English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "09"  من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة : نواقض الإسلام "2"، للدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس التاسع من دروس العقيدة ، وقد كان موضوع الدرس الماضي نواقض الإسلام ، و تحدثت بفضل الله تعالى عن أن الشرك أول ناقض للإسلام ، وهو أنواع منوعة ، هناك من يشرك في عبادة الله إلهاً آخراً ، هناك من يصف نفسه بما لا ينبغي أن يصفها به ، وهذا نوع من الشرك ، والكفر أيضاً من نواقض الإسلام ، فهناك كفر التكذيب ، وهناك كفر الاستكبار ، و هناك كفر الإعراض ، ووصلنا إلى كفر الشك.

من خصائص هذا الدين أنه يقيني ، و درجات الصحة تتراوح بين اليقين القطعي ، وبين غلبة الظن ، والظن ، والشك ، والوهم ، من وهم إلى شك إلى ظن إلى غلبة ظن إلى قطع .

أعلى مستويات اليقين القطع مئة بالمئة ، لأن الدين دين الله ، و لأن الدين من عند الله، و لأن الله كماله مطلق لا يقبل دين الله عز وجل أن يكون فيه خلل ، أي شيء يمكن أن يكون فيه خلل إلا دين الله عز وجل :

[ سورة المائدة : الآية 3]

هذه نعمة لا تعدلها نعمة ، أنت مع الحق الصرف ، أنت مع الحق المطلق ، دين الله عز وجل من عند خالق السماوات و الأرض .

مثلاً قد يصدر قاض من بني البشر ألف حكمًا عدلاً ، خمسة أحكام منها لم يكن الحكم فيها دقيقاً ، هو عند الناس جميعاً قاض عادل ، فكل أحكام بني البشر أحكام نسبية ، أما لو أن الله عز وجل ظلم مخلوقاً من آدم إلى يوم القيامة ، مخلوقًا واحدًا ، ولأن أسماء الله وصفاته مطلقة لا يعد عدلاً ، الإله له شأن ، والعباد لهم شأن ، شأن العباد أن أحكامهم نسبية ، لكن شأن الله عز وجل أن أحكامه قطعية مطلقة ، والله في أفعاله عدل ورحيم .

أيها الإخوة : قضية الإيمان لا تحتمل الشك ، قضية الإيمان لا تحتمل النسبية ، أي الله عز وجل واحد ربما ، لا يوجد ربما ، الله عز و جل رحيم إلى حد ما ، لا يوجد إلى حد ما ، هذه عبارات الناس ، إلى حد ما ، و ربما ، ولعله كذلك ، هذه تصح مع البشر ، أما مع خالق البشر فديننا كله يقين ، فالذي لا يجزم بصدق هذا القرآن وثبوته أنه من الواحد الديان ، والذي لا يعتقد أن كلام النبي الذي قاله فعلاً حق لا يساوره شك فليس مؤمنا ، وهذا من بديهيات الإيمان .

[ سورة إبراهيم : الآية 9]

يوجد شك ، أي لم يكفروا كفراً قطعياً ، ولم يكذبوا تكذيباً قطعياً :

[ سورة هود : الآية 62]

ليس في حياة المسلم ظنيات ، لذلك أيها الإخوة مسلمون كثيرون مترددون ، هل أنت مؤمن إيماناً قطعياً أن هذا الدين حق ؟ هل أنت مؤمن أن هذه المعصية سوف تعاقب عليها ؟ هل أنت مؤمن أن هناك آخرة ؟ هل أنت مؤمن أن هناك جنة ونار ؟ فكيف تفعل فعلاً يستوجب النار ؟ معنى ذلك أنك لست متأكداً ، لا يوجد حل وسط ، بالدين لا يوجد حل وسط ، إما أن تؤمن بكل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من كتاب ومن سنة ، أو أن إيمانك ببعض ما جاء به وعدم إيمانك بالبعض الآخر ليس ديناً ، ولا ينطوي على إيمان دقيق ، ولا يمكن أن تقطف ثمار الدين بهذه الطريقة ، لذلك قال بعض الشعراء و أظنه المعري :

زعم المنجم و الطبيب كلاهما         لا تبعث الأموات ، قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر         أو صح قولي فالخسار عليكما

أي هناك من يتندر ، ويقول : أخي إن كان هناك جنة فنحن عملنا لها ، وإذا لم يكن ثمة جنة فنحن كسبنا في الدنيا سمعة طيبة ، هذا ليس إيماناً ، لا يمكن أن يقبل إيمان بهذه الطريقة ، هذا إيمان الشك :

[ سورة الحجرات : الآية 15]

لذلك ابحث عن اليقينيات  ، قصة قديمة من عشر سنوات ، مرة قال لي شخص : أنا أتمنى أن أحضر درسك ، لكن أخاف أن يأخذوا اسمي ، قلت له : الإله الذي تعبده إن لم تكن واثقاً أنه يحميك لا تعبده ، أنت في حمى الله عز وجل ، أنت في طاعته ، أنت في طلب العلم، أنت فيما يرضيه ، ويسلمك لغيره ، أهكذا تظن بالله عز وجل ؟ و أنت في قمة الطاعة يسلمك إلى أعدائه ؟ هذا مستحيل .

أيها الإخوة : كفر الشك أن تكون متردداً في قبول بعض الحقائق الإيمانية أو بعض الإخبارات الربانية ، سألني أخ قال لي : و الله يوجد سؤال كبير جداً سُئِلته ، وأنا في مجلس ، و لم أستطع أن أجيب عليه ، قلت : ما هو ؟ قال : يقول الله عز وجل :

[ سورة الفيل : الآية 1]

و الله ما أحد رأى هذا الذي حدث ، أي بشكل دقيق من منكم رأى ما فعل أبرهة بالكعبة ؟ ما أحد رأى ذلك ، ما معنى هذا الآية ؟ قلت له : معنى هذه الآية أنه كمؤمن ينبغي أن تستقبل خبر الله عز وجل الذي أخبرك به ، وكأنك تراه بعينيك ، يقتضي إيمانك بالله أنه إذا أخبرك عن شيء تستقبل هذا الشيء ، وكأنك تراه بعينك .

أحد أصحاب رسول الله قال للنبي عليه الصلاة و السلام : أصبحت و كأني أرى أهل النار يتعذبون ، وأهل الجنة يتنعمون .

الله عز وجل أخبرنا عن نعيم أهل الجنة  ، وعن عذاب أهل النار ، فقال : كأنني أرى أهل النار يعذبون ، وأرى أهل الجنة يتنعمون ، يقاس على ذلك إنسان ماله حرام ، وهو يتنعم بدنيا عريضة ، بيت فخم ، ومركبات ، ومكانة ، وولائم ، وإنفاق ، المؤمن الصادق يرى أن هذا المال سوف يتلف ، وكأنه يعلم الغيب ، هو لا يعلم الغيب أبداً ، لكن يعلم قوانين الله عز وجل ، المتكبر سوف يذله الله ، هو لا يعلم الغيب ، ولكنه يعلم قوانين الله عز وجل ، أي مثلاً إذا كنت عالم فيزياء ، وأنشِئ بناء ، ولم يترك فيه فواصل تمدد ، ماذا تتنبأ لهذا البناء في فصل الصيف ؟ أن يتصدع ، هذا ليس علماً بالغيب ، ولكن علم بالقوانين ، مادام البناء أنشئ، ولم يؤخذ بفواصل التمدد ، لم يؤخذ بقانون تمدد المعادن فلابد من أن تتصدع أركان هذا البناء.

نحن في صحن هذا المسجد ، بلِّط هذا الصحن ببلاط متلاصق إلى أقصى درجة ، في الصيف تكسر هذا البلاط ، وانتفخ ، فسألت فقال : بفعل التمدد ، لم تترك فواصل ، مع أنه حجر ، وآخر شيء يتمدد هو الحجر ، الذي يعلم قوانين التمدد ، ثم يتنبأ بانهيار بناء لم يؤخذ في أثناء بنائه لهذه القوانين ، هذا ليس علماً بالغيب ، ولكنه علم بالقوانين ، أما حينما أرى إنساناً غارقاً في المعصية أقول : أمامه حياة ضنك ، هذا ليس علماً بالغيب ، أما حينما أرى شاباً مستقيماً يخشى الله عز وجل أتنبأ له بكل مستقبل زاهر ، وليس علماً بالغيب ، ولكنه علم بالقوانين ، فلذلك أيها الإخوة يجب أن تؤمن أن قوانين الله عز وجل كالقوانين الفيزيائية شاملة ومطّردة ، وأكبر ضمانة لك كلام الله ، أكبر ضمانة لأي شاب مستقيم :

[ سورة النحل : الآية 97]

أكبر تهديد للعصاة :

[ سورة طه : الآية 124]

أكبر عطاء من الله للذي يتبع هدى الله عز وجل :

[ سورة طه : الآية 123]

لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه :

[ سورة البقرة : الآية 38]

ما الذي يُثَبت المؤمن ؟ القرآن ، قال تعالى :

[ سورة إبراهيم : الآية 27]

أنت معك آية لصالحك :

[ سورة التوبة : الآية 51]

هذه البشارة لك أيها المؤمن :

[ سورة سبأ : الآية 17]

و الله مرة أخ استيقظ صباحاً ، فإذا ابنته مشلولة ، فصرخت الزوجة بويلها ، هو رجل مؤمن ، وشاب مؤمن ، ومنضبط انضباطًا تامًّا ، أعرفه و الله ، و لا أزكي على الله أحداً ، فصرخ ، وقال : هذا المرض ما كان الله ليبتليني به ، له ثقة بالله عز وجل ، ثم اكتشف بعد حين أن هناك مرضاً مشابهاً تماماً لمرض شلل الأطفال يزول بعد يومين ، و بعد يومين شفيت ابنته من هذا المرض ، المؤمن له ثقة بالله عز وجل ، طبعاً هناك ابتلاء لا شك، لكن يوجد بلاء ماحق ، والمؤمن يطمئن إلى أن الله يحفظه ، سمعت كثيراً من أناس كسبوا مالاً حلالاً محدوداً ، ولم يتركوا لأولادهم شيئاً ، وكانوا كلما عوتبوا على ذلك لمَ لمْ تترك لأولادك شيئاً ؟ لمَ لمْ تدع لأولادك شيئاً ؟ يقول : الله يحفظهم ، مر معي بالأثر القدسي قولاً : ((إن الله يوقف عبداً يوم القيامة يقول له :يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول يا ربي لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله له : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، و يسأل عبداً آخراً يقول له : يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ فيقول يا ربي أنفقته على كل محتاج و مسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله لهذا العبد : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك )) .

إذا كان دخل الإنسان حلالاً ، أطعم أولاده الطعام الحلال ، الله عز وجل يتولى أولاده من بعده ، وتجد أناساً كثيرين اتقوا ربهم في كسب أموالهم ، وأطعموا أهلهم اللقمة الحلال ،أولادهم من بعدهم في أعلى مقام ، تولاهم الله بالحفظ والرعاية ، ]وَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[ ، و الله أيها الإخوة ، وأقسم بالله مرة ثانية إنني أتنبأ لكل شاب مستقيم يحب الله ، ويخشاه ، ويطيع أمره ، ويتجنب معصيته ، ويخطب وده بمستقبل في الدنيا باهر ، ليس معنى كلامي أنه سيكون مليونيراً ؟ لا ، سيعيش حياة طيبة ، وقد تعيش حياة طيبة بدخل محدود ، وقد تكون أسعد الناس في بيت متر متواضع ، وقد تكون أسعد الأزواج بزوجة عادية  وليست بارعة الجمال ، لكن الله إذا ألقى السكينة على قلب المؤمن سعد بها ، ولو فَقَدَ كل شيء ، و إذا حجب عنه السكينة شقي بها ولو ملك كل شيء .

إذاً أيها الإخوة : هذا الدين لا يحتاج إلى التردد ، ولا إلى الشك ، ولا إلى الارتياب ، من خصائص هذا الدين أنه يقيني قطعي ، لذلك هناك كفر اسمه كفر الشك ، لست متأكداً ، متردد ، وهناك كفر آخر هو كفر الجحود ، وهو أن يجحد الإنسان ما أنزله الله جملة ، أو أن يجحد شيئاً مما هو معلوم بالضرورة ، مرة أحاور إنساناً ، والله قال لي مسلم : قطع اليد غير معقول هذا ، هذا عمل همجي ، يوجد آية قرآنية ، في كل ثلاثين ثانية ترتكب في أمريكا من عام خمسة وستين جريمة قتل ، أو سرقة ، أو اغتصاب ، وثمة بلاد ، والله لم تكن متحضرة كثيراً لكن أقيم هذا الحد في هذه البلاد هل تصدق يوم كان مطبقاً تماماً أن الصراف يدع صندوق العملات الأجنبية بالملايين ، يضع فوقها قماشًا ، ويذهب ليصلي في الحرم ، وهو آمن .

و الله يوجد قصص سمعت بها في هذا البلد الذي يطبق حد السرقة ، والله تكاد لا تصدق ، يمكن أن تحمل رواتب محافظة في الجنوب الجنوب قبيل اليمن على سيارة شاحنة مكشوفة ، كلها أكياس فيها مئات الملايين ، هكذا في الطريق ، بأوربا قطارات مصفحة ، وحراسة مشددة ، وطائرة هيلوكبتر ، وشرطة ، وتسرق ، ما هذا الحد ؟ أنت حينما تجحد حكماً شرعياً ، قضية غض البصر الله عز وجل ما كلفنا ما لا نطيق :

[ سورة البقرة : الآية 286]

حينما تتوهم أن هناك حكمًا شرعيًا مستحيل التطبيق فوق طاقة البشر ، معنى ذلك أن الله ليس خبيراً بعباده ، كلفهم ما لا يطيقون ، أو لا يعلم ما سيكون من عصر فتن وانحراف وتفلت أخلاقي ، لا :

[ سورة البقرة : الآية 286]

أيّ أمر كلفنا الله به هو في وسعك أن تطبقه قطعاً ، هذا اليقين ، الحجود أن تجحد حكماً شرعياً ، هناك شخص يقول : لو وضع ماله في بيته فهو مقتول حتماً ، أما إذا وضعه في مصرف ربوي فهو آمن ، الله عز وجل كأنه إله في السماء لا في الأرض ، مفهوم هذا الكلام لأنك خفت من الله ، وخفت أن تضع مالك في بنك ربوي ، في مصرف ربوي ، فقد اقتحم بيتك وانتهت حياتك ، والذي وضعه في فائدة ربوية ينام ناعم البال ، آمناً مطمئناً ، هكذا يعامل الله عباده ؟

[ سورة السجدة : الآية 18]

[ سورة الجاثية : الآية 21]

يجب أن تفسر الأمور تفسيراً توحيدياً ، بالإسلام لا يوجد شك ، لا يوجد ريب ، لا يوجد تردد ، لا يوجد إلى حد ما ، لا يوجد نوعاً ما ، لا يوجد معقول لكن لا أدري مبلغ هذا من الصحة ، هذا كله مرفوض بالدين ، أما كفر الجحود أن تجحد شيئاً علم من الدين بالضرورة ، قال تعالى :

[ سورة النمل : الآية 14]

هذه الآية دقيقة جداً تؤكد الإيمان الفطري ، أنت حينما تجحد شيئاً عُلم من الدين بالضرورة أنت في الحقيقة مؤمن به ، لكنك تجحده لمصلحة ، أو لمكسب ، أو لرفعة في الدنيا، ثمة مثل واضح جداً أضربه دائماً ، إنسان يعمل عتالاً ، وعنده دابة ، فلما ماتت انقطع دخله كلياً ، أصبح بلا دخل ، خطرت في باله فكرة أن يدفنها ، وبنى عليها بناء متواضعاً ، ثم نصب قبة ، وسماها ولياً من أولياء الله الصالحين ، فأقبل الناس عليه بالهدايا والذبائح ، والدجاج ، والسمن ، وما إلى ذلك ، فعاش في بحبوحة ما بعدها من بحبوحة ، هل يمكن أن يقر أن في هذا المكان دفن دابة ، وقد دفنها بنفسه ، أي قناعته أنها دابة أشد من قناعة الذي يحاوره ، لأنه دفنها بنفسه ، لذلك المندفع لا يناقش :

[ سورة النمل : الآية 14]

و الله أيها الإخوة ، آلاف آلافِ البشر يتكلمون كلاماً بصوت مرتفع ، وهم لا يصدقون أنفسهم ، وهم يكذبون ، لو ألغي الكذب من حياتنا فقط لكنا في حال غير هذا الحال ، أكثر المواقف والكلمات ليست واقعية .

مرة قلت لكم : إن إنسانًا فقيرًا جداً له قريبة تملك ملايين مملينة ، هو وريثها الوحيد ، فلما توفيت أطال لحيته ، وارتدى قميصاً أسود ، وأظهر أنه حزين جداً ، فجاء الناس ليعزوه ، له صديق ذكي ، لما صافحه في التعزية قال له : مبارك ، هنيئاً ، هذا الصدق ، والباقي كله كذب ، لأنه اغتنى بموت هذه القريبة ، فإذاً لو ألغي الكذب من حياتنا لكنا في حال غير هذا الحال ، الكذب فقط .

المؤمن قد يخطئ ، وقد تزل قدمه ، ولكن لا يكذب ، يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة ، لا يمكن لمؤمن أن يكذب أو يخون ، فإذا خان أو كذب لم يبق مؤمناً ، انتهى دينه كله :

 [ سورة النمل : الآية 14]

لأنه يأتيه دخل كبير من هذا الكذب ، أي منتفع المنتفع لا يناقش ، و الغبي لا يناقش ، و القوي لا يناقش ، وقد يجتمعون في واحد :

[ سورة النمل : الآية 14]

و قال تعالى :

[ سورة الأنعام : الآية 33]

 

 

وفي الحديث الصحيح عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ :

 ((.....الْبَغْيَ مَنْ بَطِرَ قَالَ أَوْ قَالَ سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ)) .

[ مسلم ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]

و في رواية أخرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( ..... الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) .

[ مسلم ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]

بطر الحق أي رده و جحوده ، إنكاره ، تكذيبه ، و في صحيح مسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا به أنتم ولا آباؤكم ، فإياكم وإياهم)) .

و عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ))  .

[ أبو داود ، ابن ماجه ]

أيها الإخوة : الشرك من نواقض الإسلام ، و الكفر من نواقض الإسلام .

 والكفر أنواع : كفر الجحود ، وكفر الشك ، وكفر الإعراض ، وكفر الاستكبار ، وكفر التكذيب .

ومن نواقض الإسلام الردة ، قال الله عز وجل :

[ سورة البقرة : الآية 217]

إخوانا الكرام : تعريف المرتد : هو من ترك دين الإسلام ، وهو عاقل مختار غير مكره إلى دين آخر ، أو إلى غير دين كالإلحاد ، الإنسان عندما ينحرف بحثاً عن توازن نفسي يعتقد عقيدة فاسدة كي تغطي هذا الانحراف ، لكن أية عقيدة تغطي له جرائمه كلها ؟ الإلحاد ، العقيدة التي تغطي جرائم الإنسان كلها أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ، أن يبني غناه على إفقارهم ، أن يبني حياته على موتهم ، أن يبني عزه على إذلالهم ، أن يبني أمنه على خوفهم ، هذا يحتاج إلى عقيدة كي تغطي هذا كله ، و ليس من عقيدة تغطي هذا كله إلا الإلحاد ، فلذلك يرتد عن الدين .

هو من ترك دين الإسلام وهو عاقل مختار غير مكره إلى دين آخر أو إلى لا دين ، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، أي أنكر بديهيات الدين ، ما معنى ما هو معلوم من الدين بالضرورة ؟ أي مثل طريف ذكرته مرة ، إنسان مظلي فقد يجهل شكل المظلة بيضوي مستطيل مربع دائري ، المظلة مطوية ، وقد يجهل نوع القماش خيوط طبيعية ، صناعية ، حرير بلدي ، صناعي ، و قد يجهل عدد الحبال ، وقد يجهل أشياء كثيرة ، لكن شيئاً واحداً لو جهله نزل ميتاً ، طريقة فتح المظلة يجب أن تعلم بالضرورة .

يوجد بالدين أشياء كثيرة قد تجهلها ، ولا يعنيك من جهلها شيئاً ، وقد تصل إلى الجنة مع أنك تجهلها ، إنسان فرضاً زواجه ناجح جداً ، ولم يفكر بالطلاق في حياته ، لو أنه جهل أحكام الطلاق لا يتأثر ، إنسان موظف له دخل محدود يعيش به لو جهل أحكام المضاربة لا يتأثر ، لكن الفرائض والمحرمات هذه ينبغي أن تعلم بالضرورة ، الأحكام الفقهية المتعلقة باختصاصه ومهنته ينبغي أن تعلم بالضرورة ، فهناك الدين أشياء ينبغي أن تعلم بالضرورة ، من أنكرها ، أو ردها ، أو كذبها فقد ارتد عن الدين ، الصلاة هل هناك صلاة بالدين ؟ هذا مرتد ، الصلاة ، الزكاة ، الصوم ، أو عمل عملاً نقيضاً للدين ، قال قولاً لا يحتمل التأويل .

إخوانا الكرام : الحقيقة أن الإنسان مخير ، قال تعالى :

[ سورة البقرة : الآية 256]

لكنك إذا دخلت في دين الله ، ثم أردت أن تعتدي عليه لتشويه صورته ونقض تعاليمه، و كشف نقاط ضعف المسلمين هذا عدوان على أقدس شيء في حياة الأمة ، يوجب الحد ، الدخول اختياري ، أما الخروج من أجل أن تعتدي على هذا الدين ، وأن تنشر ما يناقضه ، وأن تسفه أفكاره ، وأن تحقر أعلامه هذا عدوان على الدين ، لكن لو ارتد إنسان فيما بينه وبين نفسه ، ولم ينطق بكلمة ، ولم يتصرف بتصرف هل يناله عقاب الارتداد ؟ لا .

الارتداد عقابه رد على عدوانه على الدين ، إذا فيما بينه وبين نفسه لم يقتنع بأشياء كثيرة ، وبقي صامتاً ، ولم ينطق بكلمة ، ولم يفسد على أحد دينه ، ولم يهاجم الدين إطلاقاً ، ولم يفعل شيئاً ، كيف نكشفه نحن هذا ؟ لا يكشف ، الله عز و جل يستره فلعله يتوب مما هو فيه .

على كلٍّ هناك ارتداد عقائدي ، ردة الاعتقاد ، مثلاً من اعتقد أن هذا القرآن ليس كلام الله ، من اعتقد أن هذا الحديث ، وهو صحيح ، وأجمع العلماء على صحته ، ليس كلام النبي، و لو قاله النبي فليس صحيحاً ، هذا ارتداد ، لكن الارتداد الاعتقادي لا يكشف ، عندنا ارتداد أقوال ، من حلف بغير ملة الإسلام كاذباً ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا)) .

[ النسائي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]

كنا في الارتداد الاعتقادي ، أي بعد أن أمن ارتد ، بعد أن آمن انتكس ، بعد أن آمن قال هذا شيء لا أقبله أبداً ، فيوجد ارتداد اعتقادي ، ويوجد ارتداد قولي ، لو أنه قال : إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال ، وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً ، من سبّ الله تعالى ، والله يا إخوان شيء لا يصدق ، يوجد إنسان يسب الدين في اليوم مئات المرات ، من سبّ الله تعالى ، أو سبّ القرآن ، أو الرسول ، أو أحداً من أنبياء الله فقد كفر ، سواء أكان مازحاً ، أو جاداً ، أو مستهزئاً ، كفر و ارتد .

إذاً من حلف بغير ملة الإسلام كاذباً فهذا ارتداد في الأقوال ، من قال : إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال ، و إن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً ، من سبّ الله تعالى أو القرآن أو النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ، أو أحداً من أنبياء الله فقد ارتد عن دين الله ، مازحاً كان ، أو جاداً ، أو مستهزئاً ، من رمى أم المؤمنين عائشة ، وصدق ما قيل فيها، مع أن الله برأها بالقرآن الكريم فقد ارتد عن دين الإسلام ، من طعن في الدين ، هاجم الإسلام وطعن في الدين ، أو دعا إلى مبدأ إلحادي أو كفري فهو مرتد عن هذا الدين .

أما ردة الأفعال فقد أجمع العلماء على أن مما يوجب كفر المسلم إلقاء المصحف أو جزء منه ، أو تدقيقه بالقدر ، ومثله كتب الحديث القدسي و النبوي ، و كذا من استخف بالقرآن .

الآن يوجد مقالات تستخف بالقرآن ، من سجد من المسلمين لصنم أو لشمس أو قمر أو أتى بقول أو فعل صريح يدل على استهزائه بالدين فقد ارتد عن دين الإسلام ، من هرب من المسلمين إلى دار الكفر ، واحتمى بهم ، وناصرهم ، وتآمر على المسلمين فقد ارتد عن دين الإسلام :

[ سورة المائدة : الآية 51]

الآن ، وهذا حديث خطير جداً ورد في معجم الطبراني ، وهو في السلسلة الصحيحة :

(( برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ديارهم) .

لمجرد أن تنوي الإقامة الدائمة مع المشركين فهذا نوع من الارتداد ، ارتداد الأفعال ، من حارب الشريعة الإسلامية ، واستبدلها بالقوانين البشرية تعطيلاً لهذه الأحكام فقد كفر :

[ سورة المائدة : الآية 44]

إخوانا الكرام : الشرع واقعي ، و الشرع رحيم ، المرتد يستتاب فإن تاب ورجع إلى الإسلام فلا شيء عليه ، والإمام ، إمام المسلمين ينبغي أن يفرز لهذا المرتد عالماً جليلاً يقنعه إذا كان ارتداده عن اعتقاد بريء من المصلحة ، فالمرتد يستتاب ، وتجري له مناظرة كي يعود عن خطأه ، وإلا يقام عليه الحد .

 بقي ناقض آخر من نواقض الإسلام ، وهو النفاق ، وسوف يكون الحديث عنه إن شاء الله تعالى في درس قادم .

هذه من أساسيات الدين أن تعرف ما الإيمان ؟ ما هي مقتضيات الإيمان ؟ ما هي نواقض الإيمان ؟ ما هي نواقض الإسلام ؟ ما هو الشرك ؟ ما هو الكفر ؟ ما هو الارتداد ؟ ما هو النفاق ؟ هذه من أساسيات الدين و ينبغي أن تكون معلومة بالضرورة .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi