English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : العقيدة والتوحيد (07) مقومات التكليف – العقل  ـ الأحد 08/07/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة تذكيرية :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السابع من دروس العقيدة والإعجاز ، وقد تحدثنا من قبل عن مقومات التكليف ، وذكرنا بأن الكون هو الثابت الأول ، وهو من أول مقومات التكليف ، وأن العقل الصريح هو أيضاً من مقومات التكليف ، وأن الفطرة السليمة وأن الشهوة التي نرقى بها مرتين صابرين وشاكرين ، وأن الحرية التي منحنا الله إياها تثمن عملنا ، وأن الشرع هو ميزان على ميزاني العقل والفطرة ، وأن الوقت هو غلاف هذا التكليف ، وقد أنهينا في دروس سابقة موضوع الكون ، وموضوع الآيات الدالة على عظمة الله من خلال الكون ، أما الآيات الدالة على عظمة الله فسوف تكون في كل درس إن شاء الله .

 

Text Box: من مقوِّمات التكليف : العقل :

 

والآن ننتقل إلى موضوع العقل ، وهو أصل من أصول الكبيرة في الإنسان .

1 – الآيات الدالة على العقل كثيرة :

بل إنّ الآيات التي تذكر العقل ومشتقاته ، وما يتصل به تقترب من ألف آية ، قال تعالى :

 ( سورة يس )

 ( سورة الغاشية )

 ( سورة الأنعام )

الآيات التي تتصل بالعقل ، وما يلوذ به تقترب من ألف آية .

2 – الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك :

كلكم يعلم أيها الإخوة أن الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، وأن الإنسان ينبغي أن يلبي حاجة العقل ، وحاجة العقل العلم ، وينبغي أن يلبي حاجة القلب ، وحاجة القلب الحب ، كما ينبغي أن يلبي حاجة الجسم ، وحاجة الجسم الطعام والشراب ، فالذي يلبي هذه الحاجات الثلاث يتفوق ، والذي يلبي حاجة دون الثانية يتطرف ، والفرق كبير بين التفوق والتطرف ، الإنسان نفس هي ذاته ، هي المخاطَبة ، هي المعاتبة ، هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي تسمو ، هي التي تسفل ، هي التي تحب ، هي التي تبغض ، هي التي تشكر ، هي التي تكفر ، هي التي تنصف ، هي التي تجهد ، نفس الإنسان ذاته ، لا تموت ، ولكنها تذوق الموت ، والموت يعني أن تنفصل ذات الإنسان عن الوعاء الذي هي فيه ، وهو الجسد ، عن طريق توقف الإمداد الإلهي ، وهي الروح ، الروح هي الإمداد الإلهي .

للتقريب : كالكهرباء في الآلة ، يتوقف الإمداد الإلهي ، وتنفصل ذات الإنسان عن الوعاء ، وهو الجسم ، فيكون الموت ، ولا يغيب عن أذهانكم أن هذا المصباح الكهربائي إما أن نقطع عنه الكهرباء فيكون الموت ، وإما أن نحطمه ، والتيار واصل ، فيكون القتل ، الموت انقطاع الإمداد ، أما القطع فتخريب الجسم بحيث لا يستطيع أن يستقبل الإمداد الإلهي ، فيكون الموت .

على كلٍّ ، البطولة أن تعتني بنفسك ، لأنها خالدة الآبدين ، لكنه مع الأسف الشديد الحضارة الغربية بكل إنجازاتها تعتني بالجسد فقط ، وتنتهي إنجازات الحضارة الغربية عند الموت ، بينما إنجازات الحضارة الإسلامية تبدأ مع الولادة ، ولا تنتهي ، ولا إلى أبد الآبدين .

هناك حقيقة دقيقة ، قال تعالى :

 ( سورة الزخرف )

النفس البشرية تذوق الموت .

 

Text Box: العقل قوة إدراكية لا بدّ من تلبية حاجاتها بالعلم :

 

أيها الإخوة الكرام ، أودع الله في الإنسان العقل ، وهو قوة إدراكية ، وهو حاجة عليا على المعرفة ، وما لم تلبَّ هذه الحاجة يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به أبداً ، ما لم تلبَّ هذه الحاجة العليا ، ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة ، ما لم يبحث عن سر وجوده ، ما لم يبحث عن غاية وجوده ، ما لم يبحث عن الرسالة التي حمله الله إياها ، ما لم يبحث عن التكاليف التي كلفه الله إياها ، ما لم يسأل من أين وإلى أين ، ولماذا ، ما لم يتفرغ لمعرفة الحقيقة ، ما لم يطلب العلم يهبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به .

الناس رجلان : عالم ومتعلم ، ولا خير فيما سواهما ، << يا بني ، العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، يا بني ، مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة  >> .

<< الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >> .

هذا كلام سيدنا علي .

Text Box: هكذا تموت النفس :

 

إذاً : العقل قوة إدراكية ، وما لم تلبَ هذه القوة الإدراكية يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته ، ويقترب من البهيمية ، لذلك قال تعالى :

 (سورة النحل )

موت النفس ، قال تعالى :

 (سورة الفرقان )

 

 (سورة المنافقون )

 (سورة فاطر )

أيها الإخوة الكرام ، لا يمكن أن تؤكد ذاتك إلا إذا طلبت العلم لا يمكن أن تؤكد إنسانيتك إلا إذا طلبت العلم .

 

Text Box: العقل مجموعة مبادئ :

 

أيها الإخوة ، هذا العقل ما هو ؟ هو مجموعة مبادئ .

المبدأ الأول : السببية :

المبدأ الأول : مبدأ السببية ، إذ إن عقلك لا يمكن أن يفهم شيئا بلا سبب ، إذا أقفلت باب بيتك ، وليس أحد يملك مفتاحا آخر ، وسافرت ، وأطفأت المصابيح ، فلما رجعت رأيت عن بٌعد النوافذ وراءها ضوء ، تقلق قلقاً لا حدود له ، تقول لك زوجتك : لماذا أنت قلق ؟ من دخل إلى البيت ؟ لأن عقلك لا يمكن أن يصدق أن هذه المصابيح تألقت من ذاتها ، هذا العقل لا يفهم شيئاً إلا بسبب .

المبدأ الثاني : الغائية :

كذلك لا يفهم شيئاً بلا غاية ، لماذا وضع هذا الشيء في هذا المكان ، ما الغاية ؟

مرة كنت في العمرة ، هناك مكتبة مصاحف في الحرم النبوي ، لكن سقف هذه المكتبة مائل ، لماذا ؟ تحتوي مصاحف ، لئلا يخطئ معتمر فيضع شيئاً لا يليق فوق المصاحف ، جعل سقف هذه المكتبة مائلاً ، لا تفهم هذا الميل إلا لهذا الهدف ، واضرب على ذلك آلاف الأمثلة ، لماذا ترى سيارة وراءها سلسلة تجرها على الأرض ، لا تفهمها ، مع أنه لا علاقة لك بالشاحنات إطلاقاً ، إلى أن يأتيك الخبر ، إذا جاءت صاعقة هذه السلسلة تفرغها ، وتنجو المركبة من الاحتراق ، فالعقل البشري لا يفهم شيئاً بلا سبب ، ولا يفهم شيئاً بلا غاية .

المبدأ الثالث : عدم التناقض :

ولا يقبل التناقض ، هل تصدق أنه في الساعة الثامنة مساءً إنسان موجود في دمشق وفي حلب بآن واحد ، مستحيل العقل يرفض التناقض ، ولا يفهم شيئاً إلا بسبب ، ولا يفهم شيئاً إلا بغاية ، لكن الشيء الرائع أن أصل قوانين الكون أصلها سببية وغائية وعدم التناقض ، ولولا التطابق التام بين مبادئ العقل وقوانين الكون لتعطل العقل عن مهمته الكبرى ، وهي معرفة الله عز وجل ، لو أن الكون ليس فيه مبدأ السببية ، شيء يخلق فجأة بلا سبب ، العقل يرتبك ، لو بالعكس ، في الكون مبدأ السببية ، أما العقل لا يوجد هذا المبدأ ، تقول : ما دام السبب ليس ضرورياً لحدوث شيء فهذا الكون بلا خالق ، لكن ترى الدجاجة من البيضة ، والبيضة من الدجاجة ، مَن خلق الدجاجة الأولى ؟ من مسبب الأسباب ؟ الله جل جلاله ، إذاً : الله عز وجل عن طريق مبدأ السببية يأخذك برفق إلى ذاته ، هو مسبب الأسباب ، وعن طريق مبدأ الغائية يأخذك برفق إلى الغايات التي تتوخاها مما حولك .

البقرة كمية الحليب التي تقدمها كل يوم تفوق عشرة أضعاف حاجة وليدها ، لمن الحليب ؟ لنا ، قال تعالى :

 ( سورة النحل )

لو تابعت هذا الموضوع مبدأ السببية ، مبدأ الغائية ، مبدأ عدم التناقض ، لرأيت أن العقل أداة معرفة الله ، والشيء الرائع أن توافق مبادئ العقل مع قوانين الكون هو الذي جعل للعقل فاعلية عالية جداً .

Text Box: مهمة العقل محدودة :

 

لكن العقل مهمته محدودة ، كيف ؟ تماماً كمحل تجاري يبيع مواد غذائية ، فيه ميزان ، لكنه ميزان راقٍ جداً ، وغالٍ جداً ، فيه ذواكر ، هذا الميزان على أنه بمستوى رفيع جداً ، لكن مهمته محدودة ، يمكن أن تستخدمه بين خمس غرامات وخمسة كيلوات ، لو أردت أن تزِن بهذا الميزان مركبتك ، وضعته على الأرض ، وسرت فوقه لحطمه ، هل لك أن تقول : ليس جيداً لأنه تحطم ، نقول لك لأنك استخدمته بخلاف ما صنع له مهمته  محدودة هذا يقودنا إلى أنه في ميزان  .

Text Box: أدوات اليقين في دائرة المحسوسات والمعقولات والإخباريات :

 

دائرة المحسوسات ، ودائرة المعقولات ، ودائرة الإخباريات ، المحسوسات أداة اليقين بها الحواس الخمس ، المصباح متألق ، صوت المروحة مسموع ، هذا اللون بني ، هذا خشب محفور ، أداة اليقين في دائرة المحسوسات الحواس الخمس فقط ، أو استطالاتها الميكروسكوب استطالة لحواس ، والتلسكوب استطالة للحواس ، المجهر ، والمرصد باللغة الفصحى المجهر ، والمرصد أداتان لاستطالة الحواس ، لكن كل شيء مادي أداة معرفته الحواس الخمس ، هذه الدائرة لا خلاف فيها إطلاقاً .

ولكن الدائرة الثانية دائرة المعقولات ، الدائرة التي أداة اليقين بها العقل ، العقل مهمته أن يرى شيئاً مادياً ، أو يرى آثار شيء مادي يحكم عليه من دون أن يراه ، يرى آثار أقدام فيقول : الأقدام تدل على المسير ، يرى جدول ماء فيقول : والماء يدل على الغدير ، يرى بعرة يقول : تدل على البعير ، يرى دخانا من وراء جدار فيقول : لا دخان بلا نار ، هذه مهمة العقل ، تعطيه آثار شيء يؤمن بالشيء ، شيء غابت ذاته ، وبقيت آثاره أداة اليقين به هو العقل ، المصابيح متألقة ، هذه آثار الكهرباء ، صوت مكبر الصوت ، آثار الكهرباء ، إذاً : مهمة العقل هو أداة يقين في دائرة المعقولات ، أي أشياء غابت ذواتها ، وبقيت آثارها ، هذا مجال العقل مهمته محدودة بهذه الدائرة ، فالشيء الذي ظهرت ذاته وآثاره كهذا الكأس ظهرت ذاته وآثاره ، أداة اليقين به الحواس الخمس ، باليد الملمس ، بالجلد البرودة ، والحرارة بالجلد أيضاً ، المنظر بالعين ، لو لها صوت بالأذن ، الشيء المادي ظهرت عينه وآثاره ، أداة اليقين به الحواس الخمس ، أما إذا رأينا دخانا ، ولم نر النار نقول : عين النار غابت عنا ، بقيت آثار النار ، وهو الدخان ، العقل يحكم ويقول : لا دخان بلا نار .

أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره معاً فالعقل يتعطل ، لا وظيفة له ، هذه الدائرة الثالثة دائرة الإخباريات ، الماضي السحيق من دائرة الإخباريات ، ما بعد الموت من دائرة الإخباريات ، الملائكة ، الإيمان بالملائكة من دائرة الإخباريات ، الإيمان بالجن من دائرة الإخباريات ، شيء ظهرت ذاته وآثاره ، هذا تابع للدائرة الأولى المحسوسات ، الحواس الخمس أداة اليقين به ، شيء غابت ذاته ، وبقيت آثاره ، هذا تابع لدائرة المعقولات ، العقل أداة اليقين به ، شيء غابت عينه وآثاره ، أداة اليقين به الخبر الصادق ، شيء واضح جداً ، دخلت إلى بيت فرأيت إبريق ماء ، أو كأس ماء ، هذه الدائرة الحسية ، رأيت الكهرباء متألقة ، التألق آثار الكهرباء ، تقول : في البيت كهرباء ، إما من الشبكة العامة ، أو من مولدة ، وإذا رأيت خزانة مقفلة فلا يمكن مهما تكن ذكياً وعاقلاً أن تعرف ما بداخل هذه الخزانة ، فجاءك صاحب البيت ، وقال : هذه خزانة كتب ، أضع فيها كتبي الثمينة ، فأخبرك بها .

Text Box: الحكمة تقتضي وضعُ كلّ شيء في  موضعه المناسب :

 

هناك شيء ظهرت ذاته وآثاره ، أداة اليقين به الحواس الخمس ، وشيء غابت ذاته ، وبقيت آثاره ، أداة اليقين به العقل ، وشيء غابت عينه وآثاره أداة اليقين به الخبر الصادق ، بطولتك أن تضع أي قضية في الدين مكانها الصحيح ، أما حينما تريد أن تناقش الدائرة الثالثة بعقلك فإن عقلك يرتبك .

قد يقول لك إنسان لا يؤمن بالله : ائت لي بدليل على وجود الملائكة ، ليس هناك دليل ، أريد دليلا علميا على وجود الملائكة ، أريد دليلا علميا على وجود الجن ، أريد دليلا علميا على وجود الدار الآخرة ، هذه قضايا إخبارية .

هناك شيء دقيق جداً ، لما يخطئ الداعية ، ويعالج موضوعات إخبارية أمام من ينكر أصل هذا الدين فيقع في ارتباك شديد ، وليس معه دليل ، بطولتك أن تضع أية قضية في مكانها الصحيح ، قضية حسية ، قضية عقلية ، قضية إخبارية .

أيها الإخوة ، أنت أحياناً تدخل إلى بناء جامعة ، هو بناء فخم بحدائق غناء ، ومدرجات رائعة ، فيها كواتم للصوت ، فيها مقاعد وثيرة ، فيها سبورة متحركة ، فيها تكبير صوت ، فيها جهاز عاكس ، فيها أبنية للطلبة ، وأبنية إدارية ، ومخابر ، ومدرجات ، وقاعات ، ومسرح ، هذا كله تدركه بعقلك ، ولكن هل تستطيع أن تعرف من هو رئيس الجامعة ؟ مستحيل ، مَن هم عمداء الكليات ، مستحيل ، ما النظام الداخلي في قبول الطلاب وفي نجاحهم وفي طردهم وفصلهم ، مستحيل ، العقل وحده لا يكفي ، لا بد من النقل ، فعندنا عقل ، وعندنا نقل .

Text Box: كلُّ ما عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به :

 

الفكرة الدقيقة : أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، وما دام هذا الميزان ميزان محل لبيع المواد الغذائية فإنه يعجز عن وزن سيارتك ، وصانع السيارة وضع لك لوحة داخلية عليها وزن السيارة بالضبط ، أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به .

أيها الأخوة يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذه العين مهما تكن حادة البصر ، أحياناً يفحص المرء عينيه ، يقول له الطبيب : اثنا عشر على عشرة ، آخر صف يعرفه تماماً من حيث الاتجاهات ، الصف قبل الأخير عشرة على عشرة ، أما الأخير فاثنا عشر على عشرة ، هذه العين مهما تكن حادة البصر فلا قيمة لها إطلاقاً من دون نور يتوسط بينك وبين المرئيات ، فلو جلس إنسان أعمى مع إنسان حاد البصر في غرفة ليس فيها نور يستويان تماماً ، فكما أن العين لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين المرئيات فالعقل لا قيمة له من دون وحي يرشده ، فالضوء للعين كالوحي للعقل ، لذلك قال تعالى :

 ( سورة المدثر )

معنى ذلك أن العقل البشري من دون وحي السماء يضل ويزل ، وينحرف ، وهذا الذي نعانيه مع الحضارة الغربية ، عقل فقط ، هم يعملون في ظلام دامس ، والمسلمون نائمون في ضوء الشمس .

 

Text Box: العقل الصريح والعقل التبريري :

 

الآن هناك عقل صريح ، وهناك عقل تبريري ، العقل الصريح يقودك إلى الحقيقة ، لكن العقل التبريري تستخدمه لغير ما صنع له ، كيف ؟

من الممكن أن تقتني آلة تصوير غالية الثمن جداً ، ويمكن إذا استخدمتها في تصميم الأغلفة والبطاقات والتقاويم والمذكرات أن تربح أرباحاً طائلة ، لكنك استخدمتها لتزوير العملة ، فدخلت السجن ، الآلة نفسها إما أن تستخدمها في أعمال فنية تجارية رائجة ذات أجر عالٍ جداً ، وإما أن تستخدمها في عمل يحرمه القانون ، فتكون هذه الآلة سبباً في دخول السجن ، فالعقل من دون وحي قد يكون سبباً لهلاك صاحبه ، قال تعالى :

 ( سورة العلق )

الناصية مقدمة الرأس ، مكان اتخاذ القرار ، مكان المحاكمة ، ناصية كاذبة خاطئة ، فحينما يتخذ الإنسان قرارا خاطئا يكون عقله هو السبب .

للتقريب : عند إنسان بيت غالي الثمن ، وباعه بالعملة الصعبة ، وفي جيبه جهاز يكشف له العملة الصعبة ، الآن هناك أجهزة تضع العملة الصعبة عليه فيظهر على الشاشة لون ، إذا كان لونًا برتقاليا فالعملة صحيحة ، وإذا كان لونا آخر فالعملة مزيفة ،  باع هذا الإنسان بيته بسعر غالٍ جداً ، وفي جيبه جهاز لكشف العملة المزورة ، ولم يستخدمه ، هذا العقل ، في جيبه الآخر أرقام العملات المزورة ، هذا الشرع ، فلا استخدم عقله ، ولا رجع إلى الشرع ، ففوجئ أن العملة كلها مزورة فضاع بيته ، وهو السبب في ذلك .

فلذلك أيها الإخوة ، العقل الصريح هو العقل الذي يقودك إلى الخير ، إلى الفلاح ، إلى النجاح ، إلى الإيمان بالله ، إلى طاعة الله ، إلى خدمة الخلق ، إلى الإقبال على الله ، وأما العقل التبريري فكأن تحتل بلداً ، وتزعم أنك احتلته من أجل الحرية والديمقراطية ، فإذا الواقع عكس ذلك ، نهب للثروات ، وقتل للبشر بلا حساب ، لذلك أخطر شيء العقل التبريري ، هذا عقل ساقط محتقر ، يغطي الشهوات ، يغطي الانحرافات ، يغطي التفلت ، وكلما جلست مع إنسان عاص ، واستمعت إلى تبرير أعماله فهو يستخدم عقله التبريري ، وكلما التقيت مع إنسان عاقل مستقيم مؤمن يستخدم عقله الصريح ، لذلك الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط خط النقل الصحيح وخط العقل الصريح وخط الفطرة السليمة وخط الواقع الموضوعي ، العقل الصريح النقل الصحيح الفطرة السليمة الواقع الموضوعي .

