English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : العقيدة والإعجاز (09) مقومات التكليف ـ الفطرة وخصائص النفس ـ الأحد 15/07/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع من دروس العقيدة والإعجاز ، وقد عالجنا في دروس سابقة مقومات التكليف ، وبدأنا بالكون ، ثم بالعقل ، واليوم ننتقل إلى الفطرة .

Text Box: من مقومات التكليف : الفطرة :

 

Text Box: الآيات التي أشارت إلى الفطرة :

 

الآية الأولى :

في أي الآيات أشار الله إلى الفطرة ؟ في قوله تعالى :

 ( سورة الشمس )

Text Box: النفس تعرف بالفطرة فجورها وتقواها :

 

جبلت هذه النفس جبلة عالية ، حيث إنها إذا أحسنت شعرت بشكل طبيعي ابتداءً من دون تعليم ، من دون توجيه أنها أحسنت ، وإذا أساءت شعرت ابتدأً من دون توجيه ولا تعليم أنها أساءت ، قال تعالى :

 ( سورة الشمس )

إن فجرت فجورها ، وإن اتقت تقواها ، عندك مشعر ذاتي ، أنت بالفطرة تعرف خطأك من دون أن تنبه إليه ، أنت بعقلك تعرف ربك ، وبفطرتك تعرف خطأك ، قال تعالى :

 ( سورة الشمس )

أيها الإخوة ، لولا هذه الفطرة لما تألم إنسان من معصية ، فلو أن جبلته جبلت على معصية فكلما عصى ربه ازداد راحة وانسجاماً مع نفسه ، ولكن لأنك مفطور فطرة عالية ، مفطور على الكمال ، مفطور على الرحمة ، على الإنصاف ، على العدل ، على الصدق ، على الأمانة ، جبلتك ، فطرتك ، بنيتك النفسية ، خصائصك تحب الرحمة ، فإذا رحمت المخلوقات تنام قرير العين ، تنام مرتاحاً ، تنام مطمئناً ، تنام سعيداً .

لذلك أيها الإخوة ، لمجرد أن تتوب إلى الله ، وأن تصطلح معه تصطلح مع نفسك ، وترتاح نفسك ، وتطمئن نفسك ، وتسعد نفسك :

 ( سورة الشمس )

كيف سواها الله عز وجل ؟ سواها حيث إذا فجرت تعرف أنها فجرت ، وإذا استقامت تعرف أنها استقامت .

Text Box: من صفات المسيء والمذنب : الانهيار الداخلي :

 

إن علماء النفس وصفوا حالة تصيب الإنسان المسيء بصفات عديدة ، منها :

الانهيار الداخلي : فإذا بنى الإنسان مجده على أنقاض الناس ، بنى غناه على إفقارهم ، بنى أمنه على إخافتهم ، بنى عزه على إذلالهم ، ينهار من الداخل ، يشعر بصغار ، تصيبه الكآبة ، والكآبة مرض العصر ، فأية نفس خرجت عن منهج الله خرجت أيضاً عن فطرتها ، خرجت أيضاً عن مبادئها ، خرجت أيضاً عن جبلتها .

Text Box: من خصائص النفس :

 

أيها الإخوة ، من أرقى خصائص النفس أنها جبلت على الكمال ، أنها توافقت مع منهج الله ، فما من أمر أمرك الله به إلا وفطرتك ترتاح له ، وما من أمر نهاك الله عنه إلا وفطرتك تتألم منه ، قال تعالى :

 (سورة الشمس )

الفطرة متوافقة تماماً مع منهج الله ، كيف أن العقل متوافق توافق تاماً مع قوانين الكون ، بني الكون على السببية ، والعقل لا يفهم شيئاً إلا بسبب ، وبني الكون على الغائية ، والعقل لا يفهم شيئاً بلا غاية ، كذلك بني منهج الله على الصدق والأمانة ، والعدل والإنصاف ، والرحمة ، والنفس البشرية لو أنها عاصية ، ولو أنها آثمة لا ترتاح إلا للصدق والأمانة ، والعدل والإنصاف :

 (سورة الشمس )

       حدثني أخ سافر إلى بلاد الغرب ، نزل في بعض الفنادق ، رأى لوحة على السرير كتب عليها : إن لم تنم في هذه الليلة فالعلة ليست في فرشنا ، إنها وثيرة ، ولكن العلة في ذنوبك ، إنها كثيرة .

       في قلب المؤمن من الراحة النفسية والطمأنينة والسكينة والهدوء ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، لأن المؤمن التائب انسجم مع نفسه ، اصطلح مع نفسه ، جاءت حركته متوافقة مع خصائصه ، هذه آية من آيات الفطرة ، قال تعالى :

 (سورة الشمس )

الآية الثانية :

 (سورة الروم :30)

     أن تقوم ، وأن تقف ، معنى ذلك أن الأمر في غاية الأهمية ، والإنسان أحياناً يكون جالسًا ، إذا حزبه أمر وأقلقه أمر ، أو جدّ أمر يقف ، قال تعالى :

 (سورة الروم :30 )

      بكليتك ، بكل اهتمامك ، بكل طاقتك ، بكل حركاتك وسكناتك ، قال تعالى :

 (سورة الروم :30)

       أن تقيم وجهك للدين حنيفاً ، هذه الإقامة للدين حنيفاً هي نفسها فطرتك التي فطرت عليها ، قال تعالى :

 (سورة الروم :30)

      أيها الإخوة الكرام ، هذه حقائق في أي مكان في الأرض ، في أي زمان الخطأ خطأ ، والصواب صواب ، بل إن أروع ما في هذا الدين العظيم أن الله سمى الأعمال القبيحة في ميزان الشرع منكراً ، لأن الفطر السليمة تنكرها ابتداءً ، وسمى الأعمال الصالحة في ميزان الشرع معروفاً ، لأن الفطر السليمة تعرفها ابتداءً ، قال تعالى :

 (سورة الروم :30)

     هكذا فطرنا ، فطرنا على طاعة الله ، فطرنا على الصدق والأمانة ، والإحسان ، والإنصاف والعدل ، والرحمة والعفو ، قال تعالى :

 ( سورة الروم)

     هذه الآية الثانية ، فإذا توجهت إلى الدين بكل إمكاناتك ، بكل اهتمامك ، بكل طاقاتك ، هذا التوجه هو نفسه ما جٌبِلتَ عليه ، وما فطرت عليه ، وما أراحك .

الآية الثالثة :

قال تعالى :

 

(سورة القيامة)

 

Text Box: لا يمكن أن تخدع كلَّ الناس لكل الوقت :

 

يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت ، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت ، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل وألف ألف مستحيل ، أما أن تخدع نفسك ثانية واحدة فهذا مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل ، لأن الله عز وجل  يقول :

 (سورة القيامة)

    المذنب يعلم علم اليقين أنه مذنب ، وقد لا يعترف ، وقد يكابر ، وقد يركب رأسه ، ولكن في أعماقه يعلم أنه مذنب ، هذه فطرتك ، قال تعالى :

 (سورة القيامة)

الآية الرابعة :

 

 (سورة الحجرات : 7)

للتوضيح : حينما تضع أمام أنفك وردة فواحة الرائحة لماذا تشعر براحة كبيرة ؟ لأنك مجبول على حب الرائحة الطيبة ، لكن هناك حيوانات تعيش في المياه السوداء ، وكأنها في عطور ، أن تستمتع بالشيء الجميل هذا في الأصل ليس في الجميل فقط ، بل في فطرتك ، أن تستمتع برائحة طيبة هذا لا يعود إلى أن الوردة لها رائحة طيبة ، يعود إلى أنك أيضاً جُبلت على قبول هذه الرائحة ، والدليل : هناك كائنات أخرى تستمتع بأنتن الروائح ، الخنزير أكلته المفضلة خنزير متفسخ ، أكلته المفضلة لحم الجيف .

أحياناً يمشي الإنسان في الفلاة فيشعر برائحة يكاد يخرج من جلده ، حيوان متفسخ ، وهو أكلةُ الخنزير المفضلة ، أطيب طعام يشمه من أعماقه الجيف واللحوم المنتنة والجرذان الميتة ، معنى ذلك أنك حينما تستمتع بشيء طيب من الطعام والشراب ، أو حينما تشم رائحة طيبة ، فاستمتاعك بهذه الأشياء لا لأن الرائحة طيبة فقط ، لأنك في أصل تركيبك مجبول على حب هذه الرائحة ، وهذا من تكريم الله لك .

انظر إلى دجاجة إنها تأكل كل شيء ، حتى براز الإنسان ، قال تعالى :

 (سورة الإسراء)

 (سورة الحجرات : 7)

أربع آيات في كتاب الله تتحدث عن الفطرة ، وفي حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري ومسلم عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ، فَقَالَ :

(( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )) .

