English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : العقيدة والإعجاز ـ (13)  : الأحد  02  / 12 / 2007 ـ التطابق والتوافق بين منهج الله وفطرة الإنسان ، تذكية الذبيحة  ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: التطابق بين منهج الله وفطرة الإنسان :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث عشر من دروس العقيدة والإعجاز ، وقد وصلنا في الدروس السابقة إلى موضوع الفطرة ، وإلى حقيقة الإنسان قبل أن يعرف الله عز وجل ، ولكن في هذا الدرس نحن في حاجة إلى بحث دقيق متعلق بالفطرة ، وهو هذا التطابق العجيب بين منهج الله وفطرة الإنسان ، وأن الإنسان إن لم يتبع منهج الله فما الذي يحصل ، وإن اتبعه فماذا يحصل ؟ هل هو تطابق أم تخالف ؟

 

1 – تشريعات الله متوافقة مع النفس البشرية :

 

أيها الإخوة ، كنت أضرب هذا المثل : لو جئنا بخارطة مجسمة ، ووضعنا حولها إطاراً ، وصببنا مادة سريعة التجمد ، وبعد التجمد فتحنا القالب عن شقه الآخر ، نرى تطابقا مئة في المئة على مستوى عُشر الميليمتر ، خارطة مجسمة ، والمادة أمامنا ، التطابق مئة في المئة ، أي أن أيّ شيء أمرَ الله به لو طبقته لارتاحت نفسك ، ولو خالفته لشعرت بالضيق ، فأنت من حيث خصائصك النفسية متوافق تماماً مئة بالمئة مع منهج الله .

 

2 – تطبيق أوامر الله راحة للنفس وسكينة لها :

 

حينما تصطلح مع الله بتطبيق منهجه تصطلح مع نفسك .

والله أيها الإخوة ، في نفس المؤمن المطبِّق لمنهج الله من الراحة النفسية ، من الطمأنينة ، من السكينة ، من الاستقرار ، من الرضى ، من الشعور بالفوز ، من صلاح البال ، ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، الدليل : قال تعالى :

 

( سورة الرعد الآية : 28 )

تطمئن .

أنت صادق ، والله يأمرك أن تكون صادقا .

أنت عفيف لا تتطلع على عورات المسلمين ، تغض البصر ، فإذا غضضت البصر عن امرأة لا تحل لك تشعر بانتصارك ، فأنت صاحب إرادة ، ولست عبداً لشهوتك ، أنت سيد لها .

حينما تقول الحق ولو كان مُراً تشعر بانتصارك على ذاتك ، وتشعر بعزة ، فكلما طبقت منهج الله شعرت بالتفوق .

 

3 – الإنسان مجبول على حب السلامة والسعادة والتفوق :

 

بالمناسبة أنت مجبول على حب سلامتك وعلى حب سعادتك ، وعلى حب التفوق .

سيدنا يوسف ، هذا النبي الكريم عدّ العلماء أكثر من عشرة أسباب تدعوه إلى الاستجابة لامرأة العزيز ، فهو شاب ، غريب ، غير متزوج ، تدعوه سيدته ، ليس من صالحها أن تقول كلمة ، هو معذور ، هذا الإنسان قال : معاذ الله ، كان عبداً ، فأصبح ملكاً ، ولو ـ افتراضاً ـ جمع شاب مع فتاة دعته إلى نفسها ، واستجاب لها لسقط في الوحل ، وانتهى ، ما الذي رفع هذا النبي الكريم إلى الأوج ؟ عفته .

 

4 – الفطرة تحب الخير :

 

الفطرة تحب العفة ، الفطرة تحب الصدق ، الفطرة تحب الوفاء ، الفطرة تحب الإحسان ، الفطرة تحب الرحمة ، أنت دون أن تشعر إن رأيت عملاً رحيماً تذوب فيه ، إن رأيت وفاءً ، إن رأيت صدقاً ، إن رأيت تضحية ، الذي يعجبك في الناس مطابق لفطرتك .

 والله أيها الإخوة ، لولا الفطرة لما تاب أحد من ذنبه ، يقول الإنسانُ : أي ذنب عملت ؟ لكن أشد الناس انحرافاً يعرف أنه منحرف ، فيتألم أحياناً ، ويندم ، ويبكي أحياناً ، أكبر معاونة لك من قِبل الله أنه فطرك فطرة عالية ، فإذا أخطأت عذبتك فطرتك ، للتوافق التام بين الفطرة ومنهج الله .

قد تجد إنسانا فقيرا ضئيل الشأن ، خشن الطعام ، خشن الثياب ، يسكن في بيت كأنه كوخ ، لكنه مستقيم ، رافع الرأس ، عزيز النفس ، متفائل ، واثق من الله عز وجل ، وقد تجد إنسانا يملك الملايين ، لكنه دنيء النفس ، يحتقر ذاته .

 

5 – بين احترامِ الذات واحتقارِها :

 

أيها الإخوة الكرام ، هناك مصطلح اسمه احترام الذات ، أو احتقار الذات ، قد تكون في أبهى زينة ، وقد تكون في أقوى موقع ، وقد تكون في أكبر ثروة ، لو أن فيك خيانة وكذبا ودجلا ونفاقا وتجميع الأموال من ابتزاز أموال  الناس ، ومن إدخال الرعب على قلوبهم ، فمثل هذا الإنسان منهار من الداخل ، يحتقر ذاته ، ومهما عظمه الناس ، مهما بجلوه ، مهما رفعوه ، مهما تأدبوا أمامه فهو يحتقر ذاته ، أما حينما يكون صادقاً أميناً ، لا يخون ، لا يكذب ، لا ينافق ، قد يكون ضئيل الشأن ، قد يكون من عامة الناس ، لكنه يشعر بعزة الكمال ، وعزة الاستقامة ، من هنا الدعاء الشريف :

(( ... وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ... )) .

[ أبو داود عن الحسن بن علي ]

 

6 – حبُّ الكمال من الفطرة ، والكمال من الصبغة :

 

يجب أن نعلم علم اليقين أنك مبرمج وموَلّف ومفطور ومجبول على الكمال ، وأن تحب الكمال لا يعني أن تكون كاملاً ، فحب الكمال شيء ، هذا فطرة ، وأن تكون كاملاً شيء آخر ، هذه صبغة ، الصبغة أن تصطبغ بالكمال الفطرة أن تحب الكمال ، أهل الأرض من دون استثناء يحبون الكمال ، وقد لا يعني هذا أنهم كاملون ، لكن المؤمنين حصراً الذين اتصلوا بالله عز وجل ، واستقاموا على أمره هم كُمَّلٌ ، اصطبغوا بالكمال ، هذا الكلام مفاده أن هناك تطابقاً مذهلاً بين أدق دقائق الشرع وجبلة الإنسان ، فأيّ إنسان أطاع الله عز وجل  نقول له : أنت اصطلحت مع نفسك .

أحياناً تلتقي مع إنسان شهم كريم عفيف ، يحس بعزة ، والله أقول له : كأنك ملِك .

إنّ رجلا أوصل أم سلمة من مكة إلى المدينة دون أن ينظر إليها ، يقود جملها ، وبعد مرحلة متعبة ينيخه ويبتعد ، التاريخ لا ينسى له هذا الموقف ، إنه رجل في عزة .

يا أيها الإخوة الكرام ، اعلم علم اليقين أن الله برمجك على كمال أمرك به ، فإن فعلت الكمال وجدت نفسك ، واصطلحت معها ، وارتحت راحة نفسية لو وزعت على أهل بلد لكفتهم .

 

7 – تطبيق مبادئ الفطرة السليمة طريق السعادة والفلاح :

 

الآن التوافق حينما تأتي أفعالك مطابقة لفطرتك ، حينما تصدق ، وقد أمرت أن تكون صادقاً ، حينما ترعى العهد ، وقد أمرت أن تفعل ذلك ، حينما ترحم ، وقد أمرت أن ترحم ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، تشعر بشيء لا يوصف ، تسميه تجليًّا ، أو سكينة ، أو رحمة ، أو رضى ، أو سرورا ، أو غنى ، فهو شعور بالغنى على شعور بالرضى ، وبالراحة ، وبالسكينة ، وبالتماسك ، وبقوة الشخصية ، وبرفع الرأس عالياً ، لأنك طبقت منهج الله أو وفي الوقت نفسه اصطلحت مع نفسك ، فصار الوفاق .

أيها الإخوة الكرام ، هل هناك رجلٌ واحد لا يبحث عن السعادة ؟ السعادة في طاعة الله ، وتطبيق مبادئ فطرتك ، السعادة في أن تصطلح مع الله ، وحينما تصطلح مع الله دون أن تشعر تصطلح مع نفسك ، حينما تصطلح مع نفسك دون أن تشعر تصطلح مع الله ، لأن منهج الله وخصائص نفسك متطابقان تطابقاً تاماً ، هذا أول قسم في الموضوع .

 

8 – تطبيق مبادئ الفطرة طريق العزة والكرامة :

 

القسم الثاني طبقت المنهج لا يستطيع أحد أن ينال منك ، هذا عز الطاعة ، قال تعالى :

 ( سورة يونس )

معي شواهد كثيرة :

أنت تحب أن تكون موظفا في الدرجة العاشرة ، تحب أن تكون كاتبا ، مراسلا ، عاملا على الهاتف ، تحب أن تكون رئيس دائرة ، أو معاون وزير ، تحب أن تكون مليونيرا ، تحب أن تكون مديوننيرا ، أنت عزيز ، كريم ، رحيم ، واثق من الله عز وجل ، فالتوافق يعني مؤمنا اصطلح مع نفسه ، يقول لك : مؤمن سعيد ، يقول لك : مؤمن قوي الشخصية ، مؤمن عزيز ، مؤمن متواضع ، مؤمن لا تأخذه في الله لومة لائم ، هذا التوافق .

 

9 – معظم الأمراض النفسية بسبب الخروج عن مبادئ الفطرة :

 

لا سمح الله ولا قدر التعارض انهيار داخلي ، اختلال توازن ، احتقار للذات ، شعور بالذنب ، كآبة ، إحباط ، ردود قاسية ، تصرف غير حكيم ، من نتائج عدم الانسجام مع النفس ، والعياذ بالله الذين يبنون مجدهم على أنقاض الناس ، أو غناهم على إفقار الناس ، أو قوتهم على إضعاف الناس ، أو عزهم على إذلال الناس ، هم أشقى الناس ، لأنهم اختل توازنهم ، فهم في قلق ، في خوف من المجهول ، في ردود فعل قاسية جداً ، ليس لهم حكمة أبداً ، هناك آلاف الشواهد ، الذي انسجم مع فطرته هادئ وديع ، الأمور عنده ميسرة ، حياته بسيطة غير معقدة ، كلامه لطيف ، أعصابه متينة ، حليم ، أما حينما يقف موقفا عنيفا بلا مبرر يكون فيه غليان داخلي ، واضطراب داخلي ، وقلق داخلي ، وخوف داخلي ، خوف من المجهول .

مِن أطرفِ ما سمعت في ألمانيا أن فندقا كُتِب على السرير : " إذا لم تَنَمْ هذه الليلة فالعلة ليست في فرشنا ، إنها وثيرة ، ولكنها في ذنوبك ، إنها كثيرة " .

إذا كان الإنسان مستقيما يقول لك : ما إن وضعت رأسي على الوسادة حتى غرقت في نوم عميق ، يقول : فلان نائم على ريش نعام ، لا ذنب له ، ما أكل مال أحد ، ما ظلم أحدا ، ما كذب على أحد ، ما نافق ، ما سبّب انهيار أسرة ، ما ابتز أموال الناس ، ما أخافهم ، ما أرهبهم ، نائم على ريش نعام ، والذي يبني مجده على أنقاض الناس ما إن يضع رأسه على الوسادة فتبدأ متاعبه ، يقول لك : إنسان ببذل الجهد يحس بضيق في الصدر ، هذا معه تضيّق ، وهناك أشخاص معهم تشنج ، في الراحة يشعر بضيق الصدر ، ينام ، ويقول : أنا ضائق الصدر ، معي شيء ليس طبيعيا ، لما كان النهار فهو مشغول بالعمل ، ولما آوى إلى الفراش استيقظت أمامه ذنوبه وأخطاءه فأقلقته ، فشعر بالضيق ، وأحياناً الشدة النفسية تضيق الأوعية ، يقول لك : ارتفاع ضغط تشنجي ، وارتفاع ضغط وعائي ، وأحيانا الوعاء تضعف مرونته من ترسب مواد دهنية حوله ، فالذي معه تضيق حقيقي يظهر هذا الألم على الحركة ، والذي عنده ذنوب كثيرة يظهر هذا الألم عند النوم ، لأنه حينما يأوي إلى الفراش بدأ يحاسب نفسه ، بدأت فطرته تعذبه ، ما الذي يحصل ؟ الذي يحصل أن الإنسان إذا خالف منهج الله وخرج عن مبادئ فطرته ، وأساء للخلق ، ابتز أموالهم ، اغتصب بيتا ، اغتصب شركة ، اغتصب حقوق موظف عنده ، هو قوي ، ولفّق له تهمة ، وطرده ، وما أعطاه تعويضا ، وله معه مبالغ ضخمة متراكمة ، قال له : ما لك عندي شيء ، وقال له : أنت خنتني ، والموظفون يسكتون لأنهم يخافون منه ، أما هو في أعماق أعماقه اعتدى عليه ، وأكل ماله ، وشوه سمعته ، وطرده ، فترى صاحب هذه المؤسسة عنده قلق ، عنده قلق من المجهول ، عنده خوف من لا شيء ، عنده قسوة غير معقولة ، عنده ردود فعل قاسية جداً ، لأن حدث له اختلال توازن ، وشرخ عميق ، واحتقار للذات ، وشعور بالذنب وكآبة .

صدقوا أيها الإخوة الكرام ، تكاد تكون معظم الأمراض النفسية وراء خروج على مبادئ الفطرة .

نحن درسْنا في الجامعة في علم النفس أو في الصحة النفسية مرضا اسمه : ( الهستيريا ) ، طبعاً باللغة الدارجة تستخدم لرجل مختل التوازن مجنون مهستر ، أما في المصطلح العلمي الهستيريا شلل لأسباب ليست عضوية ، ولكنها نفسية .

 

Text Box: قصصٌ مِن واقع الناس في اختلال التوازن :

 

القصة الأولى :

تُروى قصة في بريطانية ؛ أن إنسانا مريضا استدعى طبيبا عنده فتاة جميلة جداً ، هذا الطبيب خان الأمانة ، وتحرش بالفتاة ، فأصيبت يده بالشلل ، شعوره بالذنب أنه إنسان عمله إنساني ، جاء إلى بيت ليسعف مريضا أغرته هذه الفتاة فتحرش بها ، واليد التي تحرش بها شلت ، هذا المرض شلل عضوي لأسباب ليست عضوية ، ولكنها نفسية ، لا حل له إلا أن يعمل عملاً بطولياً حتى ينسى هذه الخيانة .

القصة الثانية :

حدثني أخ من بلد مجاور أن إنسانا أرسل ابنه إلى البقالية الساعة الثانية في الليل بمنطقة في شمال بيروت ، فإذا سيارة مسرعة دهسته ، ومات فوراً ، لكن في الساعة الثانية ما لم يكن هناك شرطة ولا شهود ولا أحد ، كتبت هذه الحادثة ضد مجهول ، والذي دهسه نجا من كل مسؤولية ، أول يوم ما قدر أن ينام أبداً ، ثاني يوم ما نام ، مضى عشرون يوما ما نام لحظة ، التقى مع طبيب نفسي ، قال له : لن تستطيع النوم ، نفسك تعذبك ، طفل مثل الوردة دهسه ، وخاف من المسؤولية فهرب ، لكن هناك حساب النفس ، قال : ليس هناك حل ثانٍ إلا أن ترسل لأهل هذا الطفل الذي كنت سبباً في موته الدية ، ولتكن مجزية من أجل أن تنام .

والله أيها الإخوة ، إذا ما انتبه إنسان لنفسه يُعذَّب عذابًا لو أخطأ ، لو أكل حقوق الناس ، لو طلق زوجته ظالماً ، أنا والله لا أرى أكثر حمقًا ممن يستهين بمحاسبة النفس ، حتى إنه أقيم استبيان ، ووزعوه على مئة زوج ، لماذا لا تخون زوجتك ؟ جاءت الأجوبة وصنفت تصنيفا أخلاقيا : أدنى الأجوبة : لا أستطيع ، لأنها معه في العمل ، هناك جواب أرقى : لا أتحمل الشعور بالذنب ، الخيانة ذنب كبير ، وأرقى من هذا : لا أحب الخيانة .

 

Text Box: من نتائج اختلال التوازن النفسي في الإنسان :

 

اختلال التوازن النفسي سبب للتعلُّقِ بالعقائد الفاسدة :

 

أيها الإخوة ، لما يختل توازنُ الإنسان يلجأ إلى ما يلي : إلى التعلق بعقيدة فاسدة ، فأيّ فكر يغطي انحراف الإنسان ، ويعفيه من المسؤولية يتشبث به ، فإذا قدّم الرجلُ بضاعة مغشوشة للمسلمين ، بضاعة غذائية ، حليبا مضافا إليه الماء ، هو في قرية ما عنده ثقافة ، عنده مشكلة في الداخل ، حضر درس علم ، الموضوع عن الشفاعة ، يطرب لهذا البحث طربا أيّما طربٍ :

(( شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي )) .

[ الترمذي عن أنس ]

أمّن نفسَه ، لأنه تعلق بهذا الموضوع غير الصحيح ، الحديث صحيح ، لكن الشفاعة لها بحث طويل ودقيق ، وقد يفهمها الناس فهماً ساذجاً ، قال تعالى :

 

 ( سورة الزمر )

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا ، فَعَمَّ وَخَصَّ ، فَقَالَ :

(( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا )) .

[ مسلم ]

(( وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ )) .

[ مسلم عن أبي هريرة ]

لكن الذي ألقى هذا الكلام في المسجد ضعيف المعلومات ، ما عنده إمكانية أن يحلل ، فأوهم الناس أن أيّ إنسان يشفع له النبي ، ويغفر الله له ذنوبه ، والإنسان الذي يغش الناس تمسك بهذا الحديث ، وتعلق بهذا الدرس ، ورواه لمئة إنسان ، هل سمعت ما قال الشيخ ؟ ما هذا الدين العظيم ! لأنه غطى له انحرافه ، ولما يخالف الإنسان فطرته يتعلق بأي نص ضعيف ، بأي فكرة غير صحيحة ، بأي تفسير ضعيف ، بأي رأي شاذ ، بأي فتوى ضعيفة ، حتى يرتاح .

كنت أقول دائماً : يمكن أن تصدق فكرة ليست صحيحة ، ولا تبحث عن الدليل إطلاقاً ، كمثل إنسان أراد أن يشتري سيارة ، وله صديق آخر أراد أن يشتري سيارة ، الآخر اشترى ، والأول ما اشترى ، بعد يومين سرت إشاعة في البلد أن ثمة مشروع قانون أو مرسومًا بتخفيض الرسوم خمسون بالمئة ، رسوم السيارة مئتا ألف صار مئة ، الذي اشترى يكذب ، ويقول : هذا غير صحيح ، سمعناها مليون مرة ، ولم يحدث شيء ، كله كذب ، التكذيب يريحه ، والذي ما اشترى يقول : أعوذ بالله ، كيف يكون هذا كذبا ؟! البلد بحاجة إلى تخفيض رسوم ، أنا واثق أن الكلام صحيح . فلا الأول طالب بالدليل ، ولا الثاني ، لكن الأول أزعجه الخبر ، فدافع عن نفسه بتكذيبه ، والثاني أراحه الخبر ، فتشبث به ، فأيّ إنسان ينحرف بأخلاقه وسلوكه دون أن يشعر يتعلق بأي فكرة دينية ضعيفة غير صحية ، لأنها تريحه .

شارب الخمر يفتح القرآن فيقرأ قول الله عز وجل :

 ( سورة المائدة ) .

يقول : الله ما حرمه ، بل قال : ] فَاجْتَنِبُوهُ [ ، هذا أمر إرشادي ، هات آية الخمر فيها حرام ؟ صار الإنسان فقيها ، لأنه قال : ] فَاجْتَنِبُوهُ [ ارتاح ، إذاً : الخمر ليس حراما .

إنّ أيّ إنسان ينحرف يأكل الربا ، ويقول : الله ما حرم الربا إلا بأضعاف مضاعفة ، الدليل :

 ( سورة آل عمران ) .

فأنا آخذ بالمئة خمسة .

 لما ينحرف الإنسان ، ويختل توازنه ، وينكشف أمام نفسه يحاول أن يعيد التوازن بتعلقه برأيٍ شاذٍّ ، بفتوى ضعيفة ، باستنباط شخصي ، برأي منحرف يتمسك به .

لذلك اسمعوا هذه الحقيقة ، أنا لا أوافق أبداً أن يظهر على الشاشة ملحد مع مسلم ، الملحد يدلي بأدلة على أن الإله غير موجود ، الذي عنده رغبة أن يكون ملحدا يعجبه الدليل ، ولا يصغي للرد إطلاقاً ، ويسمع عشرات الملايين الكلام الباطل ، هذه مشكلة كبيرة ، لذلك لا تقبل أن تكون طرفا في مناظرة ، ولو كنت أقوى من الطرف الآخر ، لكن الذي يعجبه اتجاه الطرف الأول يأخذ أدلته على أنها يقينية ، ويتمسك بها .

أول ظاهرة من ظواهر اختلال التوازن التعلق بعقيدة زائغة .

 

الطعن في الصالحين :

 

والظاهرة الثانية الطعن في الصالحين : هو غير مستقيم ، يقول لك : لا أحد مستقيم .

مرة سألت طالبا : أين وظيفتك ؟ قال : لسنا كاتبين كلنا يا أستاذ ، قلت له : أنت كم واحد ؟ إذا قال : لست كاتبا لها ، فهو وحيد ، إذا قال : لسنا  كاتبين يريد أن يوسع الغلط حتى يرتاح .

لو كنت عالم نفس ترى ردود فعل الناس عندما يرتكبون المعاصي والآثام ، وحينما يسألون تسمع أشياء مضحكة ، يقول لك : لولا أن المرأة لها أن تظهر مفاتنها ، وهذا شيء شرعي لما كان من موجبٍ لغض البصر ، شيء جميل ، هذا فقه جديد ، إذا كان له زوجة متفلتة تبرز كل مفاتنها للناس ، يفكر لماذا هناك غض بصر ، لأنه مسموح للمرأة أن تبرز كل مفاتنها ، إذاً : غُضَّ بصرك !!!

والذي يحب المال يقول : الله عز وجل جعل الزكاة فرضا من أجل أن نكون أغنياء ، فإن كنا فقراء فقد عطّلنا هذه الفريضة !!! يا الله ، لو أن إنسانا خالف منهج الله عز وجل  تخرج منه أفكار غير معقولة إطلاقاً .

مرة قال لي إنسان : النصب مقرَّرٌ في القرآن ، ما هذا الكلام ؟ قال : قال تعالى :

] فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [ .

شيء عجيب أيها الإخوة ، حينما تخالف فطرتك ، حينما تخالف منهج ربك أول شيء تتعلق عقائد زائغة ، وبأحكام باطلة ، وفتاوى شاذة ، وآراء فقهية ضعيفة .

والشيء الثانية : تطعن في الصالحين ، وكلّ إنسان مهما تألق ، مهما ارتقى عند الله ، مهما أخلص ، مهما أناب ، مهما تواضع فله مآرب ، يقول : لا تعرفون شيئًا ، يشكّك بكل شيء ، وصدّق هذا شيطان ، يشكك بأي إنسان ، لا يصدق إنسانا مستقيما ، ولا إنسانا يخاف من الله ، تريدون دليل :

 ( سورة المؤمنون) .

اتُّهِم نبي كريم أن دعوته من أجل الاستعلاء والهيمنة .

أول شيء : الطعن في الصالحين .

الشيء الثاني : التعلق بعقائد زائغة .

 

Text Box: الحلّ لمشكلة اختلال التوازن :

 

هل هناك حل حقيقي لاختلال التوازن ؟

أن تتوب إلى الله ، الخطأ تب منه ، ترجع سويا .

عندنا ثلاثة حلول ، حل سوي صحيح يرضي الله ، أن تعود إلى الصواب ، وأن تقبل بالصواب ، وأن تتوب إلى الله ، وأن ترجع إليه ، فإن كان فيك توازن مختل يُرَمَّم ، أو كآبة تزول ، أو حاجة إلى طبيب نفسي تنتهي هذه الحالة ، أو وساوس ترتاح منها ، أو شعور بالانهيار يرمم هذا الشعور بالتوبة ، بالصلح مع الله ، أما أن تقيم على هذه المعصية فلا بد من أن تفكر تفكيرا آخر ، فتشكّ بكل إنسان ، لأن الذي يشك هو غير مستقيم .

 

Text Box: تذكية الذبيحة :

 

أيها الإخوة الكرام ، ننتقل إلى موضوع علمي عنوانه : تذكية الذبيحة .

 

1 – عدمُ قطع رأس الذبيحة حكمةٌ بليغة :

 

النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا نذكي الذبيحة ، أيْ أن نجعل دمها يخرج منها كله ، عن طريق أنه نهانا عن أن نقطع رأسها ، بل أمرنا أن نقطع أوداجها فقط ، لماذا ؟ لا نعرف ، الأمر بقطع أوداج ومعظم مسالخ العالم تعلق الدابة من رجليها ، ويقطع رأسها ، فلا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، ولا بعد مئة عام ، ولا بعد مئتي عام ، ولا بعد خمسمئة عام ، ولا بعد ألف عام ، ولا بعد ألف وأربعمئة عام هناك جهة في الأرض تستطيع أن تفسر هذا الأمر .

شيء ثابت عندكم جميعاً أن توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ليست من اجتهاده ، ولا من خبرته ، ولا من بيئته ، ولا من معطيات عصره ، ولا من ثقافته ، إن هي إلى وحي يوحى .

 

2 – التعليل العلمي لعدم قطع رأس الذبيحة :

 

لماذا أمرنا أن نقطع أوداجها فقط ، والمسلمون في شتى بقاع الأرض الذبح عندهم دون قطع رأس الدابة ، بل يبقى موصولاً ، التعليل العلمي :

لأن القلب أنبل أعضاء الإنسان ، ولأنه إذا توقف انتهت حياة الإنسان ، ولأنه من أعضائه النبيلة جعل الله له مركزاً كهربائياً يعطيه الأمر بالنبض ، فالقلب ما له علاقة بالشبكة العامة ، له علاقة بكهرباء ذاتية ، تماماً كمستشفى تجرى فيها عمليات قلب مفتوح ، والمريض حينما يفتح صدره توصل أوعيته بقلب صناعي ، ويخدر القلب ، ويجرى فيه العمل الجراحي ، بعد أن ينتهي هذا العمل يصعق القلب صعقة كهربائية فينبض ، ويعود الدم من القلب الصناعي إلى القلب الطبيعي ، لو أن الكهرباء قطعت في هذه المستشفى لتوقف القلب الصناعي ومات المريض ، إذاً : أي مستشفى فيها عمل جراحي تحتاج إلى مولّدة خاصة .

القلب البشري يتوقف حياة الإنسان على نبضه ، لذلك الله عز وجل زوده بمركز كهربائي ذاتي يعطي الأمر بالنبض ، لو تعطل هذا المركز فهناك مركز ثانٍ ، لو تعطل الثاني فهناك مركز ثالث ، ثلاثة مراكز ، الأول هو الأصل ، والثاني والثالث هما الاحتياط ، إلا أن هذه المراكز الثلاثة لا تعطي إلا الأمر النظامي ثمانين ضربة في الدقيقة ، والإنسان قد يكون حاملا لأثقال ، يصعد درجا عاليا فيحتاج إلى نبض أعلى ، يحتاج إلى مئة وثمانين نبضة ، القلب ينبض من ثمانين الحد الأدنى إلى مئة وثمانين نبضة ، كيف ينتقل القلب للنبض العالي ؟

 

Text Box: آليةُ النبض الاستثنائي عند الإنسان :

 

هناك آلية معقدة جداً أوضحها لكم عند الإنسان ، بعدها ننتقل إلى الدابة ، إذا مشى الإنسان في بستان ، ورأى أفعى ماذا يحدث ؟ صورة هذا الثعبان تنطبع على شبكية العين إحساساً ، إلا أن الشبكية لا تقرأ الصورة ، ثم تنتقل للدماغ إدراكاً ، في الدماغ مفهومات الثعبان ، هذه جمعت من دراسته ، من قصص سمعها ، درس في كتاب العلوم درساً عن الأفاعي والثعابين ، ساهمت هذه المعلومات في تكوين الأفعى ، الدماغ يدرك حقيقة هذا الشيء ، الدماغ ملِكُ الجهاز العصبي ، أدرك الدماغ أن هناك خطراً قاتلاً ، هناك ملكة هي ملكة الجهاز الهرموني ، الغدة النخامية ملكة ، وزنها نصف غرام ، تفرز تسعة هرمونات ، كل هرمون لو تعطل إفرازه لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، ملك الجهاز العصبي يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني أن تواجه عن طريق ضابط اتصال هو تحت السرير البصري خطرَ الأفعى ، هذه الملكة توجه أمراً هرمونياً إلى غدة الكظر ، وهي غدة فوق الكلية كي تواجه الخطر ، ماذا تفعل غدة الكظر ؟ هي مكلفة بمواجهة الخطر ، ترسل أول أمر إلى القلب برفع النبض من ثمانين نبضة إلى مئة وثمانين نبضة ليواجه الخطر ، فالخائف لو قست نبضه لوجدتَه مئة وسبعين أو مئة وثمانين ، ولأن هناك علاقة بين القلب والرئتين فلا بد للرئتين أن يرتفع وجيبُهما ، لذلك هناك أمر ثانٍ يتجه من الكظر للرئتين ، فيزداد وجيب الرئتين ، فالخائف يلهث ، الخائف عنده أوعية محيطية ، هذه الأوعية تعطيه اللون الوردي ، فهو خائف في هذه اللحظة الحرجة ، ولا يحتاج للون وردي أبداً ، يحتاج للنجاة ، لذلك يأتي أمر هرموني للأوعية المحيطية فتضيق لمعتها ، فيصفر لونه ، فالخائف يصفر لونه ، مثل الكهرباء أصفر ، ثم الكظر يرسل أمرا للكبد بطرح كمية سكر إضافية للدم ، لو فحصت دم خائف لوجدت سكره مئة وثمانين أو مئتين وخمسين ، الأحوال الطبيعية خمسة وثمانين ، السكر طاقة يحتاج إلى بذل جهد ، وهناك أمر خامس هو طرح هرمون التجلط ، هذا يتم في ثوانٍ ، أمر للقلب ، أمر للرئتين ، أمر للأوعية ، أمر للكبد ، الآن القلب ينبض مئة وثمانين نبضة .

 

Text Box: آليةُ النبض الاستثنائي عند الحيوان :

 

الآن ننتقل إلى الدابة ، نفس الجهاز ، نفس الآلية ، لما نقطع رأسها نعطل الأمر الاستثنائي لرفع النبض ، لأن الرأس إذا بقي الرأس موصولاً فالأمر الاستثنائي جاهز ، فحينما نذبح الدابة يرتفع النبض مئة وثمانين نبضة ، وجميع الدم يخرج ، ولو كان الرأس مقطوعا  كان النبض ثمانين نبضة ، فيخرج ربع الدم فقط ، والدم مكان لكل الجراثيم والأوبئة والأمراض ، لذلك الدابة لا تذكَّى إلا بإخراج دمها ، ولا يخرج دمها إلا إذا بقي الرأس موصولاً  ، مَن علم النبي ذلك ؟

 

 ( سورة النجم )

 

هذا يندرج تحت دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام  .

لكن أيها الإخوة الكرام ، حدثني صديق ذهب إلى بلاد بعيدة ليشتري اللحم صفقة للحكومة السورية ، لما طلب الذبح بهذه الطريقة رفعوا السعر  ، فكان جوابهم : البقرة فيها ثمانية كيلوات من الدم  ، لو ذبحناها بهذه الطريقة لخرج الدم  ، وينقص الوزن ثمانية كيلو  ، ادفع لنا ثمانية كيلو زيادة بكل دابة ، القضية واضحة ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمرنا لا نقطع رأس الدابة من أجل أن يكون دمها كله خارجاً منها عند الذبح .

 

Text Box: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى

 

إذاً : هو رسول الله  ، لم يستنبط هذا التوجيه لا من ثقافته  ، ولا من معطيات بيئته  ، ولا من اجتهاده .

 ( سورة النجم )

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi