English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

 الموضوع : العقيدة والإعجاز : (4) مقومات التكليف – الأحد 29/04/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مربع نص: مقدمة تذكيرية :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع من دروس العقيدة والإعجاز ، وقد أنهينا في الدرس الماضي مفهوم العبادة الواسع ، وكيف أن العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية ، وكيف أن العبادة تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته ، وفي كل أوقاته ، وفي كل أماكنه ، وفي كل حركاته وسكناته ، وبينت أن هناك عبادة شعائرية كالصلاة والصوم والحج ، وأن هناك عبادة تعاملية كالصدق والأمانة والعفة ، ثم بينا عبادة الهوية ، الغني له عبادة متميزة ، والعالم له عبادة متميزة ، والحاكم له عبادة متميزة ، والمرأة لها عبادة متميزة ، وأن هناك عبادة الظرف ، عندك ضيف ، عندك قريب ، عندك مريض ، عندك ابن على مشارف الامتحان ، وهناك عبادة العصر ، إن أراد الطرف الآخر إفقارنا فالعبادة استخراج الثروات ، واستصلاح الأراضي ، وتأمين المشاريع ، كي نكفي الأمة عن أن تستجدي من جهات لا ترضي الله ، وبينت أيضاً كيف أن العبادة عبادة العصر والظرف والهوية ، وهذه عبادات هي منهج تفصيلي يبدأ من العلاقات الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية .

 

مربع نص: مقوِّماتُ وثوابتُ التكليف :

 

الآن ننتقل إلى موضوع جديد ، ألا وهو أن الله عز وجل حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات التكليف ، ما مقومات التكليف ؟ بماذا أعبده ؟ قلت في لقاء سابق : نحن بالكون نعرفه ، وبالشرع نعبده ، المقوم الأول من مقومات التكليف ، وسوف نمضي بها إن شاء الله دروساً كثيرة ، لكن في هذا الدرس سوف أجمع كل المقومات كموجز ، والتفصيلات تأتي في دروس قادمة .

المقوم الأوّل : الكون :

الشيء الذي لا يختلف عليه اثنان في الأرض هو هذا الكون ، الشمس شمس ، القمر قمر ، الليل ليل ، النهار نهار ، الجبال ، البحار ، البحيرات ، الأنهار ، الأسماك ، الأطيار ، النباتات ، الجمادات ، المعادن ، أشباه المعادن ، المخلوقات ، هذا الكون هو الثابت الأول ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله ، هذا الكون قرآن صامت ، هذا الكون يمكن أن يقرأ فيه أي إنسان ، عربيًا كان أو غير عربي ، هذا الكون لا يختلف عليه اثنان ، هذا الكون ينتفع به كل إنسان ، لذلك يعد الكون أكبر ثابت من ثوابت الإيمان ، الكون يدل على الله ، ففي الكون حكمة تدل على الحكيم ، وفي الكون رحمة تدل على الرحيم ، وفي الكون تسيير يدل على المسير ، وفي الكون مخلوقات تدل على الخالق ، وفي الكون لطف يدل على اللطيف ، وفي الكون جمال يدل على الجميل ، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، وهذا الكون ثابت متفق عليه ، والكل يخضع له ، لذلك في عصور الاضطرابات العقدية ، في عصور الفتن والضلالات يبقى الكون هو الثابت الأول ، مهما يكن الإنسان معانداً أو عنيداً أو مستكبراً كيف لا يخضع لآيات تأخذ بالألباب ؟ كيف لا يخضع لمجرة تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ؟ وأن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، كم يقطع في الدقيقة ؟ كم يقطع في الساعة ؟ كم يقطع في اليوم ؟ كم يقطع في الشهر ؟ في السنة ؟ في العشرين مليار سنة ، قال تعالى :

[ سورة الذاريات ]

المــاء :

في هذا الماء خاصة لولاها لما كان هذا الدرس ، لما كانت هذه المدينة ، لما كان هذا البلد ، لما كان إنسان على وجه الأرض ، الماء شأنه كشأن أي عنصر ، بالتسخين يتمدد ، وبالتبريد ينكمش ، لو بردناه ينكمش ، وينكمش إلى درجة زائد أربع ، فتنعكس الآية بآلية مذهلة ، فيزداد حجمه ، فإذا ازداد حجمه قلّت كثافته ، فإذا قلّت كثافته طفا على سطح الماء ، وامتنعت البحار أن تتجمد ، لكن لو أنه تابع انكماشه لزادت كثافته ، فغاص في أعماق البحر ، ولتجمدت البحار ، ولانعدمت الأمطار ، ولمات النبات ، ولمات الحيوان ، ولمات الإنسان ، هذه خاصة في الماء .

أيها الإخوة ، والله الذي لا إله إلا هو يمكن أن نمضي كل أعمارنا في التفكر في خلق السماوات والأرض ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ لذلك الكون شيء ثابت .

 هذه الجبال مَن نصبها ؟ من جعل في قمم الجبال ينابيع ماء ؟ ما معنى ينبوع ماء في قمة الجبل ، لا بد أن تكون هناك تمديدات لجبل أعلى من أجل الوعول التي تعيش في قمم الجبال .

في بعض البلاد إندونيسيا سبعة عشر ألف جزيرة ، في كل جزيرة نبع ماء يتناسب مع مساحتها ، وأمطار الجزيرة لا تكفي لإمداد هذا النبع ، فيأتي هذا الماء من اليابسة من منطقة واسعة جداً فيها أمطار غزيرة ، مَن مدّد هذه التمديدات ؟

والله أيها الإخوة ، نحن إذا تفكرنا في خلق السماوات والأرض نوضع أمام عظمة الله ، الكون كله ينطق بوجوده ، وبوحدانيته ، وبكماله ، وحينما يتيه الإنسان في القيل والقال ، يتيه الإنسان في التمزقات العقدية ، في الضلالات ، في اختلافات لا تنتهي ، يكون الكون هو الثابت الأول ، الذي خلق الأكوان إله عظيم ، كامل كمالاً مطلقاً ، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، قال تعالى :

 [ سورة الواقعة ]

التفكُر في الكون عبادةٌ :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

لذلك ما من عبادة أعظم من عبادة التفكر ، التفكر هو السبيل إلى الله ، بل إن التفكر في آيات الله الكونية ، وآياته التكوينية ، وآياته القرآنية هو الباب الوحيد إلى الله ، ومعظم السور المكية تبدأ بآيات كونية ، قال تعالى :

.

[ سورة الشمس ]

 

 [ سورة الفجر ]

آيات كثيرة تدعونا بأمر واضح صارخ ، قال تعالى :

[ سورة يونس ]

[ سورة الطارق ]

 [ سورة عبس ]

آيات كثيرة تبدأ بـ ( أولم يرَ ) .

أيها الإخوة الكرام ، آيات الكون في القرآن الكريم منهج لنا ، رؤوس موضوعات للتفكر ، هذا الماء من يخزنه لك في الجبال ؟ قال تعالى :

 [ سورة الحجر ]

لنا وقفة متأنية عند الكون ، ولكن في هذا الدرس نسير على مقومات التكليف سيراً سريعاً .

الكون الثابت الأول ، الكون لا يختلف عليه اثنان ، الكون أهل الأرض قاطبة معجبون بعظمة خالقه ، لذلك هذا الكون سخر للإنسان يوم حمل الإنسان الأمانة ، قال تعالى :

 [ سورة الأحزاب ]

يوم قَبِل الإنسان حمْلَ الأمانة سخر له ربه ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ، لأنك من بني البشر ، أنت المخلوق المكرّم ، الأول رتبة ، فمَن عرف نفسه عرف ربه ، لأنك من بني البشر ، لأنك إنسان أنت سيد البشر ، أنت المخلوق المكرّم ، ولكن هذا المخلوق الأول إما أن يكون فوق الملائكة ، وإما أن يكون دون الحيوان ، فقد رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة ، ركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل ، ركِّب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، قال تعالى :

 [ سورة البينة ]

خير ما برأ الله .

أتحسب أنك جرم صغير         وفيك انطوى العالم الأكبر

***

أتعلم أنك إن عرفت ربك كنتَ فوق الملائكة ؟!

أيها الإخوة ، الله عز وجل  له آيات كونية ينبغي أن نتفكر بها ، وله آيات تكوينية ، وهي أفعاله ينبغي أن ننظر إليها ، الآية الكريمة تؤكد هذا المعنى :

 [ سورة الأنعام ]

لا أملَ إلا في الإسلام :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

الذين وقفوا في خندق مُعادٍ لرسول الله وأصحابه أين هم ؟ في مزبلة التاريخ ، الّذين وقفوا معه أين هم ؟ في أعلى عليين ، هؤلاء الذين أرادوا إلغاء الإسلام أين هم ؟ آلاف الطغاة الذين أرادوا إلغاء الإسلام ، ماتوا والإسلام باق ، حتى قال بعض العلماء الأجانب : " أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اليوم اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور ، لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين ، لا لأنهم أقوياء ، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام " .

كل النظم الوضعية أصبحت في الوحل ، ولم يبقَ على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام ملاذ الجميع .

أيها الإخوة ، بالكون تتفكر ، وبأفعال الله تنظر ، تصوروا حالات حادة جداً ، فرعون الجبار الطاغية ، الحاقد القوي ، معه جيش عرمرم بأسلحة فتاكة ، حقد دفين ، يتبع شرذمة من أتباع سيدنا موسى ، فإذا بهم أمام البحر فهل مِن أمل ؟ إطلاقاً الأمل صفر ، قال تعالى :

 [ سورة الشعراء ]

والله أيها الإخوة ، كلمة لا أرتوي من تردادها ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يستطيع في الكون أن ينال منك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ شيء يصعب تصوره لذلك :

كن مع الله تر الله معك     واترك الكل وحاذر طمعك

وإذا أعطاك من يمنعه      ثم من يعطي إذا ما منعك

 

***

 [ سورة المائدة ]

إذاً : سيدنا موسى ضرب البحر ، فأصبح طريقاً يبساً ، هذه القصة لمن ؟ له أم لنا ؟ لنا ، القرآن نزل بعد سيدنا موسى ، هي لنا ، إياك أن تيئس ، إياك أن تتطامن ، إياك أن تحس بالإحباط ، قال تعالى :

 [ سورة آل عمران ]

الموقف الصحيح من الآيات الكونية والتكوينية والقرآنية :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

إذاً : في آياته الكونية نتفكر ، وفي آياته التكوينية ننظر ، وفي آياته القرآنية نتدبر ، تفكر ، وانظر ، وتدبر تعرف الله ، إن عرفته عرفت كل شيء ، إن وصلت إليه وصلت إلى كل شيء ، إن نلت رضاه نلت كل شيء ، لذلك أقول دائماً كلمة مؤثرة : يا رب ماذا فقدَ من وجدك ؟ ما فقد شيئاً ، وماذا وجد من فقدك ؟ لم يجد شيئاً ، أموال لا تأكلها النيران ، بيوت ، مركبات منوطة بدقات القلب ، فإذا توقف القلب فقد كل شيء ، وخسر كل شيء ، قال تعالى :

 [ سورة الزمر ]

إذاً : في الآيات الكونية نتفكر في الآيات التكوينية ، ننظر في الآيات القرآنية ، نتدبر طريق معرفة الله ، طريق آياته الكونية والتكوينية والقرآنية ، وأصل الدين معرفته ، وفي الأثر : (( ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء )) .

الكون ثابت ، ألف وثلاثمئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون ، سدس القرآن الكريم يتحدث عن الكون ، من أجل أن تتفكر في خلق السماوات والأرض ، الآية الأصل في هذا الباب :

 

 [ سورة آل عمران ]

المقوم الأول هو الكون ، وهو الثابت الأول ، ولا خلاف عليه إطلاقاً بين شعوب الأرض ، وبإمكان أي إنسان في الأرض أن يقرأ في الكون ، قال تعالى :

 

 [ سورة العلق ]

المقوم الثاني : العقل :

لقد أعطانا الله عز وجل العقل ، قال تعالى :

 [ سورة الرحمن ]

للتقريب : إنسان لا يملك من الدنيا إلا بيتاً ، لكنه غالٍ جداً ، وباعه بعملة صعبة ، ومعه في جيبه الأول جهاز يكشف له العملة المزورة ، ومعه في الجيب الثاني أوراق فيها أرقام العملة المزورة ، وباع البيت بعملة صعبة ، ولم يستخدم الجهاز فإذا بالعملة مزورة ، هو خاسر خسارة كبيرة جداً ، لكنه هو السبب لم يستخدم جهاز كشف العملة المزورة ، كما أنه لم يقرأ أرقام العملة المزورة ، الأرقام هو الشرع ، والجهاز هو العقل ، فلذلك العقل ثاني أكبر مقوم من مقومات التكليف العقل ، وهو مناط التكليف .

 

مبادئ العقل : السببية والغائية وعدم التناقض :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

والعقل جهاز بالغ التعقيد مبني على مبادئ ثلاثة : مبني على مبدأ السببية ، ومبدأ الغائية ، ومبدأ عدم التناقض ، أي أنك أيها الإنسان من خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون سبب ، ومن خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون غاية ، ومن خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً متناقضاً ، إنسان حاضر وغائب في وقت واحد في دمشق وحلب ، هذا مستحيل في العقل ، لكن الشيء الدقيق أن نظام الكون نظام سببي ، وفي عالم الكون لا شيء يحدث بلا سبب ، ولا شيء يحدث بلا غاية ، وليس في الكون تناقض ، وعقلك فيه مبدأ السببية ، والغائية ، وعدم التناقض ، إذاً : العقل هو المقوم الثاني .

 

دورُ العقل في معرفة الله :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

مهمةُ العقلِ التأكُّدُ من صحة النقل ثمّ فهمُه :

ولكن ما دور العقل في معرفة الله ؟ العقل له مهمتان : أصل الدين هو النقل ، الوحي المتلو ، القرآن الكريم  ، والوحي غير المتلو السنة ، أصل الدين معرفة الله ، العقل قبل النقل ، مهمته التأكد من صحة النقل ، وبعد النقل مهمته فهم النقل ، لكن الأصل في الدين النقل ، ولن يكون العقل حكَماً على النقل ، والعقل قبل خمسين سنة لا يصدق أن قرصاً فيه سبعة آلاف كتاب ، وكل عنوان بأربعين جزءا ، وكل جزء فيه أربعمئة صفحة ، وكل صفحة فيها ثمانين سطرا ، في كل سطر خمس وثلاثين كلمة ، وكل كلمة فيها خمسة حروف ، وكل حرف مشكّل ، هذا قرص واحد فيه سبعة آلاف عنوان ، العقل مرتبط بالواقع ، أما الوحي فمرتبط بالخالق ، فلذلك الأصل هو الوحي ، والعقل للتأكد من صحة النقل أولاً ، ولفهم النقل ثانياً .

 

مربع نص: العقل متطابق مع قوانين الكون :

 

أروع ما في الموضوع أن العقل متطابق تماماً مع قوانين الكون ، ولولا هذا التطابق لم يكن قيمة للعقل إطلاقاً .

في الكون لكل شيء سبب ، ولكل شيء غاية ، ليس في الكون تناقض ، وعقلك لا يفهم شيئاً بلا سبب .

للتقريب : سافرت إلى اللاذقية ، أطفأت الأنوار ، أرتجت الباب ، ليس مع أحد مفتاح هذا البيت إطلاقاً ، عدت بعد أسبوع ، فرأيت المصابيح متألقة ، لماذا ترتعد فرائصك ؟

مثلاً : لو دار حوار غير ذكي بين الزوج وزوجته ، قال لها : المصابيح متألقة ، قالت له أطفئها ، ليس الموضوع في إطفائها ، ولكن مَن دخل البيت في غيابي ؟ لا يمكن أن تصدق أن المصابيح تألقت بذاتها هكذا العقل ، والعقل مناط التكليف ، والعقل أداة معرفة الله ، ومبادئ العقل متناسقة مع مبادئ الكون لذلك قال تعالى :

 

 

[ سورة يس ]

[ سورة الغاشية ]

[ سورة غافر ]

 [ سورة الصافات ]

لكن العقل ـ الآن دققوا ـ بالضبط كهذه العين ، هذه العين لو أنها ترى بأعلى درجة ، اثنتي عشرة على عشر ، وليس هناك ضوء فلا قيمة لهذه العين ، والعقل من دون وحي لا قيمة لهذا العقل ، العين والضوء يتكاملان ، والعقل والوحي يتكاملان ، الوحي للعقل كالضوء للعين ، لذلك العقل من دون وحي لا يصلح ، قال تعالى :

 

 [ سورة المدثر ]

العقل يحتاج إلى وحي ، وأي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به ، إذاً : العقل مناط التكليف ، والعقل أداة معرفة الله ، والعقل مهمته قبل النقل التأكد من صحة النقل ، وبعد النقل لفهم النقل ، ولن يكون العقل حكماً على النقل .

المقوم الثالث : الفطرة :

لك فطرة ، قال تعالى :

 [ سورة الروم ]

مربع نص: الفطر’ُ متوافقة مع منهج الله :

 

بنيتك النفسية متوافقة توافقاً تاماً مع منهج الله ، وأي أمر أمرك الله به ترتاح نفسك إذا طبقته ، تماماً كمركبة من أغلى الأنواع ، لكنها مصممة للطريق المعبد ، فإذا سرت بها في طريق وعر تكسرت ، ولم تلبِ حاجتك ، لأنها مصممة لطريق معبد ، أنت مصمم لمنهج الله ، فإذا طبقت منهج الله شعرت بسعادة لا توصف ، الله أمرك أن تكون صادقاً ، فإذا صدقت تحس براحة كبيرة جداً ، أمرك أن تكون أميناً ، فإذا كنت أميناً أحسست براحة عجيبة ، أمرك أن تكون رحيماً ، فإذا رحمت من حولك أحسست براحة عجيبة لذلك :

 

 [ سورة الروم ]

هذه الخصيصة النفسية الفطرة ، الإسلام دين الفطرة ، كل شيء أمر الله عز وجل به ترتاح فطرتك له ، بل إن الله جل جلاله سمى الشيء الذي تنكره نفسك منكراً ، وسمى الشيء الذي تعرفه نفسك أنه عمل طيب معروفاً ، فالأشياء التي تنكرها بأصل فطرتك هي المنكرات ، والأشياء التي تعرفها بأصل فطرتك هي المعروف ، كلمة معروف ومنكر تؤكد تطابق الفطرة مع الشرع ، لذلك قال الله عز وجل :

 [ سورة الشمس ]

أنت لست بحاجة إلى من يلفت نظرك حينما تفعل فعلاً جيداً تعرف أنك أصبت ، وإن لم تفعل فعلاً جيداً تعرف أنك أخطأت ، بل هذه الفطرة وأستسمحكم عذراً بالحيوانات أيضاً ، فالقطة حينما تخطف قطعة لحم تأكلها بعيداً عنك ، أما إذا أطعمتها هذه القطعة فتأكلها أمامك ، لأنها بفطرتها أحست أنها أخطأت حينما أخذت قطعة لحم عنوة أو سرقة ، مع أنها غير مكلفة طبعاً .

الكون ، العقل ، الفطرة .

المقوم الرابع : الشهوةُ :

 

مربع نص: أهمية الشهوة مقومًا للتكليف :

 

الله عز وجل أودع فينا الشهوات ، وميلاً إلى المرأة ، إلى المال ، إلى الجمال ، إلى الراحة ، إلى البيت المريح ، إلى المركبة الفارهة ، الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال ، يحب النوال العطاء ، والكمال والجمال ، هذه شهوة ، وما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها تارة شاكرين ، وتارة صابرين ، فالشهوة كالمحرك ، والعقل كالمقود ، والشرع كالطريق ، فحركتك في الحياة بدافع الشهوات ، ولو لم يكن هناك شهوات ما رأيت على وجه الأرض شيئاً ، لا بيتًا ، ولا جسرًا ، ولا طريقًا ، ولا معملًا ، ولا مدرسة ، ولا مستشفى ، إذا لم يكن هناك حاجة للطعام والشراب ، ولا حاجة للمرأة ، مثل هذه الطاولة تتركها مليون سنة مثلما هي ، لا تتزوج ، ولا تأكل ، ولا تشرب ، وكان من الممكن أن يكون الإنسان كالجماد ، لا يتحرك ، لا يفعل شيئاً ، لكن أودع فيك الشهوات ، تمشي في الأسواق ، تبحث عن عمل ، تبحث عن دخل من أجل أن تتزوج ، تأتي الزوجة ، تبحث عن دخل آخر من أجل تربية الأولاد ، إذاً حينما وصف الله أنبياءه بأنهم بشر قال تعالى :

 [ سورة الفرقان ]

هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام ، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى المشي في الأسواق ، هذا شأننا جميعاً ، تبحث عن عمل من أجل أن تشتري بيتاً ، تستأجر بيتاً ، كي تتزوج ، كي تنجب ، إذاً : الشهوات أودعها الله فينا قال تعالى عنها :

 [ سورة آل عمران ]

مربع نص: كل شهوة لها قناة شرعية نظيفة تسري من خلالها :

 

دققوا في هذا الكلام الدقيق : ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل له قناة نظيفة تسري خلالها ، ليس هناك حرمان ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، أودع فيك حب المال ، وأبواب الكسب المشروع على مصارعه ، وهناك كسب غير مشروع ، الشهوة تمثل مئة وثمانين درجة ، يمكن بدافع الشهوة أن تتحرك بزاوية مفتوحة تساوي مئة وثمانين درجة ، لكن الكسب المشروع تسعون درجة ، وغير المشروع تسعون درجة ، فالمؤمن يحصر نشاطه في كسب المال في التسعين درجة الأولى ، وغير المؤمن له عمل ، ويسرق ، ويغش ، ويدلس ، ويحتال ، ويغتصب ، فلذلك الشهوة مفتوحة مئة وثمانين درجة ، المؤمن يتقيد بالحيز المسموح به من قبل الله ، وهذا معنى قوله تعالى :

 [ سورة هود ]

المرأة :

 عندك زوجة ، ولك أخوات بنات ، تجلس معهم ، الوالدة ، الأخوات ، العمات ، الخالات ، الأخت ، بنت الأخ ، ابنة الأخت ، هذه المحارم ، لكن امرأة لا تحل لك ممنوع أن تقيم علاقة معها في حيز الإيمان ، هذه الشهوات .

المال :

هناك تجارة ، ووظيفة ، وهبة ، وعمل حر ، وزراعة ، وتجارة ، و صناعة ، لكن لا سرقة ، ولا اغتصاب ، ولا غش ، ولا احتكار ، كل أنواع المعاصي في كسب المال محرمة .

العلو في الأرض :

أيضاً العلو في الأرض ، شهوة ثالثة ، أن تكون شيئاً مذكورا ، أن يشار إليك بالبنان ، اطلب العلم ، تعلم العلم ، اعمل أعمالاً صالحة ليشار لك بالبنان .

مرة عالم من علماء بلد إسلامي كبير سافر إلى لبريطانية لإجراء عملية ، يقولون ، أكثر من مئة ألف اتصال ورسالة جاءت من أنحاء العالم الإسلامي للاستفسار عن صحته ، فإذاعة لندن استغربت ، شيء غير طبيعي ، أجرت معه مقابلة ، قالت له : ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ ماذا يجيب ؟ أجاب إجابة رائعة قال : لأنني محسوب على الله ، وأنت كمؤمن محسوب على الله .

إذاً : العلو في الأرض قد يكون في طاعة الله ، قد يكون بخدمة الخلق ، قد يكون بنشر العلم ، قد يكون بالأعمال الصالحة ، وقد يكون بالأذى ، وقد يكون بكسب غير مشروع ، ينتهي ببيت فخم ، ومركبة فارهة ، وعلاقات وولائم ، وفنادق وسفر وسياحة .

أنت عندك حاجة أساسية للطعام للحفاظ على وجودك ، وعندك حاجة أساسية للمرأة ، للحفاظ على نوعك ، وعندك حاجة أساسية إلى أن تكون ذا أهمية للحفاظ على ذكرك ، فهذه كلها محققة ضمن منهج الله عز وجل ، ومحققة بغير منهج الله ، لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، اطمئن فلا حرمان ، لذلك قال تعالى :

 [ سورة القصص ]

الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، يتزوج ، ويوم العرس أطلقت أبواق المركبات ، ألا يستحيون ؟ لا ، لا يستحيون ، هذا شيء شرعي ، هذا الزواج شرعه الله ، ما من خجل أبداً ، هي زوجته .

أحيانا يعقد عقد على بنت يأتي الخطيب بعد العقد طبعاً فيبقى للساعة الثانية ، لا أحد يتكلم ولا كلمة ، هي زوجته ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .

إذاً : الكون ، والعقل ، والفطرة ، والشهوة .

المقوم الخامس : الحرية ( الاختيار ) :

قال تعالى :

 

[ سورة الكهف]

[ سورة الإنسان ]

 

[ سورة البقرة]

 [ سورة الأنعام]

الإنسان من جهة التكليف مخيَّرٌ :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

هذه مقولة المشركين ، لو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركنا هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً .

الإنسان مخير ، وفي اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أنه مسير فقد أخطأ ، هو مسير فيما لا يكلف ، مسير في كونه ذكراً أو أنثى ، هل أحد سألك : ماذا تحب ، ضع إشارة ضرب في هذا المربع ، أنت لست مخيرا في هذا ، أنت في هذا مسير ، هل أحد سألك : من تحب أن تكون أمك وأبوك ، كلنا مسيرون في أمهاتنا وآبائنا ، هل أحد سألك : أين تحب أن تولد ، في شيكاغو ، أو في دمشق ، مكان ولادتك ، زمن ولادتك ، عصرك ، كونك ذكرًا أو أنثى ، أمك وأبوك ، هذه قدر من الله ، لكن العلماء أجمعوا على أن الذي سيرت فيه هو لمصلحتك ، وليس في إمكانك أبدع مما أعطاك ، ويوم القيامة حينما يكشف لك سر كونك ذكراً أو أنثى ، أو من أي أب أنت ، من أي أم ، في أي بلد ، في أي مكان ، في أي زمان ، قدراتك ، شكلك ، وسامتك ، إلى آخره ، يجب أن تذوب محبة لله  على أنه اختار لك الأصلح ، بهذا أنت مسير ، أما فيما كلفت أنت مخير فقال لك : أقم الصلاة ، فهل لا تصلي ، قال لك :

 [ سورة التوبة ]

أنت أتيت إلى المسجد ، وهناك ملهى أيضاً ، ومقهى إنترنت ، مواقع إباحية ، أمرك أن تكون مع الصادقين ، أتيت إلى المسجد ، أنت فيما كلفت به مخير ، قال تعالى :

 [ سورة الكهف]

وفي اللحظة التي تتوهم أنك لست مخيراً ألغي الثواب والعقاب ، وألغي التكليف ، وألغيت الأمانة ، وألغيت الجنة والنار ، وأصبحت الحياة الدنيا تمثيلية سمجة .

هل تصدق مسابقة لتعيين موظف يتقدم ثلاثة آلاف ، وألفت لجان ، وتم الفحص ، فحص لغة ، وفحص ثقافة عامة ، وشهادات ، وعلامات ، والذي سوف يعين معروف قبل المسابقة ؟ مستحيل أن يكون هكذا ، فلذلك في اللحظة الذي تتوهم فيها أنك أنت في كل شيء مسير فقد ألغيت الدين ، ألغيت الجنة والنار ، وألغيت الثواب والعقاب والتكليف ، ألغيت كل شيء ، لذلك سيدنا عمر لما جاءه شارب خمر قال : << أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين ، إن الله قدر علي ذلك ـ العوام يقولون : طاسات معدودة ، بأماكن محدودة ، هكذا ابتلاه الله ، الله ما ابتلاه ، هو اختار لنفسه ـ فقال سيدنا عمر : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >> ، لا تقل لي : الله قدر علي ذلك ، قل : أنا أخطأت ، الله أمرني بالخير ، وأنا أخطأت .

     لاختيار أحد مقومات التكليف ، الشهوة أحد مقومات التكليف ، والفطرة أحد مقومات التكليف ، والعقل أحد مقومات التكليف ، والكون أحد مقومات التكليف .

المقوِّم السادس : الشرعُ :

     بقي الشرع ، في البلد أوزان بكل محل ، أوزان بكيلوين ، نصف كيلو ، ربع أوقية ، نصف أوقية ، لو أحضر رجلٌ نارا ، وأذاب الرصاص الذي تحت الوزن ، أنقصه مئة غرام ، كيف نكشف الخطأ يكون عندنا في البلدية وزن نظامي ، وزن معتمد ، وزن هو المقياس ، وزن هو الضابط ، الشرع هو الضابط ، الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع ، فإذا أرشدك فكرك إلى شيء أنكره الشرع ، وأنت رأيته حسناً فعندك خلل كبير ، يجب أن تتوافق موازينك مع موازين الشرع ، الحرام حرام ، الاختلاط ممنوع ، الزنا حرام ، ليس عملاً مقبولاً ، لكن في عصور التفلت يصبح عملاً مقبول ، كونه منتشراً في العالم ، هذا لا يغير من تقييمه عند الله عز وجل .

     إذًا : الشرع أيضاً من مقومات التكليف ، المنهج ، الشرع مقوم أساسي من مقومات التكليف ، لذلك العقل قد يضل ، والشرع ضابط .

     أنا أعطيك مسألة ، أقول لك حلها ، لكن قبل أن تتعب نفسك هذا هو الجواب ، فإن قادك الحل إلى هذا الجواب فالحل صحيح ، فإذا قادك الحل إلى جواب آخر فاعلم أنك مخطئ ، ولما تتوهم أن ثمة معصية ما فيها شيء في الدين ، ماذا فعلنا ؟ والله ضرورية الآن ، نحن في عصر جديد ، هذا عصر العلم ، عصر المرأة نصف المجتمع ، لما تتوهم شيئًا خلاف الشرع فأنت مخطئ ، المرأة نصف المجتمع ، ومكرمة أشد التكريم ، وما من دين ، وما من منهج أعطى المرأة حقها ، وكرمها كما كرّمها الإسلام .

     لما فتح النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم مكة ، ودعته بيوتاتها ليبيت عندهم ، قال : انصبوا خيمة عند قبر خديجة ، ونصب لواء النصر أمام قبرها ، ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر ، قال تعالى :

 [ سورة الطلاق]

الضابط عند ضلال العقل وانطماس الفطرة :

 

C:\Documents and Settings\user\Desktop\الأعجاز\117-19.files\image004.gif

 

لكن الفساد مرفوض ، التبذل مرفوض ، إظهار المفاتن مرفوض الخلوة مرفوضة ، إذاً : الشرع هو الحكَم ، الحسن ما حسنه الشرع ، و العقل قد يضل ، والفطرة قد تنطمس ، فما الضابط ؟ الشرع وزن مركزي في البلدية ، فأي وزن شككنا فيه نأتي به إلى البلدية ، ونعرضه على هذا الوزن الأساسي ، هذا هو الشرع ، والله عز وجل أعطانا فوق هذا الوقت وعاء عملنا ، وأنت بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك .

وفي درس قادم إن شاء الله نبدأ هذه المقومات بالتفصيل .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi