الشعائرية قاسم مشترك بين المسلمين :

 

أوّلُ شيء في هذا اللقاء الجديد ـ إن شاء الله ـ : من أنت ؟ هناك عبادات كقاسم مشترك بيننا جميعاً ، يجب أن نصلي جميعاً ، فالصلاةُُ هي العبادة الشعائرية الأولى ، ولا خير في دين لا صلاة فيه ، والصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين ، والصلاة سيدة القربات ، وغرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات .

نحن جميعاً نصلي هذه عبادة مشتركة ، بل هذا قاسم مشترك بيننا جميعاً ، جميعاً نصوم ، جميعاً نؤدي زكاة أموالنا إن بلغت أموالنا النصاب ، جميعنا يحج بيت الله الحرام إذا كان أحدُنا مستطيعاً وغنياً .

 لكن هناك عبادات متعلقة بهويتك : مَن أنت ؟ أنت غني العبادة الأولى إنفاق المال ، وما أعطاك الله هذا المال إلا لتنفقه في سبيل الله ، إلا من أجل أن تسعد بإنفاقه في الدنيا والآخرة ، بل إلا من أجل أن تنافس العلماء ، الدليل : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ، وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )) .

[ متفق عليه ]

أول سؤال : مَن أنت ؟ أو اسأل أنت نفسك هذا السؤال ، المؤمن الغني يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ما أعطاه هذا المال إلا ليكون عوناً له على دخول الجنة ، ولكم أيها الإخوة الكرام حقائق كثيرة بإمكان أصحاب الأموال أن يصِلوا إلى أعلى مراتب الجنة ، لأن المال قوة ، المال قوام الحياة :

هذا التاجر الذي يكسب المال الحلال ، وينفقه في مصالح المسلمين هو عند الله مع النبيين والصديقين ، التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين ، لأنه كما يمكنني أن أقنعك بأفكاري يمكنني أن أملك قلبك بمالي ، لذلك العبادة الأولى لأصحاب الأموال إنفاق أموالهم ، بأموالهم يرأبون الصدع ، بأموالهم يلمون الشمل ، بأموالهم يمسحون الدموع عن وجوه اليتامى ، بأموالهم يزوجون الشباب و الشابات ، بأموالهم يهيئون البيوت للفقراء ، بأموالهم يطعمون الطعام ، بأموالهم يرعون الأيتام ، بأموالهم يعطون عطاء يملك القلوب ، لذلك أول عبادةٍ عبادةُ الهوية ، مَن أنت ؟

اتفقنا قبل قليل على أن هناك عبادات مشتركة ، قواسم مشتركة ، نحن جميعاً نصلي ، ونصوم ، ونؤدي زكاة أموالنا ، و حج ، و نطق بالشهادة ، ولكن بعد أداء هذه العبادات الشعائرية التي هي قواسم مشتركة هناك عبادات متعلقة بهوية الإنسان ، الغني أول عبادة يكلف بها إنفاق المال ، لأن الله جعل هذا المال مكنة له على طاعة الله ، الدليل :

[ سورة القصص]

هذه واحدة ، الآية واضحة جداً ، قضية المال أيها الإخوة الكرام قد ينزلق الإنسان ، ويصبح في خدمة المال ، ويصاب بمرض بالنسبة إلى النفس كالمرض الخبيث بالنسبة إلى الجسم :

 [ سورة التغابن]

الشح مرض ، والشحيح أيها الإخوة يعيش فقيراً ليموت غنياً ، لذلك ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول : يا أهلي ، يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلّ وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة علي .

بل إن أندم الناس يوم القيامة رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار ، فالغني عبادته الأولى إنفاق المال لذلك :

 [ سورة البقرة]

من أدق المعاني لهذه الآية : أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن لم تنفقوا ، والشواهد لا تعد و لا تحصى .

2 – عبادة القويِّ إنصاف المظلوم ونصرةُ الضعيف :

أنت من ؟ أنت قوي العبادة الأولى إحقاق الحق ، إنصاف المظلوم ، أن تأخذ للضعيف من القوي ، وأن تأخذ للفقير من الغني ، وأن تأخذ للمظلوم من الظالم ، أنت بجرة قلم تصدر قراراً ، لذلك الأقوياء أحياناً يترنمون بكلمة مسؤول كبير ، ولو عرفوا معنى هذه الكلمة لارتعدت فرائصهم من هذه الكلمة ، مسؤول كبير :

 [ سورة الحجر]

      لذلك حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، القوة مسؤولية ، والمال مسؤولية .

