English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : التوحيد – أمثلة عملية وقصص واقعية ـ الأحد 10/06/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي ، تفريغ عرفان النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

Text Box: كيف يكون التوحيد ؟

 

أيها الإخوة الكرام ، أردت أن يكون هذا الدرس في موضوع من أخطر موضوعات الدين ألا وهو التوحيد ، فالدين هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

1 ـ المشركون وحّدوا توحيد الربوبية :

أما أن تؤمن أن الله خالق السماوات والأرض فقد قال هذه الكلمةَ المشركون ، قال تعالى :

 

 ( سورة الزمر)

 

2 ـ بهذا يكون التوحيد :

فأن تؤمن أن الله عز وجل  خلق الأكوان ، هذا يؤمن به المشركون ، ولكن أن تؤمن ـ الآن دقق ـ أن الله في السماء إله وفي الأرض إله ، قال تعالى :

 

 ( سورة هود)

أن تؤمن أنه :

 

 ( سورة الكهف)

 

 ( سورة الشورى)

أن تؤمن أنه :

 

 ( سورة فاطر)

هذا هو الإيمان ، ألاّ ترى مع الله أحدا ، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها ، أن ترى أن الله وحده هو الرافع الخافض ، والمعز المذل ، والمعطي المانع المقرّب ، الله وحده يفعل ما يشاء ، ما شاء الله كان ، وما لم يشاء لم يكن .

 

Text Box: ومضاتٌ مشرِقةٌ من توحيد الصحابة :

 

الآن أريد أن أعطيكم ومضات من توحيد الصحابة .

1 ـ مع كعب بن مالك :

سيدنا كعب حينما تخلف عن رسول الله في تبوك لم يكن له عذر ، وقد قال : << أوتيت جدلاً >> ، يعني أوتيت قوة إقناع ، فلما عاد النبي عليه الصلاة والسلام ، وعكف راجعاً إلى المدينة قال : حضرني حزني ، ماذا أقول له ؟ فلما وصل إلى المدينة استقبل المنافقين ، واستمع إلى أعذارهم ، وقبِلها ، منهم ثمانون منافقا ، فلما جاء دور سيدنا كعب قال في نفسه : << والله لقد أوتيت جدلاً ، وإنني بجدلي أخرج من سخطه ـ أقدم له عذرا محبوكا ـ ولكنني خشيت أنني إذا خرجت من سخطه بجدلي ليوشكن الله أن يسخطه علي >> ، علاقته مع من ؟ مع الله ، بإمكانه أن يقنع رسول الله ، ولكن رأى أن الأمر بيد الله ، فلو أقنع النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يكن الله راضيًا عنه ليوشكن الله أن يسخطه علي ، قال : << فأجمعت أن أصدقه ، فلما وصلت إليه قلت : والله يا رسول الله ما كنت في يوم أقوى ولا أنشط من يوم تخلفت عنك ، لا عذر لي ، فقال عليه الصلاة والسلام كلمة رائعة :

(( أمّا هذا فقدْ صَدَقَ )) .

[ متفق عليه ]

استمع إلى ثمانين منافقاً ، وكلهم قدموا أعذارا مقبولة ، ووكَّلهم إلى إيمانهم ، فلما تكلم هذا الصحابي الجليل الحقيقة بلا مواربة ، وبلا كذب ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( أمّا هذا فقدْ صَدَقَ )) .

أرأيت إلى هذه اللقطة ، أوتي قوة إقناع بإمكانه أن يخرج من سخطه ، لكنه أدرك أن الأمر بيد الله ، فهو إن خرج من سخطه ليوشكن الله أن يسخطه عليه ، قال : فأجمعت صدقه ، هذه واحدة .

2 ـ مع امرأة أنصارية :

اللقطة الثانية أن النبي عليه الصلاة والسلام خطب امرأة فاعتذرت أن تكون زوجة له ، فكأن الكلام لا يصدق ، امرأة أتيح لها أن تكون السيدة الأولى في مجتمع المسلمين ، زوجة خير الأنبياء والمرسلين ، وتعتذر !!! طبعاً موقف غريب وعجيب ، فسألها ، قالت : يا رسول الله ، لي خمسة أولاد ، أخاف إن قمت بحقهم أن أقصر في حقك ، فالله لا يعذرني ، وأخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهن ، هذا التوحيد ، هذا هو التوحيد .

3 ـ مع أمِّ المؤمنين عائشة :

حينما نزلت براءة السيدة عائشة من حديث الإفك ، طبعاً تأخر الوحي أربعين يوماً ، ولو كان الوحي شيئاً بملك النبي كما يتوهم أعداء الإسلام لقال آية بعد ساعة وبرّأها ، الوحي كيان مستقل عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لا يملك جلبه ولا دفعه ، فلما نزل في الوحي ببراءة هذه السيدة المصون رضي الله عنها قال أبوها الصديق : قومي إلى رسول الله فاشكريه ، قالت : لا والله ، لا أقوم إلا لله ، على مسمع النبي عليه الصلاة والسلام ، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال : عرفت الحق لأهله ، هذا هو الصحيح ، أرأيت إلى التوحيد ؟

4 ـ مع أبي بكر صِدّيق هذه الأمة :

هل تصدق أن في حياة المسلمين الأولى إنسانين أحبا بعضيهما حباً يفوق حد الخيال كحب الصديق لرسول الله ، ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال الصديق ؟ دقق :

(( أَمَّا بَعْدُ ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بلا ألقاب ، وهو قد ذاب قلبه ألماً ـ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ )) .

[ متفق عليه عن عائشة]

أرأيت إلى التوحيد ؟

5 ـ مع سيف الله المسلول خالد :

سيدنا خالد وهو في أوج انتصاراته عزله عمر ، وأرجعه جندياً ، تصور إنسانًا لواء تسحب منه القيادة ، ويبقى جندياً في الفرقة ، ماذا يفعل ؟ يحدِث انقلابا ، جاء إلى سيدنا عمر فقال له : << يا أمير المؤمنين ، لمَ عزلتني ؟ قال : والله إني لأحبك ، قال : لمَ عزلتني ؟ قال : والله إني لأحبك ، قال : لمَ عزلتني ؟ قال : والله إني لأحبك ، يريد جوابًا ، فقال له سيدنا عمر : والله يا ابن الوليد ما عزلتك إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله >> ، خاف هذا الخليفة العملاق أن يتوهم الناس أن الذي ينتصر هو خالد ، لكن الذي ينصر هو رب خالد ، فعزل خالدا ، وبقي النصر مستمراً من أجل التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

5 ـ مع الفاروق عمر :

 

القصة الأولى :

أيها الإخوة الكرام ، سيدنا عمر وهو يخطب قطع الخطبة ، وقال : << يا ابن الخطاب ، كنتَ راعياً ترعى الإبل على قراريط لأهل مكة >> ، وتابع الخطبة ، ليس هناك علاقة أبداً .

أحيانا بعض المحطات الإذاعية تقطع البث ، ويستبدلونها بدعاية ليس لها علاقة بالمضمون إطلاقاً ، ثم يعود المضمون ، ما فهم الصحابة ذلك ، فلما انتهت خطبته سألوه ، فقال : << جاءتني نفسي فحدثتني أنه ليس بينك وبين الله أحد ، فأردت أن أعرّفها قدرها ، >> ، كنت راعياً أرعى الإبل على قراريط لأهل مكة .

لذلك أيها الإخوة ، الدين الحقيقي توحيد ، الدين الحقيقي ألا ترى مع الله أحداً ، وألا ترى نفسك أيضاً ، وألا ترى عملك ، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك ، لذلك في أي عمل تقدم عليه ينبغي أن تقول : اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين ، تبرأت من حولي وقوتي وعلمي ، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك ، يا ذا القوة المتين ، هذا هو التوحيد ، ألاّ ترى مع الله أحدا ، ألا تحابي أحدا ، لذلك قال تعالى :

 

 ( سورة الأحزاب)

هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله أليسوا أُمَناء ؟ نعم ، أليسوا صادقين ؟ أليسوا ورعين ؟ أليسوا مصلين ؟ أليسوا صائمين ؟ لماذا أغفل الله كل صفاتهم ، واكتفى بصفة واحدة ؟ قال علماء البلاغة : لأن هذه الصفة مترابطة مع الموصوف ترابطا وجوديًا ، فإذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف ، كيف ؟

تقول : طائرة كبيرة ، والباخرة كبيرة ، طائرة غالية الثمن ، واليخت غالي الثمن ، طائرة جميلة ، واليخت جميل ، أما الطائرة فتطير ، هذه صفة خاصة بالطائرة ، فلو ألغي طيران الطائرة ألغيت الطائرة ، لذلك هؤلاء الدعاة إذا وحّدوا ، ولم يروا مع الله أحدا ، ولم ينافقوا ، ولم ينطقوا بكلام ليسوا قانعين به ، ولم يسكتوا عن حق خوفاً من قوي ، ولم ينطقوا بباطل إرضاء لقوي ، هؤلاء هم الدعاة ، فإن لم يكونوا كذلك سقطت دعوتهم ، وانتهوا ، قال تعالى :