أيها الإخوة ، كما قلت قبل قليل : العقل حينما تستخدمه لخلاف ما خلق له يكون سبب الدمار ، قال تعالى :

 ( سورة المدثر )

لكن العقل يستنير بوحي السماء ، ويستنير بتوجيهات الخالق الصانع الحكيم .

أيها الإخوة ، حينما يقول الله عز وجل :

 ( سورة الرحمن)

Text Box: بين العقل والمنهج :

 

الآن مع العقل والمنهج ، أيعقل أن يعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يخلق أيعقل ؟ كيف هو تفسير الآية ؟

إنّ ترتيب الآية ترتيب رتبي ، وليس ترتيباً زمنياً ، فلا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، لذلك القرآن هو المنهج ، كآلة غالية الثمن ، عظيمة النفع ، معقدة الصنع ، الشركة التي اشتريتها منها نسيت أن ترسل لك تعليمات ، فأنت إذ استخدمتها من دون تعليمات أعطبتها ، وإن خِفتَ عليها جمدت ثمنها ، أليست التعليمات أهم من الآلة ، هذا معنى قوله تعالى :

 ( سورة الرحمن)

جاء تعليم القرآن مقدماً على خلق الإنسان تقديماً رتبياً لا تقديماً زمنياً .

Text Box: خطوط حمراء لابد من مراعاتها في موضوع العقل :

 

العقل يمكن أن يصل بك إلى الله ، ولكن لا يمكن أن تحيط بعقلك بالله عز وجل :

 ( سورة البقرة : 255)

كمركبة أقلتك إلى شاطئ البحر لكنك بهذه المركبة الأرضية لا تستطيع أن تخوض بها عباب البحر ، ولا أمواج البحر ، والذي قلته قبل قليل : أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، وكأن العقل حصان تركبه إلى باب السلطان ، فإذا دخلت قصر السلطان دخلت وحدك ، فأنت بعقلك وصلت إلى الله ، أما إذا أمرك الله بأمر فينبغي أن تنصاع له ، تماماً كما لو أن إنسانا بحث عن طبيب في أعلى مستوى من العلم والإخلاص والفهم والمراس والتجربة الكفاءة ، فلما وصل إلى الطبيب بعقله قال له : إياك وتناول الملح ، لن تستطيع أن تحاوره ، عقلك أوصلك إليه يجب أن تأخذ أمره بحسب إيمانك بتفوق هذا الطبيب .

لكن العقل كحياتنا فيها خطوط حمراء ، كذلك أمام العقل خطوط حمراء كثيرة جداً ، لكن أبرز هذه الخطوط : (( تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا )) .

[ الجامع الصغير عن ابن عباس بسند ضعيف ]

إنّ العقل أعجز من أن يتفكر في ذات الله كما قلت قبل قليل ، والعقل موضوعه مادي ، وذات الله لا يمكن أن يحيط به عقل ، لذلك من أعمل عقله في ذات الله ربما هلك ، وربما اختل ، وربما أصيب بالجنون ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا )) .

إذاً هناك خطوط حمراء لا بد أن تراعى في موضوع العقل .

أيها الإخوة ، من البطولة ألا تعرض على المشككين في الدين القضايا الإخبارية ، فإن عرضت هذه القضايا الإخبارية وقعت في حرج شديد ، لأن هؤلاء لن يدركوا ما معنى أن هذا الموضوع موضوع إخباري ، أي أن العقل لا يستطيع أن يخوض فيه إطلاقاً ، هذا موضوع إخباري صرف .

Text Box: من آيات الله الكونية : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا
 

 

الآن ننتقل إلى شيء آخر ، من آيات الله الدالة على عظمته قال تعالى :

 ( سورة النمل : 61)

الأرض مستقرة ، وهي تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متر في الثانية ، وفي الدقيقة ألف وثمانمئة ، ودرْسنا هذا خمسون دقيقة ، الآن اقتربنا من تسعة آلاف كيلو متر ، ومن دمشق إلى الرياض بالطائرة ألف ومئة كيلو متر ، نحن على الأرض ، وهي في دورتها حول الشمس قطعنا تقريباً تسعة آلاف كيلو متر ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 88)

مع هذه الحركة الأرض مستقرة .

مرة زرت مسجدا في استنبول ، الدليل السياحي أخذني إلى المحراب ، وأطلعني على عمود رخامي ، والجامع مبني من سبعمئة عام ، وطلب مني أن أدير العمود ، العمود له قاعدة ، وله غطاء ، دار معي في فضاء ميليمتر واحد ، سبعمئة عام ما ضغط هذا العمود ، لو ضغط لا يتحرك ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 61)

الأبنية ثابتة ، والدليل الزلازل ، ففي مدينة أغادير المغربية في ثلاث ثوان غاصت تحت سطح الأرض ، حتى إن فندقا من ثلاثين طابقا اسمه بقي الفندق على الطابق الثلاثين ، غاص الفندق كله إلى الأرض ، فأصبح اسم الفندق شاهدا له ، نزل هذا الفندق ثلاثين طابقاً تقريباً ، إذاً :

 ( سورة النمل : 61)

لذلك ينبغي أن نعرف نِعَم الله بوفرتها لا بزوالها ، هذا المعنى الأول .

الآن هذا الكأس لماذا يبقى على الطاولة ؟ لأن له وزناً ، ما هو الوزن ؟ هو انجذاب الشيء إلى مركز الأرض .

أيها الإخوة الكرام ، نحن نعيش نعمة لا نعرفها إلا إذا فقدناها .

إنّ رواد الفضاء حينما توجهوا إلى القمر من الأرض ، والقمر في منطقة اسمها انعدام الجاذبية ، هذه المنطقة ليست خاضعة لا إلى الأرض ، ولا إلى القمر ، إذاً : الإنسان هناك لا وزن له ، ينام على فراشه فيستيقظ وهو في سقف المركبة ، يمسك حاجة فتبقى في الهواء ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 61)

من جعل الأشياء تستقر على سطح الأرض ؟ هذه نعمة ، الأثاث ثابت ، المكتبة ثابتة ، الحاجات ثابتة ، لها وزن ، وأنت ثابت ، لو انتقل الإنسان إلى سطح القمر لكان وزنه تقسيم ستة ، إن كان وزنه ستين كيلوا في الأرض فوزنه في القمر ستة كيلوات ، لو ركب رائد فضائي المركبة ، ودخل منطقة انعدام الوزن ليس له وزن أبداً ، ورحلات الفضاء تؤكد ذلك ، الوزن هو انجذاب الشيء إلى مركز الأرض ، وهذه نعمة كبرى ، الأشياء لها وزن ، وهناك استقرار .

 

Text Box: معنى : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا

 

المعنى الأول :

أول معنى : من جعل الأرض قراراً مستقرة ، هذا العمود الرخامي في المسجد يدور ، لماذا يدور ؟ لأن هناك فراغا لا يزيد على ميليمتر ، ولو ضغط البناء ميليمترا لما دار  ، هذه علامة إتقان البناء ، والأرض مستقرة ، أما بالزلازل فيقول لك : سبعة على سُلّم ريختر ، انتهى كل شيء ، وهناك زلازل تدمر كل شيء ، إذاً : المؤمن يعرف نعمة الله بوجودها لا بزوالها ، نعمة استقرار الأرض .

أحيانا يركب إنسان طائرة فيتوهم الأرض أكثر أمناً ، الأرض نفسها حينما تضطرب لا تبقي ولا تذر ، وقبل سنوات عدة زلزال في القاهرة ، والزلازل موجودة في الأرض ، فإذا كانت منطقة فيها استقرار فهذا من نِعم الله عز وجل ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 61)

هذا المعنى الأول .

المعنى الثاني :

المعنى الثاني : من جعل الأشياء لها وزن ، تضعها هنا فتبقى في مكانها ، لو ما كان هناك وزن فإنك تغادر البيت وترجع فتجد كل حاجة بمكان آخر ، لكنك ترجع وتجد  كل شيء ثابتا ، هذا أيضاً من نِعم الله عز وجل ، والآية الكريمة :

 ( سورة النحل)

 ( سورة الأنعام :65)

الزلازل ، أو كما يحدث في بعض البلاد المجاورة .

إذاً : أيها الإخوة ، حينما يتفكر الإنسان في خلق الله عز وجل ، حينما يتأمل في عظمة الله يزداد تعظيماً لله عز وجل ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 88)

أنت واقف مستقر .

المعنى الثالث :

لكن هناك معنى آخر : كيف أنت مستقر ، وأنت واقف ، مع أن قاعدة استناد جسمك عن طريق قدميك لا تكفي ، فأي مجسّم للإنسان يحتاج إلى قاعدة استناد تزيد على سبعين سنتيمترا ، القدم لطيفة جداً ، هذا الاستقرار ، هذا الوقوف ، هذا التوازن بفضل جهاز بالغ التعقيد ، اسمه جهاز التوازن ، ففي الأذن قنوات فيها سائل ، والسائل سطحه أفقي ، فإذا مال الإنسان ، وبقي السائل أفقياً وصل إلى مكان في القناة لم يكن فيها سائل ، فيدرك الإنسان أنه مال فيصحح وضْعَه ، لولا هذه القنوات الثلاث لما استطاع إنسان أن يقف على سطح الأرض ، بل يقع ، والدليل : الميت يقع ، ولا يقف ، لتعطُّل هذا الجهاز .

لما يفكر الإنسان أن استقراري على الأرض بفضل نظام الجاذبية ، واستقراري على الأرض بفضل سكون الأرض مع حركتها ، مع أنها تسير ، وكما قلت قبل قليل : نحن قطعنا في هذا الدرس تسعة آلاف كيلو متر ، ومحيط الأرض أربعون ألفا ، قطعنا تسعة آلاف كيلو متر بسرعة ثلاثين كيلو متر في الثانية ، والأرض مستقرة ، والأشياء لها وزن أيضاً ، والإنسان جهز بقنوات التوازن ، وهذا من حكمة الله عز وجل ، قال تعالى :

 ( سورة البقرة : 164)

Text Box: التفكُّر في الكون أقصرُ طريق إلى معرفة الله :

 

أيها الإخوة ، دائماً وأبداً أردد هذه المقولة : التفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله ، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله ، لأنه يضعك أمام عظمة الله ، وإذا قلت : العقل ، ولعلي أقصد به الفكر ، فتفكرك في خلق السماوات والأرض سبب معرفتك لله ، فلذلك هذا اللقاء الطيب عنوانه : العقيدة والإعجاز ، والإعجاز أن تتفكر في هذه الآيات ، واستقرار الأرض شيء آخر .

حينما تذهب إلى أستراليا ، على الكرة أستراليا في الأسفل ، تذهب إلى هناك فترى السماء فوقك ، والأرض من تحتك ، شيء يحير ، إذاً : ما هو العلو ؟ هي الجهة المقابلة لمركز الأرض ، هذا نظام ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 61)

تنعم بالاستقرار ، أمن جعل الأشياء لها وزن ، إذًا : أنت على الأرض أضعاف مضاعفة وزنك وحجمك ، ولكان وزنك مئتي كيلو ، ولو لم يكن هناك قنوات توازن لاحتجت إلى قنوات كأقدام الفيل ، فيصبح المشي أشغالاً شاقة ، هذا التفكر يعرفك بالله عز وجل ، وبدقة صنعك ، قال تعالى :

 ( سورة النمل : 61)

 ( سورة التين )

أيها الإخوة الكرام ، إلى متابعة موضوع العقل في اللقاء القادم .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi