English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : العقيدة والإعجاز (11) مقومات التكليف ـ التصور الصحيح عن الدين يؤدي إلى سلوك صحيح ـ الأحد 05/08/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: الإنسان كائن متحرك :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الحادي عشر من دروس العقيدة والإعجاز .

أردت في هذا الدرس أن أعالج موضوعاً دقيقاً  وخطيراً ، ألا وهو أن كل حركة من حركات الإنسان ، أو أن كل سلوك من سلوكياته ، أو أن كل موقف من مواقفه ، أو أن كل خطوة من خطواته يسبقها تصور ، إن صح التصور صحت الحركة .

1 – ما معنى الحركة ؟

ما معنى حركة ؟ ذكرت هذا من قبل ، هذه الطاولة جامدة ليس فيها شهوات ، ولا تحتاج إلى الطعام ، لا تحتاج إلى الزواج ، لا تحتاج لتؤكد ذاتها ، إذاً : هي ساكنة ، تدعها في هذا المكان سنوات وسنوات في مكانها ، أما الإنسان فأودع الله فيه حاجة إلى الطعام ، وحاجة إلى الجنس ، وحاجة إلى تأكيد الذات ، فلا بد من أن يتحرك ، يتحرك ليكسب رزقاً ليشتري به طعاماً ليأكل ، يتحرك لينال شهادة ، ليكون في وظيفة تدر عليه دخلاً فيتزوج ، يتحرك ليثبت للناس أنه متفوق ، فحياتنا أساسها حركة ، والإنسان كائن متحرك ، هذه الحركة طبعاً قد تكون خيرة ، وقد تكون شريرة ، قد يكون فيها عدوان ، أو فيها عطاء ، أو فيها إحسان ، أو فيها ظلم ، فيها طهر وعفاف .

سيدنا يوسف تحرك :

 ( سورة يوسف)

وهناك أشخاص يتحركون نحو الفاحشة .

2 – كلُّ حركة للإنسان يسبقها تصوُّرٌ :

النقطة الدقيقة الآن : أي حركة يسبقها تصوّرٌ ، هذا الذي سرق لماذا سرق ؟ السرقة حركة ، لكن سبقها تصور خاطئ ؛ أن السارق يأخذ مالاً وفيراً بجهد قليل ، وفاته أن هناك عقاباً قاسياً ، كل إنسان يتحرك فإنه يسبق الحركة تصور .

3 – إنْ صحّ التصوّرُ صحت الحركةُ :

الآن إن صح التصور صحت الحركة ، ولا يمكن أن تكون هناك حركة من دون تصور ، فلو أنه لا علاقة بين التصور والحركة نقول له : تصور ما شئت ، واعتقد بما شئت ، وآمن بما شئت ، لكن لأن هناك تلازماً حقيقياً ثابتاً مستمراً بين التصور والسلوك ندقق على التصور ، أي ندقق على العقيدة ، فلا بد من أن تصح العقيدة ، فإن صحت صح العمل ، وإن صح العمل سلم الإنسان وسعد في الدنيا والآخرة .

آتي بمثل : لو أن طالبا تصور إما باجتهاده الشخصي ، أو بكلمة ألقيت في أذنه ؛ أن الأستاذ قبل الامتحان ، إنْ قدّمت له هدية ثمينة ، يعطيك الأسئلة هذا التصور ماذا يقابله ؟ إلغاء الدراسة ، فيمضي هذا الطالب عامه الدراسي كله مع أصدقائه في التنزهات ، في السينمات ، اعتماداً على تصور ؛ أن الأسئلة يأخذها ، ويقرأ أجوبتها ليلاً ، فينجح ، فلما طرق باب المعلم ، ومعه الهدية الثمينة من أجل أن يعطيه الأسئلة فوجئ هذا الطالب أن الأستاذ صفعه على وجهه صفعة قاسية وطرده ، نقول : هذا الطالب كان ضحية التصور الخاطئ ، فلو أن الطالب كان تصوره صحيحا ؛ أن الأستاذ نزيه ، والامتحان نزيه ، والتصحيح دقيق ، ولا بد من أن يدرس ، فدرس ، الأول أخطأ في التصور ، فخسر العام الدراسي ، والثاني أصاب في التصور ، فربح العام الدراسي ، وعلى وسّع هذا المثل .

أحيانا يتصور إنسان إذا غش الناس يربح ، وفاته أن الله له بالمرصاد ، يغش الناس ، يسلب الله منه لبّه وعقله ، فيرتكب حماقة كبيرة جداً في مخالفة الأنظمة ، فتصادر أمواله كلها ، كل الذي جمعه من الغش دفعه في ثانية واحدة ، هذه المصادرة ، وهذا الإيقاع المؤلم لثروته بسبب غشه ، فلو تصور أن الغاش سوف يعاقب في الدنيا ما غش الناس .

صدقوا أيها الإخوة ، هذا الدرس يدور مع الناس جميعاً ، في كل شؤون حياتهم ، يتصور أنه إذا فعل كذا اغتنى ، لكنه فعل كذا بمعصية ، يتصور أن المعصية أحياناً قد تقوده إلى ربح وفير ، وفاته أن لكل معصية عقاباً ، وفاته أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح ، وأن تطيعه وتخسر .

4 – مشكلات الناس ناتجة من تصوّرٍ خاطئ :

أكاد أقول لكم : كل مشكلات الناس ناتجة من تصور خاطئ ، ناتجة من ضعف العقيدة ، ناتجة من ضعف التوحيد ، ناتجة من فهم ساذج ، لأنه حينما تؤمن أن لهذا الكون إلهاً ، وأنه يراقبنا ، وهو يربينا ، ويحاسبنا في الدنيا قبل الآخرة عندئذ تستقيم على أمر الله ، فإذا استقمت على أمر الله سلمت ، وسعدت .

مرة ثانية ما من تصور تتصوره في أي موضوع إلا وينتج عنه سلوك .

مثلاً : لو أن رجلاً حضر مجلس علم لإنسان معلوماته ضعيفة ، تحليلاته ضعيفة ، فقال : شفاعتي ، والحديث صحيح ، لكن له تفسير دقيق ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي )) .

[ الترمذي وأحمد ]

اطمأن ، وبدل أن يستقيم انحرف ، بدل أن يستقيم تفلت ، اعتماداً على مفهومٍ لشفاعة ساذج ، فحينما يأتي يوم الدين ، ويضعه الله عز وجل في حساب عسير ، وقد تتلى عليه الآية الكريمة :

 ( سورة الزمر)

تصوره عن الشفاعة التصور الخاطئ أوقعه في المعاصي والآثام ، ثم فوجئ أن هذه المعاصي والآثام لا بد من دفع ثمنها باهظاً .

أيها الإخوة الكرام ، هذا الدرس من دروس العقيدة ، ولكنه من أخطر دروس العقيدة ، إنسان يأكل مالاً حراماً ، ويظن نفسه متفوقاً ، ثم يتلف ماله .

إنسان يعتدي على كرامة الآخرين ، يضعه الله في موقف مهين ، فالذي امتلك تصورا صحيحا ، تصورا عن الإله صحيح ، أنه عادل ، أن لكل سيئة عقابا ، ولكل حسنة ثوابا ، أن المستقيم في مأمن من عذاب الله عز وجل ، الآن بعض النصوص :

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ ، فَقَالَ : (( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ، قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

( متفق عليه )

هذا الكلام كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي لا ينطق عن الهوى ، وفي بعض الأحاديث التي نقلت عن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال : << ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى انصرف منها >> .

فالمؤمن حينما يقول النبي شيئاً يفهمه ، ويوقن به ، ويطبقه ، فيسلم ، أما الذي يتوهم أن أكل أموال الناس بالباطل يعد ربحاً مغرياً ، ويجهل أن الله سيدمره ، لأن المال الحرام يذهب ، ويذهب بصاحبه ، وأن المال الحلال ينفق ، ولكن يبقى صاحبه موفور الكرامة .

أريد أن أقول : ما من خطأ يصيب الإنسان ، أو ما من مشكلة تصيب الإنسان ، أو ما من محنة تصيب الإنسان إلا بسبب خطأ في السلوك ناتج عن خطأ في التصور .

أحياناً يموت الأب ، ويترك أولادا ، أحد أولاده قوي ، أكبر أولاده ، وله سطوة على إخوته ، يأخذ الثروة كلها ، ويدع لأخوته الفتات ، ويظن أنه بحكم قوته وعمره ، وسيطرته وهيمنته ، هذا من حقه ، ولم يدخل الله في حساباته النتيجة .

والله سمعت قصصاً كثيرة ؛ أن هذه الثروة التي اغتصبها من إخوته ، وتمتع بها تذهب أدراج الرياح ، ويضطر أن يعمل محاسباً عند إخوته الذين حرمهم من هذه الثروة ، لو كان طالب علم لا يقدم على هذا العمل ، هناك حساب ، هناك متابعة ، هناك عقاب ، هناك تأديب ، هناك نتائج للعمل .

 لذلك أيها الإخوة ، اعتقد يقيناً أنه ما من مشكلة تصيب إنساناً إلا بسبب معصية ارتكبها ، دقق الآن ، وما من معصية ارتكبها إلا بتصور خاطئ ، لذلك فلنصحح تصوراتنا حتى تصح أعمالنا حتى نسلم ، ونسعد في الدنيا والآخرة .

طبعاً الأمثلة كثيرة جداً ، مثلاً : إنسان يتوهم أن هذا الرزق الوفير يأتيه من معصية ، يقول : ماذا نفعل ؟ نحن مضطرون ، عندنا أولاد ، فيرتكب هذه المعصية ليأخذ مالاً وفيراً ، فيمحق الله له ماله .

إنسان آخر موقن أن الاستقامة التامة هي سبب الربح ، فيرفض دخلاً فيه شبهة ، فيعوضه الله خيراً منه .

والله هناك مقولة أيها الإخوة ، والله أنا لا أرتوي من تردادها :

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

فلذلك التصور خطير جداً ، أنا أقول : تصور ، وأعني به العقيدة ، أنت ماذا تعتقد ؟ حينما تعتقد أن هذه المرأة ضعيفة الآن لا تعجبك ، تزوجتها ، وكنت فقيراً ، فقبلت بها ، وهي قبلت بك ، فلما أصبحت غنياً هي لا تعجبك ، فأهملتها ، وطلقتها ، وأنت تظن أنك سوف تسعد بامرأة أخرى ، حق هذه المرأة الضعيفة التي طلقتها ، وأنت ظالم في تطليقها لن يذهب عند الله ، سوف تحاسب عليه ، لذلك بقدر ما تخاف الله تكون عاقلاً ، وبقدر ما تقف عند حدوده تكون فقيهاً ، بقدر ما تدخل محاسبة الله في حساباتك اليومية تكون ذكياً وعاقلاً .

 

Text Box: أخطر الأعمال التي لها أثر مستقبلي :

 

أيها الإخوة الكرام ، أحيانا يأكل الإنسان ، لكن هذا الأكل قد يكون نفيسا ، قد يكون رخيصا ، قد يكون خشنا ، قد يكون رائعا جداً ، لكن بعد حين انتهى الطعام ، وانتهت لذة الطعام ، وامتلأ البطن ، وشعرت بالشبع ، نوع الطعام ما له أثر مستقبلي ، أكلنا ، والحمد له ، لكن أحياناً الإنسان يرتكب عملا ، هذا العمل له أثر مستقبلي ، هذا أخطر شيء .

مثلاً : الإنسان اعتدى ، هذا العدوان سوف يجر له مشكلة كبيرة ، أخطر الأعمال التي لها أثر مستقبلي ، كإنسان جلس في حوض الحمام ، شعر براحة ، ارتاح ربع ساعة ، لكن ما ليس هناك أثر مستقبلي ، أما إذا قرأ الإنسان باباً في العلم فانتفع به الآن إلى نهاية الحياة ، كلما عرض له موضوع متعلق بهذا الحديث وقف في جانب الطاعة لله ، فسلم ، وسعد .

فرق بين عمل طارئ ، عمل عارض ، عمل ليس له علاقة بالمستقبل ، وبين عمل قد يسبب لك متاعب ، قد يسبب لك عقابا من الله ، قد يسبب لك فقراً ، قد يسبب لك إهانة ، قد يسبب لك ذلاً ، قد يسبب لك علاقة مع أهلك سيئة ، قد يسبب لك علاقة مع أولادك سيئة ، فكل عمل خاطئ وراءه تصور خاطئ ، والعمل الخاطئ الذي وراءه تصور خاطئ له أثر مستقبلي ، قال تعالى :

 (سورة الشورى)

أيها الإخوة ، إنسان تصور أن الله غفور رحيم ، هذا التصور صحيح ؟ صحيح ، وغير صحيح ، صحيح هو غفور رحيم ، لكن متى ؟ قال تعالى :

 ( سورة النحل )

 ( سورة الحجر)

( سورة البقرة)

 (سورة الزمر)

 

Text Box: استنبِطوا التصورات الصحيحة حين قراءة القرآن :

 

أيها الإخوة ، حينما تقرأ القرآن يجب أن تستنبط منه تصوراً صحيحاً .

بعض الأمثلة ، قال تعالى :

 (سورة الجاثية)

نقول : في الآخرة ، فالآخرة شيء بديهي ، دعك من الآخرة في الدنيا ، قال تعالى :

 (سورة الجاثية)

يأتي إنسان يقبل على عمل فيه شبهة ، فيه معصية ، فيه حرمة ، ودخله كبير ، يطمع بهذا الدخل أن يعيش حياة ناعمة ، أن يقتني بيتاً مريحاً ، ومركبة فارهة ، أن يختار زوجة بارعة الجمال ، ثم يفاجأ أن هذا المال دمر ، وأن هذا الزواج لم ينجح ، والعمل ما نجح ، والسكن ما نجح ، لماذا يتعظ بعد فوات الأوان ؟ لو أنه قرأ القرآن ، وهذا القرآن أدى له تصورا صحيحا ، فما عصى الله عز وجل ، لذلك المؤمن يرضى بدخل محدود حلال لا  شبهة فيه ، ويركل بقدمه دخلاً فلكياً في شبهة ، المؤمن حياته بطولة ، المؤمن رقم صعب ، المؤمن لا يباع ولا يشترى  ، كلمة ( لا ) داخلة في حياته اليومية ، قال تعالى :

 ( سورة يوسف)

شاب غير متزوج ، غريب ، تأمره سيدته ، وهي بارعة الجمال ، وليس في صالحها أن تفضح نفسها ، وكل شيء مهيأ ، ] قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [ .

طبعاً القصص في هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى .

أيها الإخوة ، يلقون بعض الوقائع على مسامعي هي مصداق لِمَا أقول في هذا المعنى ، دخلٌ غير مشروع اركله بقدمك ، وقل : (( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .

أحد إخوتنا الكرام عنده مركبة جيدة ، استأجرتها شركة كبيرة جداً من اليابان برقم فلكي ، هو مهمته أن ينقل الموظفين من دائرتهم إلى بيوتهم ، في أثناء الانتقال يأخذونه إلى بعض المحلات ليشتروا حاجاتهم ، لمح مرة أنهم يشترون الخمر ، هو خاف من الله أن تستخدم هذه المركبة لنقل شراب حرمه الله عز وجل ، فقدم اعتذاره عن متابعة العمل ، ودخْلُه عشرة أضعاف دخل الناس العاديين ، من أجل هذه الشركة الكبيرة ، فلما رفض ، ووضع هذا الدخل الكبير تحت قدمه اعتماداً على أن الله عز وجل لا ينساه ما الذي حصل ؟ شيء لا يصدق ، بدل أن يرفضوه يأتيهم مئة إنسان ، بدل عنه بهذا الدخل الكبير ومركباتهم أرقى ، تمسكوا به ، ومنعوا موظفيهم أن يقتنوا هذا المشروب إذا ركبوا معه ، ثم وثقوا منه ثقة بالغة ، سلموه مفاتيح بيوتهم إذا عادوا إلى بلادهم ، أعطوهم مركباتهم الفخمة ليرعاها في غيبتهم ، سبحان الله ، (( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .

    أيها الإخوة الكرام ،  تتصور إنسانا أحيانا من أجل شهادة يلغي دروس العلم ، لو تصور تصورًا صحيحا ؛ أنك إذا طلبت العلم سوف توفق في دراستك ، المشكلة أن تضيع الدنيا والآخرة معاً ، لذلك أي إنسان آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، وأي إنسان آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .

مثلاً : الله عز وجل قال :

 ( سورة البقرة)

الزنا حد الاقتراب منه صحبة الأراذل ، الاقتراب منه الخلوة بامرأة أجنبية ، الاقتراب منه إطلاق البصر ، الاقتراب منه أن تمشي بطريق موبوء بكاسيات عاريات ، الاقتراب منه أن تقرأ شيئاً مثيراً ، أو أن تشاهد شيئاً مثيراً ، هذا كله اقتراب منه ، فإذا ما صدق إنسان كلام الله عز وجل ، وكان تصوره غيرَ صحيح يقول : أنا إرادتي قوية ، فاقترب من حدود الله ، يفاجأُ أنه وصل إلى الفاحشة ، لأنه ما صدق الله عز وجل ، ولم يكن تصوره صحيحاً ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ )) .

[ الترمذي ]

البطولة أن كل آية تقرأها ، وأن كل حديث تقرأه ينبغي أن تستنبط منه تصورا يكون إضاءة لك لكل شؤون حياتك ، المال الحرام يذهب ، ويذهب معه أهله ، والمال الحلال يبقى .

 

Text Box: الواقع الموضوعي ينبئ بالتصورات الصحيحة وغير الصحيحة :

 

والله أعرف شخصاً يعمل في سلك يمكن أن يحقق منه دخل فلكي ، أقسم لي بالله قال : أنا أمضيت في هذا السلك أربعين عاماً ، ما أكلت درهماً واحداً حراماً ، أنا تتبعت حياته فوجدت أنه عاش تسعين سنة في بحبوحة ، وبصحة جيدة ، أولاده أمامه ، وكل ولد الله يسر له عملا ، وله مكانة اجتماعية ، والسلك نفسه فيه إنسان مد يده للحرام ، وبنى ثروة كبيرة جداً على غذاء الناس ، وابتزاز أموالهم ، والله انتهى نهاية شهد الله لا يرضاها الإنسان لعدوه ، أقول : يا رب ، لو يعلم الناس قوانين الله عز وجل .

التقيت مع إنسان قال لي : أنا عمري ست وتسعون سنة ، أجريت البارحة تحاليل كاملة ، قال لي : كلها طبيعية ، قال : والله يا أستاذ ، الحرام لا أعرفه ، لا حرام النساء ، ولا حرام المال .

التقيت مع إنسان في بلد إسلامي قال لي : أنا كنت أعمل عتالاً في سوق الخضرة ، الآن هو من أكبر تجار الخضراوات في ذلك البلد ، عنده خمسون أسطول شاحنة براد للفواكه ، قال : والله ما فاتني في حياتي فرض صلاة ، ولا أكلت قرشاً حراما .

أيها الإخوة الكرام ، لو تعرفوا قوانين الله عز وجل ، لو تعرفوها ترون التوفيق والحفظ والتأييد ، والنصر ، إياك أن تقترب من الحرام ، الحرام  مدمر ، وكل إنسان يقترب منه ، ويأخذه عنده تصور خاطئ ، تصور المبلغ الكبير ، وكيف يستمع به ، وينفقه ، ويشتري به بيتاً جديداً ، يوسع بيته ، فإذا بالمال يذهب سدى ، ويبقى العقاب الأليم .

فلذلك أيها الإخوة ، ما من سلوك جيد ، أو سيئ إلا ووراءه تصور وعقيدة ، لذلك كانت هذه الدروس في العقيدة أخطر شيء في الدين ، فإن صحت عقيدتك صح عملك ، وسلمت ، وسعدت في الدنيا والآخرة ، وإن فسدت عقيدتك فسد عملك ، فشقيت في الدنيا والآخرة .

مثلاً : كلمة ( الله غفور ) يجب أن يكون التصور الصحيح أن الله يغفر الذنوب بعد أن تؤمن ، وبعد أن تتوب ، وبعد أن تصحح الخطأ السابق ، قال تعالى :

 ( سورة النحل)

تصور آخر : قد يتصور الإنسان أنه إذا حج إلى بيت الله الحرام عاد من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، هذا حديث صحيح ، لكن لو لزم دروس العلم ، وتلقى العلم عن علماء كبار متمكنين ورعين لأنبؤوه أن حقوق العباد لا حج ، ولا مليون ركعة ، ولا صيام الدهر يلغيها ، حقوق العباد مبنية على المشاححة ، لكن حقوق الله مبنية على المسامحة .

حينما تتصور أن الله لا يغفر لك في الحج إلا ما كان بينك وبين الله ، وأن الله لا يغفر لك في الصيام إلا ما كان بينك وبينه ، وأن الله لا يغفر بالتوبة النصوح إلا ما كان بينك وبينه صح تصورك ، فأديت الحقوق لأصحابها ، بدل أن تقول : أنا حججت ، والله غفر لي ، هذا وهم وتصور خاطئ ، حقوق العباد لا تغفر إلا بالأداء والمسامحة .

أحياناً تتصور أن هذا الشيخ أفتى لي ، إن شاء الله برقبته ، لا ، لو استطعت أن تنتزع من فم سيد الخلق وحبيب الحق فتوى نطق بها بفمه الشريف نطق بها ، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله ، هذا التصور الصحيح ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا )) .

[ البخاري]

أنا أمام أمثلة كثيرة جداً ، أحياناً تتصور مفهوم الشفاعة تصور خاطئ هذا التصور الخاطئ يدفعك إلى ارتكاب المعاصي اعتماداً على شفاعة النبي لك يوم القيامة ، أحياناً تتصور المغفرة أن الله غفور رحيم ، يا رب اغفر لي ، بلا ثمن ، بلا سبب ، قال تعالى :

 ( سورة الزمر)

لكن :

 ( سورة الزمر)

Text Box: تصورات غير صحيحة في العبادات :

 

هذا التصور الصحيح ، لذلك أيها الإخوة ، مفهوم الحج يحتاج إلى تصور صحيح ، قضية أنه أنا ذهبت إلى هناك ، أم عقدت توبة نصوحا في الحج ، قضية العمرة يجب أن تملك لها تصورا صحيحا ، قضية الصلاة ، أنا صليت ، لكن هل صلاتك حجزتك عن الحرام ، ونهتك عن الفحشاء والمنكر ؟ هل الصلاة عند الله مقبولة ؟ يجب أن تملك التصور الصحيح للصلاة والزكاة والحج والصيام والشهادة أن لا إله إلا الله .

مثلاً : هناك وهم : يكفي أن تنطق بالشهادة للجنة ، لا ، أبداً ، ليس هذا صحيحاً ، (( أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ قالُوا : المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ )) .

[ البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ] .

يجب أن تملك تصورا صحيحا عن الصلاة .

الصيام : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) .

[البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ]

يجب أن تملك تصوراً صحيحاً عن الحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ؛ قال الله عز وجل : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك )) .

[ رواه الشيرازي وأبو مطيع عن عمر ] .

إنفاق المال يجب أن تملك عنه تصورا صحيحا ، قال تعالى :

 

 ( سورة التوبة )

Text Box: الإسلام بناء شامل متكامل :

 

نجاحنا أيها الإخوة ، فلاحنا ، سعادتنا ، سلامتنا ، تألقنا أن نملك تصورا صحيحا عن الدين ، وقد يكون التصور خطيرا جداً ، الدين يختصر عنده بأداء الصلاة والصيام والحج والزكاة ، لكن بيته غير إسلامي ، احتفالاته غير إسلامية ، عقد قرانه غير إسلامي ، عمله فيه  غش ، عمله فيه مادة محرمة ، عمله فيه كذب ، عمله فيه احتيال ، عمله فيه احتكار ، هذه مشكلة المسلمين الأولى ، يتصورون الدين أن تصلي الصلاة ، هذه أحد أركان الدين ، والخمسة أركان ليست هي الدين ، (( بني الإسلام على خمس )) .

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

الإسلام بناء هذه أركان الإسلام ، الإسلام بناء أخلاقي ، الإسلام استقامة ، الإسلام عفة ، الإسلام ورع ، الإسلام أمانة ، المسلم إذا حدثك فهو صادق ، إذا عاملك فهو أمين ، إذا استثيرت شهوته ، فهو عفيف .

إن خطأ المسلمين في التصور جعلهم في مؤخرة الأمم ، فهموا الدين عبادات شكلية فقط ، يضع المصحف في مركبته ، وفي عيونه يبحلق في محاسن النساء ، والمصحف للبركة ، يكتب في محله التجاري : ] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًاً مُبِيناً [ ، وفيه غش وكذب ، واحتيال ومادة محرمة ، وصفقة محرمة ، هذه المشكلة ، تصور خاطئ عن الدين ، فما لم يكن التصور صحيحا لم تكن هناك استقامة .

مثلاً : مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تعصيه وتربح ، ومستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، هذه حقيقة ، إن كان عندك هذا التصور تركل بقدمك مبلغا فلكيا ، لأنه حرام ، وتقبل بمبلغ محدود لأنه حلال .

من التصور الخاطئ أنك تريد امرأة جميلة بارعة الجمال ، لا يهمك دينها ، تقبل عليها وتتزوجها ، تعيش معها جحيماً لا يطاق ، لأنك ما صدقت رسول الله ، (( فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) .

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

هناك تصور خاطئ : يتصور أن المرأة البارعة تسعده ، تسعدك امرأة تعرف الله مؤمنة ، ترعى حقك وحق أولادك .

الدرس واسع جداً ، المسلمون مع الأسف الشديد يملكون تصورا خاطئا عن حقيقة دينهم ، تصوروه ديناً شعائرياً ، دينك بعيادتك ، دينك بمكتبك الهندسي ، دينك بدكانك ، دينك بمعملك ، دينك بحقلك ، يضع مادة مسرطنة تكبر حجم الفاكهة ، وهو يصلي ، العمل يتناقض مع الصلاة ، هذه مادة مسرطنة ، أنت تؤذي الناس ، مستشفى فيه أدوية مضى على انتهاء صلاحيتها خمس سنوات ، وأدوية يمكن أن تصيب المريض بالموت المفاجئ ، وهناك ثلاث حالات موت ، والمستشفى له جو ديني ، تدخل فتقرأ : ] وَإِذَا مَرِضَتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ ، والأدوية التي تستخدمها مضى على انتهاء صلاحيتها خمس سنوات ، وهناك حالات وفاة شيء مخيف ، فلما فصل المسلمون دينهم عن سلوكهم فهموا الدين شعائر ، ما فهموه سلوكا ، فهموا الدين أداء عبادات شعائرية ، ما فهموه ورعا ، ولا دقة في المعاملة .\

 

Text Box: من قوانين الحياة المعقَّدة :

 

أيها الإخوة الكرام ، الحياة معقدة جداً ، في الحياة المعقدة يمكن أن تستنبط قوانين ، أن الإنسان إذا كذب يربح ، أحياناً يشتري قماشا من بلد غير جيد في الصناعة ، يحضر شريطا ذهبيا كتب عليه : صنع في إنكلترا ، بالمكواة يثبته على القماش ، يظن حاله ذكيا ، تأتي امرأة فيبيعها قماشا على أنه قماش من أرقى دولة ، سعره عشرة أضعاف بهذه الحاشية التي وضعها هو بنفسه على القماش ، يظن نفسه ذكيا ، تأتي الجمارك فيدفعونه سبعمئة ألف مثلاً ، من أين أتت المشكلة ؟ لأنه تصور أن الله لا يعلم ، ولن يحاسب والله يعلم ، ويحاسب .

أيها الإخوة ، دققوا في تصوراتكم ، فأيّ تصور خاطئ معه سلوك خاطئ .

Text Box: من شواهد سير الصحابة في صحة التصور :

 

مع سيدنا كعب بن مالك :

أيها الإخوة ، كشاهد من السيرة حول صحة التصور :

أحد الصحابة ، وهو سيدنا كعب تخلف عن رسول الله في الجهاد ، حينما عاد النبي من تبوك حضره همه ، ماذا يقول له ؟ يقول عن نفسه : أنا أوتيت جدلاً ، بالتعبير المعاصر عنده قوة إقناع ، وهذه ملَكة كبيرة في الإنسان ، هناك إنسان يقنعك بأفكاره ، مع أن أفكاره غير صحيحة ، لكن عنده قوة إقناع قوية جداً ، فلما اقترب النبي من المدينة وقع هذا الصحابي في صراع شديد ، يكذب عليه ، يقدر أن يعطيه تعبيرا أو تفسيرا أو وقائع يقتنع النبي بها ، لكن الذي حصل أنه يملك تصورا صحيحا ، قال : لقد أوتيت جدلاً ، ولأن خرجت من سخطه ليوشكن الله أن يسخطه علي ، قال : فأجمعت صدقه ، تصوره أن هناك إلها ، مهما كنت ذكياً فالله عز وجل بالمرصاد ، أنا أوتيت جدلاً ، أوتيت قوة إقناع ، بإمكاني أن أذكر له قصة لم تكن مقنعة ، فيقول : معك حق ، انتهى الأمر ، فلما عاد النبي عليه الصلاة والسلام ، واستقبل الذين تخلفوا عنه ثمانين رجلاً ، وكل واحد أدى عذرا رائعا ، والنبي قبِل أعذارهم ، هم منافقون تخلفوا في الجهاد ، فلما جاء النبي استقبلوه ، وذكروا له أعذاراً مقنعة ، وقبِل النبي أعذارهم ، جاء دور سيدنا كعب قال : والله يا رسول الله ، ما كنت في حالة أقوى ولا أشد ، ولا أغنى حينما تخلفت عنك ، لكن لا عذر لي ، كان مني تقصير ، النبي لماح قال : أما هذا فقد صدق ، ثمانون رجلا كذبوا ، والقصة معروفة ، كيف الصحابة بأمر إلهي حاربوهم ، وصاروا بالقمم ، قال تعالى :

 ( سورة التوبة)

قال : والله لقد أوتيت جدلاً ، إن خرجت منه بهذا الجدل ليوشكن الله أن يسخطه علي ، هذا التوحيد .

 

Text Box: صحة التصور أساسها التوحيد :

 

أيها الإخوة ، صدقوا أن صحة التصور أساسها التوحيد ، الله لا يغفل ، كل شيء بحسابه ، أعرابي سأل النبي موعظة بإيجاز شديد ، قال : عظني ، ولا تطل ، تلا عليه النبي فقرة من سورة ، قال : ] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [  ، قال : كفيت .

إذاً : البطولة أن تملك تصوراً صحيحاً ، أن الله بيده كل شيء ، هو المعطي ، هو المانع ، هو الرافع ، هو الخافض ، هو المعز ، هو المذل ، هو الموفق ، هو الحافظ ، هو الناصر ، هو كل شيء ، عليك أن تطيعه ، لذلك :

 ( سورة الزمر)

لك مهمة واحدة ؛ أن تعبده ، وعلى الله الباقي ، لا تقلق على هذا الدين ، إنه دين الله ، اقلق على نفسك ما إذا سمح لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له .

 

Text Box: الموضوع العلمي : الحكمة من تذكية الذبيحة :

 

أيها الإخوة الكرام ، تعودنا أن نعالج موضوعاً في الإعجاز العلمي ، لكن دائماً نحن إذا قرأنا آية قرآنية فيها إعجاز نقول : هذه إعجاز ، لكن في الحديث الشريف قد يكون فيه ما يشبه الإعجاز ، لكن نسميه نحن من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام .

النبي عليه الصلاة والسلام  وجهنا إن ذبحنا الدابة أن نذبحها من أوداجها فقط ، دون أن يقطع رأسها ، حديث شريف ليس في الأرض كلها لا في مشارقها ، ولا في مغاربها مركز علمي متقدم بإمكانه أن يحلل ، ويبين حكمة هذا التوجيه ، نبي أمي نشأ في الصحراء ، يقول لنا : لا تقطعوا رأس الذبيحة ، اقطعوا أوداجها فقط ، مضى مئة عام ، مئتا عام ، خمسمئة عام ، ألف عام ، ألف وثلاثمئة عام ، ألف وأربعمئة عام ، وليس في الأرض كلها جهة علمية يمكن أن تفسر هذا التوجيه إلا قبل عقدين من الزمن ، فقد ثبت أن قلب الإنسان العضو النبيل التي تتوقف الحياة على نبضاته ، لأنه عضو نبيل وخطير جداً ، لا يتلقى أمراً بالنبض من الشبكة العامة ، بل يتلقى أمراً بالنبض من مركز فيه مستقل عن الشبكة العامة في مركز كهربائي القلب يعطي أمراً بالنبض ، إذا تعطل هذا المركز فهناك مركز آخر ، إن تعطل الثاني هناك مركز ثالث ، ثلاث بطاريات ، والإنسان قد يصاب بإضراب بالنبض ، فيضعون له بطارية بقلبه ، لاضطراب بالنبض ، هذا القلب ينبض ثمانين نبضة بأمر ذاتي ، لكن هذه النبضات لا تزيد على الثمانين ، لكن الإنسان ، قال تعالى :

 ( سورة التين)

هناك آلية معقدة ، يمشي الإنسان في الطريق ، فوجد ثعبانا ، صورة الثعبان انطبعت على شبكية العين إحساساً ، فانتقلت إلى الدماغ مركز الرؤية ، هناك ملفات للثعبان ، درس العلوم ، سمع قصتين أو ثلاثا ، سمع من جدته قصة أن الثعبان في بيت عربي دخل إلى متحف ، فوجد بعض الثعابين مصبّرة عنده لما صورة الثعابين انتقلت من الشبكية إلى الدماغ في الدماغ ، قرأت قراءة في ضوء ملفات الثعابين ، الدماغ ملك الجهاز العصبي أدرك الخطر ، فأعطى أمر لملكة الجهاز الهرموني ، الغدة النخامية عندها وزير داخلية اسمه الكظر ، فوق الكلية ، أعطت له أمرا أن يواجه الخطر ، الكظر أعطى أمرا للقلب فرفع النبض مئة وثمانين ، ارتفاع النبض مئة وثمانين من أين يأتي ؟ يأتي بدءاً من الدماغ إلى الغدة النخامية إلى الكظر إلى القلب ، إنسان يكون وراءه عدو ، أو يصعد درجا ، أو يحمل حملا ثقيلا يحتاج إلى طاقة أكبر ، الطاقة الأكبر تحتاج إلى دم أغزر ، والدم الأغزر يحتاج إلى سير أسرع ، والسير الأسرع يحتاج إلى نبض أعلى ، هذا شأن الإنسان .

الأمر الذاتي للقلب ذاته ثمانون نبضة ، أما الأمر الاستثنائي فمئة وثمانون ، يأتي من الدماغ للكظر للدماغ للنخامية للكظر للقلب ، ومعظم الحيوانات التي نعيش معها لها النظام نفسه .

هذا الخروف إن قطعت رأسه كلياً يبقى الأمر النظامي ثمانين نبضة ، مهمة القلب بعد الذبح إخراج الدم ، وثمانون ضربة لا تكفي لإخراج الدم كله ، يخرج ربعه ، فتبقى الدابة زرقاء مكتنزة ، يصعب نضجها ، أما لما تقطع الأوداج فقط فيبقى الرأس متصلا ، الآن أنت سمحت للآلية المعقدة الثانية أن تعمل ، من الرأس للنخامية للكظر نبض القلب مئة وثمانون نبضة ، الدم كله يخرج ، عندئذ تسمى هذه الدابة دابة مذكّاة ، يعني خرج دمها كله ، إذاً : قال تعالى :

 ( سورة النجم)

لي صديق ذهب إلى بلاد بعيدة ليشتري لحماً ، بمهمة رسمية ، فلما طالبهم بذبح على الطريقة الإسلامية رفعوا السعر ، هذه الدابة فيها ثمانية كيلو دم ، فإذا ذبحنا على طريقتكم نخسر هذا الوزن ، إذاً : هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام .

 

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi