English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة والإعجاز : ـ الدرس " 18" : مقومات التكليف : الشهوة 4 - تفسيرات المصائب - البقرة مصنع كامل وصامت . ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة لموضوع الشهوة :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثامن عشر من دروس العقيدة والإعجاز ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الشهوة ، وإلى الموضوع الفرعي وهو العدالة والضبط ، واليوم ننتقل إلى موضوع آخر متعلق بالشهوة .

 

1 – الله ربُّ العالمين :

 

إن الإنسان حينما يتحرك في الحياة حركة بدافع من شهواته بخلاف منهج الله ما الذي يكون ؟ أول حقيقة أن الله سبحانه وتعالى رب العالمين ، معنى رب العالمين أي يربّينا ، يربّي أجسامنا ، ويربّي نفوسنا .

من أجل أن تتضح هذه الحقيقة لا بد من مثل : مدير مؤسسة عيّن موظفًا تحت التجريب لستة أشهر ، مهمة هذا المدير أن يحصي على هذا الموظف أخطاءه ، فإذا بلغت حداً لا يحتمل صرفه ، لأن مهمته إحصاء أخطائه ، فلو أن هذا الموظف هو ابن صاحب المؤسسة فهل تكون القضيةُ قضيةَ إحصاء ؟ إنها قضية تربية ، عند كل خطأ ينبهه ، يبين له ، ينصحه ، يرشده ، يوجهه ، بدافع من رحمة الأب ، وحرصه على نجاح ابنه في هذه الوظيفة يتابع حركته ، يدقق في أخطائه ، يوجهه ، ينصح ، يرشد ، وأحياناً يعاقب ، وأحياناً يشدد ، كل هذه المتابعة ، كل هذا التشديد رحمة بهذا الموظف الناشئ لينجح في عمله .

 

2 – الشهوة حيادية :

لذلك الله عز وجل رب العالمين ، خلقنا ليرحمنا ، إذاً : هذه الشهوات كما قلنا في درس سابق حيادية ، فإما أنها سلم نرقى بها إلى أعلى عليين ، أو أنها دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين ، هي حيادية ، بل لأن الإنسان مخير كانت كل شهواته ، وكل حظوظه ، وكل خصائصه حيادية ، سلم نرقى بها ، أو دركات نهوي بها .

الآن نحن أمام حالة ، إنسان تحرك بدافع من شهواته بخلاف منهج الله ، إما في كسب ماله ، أو في علاقته بالنساء ، ما الذي يحصل ؟ الله عز وجل رب العالمين ، النقطة الدقيقة أنه لا بد من لفت نظر ، وقد يكون هذا لفت النظر كلاماً يسمعه من صديق ، أو كلاماً يسمعه من مدرِّس ، أو من شيخه ، وقد يكون لفت النظر هذا مصيبةً تحل به ، ولها علاقة بنوع خطئه ، العلاقة بين المصيبة وبين الخطأ تعليم من الله أن يا عبدي أن هذه الشدة من أجل كذا ، أي أنه لا بد من أن يتابعه الله عز وجل .

 

3 – المتابعة الربانية رحمة بالعبد :

 

بالمناسبة : أنت حينما تشعر أن الله يتابعك ، هذا فضل من الله كبير ، حينما تشعر أن الله سيحاسبك ، سوف يلفت نظرك ، بنصيحة ، بشدة ، بشبح مصيبة ، بتضييق  بإفقار ، بموقف محرج جداً يضعك فيه هذا يعني أنك في العناية المشددة ، هذا يعني أنه يمكن أن تشفى من هذا الخطأ ، وأن هذا المرض الذي أنت فيه قابل للشفاء ، وأنه يمكن أن تعود صحيحاً معافىً كما ينبغي أن تكون .

إذاً : حينما تشعر أن الله يتابعك ، وأن الله يحاسبك ، وأن الله يلفت نظرك ، وأن الله يؤدبك ، وأن الله يضيق الله عليك ، وأنه يلقي في روعك أن هذه الشدة من أجل كذا ، فإما إلقاء في الروع ، أو شرح من إنسان تسأله ، أو من علاقة متينة بين المصيبة والذنب الذي اقترفه الإنسان ، حينئذ تنتبه إلى أعمالك .

رجل استحقت عليه زكاة ماله ، زوجته ضغطت عليه ، وضيقت عليه ، وتمنت عليه أن يجدد أثاث البيت ، فاستجاب لها ، وجدد أثاث البيت بالمبلغ الذي كان يمكن أن يكون زكاة ، والزكاة فرض حتمي ، يقول لي هذا الإنسان : أصاب مركبته حادث ، مجموع كلفة إصلاح هذا الحادث يساوي تماماً المبلغ الذي كان عليه أن يدفعه زكاة ، ولم يدفعه ، فتشابهُ المبلغين رسالة من الله أن يا عبدي لقد أخطأت ، وأنا ألفت نظرك بهذا الحادث .

قال تعالى :

 ( سورة السجدة )

بل إن الله سبحانه وتعالى يقول :

 

 ( سورة البقرة )

أيها الإخوة :

 ( سورة الروم )

الآن قد يسأل سائل : ما فلسفة المصيبة في الإسلام ؟

 

4 – المصيبة ضمان لسلامة المؤمن :

 

بشكل مبسط واضح : لماذا صنعت السيارة ؟ الجواب : من أجل أن تسير ، بتعبير منطقي علة صنعها هي السير ، صنعت السيارة من أجل أن تسير ، أي أن علة صنعها هو السير ، ولماذا وضع فيها المكبح ؟ المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنع السيارة ، السيارة صنعت من أجل أن تسير ، والمكبح يوقفها ، هناك تناقض بين علة صنع السيارة وحقيقة المكبح ، المكبح يوقفها ، وهي صنعت من أجل أن تسير ، ألا ترى معي أن أخطر جهاز في المركبة هو المكبح ، لأنه ضمان لسلامتها .

وتأكد ولا أبالغ أن كل أنواع المصائب في الدنيا هي ضمان لسلامة المؤمن .

وفي دروس أخرى لا بد من شرح معنى المصيبة ، المصيبة التي تصيب الشاردين ، والمنحرفين ، والعتاة ، والمجرمين مصيبة قصم ، أو ردع ، بينما المصائب التي تصيب المؤمنين هي مصائب دفع أو رفع ، أما مصائب الأنبياء فهي مصائب كشف لكمالات كامنة فيهم .

إذاً : كما أن المكبح من أخطر الأجهزة في المركبة لأنه ضمان لسلامتها ، كذلك المصائب مع أنها مؤلمة ، مزعجة ، بل إن الله سبحانه وتعالى سما في كتابه الكريم المصائب نعم باطنة .

 ( سورة لقمان الآية : 20 ) 

وحينما تدخل إلى مسجد ، وترى في المسجد آلافا فاعتقد يقيناً أن عدداً كبيراً منهم ساقه الله إلى بابه بعد معالجة حكيمة ، وحينما يكشف الله لك يوم القيامة عن سر ما ساقه لك من متاعب في الدنيا يجب أن تذوب محبة لله على كل ما ساقه لك .

أنت مخير فيما كُلفت ، لكنك مسير في كونك ذكراً أو أنثى ، مسير في أمك وأبيك  ، مسير في مكان ولادتك ، مسير في زمن ولادتك ، مسير في قوامك وشكلك ، مسير في قدراتك ، هذه لصالحك ، ويوم القيامة يكشف عن سر القضاء والقدر ، ليس في إمكانك أبدع مما أعطاك ، هذا كمال مطلق لوضعك .

إذاً : هذه الشدائد ، وهذه المتاعب ، وهذا التضييق للمؤمن تربية حكيمة من الله عز وجل ، وحينما تقرؤون في سورة القلم قصة :

 ( سورة القلم )

لا يطعمون أحداً من الفقراء من غلّة بساتينهم ، الله عز وجل قال :

 ( سورة القلم ) 

بالتعبير المعاصر أصاب البساتين موجة صقيع .

 

 ( سورة القلم ) 

كأنها بساتين قد قطفت ثمارها .

 ( سورة القلم ) 

ليست بساتيننا ، ثم تأكدوا أنها هي ، قالوا :

الآن المغزى والشاهد :

 ( سورة القلم ) 

 يا عبادي ، جميع أنواع الشدائد التي أسوقها لكم في الدنيا من هذا النوع ، رسالة ولفت نظر ، فانتبهوا .

إذاً : حينما ينحرف الإنسان عن منهج الله ، أو حينما يتحرك بدافع من شهواته بخلاف منهج الله ، الله عز وجل لا بد من أن يربيه ، لا بد من أن يؤدبه ، لا بد من أن يلفت نظره ، وبطولة المؤمن أن يفهم على الله سرَّ أفعاله معه ، قال تعالى :

 ( سورة النساء ) 

وفي الحديث الصحيح القدسي :

(( يا عِبادِي ! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ ، فَسألُونِي ، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ )) .

[ رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه ]

كلام واضح كالشمس :

(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ )) .

هذه حقائق ، آيات قرآنية ، أحاديث صحيحة ، توجيهات نبوية المصائب لها حِكم بليغة ، المصائب لها حِكم عميقة ، المصائب في خدمة الإنسان ، المصائب نعم باطنة ، هذا للمؤمن .

 

5 – اتباع الهوى وفق شرع الله جائز :

 

أيها الإخوة الكرام ، ماذا ينبغي أن يكون حينما يتحرك الإنسان في دنياه بعيداً عن منهج ربه ، لكن بالمناسبة ينبغي أن تعلموا علم اليقين أن الذي يتحرك بدافع من شهوته وفق منهج الله لا شيء عليه ، الدليل :

 ( سورة  القصص الآية : 50 )  

المعنى المخالف :  أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، معنى ذلك أنه ليس في الإسلام حرمان ، الإسلام دين الفطرة ، الإسلام دين الواقعية ، الإسلام راعى في الإنسان حاجاته وقيمه ، راعى جسمه وروحه ، راعى الدنيا والآخرة ، ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً ، بل فيه تنظيم ، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها .

 

Text Box: كيف يعامل عبداً شرد عن منهج الله ؟

 

أيها الإخوة ، الآن الإله العظيم ، الرب الرحيم ، المربي الكريم كيف يعامل عبداً شرد عن منهج الله ؟

الحقيقة من خلال الكتاب والسنة هناك إجراءات في حق هذا الشارد .

 

1 – الدعوة البيانية :

 

أول إجراء بحقه الدعوة البيانية ، وأنت صحيح معافىً ، في بيتك ، بين أهلك ، بين أولادك ، في عملك ما مِن مشكلة ، ولا ضغط ، هناك من ينصحك ، هناك من يبين لك ، إما من خلال خطبة ، أو من خلال درس ، أو من خلال كتاب ، أو من خلال شريط ، أو من خلال نصيحة ، أو من خلال محاضرة ، أو من خلال ندوة ، هذه هي الدعوة البيانية ، الهدى البياني كلام ، وأرقى علاج إلهي ، وأرقى إجراء إلهي لهذا الذي شرد عن منهج الله الدعوة البيانية ، وأكمل موقف يقفه الإنسان من خلال هذا البيان الذي ساقه الله إليك أن تستجيب .

 ( سورة الأنفال الآية : 24 ) 

دعوة إلى الهدى ، نصيحة إلهية .

 ( سورة التحريم الآية : 8 ) 

        ( سورة الحديد الآية : 16 ) 

إلى متى أنت باللذات مشغول         وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

 أسعد إنسان ممن شرد عن الله عز وجل حينما يأتيه الهدى البياني ، النصح الرباني ، القرآن الكريم ، البيان الإلهي ، الحديث النبوي ، خطبة ، محاضرة ، درس ، نصيحة ، مناظرة ، ندوة ، يصحو ، يقول : يا رب عدت إليك ، هذا أكمل شيء ، وأنت صحيح ، وفي بيتك ، وأولادك أمامك ، وأهلك معك ، وفي عملك ، كرامتك موفورة ، صحتك موفورة  ، جاءت نصيحة ربانية من خلال قرآن ، أو سنة ، أو عالم ، أو داعية ، أو ندوة ، أو خطبة ...إلخ .

فإن لم يستجب الإنسان لهذه الدعوة ، وبقي مقيماً على معصية ، مؤثراً شهوته   أصم أذنيه عن نداء الله عز وجل ، لم يرعه ، لم يستجب ، وغلبته شهوته .

 ( سورة المؤمنين الآية : 106 ) 

ما الذي يحصل ؟

أول مرحلة لطيفة ، ناعمة ، سلمية ، دعوة بيانية ، نصيحة ، وتخلّق بهذا الخلق ، قبل أن تعاقب ، قبل أن تضرب ، قبل أن تقطع ، قبل أن تصب جام غضبك ، انصح ، بيّن ، وضح .

 

2 – التأديب التربوي :

 

إن لم يستجب الإنسان للدعوة البيانية فهناك تأديب تربوي ، هنا دخلنا في مرحلة أصعب .

أحياناً يقول الطبيب للمريض : معك قرحة في المعدة ، أو معك التهاب حاد في المعدة ، هناك طريقان ؛ إما أن تتبع حمية قاسية جداً لا تحتاج معها إلى عمل جراحي ، حمية قاسية جداً شهرا بكامله ، على الحليب فقط ، هذا الالتهاب يزول ، وإن آثرت أن تأكل ما تشتهي فلا بد من عمل جراحي ، القضية بيدك .

لذلك الآية الكريمة :

 ( سورة البقرة ) .

﴿ لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ من أمراض ، ﴿ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ ، الله عز وجل رب رحيم ، ﴿ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ﴾ ، إن ذكرت أو لم تذكر ، إن اعترفت أو لم تعترف ، إن أخفيت أو أظهرت .

﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ﴾ اختر أيها المؤمن ، ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ﴾ بالتوبة والاستقامة والاستجابة ، ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء ﴾ بالتأديب التربوي .

إذاً : أول مرحلة الهدى البياني ، الدعوة البيانية ، إن لم تستجب تخضع لمعالجة أشد ، ألا وهي التأديب التربوي ، اعتقد يقيناً أن الله يحبك ، وأن الله لن يدعك تفعل ما تشاء ، من دون أن يربيك ، اعلم علم اليقين إما أن تأتيه طائعاً ، أو أن تأتيه مضطراً .

مرة  أراد رجلٌ أن يسألني سؤالاً عن جوهر الدعوة إلى الله التي أمارسها ، فأجبته إجابة فيها دعابة ، قلت له : ملخص الدعوة بالتعبير الدارج طبعاً : إمّا أن تأتيه ركضا ، أو يأتي بك ركضا ، إما أن تأتيه طائعاً بمبادرة منك ، بصلح معه بتوبة ، بإنابة ، بندم ، أو الله عز وجل متكفل أن يأتي بك إليه مضطراً .

قال لي أحدهم : كان في موسم كبير جداً جاءته أرباح طائلة ، القصة في السبعينات  ، قال لي : أردت أن أذهب إلى بلاد بعيدة من دون زوجتي ، حتى أنفق مبالغ فلكية على الملذات والشهوات ، هكذا خطط ، وصل إلى هناك شعر بآلام في ظهره ، دخل إلى المستشفى ، التشخيص ورم في النخاع الشوكي ، قطع رحلته ، وعاد إلى الشام ، من مسجد إلى مسجد  ، ومن طبيب إلى طبيب ، وقد شفاه الله عز وجل .

الله عز وجل حكيم ، كل واحد فيه نقطة ضعف ، وأحيانا إنسان غني كبير المال ما له قيمة عنده ، لكن كرامته لها قيمة كبيرة ، كل واحد يعالجه الله عز وجل معالجة يأتي به إليه ، لأنه يحبنا ، لأنه خلقنا ليسعدنا ، لأنه خلقنا ليرحمنا ، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض .

والله أيها الإخوة ، يوم القيامة حينما تكشف الحقائق يجب على الإنسان المؤمن أن يذوب محبة لله عز وجل على ما ساقه له من شدائد ، فربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء .

كنت أقول لكم دائماً : الماس أصله فحم ، لكن هذا الفحم جاءته ضغوط ، وحرارة قلبته إلى ألماس ، وهناك ماسة في استنبول ثمنها 150 مليون دولار ، لكن قطعة فحم بحجمها ما ثمنها ؟ خمسة قروش ، الفرق بينهما أن الفحم حينما تأتيه الضغوط يصبح ألماساً .

لن تدخل الجنة إلا إذا كنت طاهراً ، والتطهير في الدنيا معالجات إلهية حكيمة ، لذلك ارضَ عن الله .

إنسان يطوف حول الكعبة قال : يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ وكان وراءه الإمام الشافعي ، قال له : يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : سبحان الله ! من أنت ؟ قال له : أنا محمد بن إدريس ، قال له : كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ! قال    له : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .

قالوا : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، وبطولتك إذا ساق الله لك مصيبة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ أن تقول : الحمد لله رب العالمين ، لأن الله عز وجل أفعاله كلها رحيمة ، وكلها حكيمة ، وكلها عادلة ، فإمّا أن تستجيب لله إذا دعاك إليه ، وإلا تخضع للتأديب التربوي ، فيسوق من الشدة ما يحملك على طاعة الله ، وهذا معنى قوله تعالى :

 ( سورة التوبة الآية : 118 ) 

يعني تابوا فقبِل الله توبتهم .

الآية الأخرى :

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ

في بعض معاني هذه الآية : أنه ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة .

البطولة أن تأتيه قبل أن تأتي الشدائد ، أن تصلي قبل المصيبة ، أن تتجه إليه وأنت صحيح شحيح ، أن تتجه إليه وأنت قوي ، أن تتجه إليه وأنت غني ، أن تتجه إليه ولا تشكو شيئاً .

التأديب التربوي أهم شيء فيه التوبة إلى الله ، فقد دعاك دعوة بيانية ينبغي أن تستجيب ، الآن أخضعك للتأديب التربوي ينبغي أن تتوب ، فإن جاء التأديب التربوي ولم تتب فهناك حل ثالث .

 

3 – الإكرام الاستدراجي :

 

الحل الثالث عدد الناجين فيه قليل ، يخضعك إلى ما يسمى بالإكرام الاستدراجي ، يعطيك الدنيا ، بمالها ، بمكانتها  بمباهجها ، بشهواتها ، لعلك تستحي ، لعلك تتوب ، لعلك تشكر ، الموقف الكامل فيه الشكر ، الشكر ثم التوبة .

 

4 – القصم والإهلاك :

 

فإن بيّن لك ولم تستجب ، وأدبك ولم تتوب ، وأكرمك ولم تشكر ، نعوذ بالله من المرحلة الرابعة ، يأتي القصم .

 ( سورة الأنعام )

أيها الإخوة ، هذه مراحل .

أول مرحلة : الهدى البياني ، الموقف الكامل منها أن تستجيب لله لأنه دعاك إلى ما يحييك .

المرحلة الثانية : التأديب التربوي ، الموقف الكامل أن تتوب .

المرحلة الثالثة : الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل أن تشكر .

المحلة الرابعة : يأتي القصم .

 

Text Box: إياك أن تصل مع الله إلى طريقٍ مسدود :

           

إن أخطر شيء في حياة الإنسان أن يصل مع الله إلى طريق مسدود ، كيف ؟

ثمة إنسان ارتكب جريمة قتل ـ لا سمح الله ولا قدر ـ سيق إلى السجن ، خضع إلى محكمة الجنايات ، حكم عليه بالإعدام ، نقل الحكم إلى التمييز ، إلى محكمة النقض ، محكمة النقض صدقت حكم محكمة الجنايات ، رفع الحكم إلى رئاسة الجمهورية ليصدق عليه ، وصدق عليه رئيس الجمهورية ، وحُدد يوم معين لتنفيذ الإعدام ، هذا الإنسان قبل أن يُعدم يحب أن يضحك فليضحك ، لا بد من أن يعدم ، يحب أن يبكي فليبكِ ، يحب أن يتوسل فليتوسل ، لا بد من تنفيذ هذا الحكم ، نقول : هذا الإنسان مشى في طريق مسدود .

أنا أقول أنصح نفسي ، وأنصح من حولي ، إياك ثم إياك ثم إياك أن تمشي في طريق مسدود ، أن تبالغ في إيقاع الأذى بالناس ، عندئذٍ يأتي القصم ، يأتي الانتقام ، فدَع للصلح مكاناً ، حاسب نفسك قبل أن تحاسب ، اسأل نفسك : هل عملي يرضي الله ؟ هل هناك ظلم أقترفه ؟ هل أبني مجدي على أقاض الآخرين ؟ هل أبني حياتي على موتهم ؟ هل أبني عزي على ذلهم ؟ هل أبني غناي على فقرهم ، ماذا أفعل ؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا  ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم .

 

Text Box: التعلّم بالنص سبيل الإنسان الذكي ، والتعلم بالواقع من سبل الحيوان :

           

فسنة الله مع خلقه تبدأ من الدعوة البيانية ، إلى التأديب التربوي ، إلى الإكرام الاستدراجي ، إلى القصم ، فالبطولة أن تبقى في أول مرحلة ، تستمع ، وتستجيب ، وهذا أكمل شيء في الإنسان ، والإنسان كلما ارتفع مكانه تعلم بالنص ، ولم يتعلم بالواقع .

إذا قرأ الإنسان موضوعا دقيقا عن أخطار التدخين ، وترك الدخان لهذا الموضوع ، أو لحكم شرعي ، هذا يكون في أعلى مستوى ، أما حينما يدع التدخين بعد الورم الخبيث يكون قد تعامل لا بعقله بل تعامل بأحاسيسه .

أوضح مثل : إنسان ركب مركبته ليسافر إلى حمص ، في أيام الشتاء ، خرج من دمشق فرأى لوحة كتب عليها : الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك ، مقصده حمص ، وله مبلغ كبير جداً في حمص ، الطريق مغلق ، هو الآن في ظاهر دمشق  ، ماذا يفعل ؟ يعود ، ما الذي حكَمه ؟ اللوحة ، أربع كلمات أعطته قرارًا بالعودة ، لو أن دابة تمشي أين تقف ؟ عند الثلج ، ما الذي حكم الدابة ؟ الواقع ، حكم العاقل النص ، وحكم الدابة الواقع .

 اسأل نفسك سؤالا محرجا ، ما الذي يحكمك ؟ نصوص القرآن والسنة ، أم الواقع ؟ الذي يخاف بعقله إنسان راقٍ جداً ، والذي يخاف بأحاسيسه إنسان غبي جداً ، فكلما ارتقى مقامك تخاف بعقلك ، تخاف من النص ، تخاف من تحذير الله لك ، تخاف من وعيد الله ، وكلما هبط مستوى الإنسان ، وجاءه قضاء الله ، جاءته المصيبة عندئذٍ يقول :

 ( سورة الفجر )

 

Text Box: خيار الإنسان مع الإيمان مسألة وقت فقط :

           

إخواننا الكرام ، هناك نقطة مهمة جداً ، خيارك مع الإيمان خيار وقت ، مع مليون موضوع أنت مخير خيار قبول أو رفض ، عرضوا عليك بيتاً لم يعجبك ، فرفضته ، عرضوا عليك فتاةً كي تتزوجها لم تعجبك أخلاقها ، فرفضتها ، أنت مع مليون موضوع ، مع مئة مليون موضوع ، معك خيار قبول أو رفض ، إلا مع الإيمان فخيارك خيار وقت ، الدليل فرعون أكفر كفار الأرض ، الذي قال :

 ( سورة النازعات ) .

والذي قال :

 ( سورة القصص الآية : 38 )

هذا الإنسان الذي ادعى الإلوهية حينما أدركه الغرق قال :

 ( سورة يونس الآية : 90 )

إذاً : آمن ، لأن الإنسان أيّ إنسان لا بد من أن يؤمن عند الموت .

 ( سورة ق الآية :22 )

هذا الإيمان لا قيمة له إطلاقاً ، إذاً : خيارك مع الإيمان خيار وقت لا خيار قبول أو رفض .

أيها الإخوة ، هذا الدرس حول أن الإنسان إذا تحرك في الحياة الدنيا بدافع من شهواته ، ومن دون منهج إلهي ما الذي يحصل ؟ الله عز وجل يربيه ، وتربية الله له لطيفة جداً ، وفيها مراحل أربع :

أول مرحلة : الهدى البياني ، الموقف الكامل الاستجابة .

المرحلة الثانية : التأديب التربوي ، الموقف الكامل التوبة .

المرحلة الثالثة : الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل الشكر .

المرحلة الرابعة : حينما لا ينفع معه البيان ، ولا التأديب ، ولا الإكرام القصم عندئذٍ يقصمه الله عز وجل .

 

Text Box: الموضوع العلمي :

 

Text Box: الأمر القرآني للوجوب ما لم يدل دليل على خلافه :

 

أيها الإخوة  ، إلى الموضوع العلمي ، أو إلى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .

أيها الإخوة ، من مسلمات علم الأصول أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، لكن يعلق علماء الأصول ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، فإذا فال الله عز   وجل :

 

 ( سورة الكهف الآية : 29 )

هذا أمر بالكفر ، لكنه أمر تهديد ، وإذا قال الله عز وجل :

 ( سورة النور الآية : 32 ) 

هذا أمر ندب ، وإذا قال الله عز وجل :

 ( سورة البقرة الآية : 187 )

أمر ندب ، أمر إباحة ، أما لو لم تكن هناك قرينة تصرف الأمر عن الوجوب فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب .

 

Text Box: البقرة مصنع للحليب :

 

1 – التفكر في حليب البقرة :

 

من هذه الأوامر ، دقق :

 ( سورة عبس ) .

هذا أمر ، أنت مكلف بنص هذه الآية أن تفكر في هذا الطعام ، هذه البقرة تقدم لك الحليب ، هي معمل صامت ، تأكل الحشيش فتعطيك الغذاء الكامل ، الغذاء الكامل في الحليب ، والغدة الثديية في البقرة على شكل قبة ، محاطة من أعلاها بأوعية دموية كثيفة جداً ، والغدة الثديية تأخذ من الدم حاجتها لصنع الحليب .

 ( سورة النحل )

في الدم حمض البول ، وفي الدم مواد سامة ، ومواد لا يعلمها إلا الله ، بروتينات ، وشحوم ، وسكريات ، ومعادن ، وأشباه معادن ، و حمض البول ، و مفرزات بعض الأجهزة ...

2 – كيف تختار الخلية الثدييةُ من مكونات الدم مكونات الحليب ؟

 

هذه الخلية الثديية كيف تختار من مكونات الدم مكونات الحليب ؟ طبعاً هذه الخلية تأخذ من الدم حاجتها ، ويرشح منها نقطة حليب ، هذه النقطة تصب في ثدي البقرة ، ثدي البقرة قد يتسع لـ20 أو 30 أو 40 كغ ، هذا الثدي مقوى من الداخل بجدارين متعامدين ، جدار هكذا ، وجدار هكذا ، ثدي البقرة مقسم إلى أربعة تجاويف ، مع كل تجويف حلمة ، لو أن أربعة إخوة يملكون بقرة ، وأخذ كل أخ حلمة من حلم ثدي البقرة لأخذ ربع الكمية بالتمام والكمال ، هذه الخلية الثديية تأخذ من الدم حاجتها ، هل هي عاقلة ؟ الإنسان بحاجة إلى سكريات ، تأخذ سكرا ، بحاجة إلى بروتين ، تأخذ البروتين ، بحاجة إلى دهن ، تأخذ الدهن ، بحاجة إلى فيتامينات ، مكونات الحليب غذاء كامل للإنسان ، " وحاجة وليد البقرة إلى الحليب لا يزيد عن بضع كيلوات ، الـ60 كغ والـ40 لمن ؟ للإنسان .

 ( سورة النحل الآية : 5 )

خُلقت لكم خصيصى ، ﴿ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ ، كلمة لكم ، تعني صممت من أجلكم إنتاج الحليب في العالم يفوق حد الخيال .

 انظر إلى الحليب ، اللبن ، الجبن ، السمن ، القشطة ، مشتقات الحليب شيء مذهل ، ﴿ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ .

 لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ فكل 400 لتر دم تجول في حول الغدد الثديية من 400 لتر دم يصنع لتر واحدا من الحليب ، وهو محصلة جريان 400 لتر فوق الخلايا الثديية بثدي البقرة ، وحتى لآن لا أحد يعلم ، وهذا في كتاب علمي يُدرس في جامعة دمشق لا أحد يعلم طبيعة عمل الغدة الثديية ، الذي نعلمه أنها تختار من الدم حاجتها لصنع الحليب ، الله عز وجل يقول :

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