      يا أيها الإخوة الكرام ، قد تعلو مرتبة الإنسان بالمال ، وقد تعلو بالمنصب ، وقد تعلو بالعلم ،  وكلما علت مرتبة الإنسان اتسعت دائرة خياراته في الأعمال الصالحة .

3 – عبادة القائم على التعليم :

      معلّم بصف معه صلاحيات تصيب ثلاثين طالباً ، لكن مدير مدرسة صلاحياته تغطي أربعمئة طالب ، لكن مدير التربية صلاحياته لمحافظة بأكملها ، أما وزير التربية فبيده المناهج ، يمكن أن يصلح المناهج ، وأن يكلف أناساً بتأليف كتب من أعلى مستوى ، وأن يضبط الأمور ، فكلما علت مرتبتك اتسعت دائرة الأعمال الصالحة التي تتاح لك ، لذلك الممكَّنون في الأرض يتاح لهم من الأعمال الصالحة ما لا يتاح لغيرهم ، وكلمة ( مُمَكَّن في الأرض ) تعني أن تكون قوياً ، و تعني أن تكون غنياً ، وتعني أن تكون عالماً .

      أوّل عبادة عبادةُ الهوية أنت من ؟ القوي له عبادة فضلاً عن العبادات الشعائرية التي هي قاسم مشترك بين كل الناس ، القوي له عبادة إحقاق الحق ، إنصاف المظلوم ، أن يأخذ للمظلوم من الظالم ، للضعيف من القوي ، للفقير من الغني ، أن ينصف ، أن يعدل ، وعدلُ ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً .

فأول عبادةٍ عبادةُ الهوية ، الغني بإنفاق ماله .

4 – عبادة العالم تعليم الناس الخير لوجه الله :

والعالم بإنفاق علمه ، قال تعالى :

[ سورة الأحزاب ]

دققوا .

 [ سورة الأحزاب ]

      الذين يبلغون رسالات الله لهم صفات لا تعد ولا تحصى ، ولكن الله أغفلها جميعها ، واكتفى بصفة واحدة .

[ سورة الأحزاب ]

      إذا خشي الذي يبلغ رسالة الله غير الله فسكت عن الحق خوفاً منه وتكلم بالباطل إرضاء لهم ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته ، إذاً هناك صفة واحدة جامعة مانعة كافية أن تخشى الله وألا تخشى إلا الله وألا تأخذك في الله لومة لائم .

أيها الإخوة ، العبادة الأولى عبادة الهوية ، إن كنت عالماً فعبادتك الأولى أن تعلم العلم لوجه الله تعالى ، وإن كنت قوياً فأن تحق الحق ، وأن تبطل الباطل ، وإن كنت غنياً فأن تنفق المال في سبيل الله .

5 – عبادة المرأة خدمةُ زوجها وأولادها :

وإن كنتِ امرأة فالعبادة الأولى أن ترعى المرأة زوجها وأولادها ، اعلمي أيتها المرأة ، و أعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .

      أضرب مثلاً دائماً وأكرره ، لأنه مناسب جداً ، امرأةٌ صلت قيام الليل ، وبكت في الصلاة ، وخشع قلبها ، وذابت محبة لربها ، وعندها خمسة أولاد ، في الساعة السادسة تعبت كثيراً فطلبت من أولادها أن يتدبروا شأنهم ، الأكل غير موجود ، الغرفة باردة ، بعض أولادها لم يكتب وظيفته ، بعض أولادها هندامه غير حسن ، بعض أولادها يحتاج ثيابه إلى إصلاح ، انطلقوا إلى المدرسة ، هذا ما كتب وظيفته ، والثاني على هندامه ملاحظة ، والثالث كتابه فيه آثار زيت من الشطيرة التي ما وضع لها كيس نايلون ، الكل أُهِينوا ، أنا أقول : هذه المرأة لو استيقظت قبل طلوع الشمس بنصف ساعة ، ودفأت الغرفة ، ووضعت الطعام ، وهيئت الشطائر لأولادها ، وراقبت وظائفهم ، راقبت هندامهم ، راقبت ثيابهم ، راقبت محفظتهم ، ودعتهم إلى أن يستقلوا السيارة ، أنا أرى أن هذه المرأة أقرب إلى الله مليون مرة من الأولى ، لأن الأولى كانت عابدة لله ، لكن الثانية عبدت ربها فيما أقامها .

      إذاً : أول عبادة هي عبادة الهوية ، من أنت ؟ لك عبادة خاصة ، لذلك إذا فطن الناس إلى هذه الحقيقة كان حال المسلمين في حال آخر ، مِن هنا قال سيدنا علي رضي الله عنه : << قوام الدين والدنيا أربعة رجال : عالم مستعمل علمَه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ـ الآن دققوا ـ فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره >> .

      أعيد القول مرة ثانية : << قوام الدين والدنيا أربعة رجال : عالم مستعمل علمَه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره >> .

      وشر الناس من باع آخرته بدنيا غيره .

      أيها الإخوة ، هذه عبادة الهوية .

اسأل نفسك من أنت ؟ أنت غني لك عبادة ، قوي لك عبادة ، عالم لك عبادة ، أنتِ امرأة لكِ عبادة خاصة ، اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .

      أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ، أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : مَن هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها ، وترك لها أولاد ، فأبت لزواج من أجلهم ، وهي تنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم  دخول الجنة .

      هذه عبادة الهوية ، لذلك يجب أن تعبد الله فيما أقامت ، كملخص يجب أن تعبد الله فيما أقامك .

 

Text Box: 2 ـ عبادة الظرف : 

 

      هناك عبادة الظرف ، إنسان له أب مريض ، وعنده بعض مجالس العلم يحضرها ، أيهما أولى أن يجلس مع أبيه ليرعاه ، ويقدم له ما يحتاج ، ويؤنسه ، أم أن يدعه ، ويهمله ، وأن يأتي إلى عبادة ثانية ؟ نقول له : لا ، هذه عبادة الظرف ، وهي مقدمة على أية عبادة عدا الفرائض طبعاً ، يجب أن ترعى أباك ، العبادة الأولى لمَن له أب مريض أن يرعى الأب المريض ، العبادة الأولى لمن عنده ضيف أن يكرم الضيف ، العبادة الأولى لمن ابنه في الامتحان أن يهيئ له الجو المناسب للدراسة ، العبادة الأولى لمن يرى ابنته قد شبت ، وآن أوان زواجها أن يسعى لزواجها، العبادة الأولى لمن يرى ابنه في ريعان الشباب والفتن مستعرة ، والدنيا ترقص العبادة الأولى أن يزوج ابنه ، هذا معنى دقيق جداً ، هذه العبادة الثانية ، عبادة الظرف ، الضيف يكرم ، والمريض يعالج ، والطالب تهيئ له أجواء الدراسة ، وهناك آباء عقلاء جداً في أيام الامتحان تلغى كل الزيارات واللقاءات والحفلات ، هذا جو امتحان ، الأسرة كلها مستنفرة من أجل أبنائها ، جو هادئ ، تقديم طعام مناسب ، عناية ، سهر ، فكم مِن طالب رسب في الشهادة الثانوية لأن أباه وأمه لم يوقظاه إلى وقت الامتحان ، يجب أن تكون هناك وسائل للعناية بالأولاد .

      لذلك أيها الإخوة ، ونحن أيضاً نتحدث عن عبادة الظرف ، وهناك قصص كثيرة مؤلمة جداً ، أن الإنسان لا يعرف الأولويات ، أبوه مريض ، ويقوم بعبادة أقلّ بكثير من ثواب تمريض أبيه ، لذلك لا يقبل الله نافلة أدت إلى ترك واجب .

      عندك شاب في ريعان الشباب ، والفتن مستعرة ، وكل سنة تأتي بعمرة ، وكل سنة تحج ، ولك ثلاثون حجة ، زوج ابنك ، أنا أرى أنك حججت مرة إلى خمس ، بارك الله بك ، ونفع بك ، هنيئاً لك ، لكن ابنك يتلوى ويتمنى أن تكون له زوجة تحصنه ، أنا أقسم بالله لكم أن الإنسان حينما يزوج أولاده في هذا الزمان بالذات ، في زمان الفتن ، والله له عند الله أجر كبير ، لكن ليس هذا بمعنى أن تدع حجة الفريضة ، وحج كل خمس سنوات حجة ، لكن ينبغي أن تهتم بأولادك ، وأن تزوجهم ، وأن تحصنهم ، مَن لهم غيرك ؟ اسمعوا هذه الكلمة : الآخرون أنت لهم ، وغيرك لهم ، أما أولادك فمَن لهم غيرك ؟

      والله أعرف أبًا زوج عنده ولدين ، وهو زواج جيد ، والله حينما يقف أمامهما كأنهما جنديان أمام لواء في الجيش من شدة الأدب والاحترام والمحبة ، إنسان زوج ابنه شيء عظيم ، هذا عمل كبير ، لكن هناك آباء عقليتهم متخلفة جداً ، يقول : أنا نشأت عصاميًا ، والله أعرف إنساناً عنده أكثر من عشرة أبنية ، وجمع بعض الإخوة مبلغاً لتأمين بيت لشاب ، ووالده عنده عشرة أبنية ، ويقول : أنا نشأت عصاميًا ، وابني يدبّر أمره ، فهذه قسوة بالغة الآن ، فلذلك الأب النظامي الكامل هو الذي يهتم بأولاده ، وهناك آباء أبطال ، يبيع أحدهم بيتا بأرقى أحياء دمشق ، ويسكن خارج المدينة ، ويشتري خمسة بيوت بثمن بيته ، وهناك بيوت ثمنها ثلاثون إلى أربعين مليونًا لزوج وزوجته ، وعنده أربع أولاد يتلوون من الشعور بالوحشة ، بلا زوجة ، اسكن في بيت بعشرة ملايين ، واشتر بيوتًا لأولادك بالباقي .

      أعرف آباء والله أغنياء جداً ، يأتي خطّاب كثيرون لابنته ، ومعها بيت ، هذا يسمونه عرضًا ، هذه البنت معها بيت ، هل زوّجتها بهذه الطريقة ؟ كثير من الشباب المؤمنين الصادقين ما عندهم بيت ، فيجدون بنتًا معها بيت ، وهذه نعمة ، وهناك آباء عندهم عقل راجح جداً ، عن طريق هذا البيت تم الزواج الجيد والناجح .

      إذاً : هذه عبادة الظرف .

 

Text Box: 3 ـ عبادة الوقت : 

 

      الآن عبادة الوقت ، وقت فجر ، هذا الوقت ليس وقت حسابات ، ولا غسل سيارات ، هذا وقت عبادات ، هذا وقت قراءة القرآن ، هذا وقت الصلوات ، هذا وقت الأذكار ، عَن عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) .

[ النسائي ]

      عبادة الوقت ؛ أن تعطي لكل وقت حقه ، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل .

      النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً في ريعان الشباب يقرأ القرآن ، أو يتعبد الله في وقت العمل ، فسأله : (( مَن يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك )) .

[ ورد في الأثر ]

      دقق ، هذا وقت عمل ، أخوك أعبد منك ، لأنه يكسب المال الحلال ، وينفقه على مَن يلوذ به .

إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل  .

إذاً النوع الثالث من العبادات عبادة الوقت ، الفجر وقت صلوات وأذكار ، والتجاء على النهار ، في أثناء النهار وقت عمل ، سيدنا عمر رأى من لا يعمل في وقت العمل فقال : << إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به ، أفتخذت قراءته عملاً >> .

 

Text Box: 4 ـ عبادة العصر : 

 

 

Text Box: بين عصر المبادئ والأشخاص والأشياء :

 

أيها الإخوة ، لكن هناك عبادة سوف نقف عندها وقفة متأنية ، إنها عبادة العصر ، عبادة العصر بادئ ذي بدء العصور متنوعة ، هناك عصر المبادئ ، والأشياء والأشخاص في خدمة المبادئ ، وهذه العصور أرقى العصور في تاريخ البشرية ، الأشخاص والأشياء في خدمة المبادئ ، قال تعالى :

[ سورة التوبة ]

أشخاص .

 

[ سورة التوبة ]

أشياء :

 [ سورة التوبة ]

مبادئ ، في عصر مبادئ كالعصر الإسلامي الأول ، مَلك من ملوك الغساسنة اسمه جبلة ابن الأيهم جاء مسلماً ، رحب به عمر ، في أثناء طوافه حول الكعبة داسَ بدوي من فزارة طرف إزاره ، فانخلع الإزار من كتفه ، وهو ملِك ، وهذا الذي داس رداءه من عامة الناس ، بالتعبير المعاصر من سوقة الناس ودهمائهم وعامتهم ، من الدرجة الدنيا ، ضربه ضربة هشمت أنفه ، هذا البدوي يعيش في مجتمع المبادئ فيه مقدسة ، فذهب إلى عمر واشتكى ، سيدنا عمر استدعاه ، وقد صاغ شاعر معاصر الحوار شعراً ، قال له عمر  :

أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟

قال جبلة الملك :

لست ممن ينكر شيا أنا أدبت     الفتى أدركت حقي بيدي

قال له عمر :

أرضِ الفتى لابد من إرضائه      ما زال ظفرك عالقاً بدمائه

أو يهشــمن الآن أنـفـك      وتـنال مــا فعلتـه كفك

قال :

كيف ذاك يا أمير المؤمنين     هو سوقة وأنا عرش وتاج

كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟

قال له :

نزوات الجاهلية ورياح العنجهية   قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً

وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا

 قال :

كان وهماً ما جرى في خلدي    أنني عندك أقوى وأعزّ

أنا مرتدٌ إذا أكرهتني

قال :

عالَم نبنيه كل صدع فيه يداوى       وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى

العصر الآخر عصر أشخاص ، قال تعالى :

 

[ سورة القصص ]

لذلك دائماً وأبداً هناك أنبياء ، وهناك أقوياء ففي عصر الأشخاص أي الأقوياء ملكوا الرقاب ولم يملكوا القلوب ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأقوياء عاش الناس لهم ، لذلك أحب الناس الأنبياء ، وخافوا من الأقوياء .

النوع الثاني من العصور عصر الأشخاص ، فالمبادئ والأشياء في خدمة الأشخاص ، هذا عصر أشخاص ، لكن قد يكون الشخص قوياً ، لكنه مصلح ، حالة بين أن تكون مثالية وأن تكون مؤلمة جداً عصر الأشخاص ، لكن الطامة الكبرى في النوع الثالث عصر الأشياء .

خطب شاب فتاة فقال والدُها : له يا بني ، عندك بيت ؟ قال : طبعاً ، قال : أحضر ورقة الطابو ، فأحضرها ، عندك مركبة ، قال : نعم ، قال : هات ورقة الميكانيك ، عندك معمل ، هات الرخصة ، بيت ومعمل ومركبة ، زوجه ابنته ، زاره في المحل التجاري ، وهو عند أصدقائه ، فقال له : هذا زوج ابنتي ، فتهجم أحدهم وقال له : معقول !!! هذا ليس مسلماً ، قال له : أنت غير مسلم ؟ قال : ما سألتني عن ديني إطلاقاً .

هذا عصر أشياء .

الآن مثلاً : الإنسان كل قيمته بمساحة بيته ، بنوع الكسوة ، بنوع الفرش ، بمركبته ، برقم يأتي بعد الماركة ، قيمته بالخلوي الذي يملكه ، قيمته بأجهزته ، حينما تكون الأشياء هي المسيطرة تكون المبادئ والأشخاص في خدمة الأشياء ، وهذه هي الطامة الكبرى .

 

Text Box: من عبادات العصر :

 

 

1 – الجهادُ البنائي :

الآن ننتقل إلى عبادة رابعة عبادة العصر ، وهذا موضوع مهم جداً ، لأنه يعني جميع المسلمين :

إذا أراد الطرف الآخر إفقار المسلمين فالعبادة الأولى استصلاح الأراضي ، وإنشاء السدود ، واستخراج الثروات ، وتطوير الصناعات ، والاكتفاء الذاتي ، والتصدير ، وجمع الثروات ، كي نؤمن بهذه الثروات حاجات المجتمع ، فأنت حر إذا كنت قوياً ، وما لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك ، وما لم تكن قوياً فلا تملك قرار نفسك ، هذه حقيقة ، ما الذي يغطي هذا الكلام ؟ القرآن الكريم ، دقق :

 

[ سورة الأنفال ]

جاءت كلمة ( قوة ) نكرةً ، العلم قوة ، والصناعة المتينة قوة ، والصناعة الاستراتيجية قوة .

أحيانا نسمح بإنشاء مشاريع ، أكثر هذه المشاريع سياحية وخدمية ، لكن ليس عندنا صناعة استراتيجية ، ويل لأمة تأكل ما لا تزرع ، وتلبس ما لا تنسج ، وتستخدم آلة لا تصنعها ، وويل لأمة تشتري السلاح شراءً ، إذاً ، ليس قرارها بيدها ، فلذلك عبادة العصر قال تعالى :

 

 

[ سورة الأنفال ]

الآن الدول النووية أنا متأكد قد تمضي خمسون عاماً قادمة ، وليست مضطرة أن تستخدم السلاح النووي ، لكن هذا السلاح النووي يعد ردعاً قوياً لمن حولها ، إذاً ، قال تعالى :

 [ سورة الأنفال ]

كلمة (من قوة ) جاءت نكرة ، والتنكير شمولي ، ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام  القوة رباط الخيل ، بعد حين القوة المنجنيق ، بعد حين المدافع ، بعد حين المدرعات ، الآن الطائرات ، لاحظتم لبنان البنية التحتية كلفت أربعين مليارا هدمت في شهر عن آخرها بالطيران ، فما لم تملك سلاحاً جوياً فعالاً فلست قوياً ، إذاً :

[ سورة الأنفال ]

هذا سماه العلماء عطف الخاص على العام ، كي ننتبه ما القوة ؟ القوة سلاح ، القوة سلاح متطور ، مثلاً طائرة مداها المجدي سبعة كيلو مترات ، ومدرعة مداها المجدي ثلاثة كيلو مترات ، يمكن لطائرة واحدة أن تدمر مئة دبابة واحدة بالمدى ، يومكن لطائرة ألاّ ترى إلا هدفين على بعد خمسة كيلو مترات ، ويمكن لطائرة أن ترى ثمانية عشر هدفًا على بعد مئتي كيلو متر ، إذاً قضية قوة قضية خطيرة جداً .

 [ سورة الأنفال ]

السلاح قوة ، والسلاح المتطور قوة ، والأقمار الصناعية قوة ، والمعلومات قوة ، والمعنويات قوة ، والتأهيل قوة ، التدريب قوة ، والتنظيم قوة ، قال تعالى :

 [ سورة الأنفال ]

وقد لا تحتاجون إلى استخدام القوة ، لكن هذه القوة ترهب ، لذلك هناك بعض الدعاة يخشى كلمة ترهبون به عدو الله ، يقول : صرنا إرهابيين ، هذا الإرهاب في الآية من أجل ألا يكون إرهاباً ، هذا الإرهاب لمنع الإرهاب ، ترهبون به عدو الله .

حدثني أخ من بلد إسلامي مجاور لبلد إسلامي ، لكن المسلمين في البلد الأول مضطهدون جداً ، البلد الآخر لما فجر قنبلة نووية قال لي : والله معاملة أولي الأمر للمسلمين للبلد المجاور انتقل مئة وثمانين درجة لزيادة اهتمام ، قال تعالى :

 [ سورة الأنفال ]

إذَا أراد الطرف الآخر إفقارنا ينبغي أن نستعد ، هذا اسمه الجهاد البنائي ، أن نبني بلدنا ، أن نبني أمتنا ، أن نستخرج ثرواتنا ، أن نستصلح أراضينا ، أن ننشئ السدود ، أن نطور الصناعات ، أن نكتفي ذاتياً ، هذه عبادة ، وإلا فكما ترون المليار ونصف المليار مسلم عندهم ثروات لا تعد ولا تحصى ، بلد واحد محتل الآن ، أكبر احتياطي نفط في العالم فيه ، أربعمئة وخمسون مليار برميل ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال ]

هذه العبادة الأولى ، عبادة الجهاد البنائي ، العامل يتقن ، والمزارع يتقن ، والمدرس يتقن ، والطبيب يتقن ، والمهندس يتقن ، وكل إنسان حرفته تعد أداة قوته ، تطوير صنعته ، والرقي بها أحد أكبر الواجبات الدينية .

2 – الجهادُ العلمي الدعوي :

الآن لو أراد الطرف الآخر إضلالنا فالعبادة الأولى ترسيخ معالم هذا الدين ، والرد على الشبهات الرد ، وعلى التخرصات ، توضيح القيم ، توضيح المبادئ ، لذلك أحياناً الدعوة إلى الله تعد من أعظم أنواع الجهاد ، لذلك قد يوازي مداد العلماء دماء الشهداء ، هذا يقوم بعبادة تأصيل المبادئ ، وترسيخ القيم ، والرد على الشبهات ، وإحقاق الحق ، هذه عبادة أيضاً .

إذاً : العبادة جهاد بنائي ، أعدوا لهم ، وهناك عبادة ترسيخ المبادئ ، عبادة دعوية ، نريد دليلا ، قال تعالى :