English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "02"  من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة : مفهوم الإيمان"2" ، للدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس الثاني من دروس العقيدة ، وكان محور الدرس الأول مفهوم الإيمان ولازلنا في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى .

أيها الإخوة الكرام : الصحابة الكرام أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا جميعاً عدولاً فيما نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لذلك يعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم والعصر الذي تلاه عصر التابعين ، والعصر الذي تلا عصر التابعين هي العصور الثلاثة التي تعد عصوراً زاهية في تاريخ المسلمين ، لذلك هذه القرون الثلاثة كما قال عليه الصلاة والسلام : (( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) .

هؤلاء فهموا القرآن الكريم وفهموا توجيهات النبي عليه أتم الصلاة والتسليم الفهم الصحيح ، ولا يعقل أن يأتي أناس في آخر الزمان فيفهمون عكس فهمهم ، فلذلك نحن فيما نختلف فيه أحياناً نعود إلى فهم الصحابة الكرام لما جاء في القرآن الكريم ، ونعود إلى فهم الصحابة الكرام لما جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أيها الإخوة الكرام : الموقف الأول من مواقف الإيمان : اتباع النبي عليه أتم الصلاة والتسليم ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة آل عمران الآية : 31 ) .

والصحابي الأول الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم  : ((ما طلعت شمس بعد نبي أفضل من أبي بكر )) .

هذا قال : (( إنما أنا متبع ولست بمبتدع)) .

[ أخرجه ابن سعد عن عروة ] .

بل إن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول :

( سورة الأنعام الآية : 50 ) .

وأمره أن يقول :

( سورة الأنعام الآية : 50 ) .

وأمره أن يقول :

وأمره أن يقول :

( سورة الجن الآية : 21 ) .

وأمره أن يقول :

( سورة يونس الآية : 49 ) .

فكلما عظم المنهج صغر الشخص ، وكلما كبر الشخص صغر المنهج ، فنحن معنا منهج من الله عز وجل ، هو الكتاب والسنة ، فأعظم إنسان في حياة المسلمين ، } إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ { ،  وأمرنا أن نتبعه ، إذاً إتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان، الإيمان أن تتبع النبي العدنان .

الآن مرحلة ثانية : علينا أن نتبع أصحابه الكرام الذين فهموا عنه أعلى فهم  وكانوا عدولاً في النقل عن رسولهم وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى :

( سورة النساء ) .

إذاً ما أجمعت عليه الأمة أحد مصادر التشريع ، لقول النبي عليه الصلاة   والسلام : (( لا تجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ )) .

[ رواه الطبراني عن أبي نضرة الغفاري ] .

لذلك يعد من العقيدة الإسلامية أن نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم  معصوم بمفرده ، لأن الله عصمه ، ولأن الله أمرنا أن نأخذ عنه ، فكيف نأخذ عن غير المعصوم  مستحيل ، عصمه وأمرنا أن نأخذ عنه ، فهو لا يخطئ لا في أقواله ، ولا في أفعاله ، ولا في إقراره ، ولا في مواقفه ، ولا في صفاته ، معصوم نأخذ عنه ما أمزنا وننتهي عما عنه نهانا ثم يقول الله عز وجل :

( سورة النور الآية : 54 ) .

الآن دقق لمَ لم يقول قل أطيعوا الله ورسوله ، فرق كبير بين أطيعوا الله ورسوله وبين ، (( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول )) ، يعني النبي عليه الصلاة والسلام  يطاع استقلالاً   من دون أن تربط أنره بآية ، يطاع استقلالاً ، لأن الله سبحانه وتعالى جعل كليات الدين في القرآن وأوكل إلى النبي عليه الصلاة والسلام تفاصيل الدين ، فهو مشرع ، الشرع يستقى من كتاب الله ويستقى من حديث رسول الله الصحيح ، ثم يقول الله عز وجل :

( سورة الأنعام ) .

الحق واحد لا يتعدد ، أبداً ، أما الباطل متعدد ، لذلك أتت كلمة الصراط مفردة وأتت كلمة السبل المنحرفة جمعاً .

( سورة المائدة الآية : 16 ) .

جمع وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ  ، الحق لا يتعدد أبداً  فإذا توهمت أن الحق متعدد فالحق واحد وما سواه باطل ، لكن توهمت أن الثاني هو حق  الحق لا يتعدد ، وينهانا الله عز وجل أن نختلف ، قال :

( سورة آل عمران ) .

إخواننا الكرام : عندنا اختلاف طبيعي حينما تقل المعلومات ، اختلاف نقص المعلومات ، وهذا اختلاف طبيعي ، لا محمود ولا مذموم وصاحبه معذور ، لكن هناك اختلاف قذر ، بعد أن تأتي الحقائق ، وبعد أن تتوضح معالم هذا الدين من يختلف فهو في نفسه مرض .

( سورة الشورى الآية : 14 )

كتابنا واحد ، ونبينا واحد ، وإلهنا واحد ، والجنة حق ، والنار حق ، والآخرة حق ، ونختلف ؟ هذا اختلاف مصالح واختلاف أهواء واختلاف حظوظ ، وهذا الاختلاف يعد من أكبر المعاصي ، }وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ { .

( سورة الأنعام الآية : 159 ) .

لذلك أي إنسان يحاول أن يشق صفوف المسلمين ، وأن يقيم الفرقة بينهم ، مهما ادعى لهذا الشق وتلك التفرقة من أهداف براقة ، } إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ { .

أيها الإخوة : علامة إخلاصك أنك تنتمي إلى مجموع المؤمنين ، وعلامة ضعف إخلاصك أنك تنتمي إلى فقاعة صغيرة ، لا شك أن للأخ الكريم مسجد ، شيء طبيعي ، لكن انتماءه لمجموع المؤمنين ، لا شك أن لكل واحد منا أم يحبها ويقدسها أحياناً لكن لا يستطيع أن يبخس أمهات الآخرين ، يعني نحن تماماً كمدارس منهجها واحد ، وكتابها واحد ، والمدرسون في هذه المدارس لهم أساليب متنوعة في نقل هذه المعرفة للطلاب .

إذاً أبرز ما في الإيمان الإتباع ، في حقل الإيمان ما في تفرد ، ولا في شذوذ  ولا في أراء شخصية ، (إنما أنا متبع ولست بمبتدع ) ، لأن الدين من عند الله ، لأنه توقيفي، والإله كامل في وحيه ، وكامل في تكليف النبي أن يشرح هذا القرآن الكريم ، فلذلك الدين لا يحتمل خطأ أبداً .

 

( سورة المائدة الآية : 3 ) .

الدين لا يحتمل خطأ ، فإما أن نعتقد جازمين وهذا من لوازم الإيمان أن القرآن كله حق ، وأن حديث رسول الله الصحيح حق ، وأن هذين المصدرين معصومان من الخطأ   هذا هو الإيمان ، أنا في موضوع مفاهيم الإيمان .

أول مفاهيم الإيمان الاعتقاد بعصمة مصدري هذا الدين الكتاب والسنة   الصحيحة ، وثاني حقيقة من لوازم الإيمان إتباع الكتاب والسنة .

ففي صحيح الترمذي عن العرباض بن سارية قال : ((وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ الله كَأَنّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا فقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَالسّمْعِ وَالطّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيّا فَإِنّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً ، فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي)) .

ومعنى سنتي يعني أقوال النبي وأفعاله وإقراره وصفاته .

((فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا ، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجذ وَإِيّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُور ِ، فَإِنّ كُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكلّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة)) .

وقال بن مسعود : (من كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ) .

يعني الصحابي الذي مات وقد رضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم  هذا مأمون من أن نفتن بأقواله ، أما الحي قد يخطئ ، وقد يجتهد ، وترون وتسمعون كم من كتاب صدر وفيه من الضلالات ما لا تعد ولا تحصى ، فالأحياء يفتنون ، أو يتوهمون ، أو تأتيهم ضغوط ، أو تأتيهم إغراءات ، فكأن هذا الصحابي الجليل أدرك أن الشيء الذي مات عليه النبي هو السنة ، أما المفتوح لغير المعصوم مظنة خطأ ، مفتوح لغير معصوم .

أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوباً وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه .

((إن الله اختارني واختار لي أصحابا )) .

[ عن أنس رضي الله عنه ] .

 

ألئك قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم   لذلك : ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا )) .

[ أخرجه الطبراني عن ابن مسعود ] .

مما يقتضيه الإيمان أن تكف لسانك عن أن تخوض فيما يتناقله الناس ، أو فيما يتوهمه الإنسان من أخطاء بعض الصحابة .

وقال عمر : السنة ما سنه الله ورسوله ، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة .

السنة ما سنه الله ورسوله ، أنت لاحظ هناك مشكلات كثيرة جداً يعاني منها المسلمون ، الصحابة الكرام هذه الموضوعات ما طرقوها أبداً ، ولنضرب على ذلك مثل خلق القرآن ، هل بحث أصحاب النبي عليهم رضوان الله بموضوع خلق القرآن ، كم كانت فتنة عمياء في العصور العباسية حينما جاء من يقول إن القرآن مخلوق ، هذا الموضوع بأكمله ما بحثه أصحاب رسول الله إطلاقاً .

وقال بعض الصحابة : لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر ، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر ، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً ، ولا في السنة أثراً فاجتهد برأيه ثم قال : هذا رأي فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ، وأستغفر الله .

الإمام أحمد بن حنبل جاءه وفد من المغرب ومعه 33 سؤالاً ، أجاب عن 17  سئل والباقي ؟ قال لا أعلم ، قال الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ؟ قال قولوا لهم الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم .

كلما كنت أكثر إيماناً وأكثر ورعاً تتهيب أن تقحم نفسك في موضوع لم تحط به علماً ، لا تملك له دليلاً ، فكلمة لا أدري وسام شرف لطالب العلم ، وهذا الذي يتوهم أنه يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً .

إذاً : من لوازم الإيمان الإتباع ، إتباع من ؟ إتباع المعصوم فيما أمر والانتهاء عما عنه نهى وزجر ، ثم إتباع أصحابه الذين شهد لهم بالفضل ، ((فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا ، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجذ )) .

ومن نواقض الإيمان : الاختلاف .

الشيء الذي ينبغي أن يذكر في موضوع مفهوم الإيمان أن الدين واحد ، الدين لا يتعدد أبداً ، الدين أن تخضع لله ، الدين أن تطيع الله ، الدين أن تصدق بوحي الله ، الدين أن تكون محسناً ، فالدين لا يتغير أبداً ، لكن الشرائع تتغير ، فالشريعة التي جاء بها موسى غير الشريعة التي جاء بها عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وغير الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم ، الشرائع متعلقة بالتطور ، ومتعلقة بتعقب الحياة الاجتماعية ، الدين واحد والشرائع متبدلة .

( سورة آل عمران الآية : 19 ) .

بالمعنى الواسع أن تستسلم لله عز وجل ، أن تخضع له ، أن تطيعه ، أن تحبه     } إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ { ، } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا { ، لذلك أيها الإخوة هذا الإيمان الذي محور هذا الدين العظيم له خصائص ، من خصائصه أنك إذا كنت مخلصاً وهديت إلى الحق بتوفيق الله عز وجل تشعر أن الحق لا يتعدد ولا يمكن أن يتعدد الحق .

 

( سورة آل عمران الآية : 85 ) .

لكن :

( سورة المائدة الآية : 48 ) .

الشرعة والمنهج تتغير بتغير الأزمان ، من نبي إلى آخر ، بينما الدين هو عند الله الإسلام ، } وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ { ، يضاف إلى ذلك أنه ما من نبي في القرآن الكريم إلا وصف بأنه مسلم ، بمفهوم الإسلام الواسع ، الاستسلام لله عز وجل  والأنبياء أخوة أمهات شتى ودينهم واحد ، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه .

من لوازم الإيمان أن يبتعد عن الغلو وعن التقصير .

 

( سورة النساء الآية : 171 ) .

أن يبتعد عن الغلو وعن التقصير ، الغلو في الدين ؛ يعني أن تأخذ فرعاً من فروع الدين وتجعله أصلاً ، أو أن تأخذ قضية جزئية وتجعلها قضية كبرى ، أو أن تأخذ فصلاً وتجعله كتاباً ، هذا هو الغلو ، والغلو في الدين سبب تفرقة المسلمين ، يعني كل إنسان يعتز بما عنده من الدين ، ويزدري الفروع الأخرى ، ويرى أن الدين كله هو اختصاصه  فهذه مشكلة كبيرة ، هذه توقع الأمة في أزمات ، وتوقع في مشادات ، وفي خصومات   وتفتت شمل الأمة ، وتضعف قوتها وتذهب بريحها ، فلا نغلو ولا نقصر .

مضطر أن أضرب هذا المثل ، خطيب في هذه البلدة صعد المنبر وقال : من يصرف مئة ليرة فقد أكل الربا ، كيف ؟ لأن النبي قال : (( يدا بيد وسواء بسواء )) ، فهذه المئة لير قطعة واحدة ، استبدلها بأربعة قطع .

هذا غلو في الدين ما أنزل الله به من سلطان ، وصار هناك مشادة في هذا المسجد ، يعني أوقعت الناس جميعاً في الربا ، هذا غلو ، وهناك أمثلة كثيرة جداً ، يعني الإنسان حينما يغالي و يريد أن يزدري دون أن يشعر ، لا تبالغ ، لا تغالي إن هذا الدين يسر  إن الله رفع عن هذه الأمة الحرج ، إن الله رفع عن أمة سيدنا محمد الحرج ، فحينما تأخذ الأمور بتشدد لا يحتمل ، وبقسوة لا تقبل ، وبفهم ضيق جداً ، يعني مثلاً النبي قال : البنت إذنها صمتها ، إذا جاءك خاطب وعرضته على ابنتك فسكتت ، فإذنها صمتها ، في بعض المذاهب التي فيها غلو ، لو أنها قال يا أبتِ أنا أوافق على الزواج من هذا الشاب ، شاب جيد فيما أعلم ، العقد باطل ، لأنها تكلمت ، أبلغ من السكوت كلامها ، قبل منها السكوت فقط   فإن تكلمت فكلامها أبلغ .

فتوى طُلِب مني البارحة أن أجيب عنها ، أنه أنشئ صندوق عافية في محافظة  هذا عمل طيب ، لكن في علماء قال لا يجوز ، لأن المريض لم يُملك المال ، والله شيء عجيب ‍، طيب الإسلام ألا يجيز أن يوكل الإنسان إنساناً لدفع زكاة ماله ؟ يجوز ، فلو وكل صندوق العافية بإنفاق زكاة المسلمين ، ثم إن الصندوق وكّل المريض بأن يعطي الأجرة للمستشفى ، انتهت العملية .

أيام تشعر أن قضية الغلو في الدين عقبة أمام قبول الدين ، هؤلاء المتشددون بلا مبرر ، المتشددون بلا نص ، أو بلا فهم مرن للنص ، هؤلاء عبء على الأمة ، يعني أحياناً خمس أشخاص يجتمعون يدفع كل إنسان ألف لير بالشهر يعطوا أول شهر لفلان خمسة آلاف عنده مشكلة يحلها ، قال هذه حرام ، والله لا أشعر أن هذه فيها حرمة إطلاقاً ، لا فيها زيادة  ولا فيها ربا ، ولا فيها حظ ، عبارة عن تعاون ، فالأشياء المألوفة جداً التي ليس فيها شبهة إطلاقاً ، ولا تخالف أي نص فقهي ، حينما نحرمها نكون قد غلونا .

( سورة المائدة الآية : 77 ) .

ويوجد غلو أخطر بكثير والعياذ بالله ، الزكاة فقط على الذهب والفضة لأن النص هكذا ، والذي عنده عشرين مليون دولار ، ما في عليه زكاة ، لأن هذا ورق ، ألغيت الزكاة بهذه الطريقة ، يعني هناك فهم والعياذ بالله لا يقبل إطلاقاً ، فلذلك الإيمان بين الغلو وبين التقصير ، التساهل ، عدم التدقيق ، عدم الورع ، عدم التطبيق ، } قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ { .

( سورة المائدة ) .

على موضوع الغلو والتقصير في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن عبادته في السر .

((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنّي )) .

} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ { ، لا تغلو ولا تقصروا ، طبعاً هناك أمثلة كثيرة جداً على الغلو في الدين ، لكن أبرز ما في هذه الأمثلة أن تأخذ فرعاً صغيراً من فروع الدين وتجعله أصلاً من أصوله ، وتقاتل من أجله .

ومن خصائص هذا الدين العظيم : أن هذا الإيمان ينبغي أن يبتعد عن التشبيه والتعطيل فالله سبحانه وتعالى قال :

( سورة الشورى الآية : 11 ) .

كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، وبالمناسبة قال : } وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ {، إذا أثبت الله لذاته العلية السمع والبصر أنت لا ينبغي أن تنفي عن الله السمع والبصر ، لا تعطل ولا تشبه ، لذلك في بالقرآن الكريم بعض الآيات القليلة التي تتحدث عن ذات الله عز وجل ، نحن بين أن نفوض إلى الله معناه ، أربع خمس آيات ، ليس غير ، بين أن نفوض لله معناها ، يعني لها معنى يليق بكمال الله ، أو أن نؤوّلها تأويلاً يليق بتأويل كماله أيضاً ، لكن ممنوع أن نشبه الذات العلية بشيء أخر ، وممنوع أن نعطل صفة أثبتها الله لذاته ، لذلك نحن فيما يتعلق بالذات الإلهية لا نستطيع أن نضيف على القرآن ولا على السنة شيئاً ، نكتفي بما وصف الله ذاته العلية وبما وصفه النبي ، أما أن نخترع صفات ما أنزل الله بها من سلطان هذا يتناقض مع مفهوم الإيمان .

شيء آخر : أنا أعطيكم الخطوط العريضة لخصائص الإيمان ، الدين واحد والشرائع متعددة  الآن الغلو منهي عنه ، والتقصير منهي عنه ، تعطيل صفات أثبتها الله لذاته منهي عنها  وتشبيه الذات الإلهية ، يعني مرة واحد قال إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا كما أنزل أنا ، هذا شيء والعياذ بالله ، لا تشبه ولا تعطل ، وابتعد عن أن تشبه ، أو عن أن تعطل ، واكتفي بما وصف الله صفاته العلية ، والأكمل أن تفوض لله معنى هذه الآيات التي لا تزيد عن أصابع اليد المتعلقة بالذات الإلهية ، العقل البشري لا يستطيع أن يحيط بالله عز وجل ، يصل إليه ولا يحيط به .

الآن من لوازم الإيمان ، ومفهومات الإيمان : ألا تعتقد أن الله أجبرك على أعمالك إطلاقاً ، إذا اعتقدت بالجبر فعقيدتك فاسدة ، لأنك إذا اعتقدت بالجبر ألغيت الجنة والنار والثواب والعقاب ، ما ذنب هذا الذي أجبر على معصية في الدنيا أن يستحق جهنم ، ما له ذنب ، فالذي يعتقد أن الله أجبر عباده على فعل المعاصي من يعتقد هذا فهو فاسد العقيدة   الله عز وجل يقول :

( سورة الأعراف ) .

( سورة الكهف ) .

( سورة الإنسان ) .

( سورة البقرة الآية : 148 ) .

( سورة الأنعام ) .

يعتقد المؤمن الصادق أن أفعاله مبعثها من اختياره ، وأن فعلها من الله عز وجل الفعل فعل الله ، والباعث من اختيارك أنت ، وهذا معنى قوله تعالى :

( سورة البقرة الآية : 286 ) .

الفعل فعل الله ، والاختيار اختيار الإنسان ، وأنت محاسب على اختيارك ، لأنك لو اخترت الحق والطريق الصحيح لأعانك الله عليه وهذا من قوله تعالى :

( سورة الفاتحة ) .

أما إذا أصررت على عمل سيء لأنك مخير فإذا أصررت عليه يمكنك الله منه من دون أن يكون على حساب أحد إطلاقاً ، المفهوم الصحيح للإيمان بين الأمن وبين اليأس يعني أن تعبد الله رغباً ورهباً ، أن ترجو رحمته ، وأن تخشى عذابه ، أي يكون في قلبك محبة وخوف وتعظيم ، الإنسان لا يتحرك بالخوف فقط ، كما أنه لا ينبغي أن يفهم الدين على أن الله سبحانه وتعالى لن يعذب أحداً ، هؤلاء موجودون ، يعني حسن ظن بالله غير صحيح  يعني نهى الله عنه ، إنسان غرق بالمعاصي ، يعني إنسان تارك الصلاة كلياً ، ماله كله حرام، شارب خمر ، يموت ، تراه ابنته بالمنام وجهه يطف نور ، هذا كلام غلط كبير بين أن تكون ساذجاً فتفهم أن الله لن يعذب أحداً ، مع أن الله عز وجل يقول :

 

( سورة الحجر ) .

وبين أن تيأس من رحمة الله .

( سورة الزمر الآية : 53 ) .

أن تعبده راجياً ، وأن تعبده خائفاً ، أن تعبده راغباً وأن تعبده راهباً ، رغباً ورهباً ، راجياً وخائفاً ، أن تذكر رحمته وأن تذكر عذابه ، يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ، قال أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني وأحب من أجبني ، وحببني إلى خلقي ، قال يا ربي إنك تعلم أنني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال ذكرهم بآلائي ونمائي وبلائي ، ذكرهم بآلائي كي يعظموني  وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، أي لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن محبة وخوف وتعظيم ، هكذا الإيمان ، خوف ورجاء ، أمل وخشية ، طمع برحمة الله وخوف من عقابه ، وهذا كلام للدعاة ، لا تجعل الخطبة كلها جهنم والنار والثعابين ، طول بالك ، وكل الحياة جنة ، والله غفور رحيم ، وافعل ما بدا لك ، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي  أيضاً غلط ، ينبغي أن توازن بين تخويف الناس بالنصوص والأدلة ، وبين تطمينهم بالنصوص والأدلة ، وكأن الخطيين ينبغي أن يتلازما في الدعوة إلى الله عز وجل .

بين الأمن واليأس ـ بين الجبر وعدم الجبر ـ بين التشبيه والتعطيل ـ بين الغلو والتقصير ـ والدين واحد ـ والشرائع مختلفة .

أيها الإخوة : إن شاء الله مفهومات الإيمان دقيقة جداً وسوف نأتي على موضوعات دقيقة جداً من موضوعات العقيدة ، وأنا أقول وأكرر أن أخطر شيء في هذا الدين هو العقيدة إن صحت صح العمل ، وما من انحراف في سلوك المسلم إلا بسبب ضعف في عقيدته أو خطأ في عقيدته يا ضعف يا في خطأ ، فلو صحت العقيدة صح العمل ، والعقيدة ميزان ، والخطأ في الميزان لا يصحح ، بينما الخطأ في السلوك يصحح ، وزن الخطأ في الميزان لا يصحح  بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر ، فأفضل ألف مرة أن يكون الخطأ في السلوك من أن يكون الخطأ في العقيدة .

وأرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذه الدروس في دروس قادمة .

و الحمد لله رب العالمين

 

Copyright © 2007 Nabulsi