[ مسلم ]

الشيء القبيح لا ترتاح له ، بل تقلق مِن فعله ، تقلق أشد القلق ، والدعاة إلى الله يُسألون عن أشياء لم يرتح السائل لها ، آلاف الأشياء تفعلها وأنت مطمئن ، لأنها متوافقة مع الفطرة ، لكن هناك شيء أقلقك فتسأل عنه ، لأنه خالف الفطرة ، إذاً : الآيات الكريمة والحديث الصحيح يؤكد أن الإنسان جُبِل على فطرة عالية .

Text Box: من خصائص النفس :

 

لو أردنا أن نتابع خصائص النفس .

أيها الإخوة الكرام ، من أولى خصائص النفس ، وأنا أتمنى أن يجهد العلماء لمعالجة موضوعات تحت عنوان : علم النفس الإسلامي .

1 – كل نفس ذائقة الموت :

الحقيقة الأولى في خصائص النفس : أن كل نفس ذائقة الموت ، ومعنى ذائقة لا أنها تذوق الموت ، والإنسان مؤلَّف من ذات هي نفسه التي بين جنبيه ، هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي تحب ، هي التي تبغض ، هي التي تسمو ، هي التي تسهو ، هي الطائعة ، هي العاصية ، هي المؤمنة ، هي الكافرة ، هي التي لا تموت ، هي التي مصيرها إما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفذ عذابها ، هي ذات الإنسان ، وقد خاطبها الله بقوله تعالى :

 ( سورة الفجر)

أو :

 ( سورة القيامة)

أو :

 ( سورة يوسف : 53)

ذاتك ، من أنت ؟ نفسك هذا وعاء الجسم ، وعاء النفس ، في داخل الجسم ترى من عينين ، تنتقل ، لها الأصوات من أذنين ، تعبر عن ذاتها باللسان ، تنتقل من مكان إلى مكان عن طريق الرجلين ، تبطش باليد ، تستخدم جهاز الفكر ، هذه التي تخاطب ، والتي تعاتب ، هي ذاتك ، هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، قال تعالى :

 (سورة الشمس )

مَن حملها على معصية الله ، من أبقاها غافلة عنه ، لذلك : ( قد أفلح ) في القرآن تعني النجاح كل النجاح ، والفلاح كل الفلاح ، والفوز كل الفوز ، والتوفيق كل التوفيق ، والتفوق كل التفوق ، أن تزكّي نفسك ، أي أن تؤهّلها لدخول الجنة ، ثمن الجنة تزكية النفس ، قال تعالى :

 (سورة الشمس )

2 – البشر من نفس واحدة :

من خصائص النفس أن الله خلق البشر من نفس واحدة ، من خصائص واحدة ، الإنسان هو الإنسان ، في أي مكان وزمان ، (( يا داود ، ذكر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها )) .

[ ورد في الأثر ]

خصائص البشر واحدة ، فأيّ إنسان على وجه الأرض يحب الجمال ، ويحب الكمال ، ويحب النوال ، خصائص ثابتة ، مسلم أو غير مسلم ، ملحد ، علماني ، بعيد ، قريب ، أيّ نفس إنسانية تحب الكمال ، قد يكون الذي يحب الكمال ناقصاً ، قد يكون مجرماً قد يكون لصاً ، يقول اللص لإخوانه اللصوص : اقسموا بالعدل ، فطرته العدل ، لكنه يخالف فطرته .

أيها الإخوة ، خصائص النفس واحدة ، تحب الكمال ، أن تحب الكمال شيء ، وأن تكون كاملً شيء آخر ، أن تحب الرحمة شيء ، وأن تكون رحيماً شيء آخر ، الفطرة تعني أنك تحب الكمال ، تحب العدل ، تحب الإنصاف ، تحب الكرم ، تحب السخاء ، تحب الرضا ، خصائص البشر واحدة ، الكمال موقف أخلاقي فيه وفاء ، الجمال ، الوردة الجميلة ، الطفل الجميل ، المنظر الجميل ، البحر الجميل ، الجبل الأخضر الجميل ، أيّ شيء جميل تحبه النفس ، والنوال العطاء ، لو أن واحدًا كان قصير القامة ، أسمر اللون ، غائر العينين ، ناتئ الوجنتين ، أحنف الرِّجل ، مائل الذقن ، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ، منحك بيتاً ، فإنك تذوب محبة له ، على قماءة شكله ، تحب النوال ، وتحب الكمال ، وتحب الجمال ، الكمال أخلاقي ، والجمال قد يكون حسيًا ، والنوال عطاء ، هذه خصائص النفس البشرية .

3 – الإنسان خلق هلوعا :

من خصائص النفس البشرية أن الإنسان خلق هلوعا ، ما معنى هلوع ؟ القرآن فسر الهلوع ، قال تعالى :

 (سورة المعارج)

لا يحتمل .

إنّ طبيبًا فحص مريضًا معه ورم خبيث منتشر ، قال له : هذا المرض ينهي أجلك بعد أربعة أشهر ، تدبر وقتك ، اكتبْ وصية ، نظم أمورك ، مات في اليوم الثاني ، قال تعالى :

 (سورة المعارج)

يقلق على حياته ، يقلق على رزقه ، يقلق على من يلوذ به ، قال تعالى :

 (سورة المعارج)

لو لم يكن هلوعاً لما تاب إلى الله ، لو أن الإنسان لا يخاف ، فبلغوه بخبر ورم خبيث ، خير إن شاء الله ، ما من مشكلة ، لا يتوب إلى الله ، أما إذا لاح إلى الإنسان شبح مشكلة ـ لا سمح الله ـ عافاكم الله جميعاً ، أنا والله من أدعيتي التي أتأثر بها : " اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء " ، أكرموا عزيز قوم ذُلَّ ، وغني افتقر ، وعالم ضاع بين الجهال ، لذلك خُلق الإنسان هلوعا ، هذا ضعف في أصل خلقه لمصلحته ، ألا ترى أن بعض الآلات الغالية جداً فيها وصلة ضعيفة جداً تسمى ( الفيوز ) ، كومبيوتر صناعي ثمنه ثلاثون مليونًا ، لو جاءت شحنة كهربائية عالية جداً لأحرقته ، لكن فيه وصلة ضعيفة جداً ، فإذا جاء التيار عالياً ساحت هذه الوصلة ، وقطعت عنه التيار ، وسَلِم الجهاز ، هذا الضعف في أصل تصميم الجهاز لصالح الجهاز ، وهكذا الإنسان ، قال تعالى :

 (سورة المعارج)

ومعنى : إذا مسه الشر جزوعا ، يقلق أشد القلق يطرب ، لا ينام الليل ، وإذا مسه الخير منوعا ، لأنه إذا مسك الخير تكون منوعًا ، فترقى بالصدقة ، والمال محبب ، قال تعالى :

 (سورة آل عمران : 14)

لأن المال محبب ، فبإنفاقه يرقى به ، والشيء الذي لا تحبه إذا أنفقته هل تشعر برقي ؟

عندك ثوب بالٍ قديم لا ترتديه إطلاقاً ، هو عبء عليك ، ولا مكان له في البيت فتصدقت به ، هل ترقى بهذا التصدق ؟ الشيء الجديد ، الطعام الطيب ، المال إن أنفقته تَرْقَ ، قال تعالى :

 ( سورة المعارج)

المصلي قد ينجو من هذا الضعف الخلقي ، وهو ضعف في أصل خلق الإنسان ، لكنه لصالح الإنسان ، الآية الثانية :

 ( سورة الإسراء)

يريد أشياء قريبة ، فإذا اختار الآخرة يعاكس فطرته ، فإذا عاكس فطرته ارتقى عند الله ، يريد شيئًا مستعجلا جاهزا ، أحياناً يدعى إلى عمل دخله كبير جداً فيه مئات الشبهات ، شبهات في العمل ، في الدخل ، يريد المال سريعاً ، يأتي المؤمن فيقول : معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، يبحث عن شيء ينفعه بعد الموت ، اختار هدفا بعيدا عن متناول يده ، بهذا الاختيار يرقى الإنسان ، لأنه عجول ، إذا اختار هدفاً بعيداً يرقى بهذا الاختيار ، لو كان في الأصل مَهُولا لا يرقى باختيار الآخرة أبداً .

4 – وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا

الآية الثالثة :

 ( سورة النساء)

خلق الله الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه ، فيسعد بافتقاره ، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته ، فشقي باستغنائه ، لذلك أحياناً يكون الإنسان في حالات قوياً جداً ، فيستغني بقوته عن الله ، قد يكون غنياً جداً فيستغني بماله عن الله ، والآية واضحة جداً :

 ( سورة العلق )

رأى نفسه مستغنياً عن الله عز وجل ، لذلك بطولة المؤمن أنه مفتقر دائماً إلى الله عز وجل .

إذاً : من خصائص النفس أنها تذوق الموت ولا تموت ، ومن خصائص النفس أنها خلقت من نفس واحدة ، من صفات وسمات مشتركة بين كل البشر ، ومن خصائص النفس أن :

 ( سورة المعارج)

ومن خصائص النفس :

 ( سورة الإسراء)

 

ومن خصائص النفس :

 ( سورة النساء)

هذا الكلام يقترب مما يسمى بعلم النفس الإسلامي .

Text Box: خصائص الإنسان حيادية :

 

لكن أيها الإخوة ، هناك ملاحظة دقيقة جداً : أن كل خصائص الإنسان حيادية ، بمعنى أنه يمكن أن ترقى بها على أعلى عليين ، ويمكن أن تهوي بها إلى أسفل سافلين .

مثلاً : الإنسان يحب التقليد ، إن قلدت مؤمناً ارتقيت ، وإن قلد فاسقاً هلكت ، التقليد حيادي ، الإنسان يغار ، إن غار من مؤمن حافظٍ لكتاب الله يرقى ، وإن غار من إنسان غارق في الزنا يهلك ، فالغيرة حيادية .

بالمناسبة ، لأن الإنسان مخير فكل خصائصه حيادية ، التقليد خصيصة ، طفل يقلد أباه ، وهو يصلي ، وطفل إنسان فاسق يقلده ، وهو يفسق ، التقليد صفة حيادية ، أساساً من صفات المؤمنين أن أولادهم في الأعم الأغلب مؤمنون ، ومن صفات الكفار والفاسقين قال تعالى :

 ( سورة نوح)

فالطفل بحسب ما يرى يقلِّد ، فالتقليد صفة في الإنسان ، يمكن أن توظف في الخير أو في الشر ، فإنْ صحبت المؤمنين تمنيتَ أن تكون مثلهم ، وإن صحب الإنسانُ أهلَ الفسق والفجور تمنى أن يكون مثلهم ، لذلك قال تعالى :

 

 ( سورة التوبة )

عش في أجواء إيمانية ، عش مع المؤمنين ، لا تصاحب إلا مؤمناً ، لا تصاحب إلا من يرقى بك إلى الله حالُه ، ويدلُّك على الله مقالُه ، صفات الإنسان كلها حيادية ، سمات الإنسان كلها حيادية ، خصائص الإنسان كلها حيادية ، يمكن أن تكون سلَّماً ترقى به ، أو دركات تهوي بها ، لذلك التقليد من خصائص الإنسان المؤمن ، قال تعالى :

5 – التقليدُ :

 ( سورة الأحزاب )

غير المؤمن يقلِّد أهل الفجور والانحراف والفسوق والعصيان .

لذلك من خصائص الإنسان التقليد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري :

(( لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ : رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا ، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ )) .

[ البخاري ومسلم ]

هذا هو التقليد ، إذا قلّدتَ مؤمناً في سَمته الحسن ، في ورعه ، في استقامته ، في إنفاقه ، في عبادته ، ترقى عند الله ، والذي يقلد فاسقاً يسقط من عين الله ، ودائماً وأبداً هؤلاء النجوم والأعلام والقادة ، مدير مستشفى ، مدير مدرسة ، معلم صف ، إذا دخن أمام طلابه فقد أغراهم بالدخان ، ويعاقَب مرتين ، مرة لأنه أخطأ ، ومرة لأنه قُلِّد مِن قِبَل مَن يراه كبيراً .

أيها الإخوة الكرام ، الحسد مثلاً ، الحسد أن تتمنى ما عند الآخرين ، هذه خصيصة ، لكنها حيادية .

التقيت مع مؤمن ، رأيت سمته وأدبه ، ومحبته لله ، وتألق وجهه وورعه ، وعلمه واستقامته ، وأعماله الطيبة ، تمنيت أن تكون مثله ، لا حَسَدَ  ، أي لا غبطة إلا في اثْنَتيْنِ ، إنسان ينفق ماله في الليل والنهار ، وإنسان ينفق علمه في الليل والنهار ، الصفة نفسها ، الخصيصة نفسها ، إذا تأملت حياة فاسق فاجر كل يوم في نادٍ ، كل يوم في فندق ، كل يوم مع فتاة ، إذا استخدمت خصيصة التقليد تتمنى أن تكون مثلهم ، إذاً : التقليد صفة حيادية .

 الحسد أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك لتصل إليك ، هذا مستوى ، وهناك مستوى أسوء ؛ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك ، وهناك أسوء وأسوء ؛ أن تكتب ، أن توغر صدر سيده عليه بتقرير  .

لذلك أيها الإخوة ، ما من خصيصة من خصائص النفس إلا وهي حيادية ، سلم ترقى بها أو دركات تهوي بها ، قد لا تصدقون أن هذه الفطرة موجودة عند الحيوانات أيضاً ، الدليل : ألقِ لهرة أمامك قطعة لحم تأكلها أمامك ، لو أنها خطفتها تأخذها ، وتعدو بها بعيداً عنك ، لأنها شعرت أنها في الحالة الثانية أنها كانت معتدية .

 

Text Box: بين الفطرة والصبغة :

 

1 – الفطرة :

الآن مع موضوع الفطرة والصبغة ، الفطرة أن تحب الخير ، وقد لا تكون خيراً ، الفطرة أن تحب العدل ، وقد لا تكون عادلاً ، الفطرة أن تحب الرحمة ، وقد لا تكون رحيماً ، هذه الفطرة ، الفطرة شيء ، حب الكمال شيء ، وأن تكون كاملاً شيء آخر .

2 – الصبغة :

أما إذا اتصلت بالله جل جلاله صلة محكمة استقرت في نفسك الكمالات ، الله رحيم ، وأي مؤمن يتصل به يصبح رحيماً ، الله عز وجل  عدل ، وأي مؤمن يتصل به تراه عادلاً ، الله عز وجل لطيف ، وأي مؤمن يتصل به يشتق منه اللطف ، أنت في الحالة الأولى فطرتك سليمة ، أما في الثانية فهي صبغة ، قال تعالى :

 

 ( سورة البقرة )

           الفطرة أن تحب الكمال ، لكن الصبغة أن تتخلق بالكمال ، الفطرة أن تحب الرحيم ، لكن الصبغة أن تكون رحيماً ، الفطرة أن تحب العدل ، لكن الصبغة أن تكون عادلاً ، الصبغة من خصائص المؤمنين ، لأنهم اتصلوا بالله عز وجل ، لذلك قال تعالى :

 

 ( سورة آل عمران )

         أيْ : بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، لذلك إذا ابتعدتَ عن الله يغدو القلب قاسياً ، وإذا اقتربتَ منه يغدو القلب رحيماً ، قال تعالى :

 

 

 ( سورة الزمر )

  عندنا صبغة وفطرة ، الفطرة أن تحب الكمال ، لكن الصبغة أن تكون كاملاً ، الفطرة من صفات البشر جميعاً ، لكن الصبغة من صفات المؤمنين .

Text Box: بين الطبع والتكليف :

 

       هناك شيء آخر ، هناك طبع وهناك تكليف الطبع ، أقرب إلى الجسم ، طبعك يقتضي أن تبقى نائماً إلى ما بعد الشمس ، أما التكليف فيأمرك أن تستيقظ قبل طلوع الشمس ، طبعك يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن النساء ، لكن التكليف يأمرك أن تغض البصر ، طبعك يقتضي أن تأخذ المال ، لكن التكليف يأمرك أن تنفقه ، طبعك يقتضي أن تخوض في فضائح الناس مستمتعاً بها ، والتكليف يأمرك أن تسكت .

أيها الإخوة الكرام ، الطبع مناقض للتكليف ، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة ، قال تعالى :

 

 ( سورة النازعات )

إذاً : أنت لا ترقى عند الله إلا إذا خالفت طبعك ، لذلك طاعة الله تنسجم مع الفطرة ، وتتناقض مع الطبع ، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة .

Text Box: من الإعجاز العلمي في القرآن : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا

 

      أيها الإخوة الكرام ، لو انتقلنا إلى موضوع في الإعجاز العلمي : كلكم يعلم أن الأرض تدور حول الشمس ، لكن في مسار بيضوي ، ومعنى مسار بيضوي أنه يشبه البيضة ، المسار البيضوي فيه قطر صغير وقطر طويل ، الأرض تقطع في الثانية الواحدة ثلاثين كيلو متر في دورتها حول الشمس ، لو أنها هنا في الطرف الطويل ، وسارت على مسارها ، ووصلت إلى هنا في القطر ال