 ( سورة الأحزاب)

بعد هذه الصفة لا داعي للحديث عن صدقهم وأمانتهم ، وصلاتهم وصيامهم ، القرآن جامع مانع ، فيه إيجاز ، لذلك أيها الإخوة صدقوني ، ولا أبالغ : إن لم تكن موحداً فلا جدوى من إيمانك إطلاقاً ، إن لم تر أن يد الله تعمل وحدها ، وأن الله بيده كل شيء ، وإليه يرجع الأمر كله ، فاعبده وتوكل عليه فلستَ موحّدا .

جاء خطيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له :

(( ما شاء الله وشئت ، قال : بئس الخطيب جعلتني لله نداً ، ما شاء الله كان ، وما لم يشاء لم يكن )) .

[ ورد في الأثر ]

هذا هو التوحيد .

القصة الثانية :

أيها الإخوة ، جاء رسول والي عمر بن الخطاب على أذربيجان ، وصل المدينة في ساعة متأخرة من الليل ، كره أن يطرق باب أمير المؤمنين ، فتوجه إلى المسجد ، سمع رجلاً يبكي ، ويقول : يا رب ، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ استغرب ، طبعاً هذا الكلام له قصة ، سيدنا عمر كان يسير في أزقة المدينة ، ومعه عبد الرحمن بن عوف ، رأى قافلة في ظاهر المدينة ، فقال لعبد الرحمن بن عوف : تعالَ نحرس هذه القافلة ، سيدنا عمر سمع طفلاً يبكي ، توجه إلى أمه ، وقال : أرضعيه ، فأرضعته ، وتابع البكاء ، فقال : أرضعيه ، فأرضعته ، فتابع البكاء ، فغضب ، وقال : أرضعيه ، قالت له : وما شأنك بنا ؟ طبعاً لا تعرفه ، إنني أفطمه ، قال : ولمَ ؟ قال : لأن عمر لا يعطي العطاء ، التعويض العائلي ، إلا بعد الفطام ، تروي الرواية أن عمر ضرب جبهته ، وقال : ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ لأنه أخّر العطاء إلى الفطام ، ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ فذهب إلى المسجد ، وبكى بكاءً شديداً ، وقال : يا رب ، هل قبلت توبتي فأهنئها ، أم ردتها فأعزيها ؟ هذا السفير الرسول من أذربيجان ما عرف هذا الإنسان ، قال له : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر ، هو خجل أن يطرق باب أمير المؤمنين ليلاً ، فذهب إلى المسجد فرآه يبكي في المسجد ، قال : يا أمير المؤمنين ، ألا تنام الليل ؟

والله هناك قصة مع نفسي ، هذه القصة صدقوني أحجمت عن روايتها عشر سنوات لأني وجدتها غير واقعية ، أنا قرأت القصة على الشكل التالي ، قال : إني إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي ، أحجمت عن روايتها عشر سنوات ، إلى أن عثرت على رواية لها فيها كلمة زائدة قال : إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي ، صار كلامًا منطقيًا ، إنسان ما ينام ! هذا مستحيل .

النتيجة قال له : << أتحب أن تأكل معنا ، أم أن تأكل مع فقراء المسلمين ، يعيش عند كسرى ، طعام الملك شيء نفيس جداً ، قال : بل عندك ، فلما دخل إلى بيته ، قال : يا أم المؤمنين ما عندك من طعام ؟ قالت : والله ما عندنا إلا ملح وخبز ، بينما فقراء المسلمين يأكلون اللحم ، قال : هاته لنا ، فجاءته بالملح والخبز ، أكل فشبع ، وشرب فارتوى ، فقال : الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا ، وسقانا فأروانا >> ، خليفة المسلمين .

مرة ترك أكل اللحم في سنين المجاعة ، فقرقر بطنه ، فخاطبه ، وقال : << قرقر أيها البطن ، أو لا تقرقر ، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين >> .

وضعوا له سنام الناقة أمامه ليأكله ، فبكى ، وقال : << بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها ، وأكل الناس كراديسها >> .

فالنتيجة سيدنا عمر لما ضرب جبهته ، وقال : ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟! ذهب إلى المسجد ، وأعطى أمراً أن يكون العطاء بعد الولادة لا بعد الفطام .

والله ، الذي لا أصدقه كيف تأمر هذه الدول الكبيرة بقتل الشعوب ، لأنه أخّر العطاء من الولادة إلى الفطام ، قال : ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟!

هذا هو التوحيد ، لذلك سيدنا الصديق أوصى أن يكون الخليفة بعده عمر ، فجاء وفد إليه ، وخوّفه من الله ، كيف تولّي علينا عمر ، وشديد مخيف ؟ فغضب ، وقال : أتخوفونني بالله ، لو أن الله سألني لمَ وليت عليهم عمر ؟ أقول : يا رب ، ولّيت عليهم أرحمهم ، هذا علمي به ، فإذا بدل وغير فلا علم لي بالغيب ، فلما خطب سيدنا عمر قال : << كنت خادم رسول الله وسيفه المسلول وجلواذه ، وتوفي عنه وهو عني راض ، وأنا بهذا أسعد ، والحمد لله رب العالمين ، ثم جاء أبو بكر ، فكنت خادمه وسيفه المسلول وجلواذه ، فكان يغمدني إذا شاء ، وتوفي عني ، وهو عني راض ، الحمد لله على هذا كثيراً ، وأنا به أسعد ، قال : ثم آلت الأمور إلي ، اعلموا أيها الناس ، أن تلك الشدة قد أضعفت ، وإنما تكون على أهل البغي والكفر ، أما أهل التقوى والصلاح فأنا ألين لهم من أنفسهم ، وسأضع رأسي على الأرض ليطئوه بأقدامهم ، أيها الناس ، خصال خمس خذوني بها ، أي حاسبوني عليها ، لكم علي لا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه ، وألا أنفقه إلا بحقه ، ولكم علي ألا أجمركم بالبعوث ، يعني أرسلك إلى الجهاد فوق أربعة أشهر ، لك أولاد ، ولك زوجة ، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا ، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى >> .

القصة الثالثة :

هذا التوحيد ، يرى الله عز وجل سيحاسبه ، لذلك جاءته رسالة من والٍ يقول : << يا أمير المؤمنين ، إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم ، ولست أقدر على استخراجه منهم ، إلا أن أمسهم بالعذاب ، فإن أذنت لي فعلت ، اسمع جواب عمر ، قال : ويحك ، أتستأذنني في تعذيب بشر ، وهل أنا حصن لك من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة ، معك مستمسكات ، معك أدلة ، معك وثائق ، فإن قامت فخذهم بالبينة ، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار ، فإن أقروا كان بها ، وإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، وايمُ الله ، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم >> ، هذا هو التوحيد .

رأى والياً فقال له : << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال له : أقطع يده ، قال للوالي : إذاً ، إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عنهم خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر له حرفتهم ، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.

هذا التوحيد .

أيها الإخوة الكرام ، المسلمون اليوم في أمسّ الحاجة إلى التوحيد ، في أمسّ الحاجة إلى أن يؤمنوا أن الأمر بيد الله ، لا بيد أعدائهم ، وأن الله لا يتخلى عنهم ، وأن مصيبة المصائب أن يشعروا باليأس والإحباط ، ومصيبة المصائب ألا يثقوا بوعد الله ، قال تعالى :

 

 

 ( سورة النور )

ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

 

Text Box: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ

 

الآن الآية الكريمة اتلي تقصم الظهر ، قال تعالى :

 

 ( سورة يوسف )

 

Text Box: الشرك بيْنَ الجليِّ والخفيِّ :

 

 

لذلك قسم العلماء الشرك إلى شرك جلي ، وشرك خفي ، الشرك الجلي أن تقول : بوذا إله ، وفي شرق آسيا مئات الأديان كلها أديان وثنية تعبد الحجر أو تعبد الشمس والقمر أو تعبد الجرذان أو تعبد ... الحديث طويل ، لذلك الشرك الجلي لا يوجد في العالم الإسلامي ، والحمد لله ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ : يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا ، وَلَا وَثَنًا ، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً )) .

[ ابن ماجه ]

لذلك للإمام علي رضي الله عنه قول رائع قال : << الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء >> .

وأدناه أن تحب على جور ، وأن تغضب على عدل ، واحد تنتفع منه فتغاضيت عن معاصيه ، ولم تنصحه خوفاً من أن تنقطع عطاياه إليك ،هذا شرك خفي ، أو أنه إذا وجه لك أحد نصيحة لا تحتمل ، ترفض هذه النصيحة ، وهذا شرك أيضاً ، لذلك :

 ( سورة يوسف )

أيها الإخوة ، إن أردت أن تضغط الدين كله بكلمات ، بل إن أردت أن تضغط رسالات الأنبياء جميعاً بكلمات فاسمع قوله تعالى :

 

 ( سورة الأنبياء )

] لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [ : هذا التوحيد ، ] فَاعْبُدُونِ [ : الطاعة ، لذلك قالوا : نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العلم التقوى .

 

Text Box: التوحيد ألاّ تتجه إلاّ إلى الله وحده :

 

أيها الأخوة ، التوحيد كأنك دخلت إلى دائرة فيها أربعة طوابق ، في كل طابق مئة موظف ، وعلى رأسهم جميعاً مدير عام ، قال لك أحدُهم : قضيتك لا يستطع واحد من كل هؤلاء الموظفين أن يمنحك الموافقة إلا المدير العام ، فهل يعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام ؟ تكون أحمق .

 

Text Box: العزة والشجاعة مِن لوازم التوحيد :

 

الآن حينما تؤمن أن الأمر بيد الله ، أمرك الخاص بيد الله ، صحتك بيد الله ، وزوجتك بيد الله ، وأولادك بيد الله ، وجيرانك وأصدقائك وأقربائك ، ومن فوقك في الدائرة ، ومن هو أقوى منك ، ومن هو أضعف منك ، ومن كان على شاكلتك بيد الله ، حينما تؤمن أن الأمر كله بيد الله لا تتجه إلا إلى الله ، من أين تأتي الشجاعة ؟ من التوحيد ، من أين تأتي العزة ؟ من التوحيد ، من أين يأتي البُعدُ عن النفاق ؟ من التوحيد ، وما مِن إنسان يسقط في النفاق أو في الكذب أو في الدجل إلا بسبب ضعف توحيده ، لأنه رأى أن هذا الإنسان بإمكانه أن يعطيه ، أو أن يمنعه ، لذلك حينما تؤمن أن رزقك بيد الله ، أن حياتك بيد الله ، وأن الله قطع أيدي الناس عن الرزق وعن الحياة ، وأن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، كنت شجاعاً ، لأنك كنت موحداً ، التوحيد من لوازمه العز ، التوحيد من لوازمه الجرأة .

 

Text Box: قصصٌ وعبرة :

 

1 ـ الحسن البصري مع الحجَّاج :

سيدنا الحسن البصري من كبار التابعين ، وهو عالم جليل ، والعلم أمانة ، ومن أمانة العلم التبيين ، وكان في عهد الحجاج ، والحجاج مخيف ، أدى أمانة العلم ، وبلغ الحجاج ما قاله الحسن البصري فيه ، فغضب وزمجر ، وهدد وتوعد ، وقال لجلسائه : يا جبناء ، والله لأورينّكم من دمه ، بكل بساطة أمر بقتله ، وجاء بالسياف ، ومد النطع ، وهو قماش يمنع تلوث الأثاث بدم المقتول .

كنا مرة ببلد إسلامي ، وزرنا جامعتها ، حدثنا رئيس الجامعة عن قصة تأثرت لها كثيراً ، قصةٌ لشابين ، شاب من عامة الناس ، وشاب أمير ، تسابقا ، فهذا الشاب الذي من عامة الناس سبق الأمير ، الأمير سحب سلاحاً ، وأطلق عليه النار ، وأرداه قتيلاً ، لأنه سبقه ، وليُّ القتيل طالب بالقصاص ، دفعت له مبالغ ، وصل الرقم إلى خمسمئة مليون ، فهناك تقطع رأس القاتل بطريقة عجيبة ، فهو يرتدي ( جلابية ) ، ويقصّون من الخلف سبعة حتى تبقى رقبة الإنسان من الخلف بلا قماش من أجل قطع الرأس بضربة واحدة ، وقصت رقبة الثوب ، وتلي الحكم بالقتل تحقيقاً لأمر الله عز وجل ، ورفع السياف سيفه ليضرب ، فقال : عفوت عنه ، ولا أريد شيئاً ، عفا عنه ، وتنازل عن المبلغ بأكمله ، خمسمئة مليون ، قال : لأعلِم مَن حضر أن هذا الذي قتَل يقام عليه الحد كأي إنسان ، وهذه قصة مؤثرة جداً .

أيها الإخوة ، فالحجاج قال : يا جبناء ، والله لأورينّكم من دمه ، بكل بساطة أمر بقتله ، وجاء بالسياف ، دخل الحسن البصري إلى مجلس الحجاج ، رأى السياف واقفاً ، وقد مُدّ النطع ، فهِم كل شيء ، جيء به ليقتل ، فحرك شفتيه ، وتمتم بكلمات ، فإذا بالحجاج يقف له ، ويقول : أهلاً بأبي سعيد ، أنت سيد العلماء ، وما زال يقربه ، ويقربه حتى أجلسه على سريره ، وسأله ، واستفتاه ، وضيفه ، وعطّره ، وودّعه ، صُعق السياف والحاجب الذي جاء به ، فلما خرج الحسن البصري تبعه الحاجب ، قال له : يا أبا سعيد ، لقد جيء بك لغير ما فعل بك ، فماذا قلت لربك ؟ قال : قلت له : " يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم " .

2 ـ سعيد بن جبير مع الحجَّاج :

سعيد بن جبير أراد الحجاج أن يقتله ، قال : سأقتلك ، قال : والله لو علمت أن أمري بيدك ما عبدت غيرك ، لكنني اعبد الله .

ما مِن إنسان أقوى من الموحد ، ومِن في إنسان أعزّ من الموحد ، ولا إنسان أجرأ من الموحد ، لا يرى مع الله أحداً ، يرى الله ولا يرى معه أحداً ، لذلك كان في بمصر ملِكٌ اسمه أيوب ، كان إذا مشى موكبه قبل الأمراء والكبراء الأرض أمامه خضوعاً له ، وهناك حديث عنه طويل ، عن جبروته ، وقوته ، كان إذا تكلم أحد في مجلسه قتله ، يجب أن تسكت ، تجيب إذا سألتك ، كان إذا أدخل أحداً السجن ، وسأل عنه أحد قتله ، هناك قصص عن جبروته وقهره ، وظلمه بشكل لا يصدق ، وكان في عهده عالم جليل اسمه العز بن عبد السلام ، في يوم عيد الأضحى ، وهو في موكبه الكبير على فرسه المطهَّم ، وحوله الكبراء والأمراء ،  والأمراء يقبّلون الأرض أمامه ، صاح به بأعلى صوته ، يا أيوب ، هكذا ، ماذا تقول لربك يوم القيامة ، وقد ملّكك مصر ، لمَ لمْ تُزِل المنكرات ؟ صعق الملك ، قال له : أيّ منكر ؟ قال : هناك حانة تبيع الخمر ، قال : لا أعلم ، قال : أنا قد أعلمتك ، قال : لعلها مِن عهد والدي ، قال : إذاً ينطبق عليك قوله تعالى : ] إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ ، قال : سأزيلها فوراً ، يقول الظاهر بيبرس : والله ما استقر مُلكي حتى مات العز بن عبد السلام .

الإنسان الصادق أمة .

3 ـ الشيخ بدر الدين الحسني مع السلطان العثماني :

يروى أن الشيخ بدر الدين الحسني من كبار علماء الشام ، أرسل له السلطان العثماني الصدرَ الأعظم أكبر شخصية ، رئيس وزارة ، والعثمانيون يحكمون ثلث العالم ، شمال إفريقيا بكامله ، الشام ، العراق ، فلسطين ، الحجاز ، فدخل عليه في الشام ، فقال له : السلطان يدعوك لزيارة استنبول ، فكان يقول كلمة ـ رحمه الله ـ لا أرغب ، من شدة هيبته إذا قال : لا أرغب ، انتهى الأمر ، لا يجرؤ أحد أن يعيد عليه الخبر ، فودعه ، وعاد إلى استنبول ، في الطريق إلى بيروت بارجة ، من بيروت إلى اسطنبول ، وطبعاً وقت طويل ليس مثل الآن في ساعتين ، وصل بالبارجة إلى إنطاكية ، تألم ألما شديدا ، أنه أنا صدر أعظم ، رئيس وزارة ، آتي أتجشم الصعاب ، أركب باخرة من استنبول على بيروت إلى الشام ، وأطلب من العالم أن يأتي معي فيرفض ، والله لآخذنه بالقوة ، ورجع من إنطاكية لبيروت ، يحتاج ثلاثة أيام ، وسائل قديمة بطيئة جداً ، ومن بيروت إلى الشام ، ودخل على الشيخ ، وكان يصلي ، فلما سلم من صلاته نظر إليه ، قال : رجعت ، اضطرب ، قال : سيدي نسيت أن أقبّل يدك .

سأل رجل الحسن البصري : بمَ نلت هذا المقام ؟ هذا التوحيد ، قال : " باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي " .

الآن مَن يعمل في الدعوة استغنى عنه الأمير ، فهو في حاجة إلى شيء من عنده ، فسقط العلم كله .

4 ـ والي البصرة مع الخليفة يزيد :

والله هناك قصة قصيرة جداً لو أرويها مليون مرة لا أشبع ، أن والي البصرة كان عنده الإمام الجليل الحسن البصري ، وقد جاءه لتوه توجيه ، وأمرٌ من يزيد الخليفة ، وفيه ظلم شديد ، هذا التوجيه لو نفذه لأغضب الله عز وجل ، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة ، وربما عزله ، فوقع في حيرة من أمره ، وعنده الإمام الجليل الحسن البصري ، قال له : " ماذا أفعل يا إمام " ؟  قال له : " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله "

أحيانا يكون الإنسان في مقتبل حياته ، ومعه ورم خبيث ، كنت مرة عند طبيب قلب ، جاءه هاتف ، قال : والله لا أمل ، قال له : أي مكان في العالم ، وأي مبلغ ، قال : والله لا أمل ، فإذا انتقم الله عز وجل من إنسان بمرض عضال فقد انتهت حياته ، وانتهى ماله ، وانتهت قوته .

والله أعرف إنسانا صديق صديقي ، وصل إلى منصب عالٍ جداً في الصناعة ، يحمل دكتوراه من فرنسا ، وزوجته فرنسية ، وهو في الأساس غني ، وساكن في أرقى أحياء دمشق ، وسيارات ، وبيت في المصيف ، فَقَد بصره ، جاملوه شهرا ، بعثوا البريد مع موظف ، هذه المعاملة هكذا ، بعد شهر أقالوه ، فزاره صديقي ، قال : والله يا فلان ، أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس ، وليس عليّ إلا هذا المعطف ، وأن يرد اللهُ لي بصري .

قال له : " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ، هذا توحيد ، لا يوجد إلا الله فقط ، لا تخش أحداً ، الله يحميك من كل البشر ، لكن أقوى البشر لا يحميك من الله ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

5 ـ بين ملك الغساسنة وبدوي من فزارة :

هل من المعقول أن يأتي ملك الغساسنة يعلن إسلامه ، ويرحب به عمر ، ويطوف حول الكعبة ، فيأتي بدوي يدوس طرف ردائه ، فينخلع رداؤه من كتفه ، يلتفت نحو البدوي فيضربه ضربة تهشم أنفه ، شكاه لعمر ، استدعاه ، ملك وشخص بالتعبير المعاصر من دهماء الناس ، من سوقتهم ، من الطبقة الدنيا ، من الطبقة المسحوقة ، شاعر معاصر صاغ الحوار شعراً ، قال له سيدنا عمر :

أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟

قال له جبلة :

لست ممن ينكر شيَّا أنا     أدبت الفتى أدركت حقي بيدي

قال له عمر :

أرضِ الفتى لابد من إرضائه      ما زال ظفرك عالقاً بدمائه

أو يهشــمن الآن أنـفـك      وتـنال مــا فعلتـه كفك

هو يخاطب ملكا :  أو يهشمن الآن أنفك .

قال :

كيف ذاك يا أمير المؤمنين     هو سوقة وأنا عرش وتاج

كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟

قال له :

نزوات الجاهلية ورياح العنجهية   قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً

وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا

 قال :

كان وهماً ما جرى في خلدي    أنني عندك أقوى وأعزّ

أنا مرتدٌ إذا أكرهتني

قال :

عالَم نبنيه كل صدع فيه يداوى       وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى

وهرب بالليل ، وشرب الخمر ، وله قصيدة قبل أن تأتيه المنية يعلن عن ندمه الشديد ، لأنه لم ينصع لكلام عمر .

لا إله إلا الله ، هذا هو الإيمان ، هو الرافع ، هو الخافض ، هو المعطي ، هو المانع ، هو المعز ، هو المذل ، هو الميسر ، هو المعسر ، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً .

 

Text Box: التوحيد عند حلول المكروه :

 

أيها الإخوة : كلام كثير متعلق بالتوحيد ، كلام نظري ، ومواقف عملية ، ففي اللحظة التي لا ترى مع الله أحداً يذهب عنك اليأس ، يذهب عنك الإحباط ، يذهب عند الخنوع ، تذهب عنك السوداوية ، يذهب عنك كل ألم نفسي ، الله موجود ، وكل شيء بيده ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ :

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )) .

[ متفق عليه ]

لذلك الصحابة الكرام ، وهم نخبة الخلق ، ومعهم سيد الخلق في حنين قالوا : لن نغلب من قلة ، فلم ينتصروا ، قال الله عز وجل :

 

 ( سورة التوبة )

في بدر وحدوا فانتصروا ، في حنين أشركوا فلم ينتصروا ، هذا درس نحتاجه كل يوم .

تقول : الله ، يتولاك الله ، تقول : أنا ، يتخلى عنك ، بدراستك ، بتجارتك ، بزواجك .

حدثنا أحد علماء دمشق له شيخ وقور ، ألقى خطبة كبيرة جداً مؤثّرة جداً ، هو نازل شعر أن هذه هي الخطبة ، قرأ الفاتحة فأخطأ فيها ، إياك ، قال :

رقصت الفضيلة تيهاً      بفضلها فانكشفت عورتها

إياك أن تمنّ على الله :

 

 ( سورة الحجرات )

Text Box: الإنسان بين التولي والتخلي :

 

أنا أعتقد أنه لا يوجد شخص من الإخوة الحاضرين إلا وعنده قصتان ثلاثا حدثت له ، عندما وحد الله أكرمه ، ولما علّق آماله بإنسان الله خذله ، أنا لا أصدق واحد من الحاضرين ما عنده مع الله تجربة ، أنا أسميها أيّام الله ، وضع ثقته بإنسان فتخلى عنه ، وضع ثقته بالله فتولاه ، أنت بين التولي والتخلي ، بين أن يتولاك الله ، وأن يتخلى عنك .

أبو جعفر المنصور من كبار الحكام العباسيين ، اسمه السفاح التقى بأبي حنيفة قال : " يا أبا حنيفة ، لو تغشَّيتَنا ، قال : ولمَ أتغشّاكم ، وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه ، وهل يتغشَّاكم إلا مَن خافكم على شيء ؟ قال له : إنك إن أكرمتني فتنتني ، وإن أزريت بي فتنتني أيضاً " .

أيها الإخوة ، ذكر نفسك بأيام الله ، يوم أكرمك الله لأنك وحدته ، ويوم وضعت أملك بإنسان فخذلك هذا الإنسان ، لأنك وقعت في شرك خفي .

مرة ثانية : عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ : يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا ، وَلَا وَثَنًا ، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً )) .

[ ابن ماجه ]

Text Box: كل الذنوب قابلة للمغفرة إلا الشرك :

 

بالمناسبة ، إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك .

كنت أضرب مثلا برجل له مال يقبضه في مدينة حلب ، مليون ليرة ، وأحب أن يصعد القطار ، قطع بطاقة درجة أولى ، جلس بعربة من الدرجة الثالثة ، هذا خطأ كبير ، لكن القطار ينطلق إلى حلب وسيصل ، هناك خطأ ثان ، جلس بمقعد بعكس اتجاه القطار ، فأصيب بالدوار ، هذا خطأ ثالث ، لكن القطار في طريقه إلى حلب ، ما مِن مشكلة ، جلس بعربة فيها شبان سيئو الخلق ، أزعجوه في الطريق ، لكن القطار ينطلق إلى حلب ، وسيأخذ المبلغ ، هناك خطأ رابع ، كان يتلوى من الجوع ، ولا يعرف أن في القطار عربة فيها مطعم ، هذا خطأ آخر ، ولكن القطار سيصل إلى حلب هذا الموحد ، المشرك ركب قطار مدينة درعا ، ما ارتكب ولا خطأ ، ولكن لا شيء أمامه ، قال تعالى :

 

 ( سورة النساء )

مع التوحيد كل الذنوب تغفر ، لكن مع الشرك لا شيء يغفر ، لأنك اتجهت إلى لا شيء ، اتجهت إلى مخلوق ، والمخلوق أضعف منك ، قال تعالى :

 

 ( سورة فاطر )

Text Box: الخيرُ كلُّه في التوحيد ، والتوحيدُ خيرٌ كلُّه :

 

أما سيدنا يونس ، وهو في بطن الحوت فقال تعالى عنه :

 

 ( سورة الأنبياء )

والله الأملُ بالمئة صفر ، هو في بطن الحوت ، في ظلمة الليل ، وظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، فنادى في الظلمات ، جمع ، هذا التوحيد ، ألاّ ترى مع الله أحدا ، هو الرافع ، هو الخافض ، هو المعز ، هو المذل ، هو المعطي ، هو المانع ، هو الذي يكرم ، ومن يهن الله فلا مكرم له ، إن وحدت يخدمك عدوك ، وإن أشركت يتطاول عليك ابنك ، لا إله إلا الله ، التوحيد يحملك على الاستقامة ، وعدم التوحيد يدفعك إلى المعصية إرضاءً للقوي ، التوحيد محصلة الإيمان ، إيمانك ، وتفكرك ، واتصالك ، واستقامتك ، وتضحيتك ، وبذلك تنتهي بك إلى التوحيد ،