English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

رقم الــدرس : [ 10 ] لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

رقم الشريـط  : 22 /115 .

تاريخ الشريط  : 20 / 07 / 2003 .

الموضــوع  : العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة :  نواقض الإسلام " 3 " .

مفرغ الشريط    : م . م . حسان العودة .

تـدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس العاشر من دروس العقيدة ، ولازلنا في موضوع نواقض الإسلام .

قلت لكم في درس سابق : إن الإنسان راضٍ عن عقله وعن إيمانه ، لكنه ليس راضياً عن رزقه ، والبطولة أن تواجه حقيقة مرة ، وهو أن الإيمان الذي أنت عليه لا يكفي ، أو لا ينبغي لهذا الإيمان أن يحجزك عن محارم الله ، فلذلك قد يقع من الإنسان ما ينقض إيمانه ، وما ينقض إسلامه ، وهو لا يدري .

وقد ذكرت في درس سابق أن الإنسان قد يكفر كفراً اعتقادياً ، وقد يكفر كفراً عملياً ، وقد يكفر كفراً قولياً .

وننتقل اليوم إلى بند أخير من البنود التي تنقض الإيمان ، وتنقض الإسلام ، هذا البند الأخير خطورته أنه شائع ، وخطورته أنه خفي عن معظم الناس ، إنه النفاق .

أيها الإخوة ، في أدق تعريفات النفاق أن يظهر الإنسان للمسلمين إيمانه ، وهو في الحقيقة كافر مكذب ، مصلحته أن يرضي المسلمين ، هو كافر ومكذب ، لكنه يعيش في بيئة إسلامية ، وهذه البيئة صارمة ، إذاً يظهر ما يرضيهم ، ويخفي كفره وجحوده .

الآن النفاق في العقيدة كفر ، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين لعدم إظهار كفره ، لماذا قال الله عز وجل :

( سورة النساء )

لأنه أبطن كفره ، وأظهر إيمانه فحسب على المسلمين ، وأخذ كل ميزات المسلمين ، وفي الحقيقة أبطن كفره وجحوده ، فكان مع الكافرين ، فلما كان معهم أخذ أيضاً ميزاتهم ، يظن نفسه ذكياً ، أخذ ميزات الكافرين ، وأخذ ميزات المسلمين ، لذلك هو في الدرك الأسفل من  النار .

مرة قلت : المسلم المؤمن واضح ، واضح إيمانه ، التعامل معه سهل ، لأن الكتاب والسنة تحكمانه ، صادق ، أمين ، عفيف ، هدفه الآخرة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، الدنيا كلها لا تعدل عنده جناح بعوضة إذا حجبته عن الله عز وجل ، المؤمن واضح ، واضح جداً ، والشيء المؤسف أن الكافر واضح ، واضح ، ولم يؤمن بالدين أصلاً ، لم يعتقد بالدين ، الدين يراه أفيون الشعوب ، الدين يراه تواكل ، هو قد يستنبط من مجتمع المسلمين أخطاء كثيرة ، تواكل ، تقصير ، عدم إتقان ، خصومات ، فهذه الأخطاء في مجموعها تجعله يعتد بكفره ، أو تجعله يفتن بكفره ، وهذا معنى قوله تعالى :

( سورة الممتحنة الآية : 5 ) .

الكافر واضح ، يقول لك : أنا لا أؤمن إلا بالدنيا ، الدنيا هي كل شيء ، والمال هو كل شيء ، وتحقيق شهواتي هو كل شيء .

مرة قال لي أحدهم من بلد أجنبي ، وهو مندوب شركة ، حدثته عن الدين قليلاً ، فقال : هذه الموضوعات لا تعنيني إطلاقاً ، ولا ألتفت إليها ، يعنيني في حياتي أشياء ثلاثة ، امرأة جميلة ، وبيت واسع ، وسيارة فارهة ، والكافر واضح ، والتعامل معه سهل مكشوف ، والكافر بإعلان كفره ، وإظهار معصيته لا يغش أحداً ، فكل مسلم يتقيه ، فصار المؤمن واضحًا والكافر واضحًا .

أما هذا الإنسان الثالث المنافق فالبلاء كله منه ، يتكلم كما تقول ، يتكلم بكلامك ، ويأتي معك إلى المسجد ، ويصلي إذا كان في مجموع المسلمين ، ويظهر إيمانه ، ويبطن كفره وعدوانه ، يتكلم بما تعرف ، فإذا غبت عنه طعن فيك ، هذا عليم اللسان ، جاهل القلب ، لذلك يقولون : نحن لا نخشى على الدين من أعدائه ، بل نخشى على الدين من أدعيائه .

وأقول لكم كلمة دقيقة جداً : الطرف الآخر أيقن أنه لا يستطيع أن يواجه الدين ، لكنه يستطيع أن يفجره من داخله ، الأسلوب الوحيد المتبع من قبل أعداء الدين أن يصطنعوا جماعة إسلامية ترفع شعارات الدين ، وتفعل عكس ما يأمر الدين ، فهذه الجماعات الإسلامية التي تخالف أحكام الدين الصريحة ، وترفع شعاراته بشكل صارخ هي أخطر الفئات على الدين ، لأنها تشوه صورة الدين .

ذكرت مرة أنك إذا رأيت إنساناً يعتنق دينًا أرضيًّا لا علاقة له بدين السماء ، ورأيته قذراً ، يتسول ، ذا هيئة مزرية ، هل تفكر لثانية واحدة أن تقرأ كتاباً عن دينه ؟ لا ، مستحيل ، لأن مظهره القميء غير المعقول حجبك عن دينه ، وأحيانا يحجب المسلم الإسلام عن دينه إذا كذب ، أو إن لم يتقن عمله ، أو إن أخلف وعده ، أو إن نافق ، أو إن سار في طريق ملتو ، ومسلم آخر كالبلور الشفاف الصافي يشف لك عن دينه ، إنسان يقربك ، وإنسان يبعدك ، إنسان يجذبك ، وإنسان ينفرك ، النفاق في العقيدة كفر ، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين ، لأنه لا يظهر كفره ، قال تعالى :

( سورة المنافقون ) .

كاذبون في هذه الشهادة ، والله عز وجل يقول :

( سورة المنافقون ) .

هذا النفاق الاعتقادي ، يعتقد أن هذا الدين خرافة ، هذا الدين لا شيء ، هذا الدين من صنع أشخاص أذكياء ، المنافق يعد النبي ذكياً عبقرياً ، لا يعده رسولاً معه وحي من السماء ، هذا النفاق الاعتقادي هو الكفر بعينه ، لكن النفاق العلمي غير النفاق الاعتقادي   ، نحن في الكفر هناك كفر اعتقادي ، وهناك كفر قولي ، وهناك كفر عملي ، أما في النفاق العملي فأن يخون الأمانة ، أن يكذب ، أو يخلف الوعد ، هذا نفاق عملي ، لا يعد المنافق النفاق العملي كافراً ، بل يعد عاصياً .

إنسان ضعفت نفسه ، فأخذ ما ليس له  ، ضعفت نفسه فأخلف وعده ، ضعفت نفسه فكذب ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، و إذا اؤتمن خان ، هذه الصفات تجعل صاحبها عاصياً فاسقاً ، ولا تجعله كافراً .

الآن صفات المنافقين : هناك ملمح لطيف ، وهو أنني حينما أتحدث عن صفات المنافقين ليست القضية أن ألمح لزيد أو لعمر إطلاقاً ، ولكن القضية تخصني أنا ، أي إن هذه صفات المنافقين ، فإذا كنت متصفاً بإحدى هذه الحالات فحالتي خطيرة تستدعي المعالجة ، إذاً ينبغي أن أسارع إلى تطهير نفسي من هذه الصفة ، من صفات المنافقين أن المنافق يفسد في الأرض ، هذه الفتاة خلقها الله على فطرة سليمة ، خلقها الله والحياء يشملها ، خلقها الله عز وجل ورغبتها أن تكون زوجة ، فهذا الذي يفسد فتاة يخرجها عن طهرها ، يخرجها عن عفتها ، يخرجها عن طاعتها لله ، ماذا فعل بها ؟ أفسدها ، هذا مثل صارخ ، المنافق ديدنه الإفساد ، يفسد النفوس ، يفسد العلاقات ، يفسد البيئة ، الإفساد إخراج الشيء عن أصل فطرته ، إخراج الشيء عن خصائصه ، قال تعالى :

( سورة البقرة ) .

هو يفسد ، يدعو إلى الاختلاط ، ومع الاختلاط الفساد ، يدعو إلى كشف الحجاب ، ومع كشف الحجاب الفساد ، يدعو إلى أن يخوض الإنسان في الدنيا مع الخائضين ، ينبغي أن تعيش شبابك ، طبعاً المنافق يختار عبارات مقبولة عند الجهلة ، ينبغي أن تعيش شبابك ، ينبغي أن تختبر الواقع ، ينبغي أن تتفاعل معه ، يا أخي تعلموا السحر ، ولا تعملوا به ، هذا كلام المنافقين ، يدعو إلى الفساد ، يدعو إلى الاختلاط ، يدعو إلى تبرج المرأة ، يقول لك : هي نصف المجتمع ، من حقها أن تظهر مفاتنها ، هذا ما تعتز به ، أنت حينما تمنعها من أن تظهر مفاتنها إنك تقمعها ، كلام الجاهل يطرب له ، لكن الذي أتاه الله العلم يراه كلاماً إبليسياً ، يراه كلاماً مخرباً للعلاقات ، يحب أن يكون هناك اختلاط في الحياة الاجتماعية ، وما أدراك ما الاختلاط ، وماذا يؤدي الاختلاط ، أقول لكم هذه الكلمة : ما من مأساة كبيرة أو صغيرة ، عامة أو خاصة تهلك الإنسان إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل .

العبد الفقير من خلال هذه الدعوة التي أكرمنا الله بها ، ما من حكم شرعي يحرم شيئاً واللهِ الذي لا إله إلا هو إلا وعندي عشرات ، بل مئات القصص التي وقعت في هذا المجتمع ، والتي هي بسبب هذه المعصية ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ ؟ قَالَ : الْحَمْوُ الْمَوْتُ )) .

[ متفق عليه ] .

أخو الزوج ، والله في جعبتي عشرات ، بل بضع عشرات القصص التي تهز أركان المجتمع بسبب أن المسلم لم يأخذ بهذا الحديث ، وما من حكم شرعي خولف إلا وجرَّ مآسٍ لا تعد ولا تحصى ، الإفساد في الأرض .

( سورة البقرة ) .

أحيانا يقول لك : مطعم ، ليس هناك أي حكم شرعي يمنع أن يكون عندك مطعم ، كلام طيب ، مطعم ، يقول لك : أكل حلال ، أنا أطعم الناس أكلاً حلالاً ، لكن المطعم أضواؤه خافتة ، وفي حي راقٍ جداً ، وكل إنسان معه فتاة يحب أن يجلس معها جلسة طويلة ، وأن يفعل أشياء لا ترضي الناس في الطريق يأخذها لهذا المطعم ، فالإعلان مطعم ، أما الحقيقة فهو بؤرة للفساد ، فهذا مثل ، إن في تجارته ، إن في حركته ، إن في أعماله ، يقول لك : سياحة ، أحياناً مجموعات ، مجموعات ، أكثر المعاصي والآثام تقترف في هذه المجموعات ، كلمات براقة ، فن ، ساعة فن ، ساعة سياحة ، ساعة سلوك عصري ، سلوك واقعي ، ساعة التعبير عن الحياة بكل معانيها ، هو كله فساد في الأرض .

( سورة البقرة الآية : 13 ) .

 المنافقون يرون المؤمنين سفهاء ، يعني محدودين ، تفكيرهم محصور في المسجد ، وكلمة الله ، ما رأوا جمال الحياة ، ما اطلعوا على بهجة الحياة ، لم يستمتعوا بالحياة  ، محدودون ، مغلقون ، تفكيرهم مغلق ، هؤلاء سفهاء معقدون ، متزمتون ، ديدنهم الله ، الحياة فيها أشياء جميلة ، فيها شهوات ، فيها اختلاط ، فيها أشياء تبهج النفس ، هذا كلامهم ، قالوا :

يقول الله عز وجل :

( سورة البقرة ) .

( سورة البقرة الآية : 130 ) .

ما مِن إنسان يعرض عن الدين إلا وهو يحتقر نفسه ، قد تعرض عن أشياء كثيرة لأنك تحتقرها ، ولكن لمجرد أن تعرض عن الدين فإنك تحتقر نفسك .

( سورة يوسف ) .

هذا الذي يصبو إلى التي لا تحل له هو عند الله جاهل ، لأنه خسر الآخرة ، خسر الأبد ، خسر اتصاله بالله ، خسر قربه من الله ، لما عصى أبعد عن الله عز وجل .

الصفة الثانية أيها الإخوة ، خداع المؤمنين بإظهار الإيمان إذا قابلوهم ، ثم إظهار الكفر إذا خلو بأوليائهم .

والله أحياناً تسمع كلمات من شخص معسولة ، أهلاً وسهلاً ، ومرحباً ، نوّر ، البيت تباركنا ، ليست هذه الحياة ، محدودون ، مساكين ، لم يروا شيئا ، الآن فقط مدحك ، قال لك : نوّر البيت ، تباركنا فيك ، لذلك يقول الله عز وجل :

( سورة البقرة ) .

هذه الصفة الثانية .

الصفة الثالثة : الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله ، وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله ، أحياناً قضية من القضايا بالقوانين فيها مكسب كبير ، أما بالشرع فما لها مكسب  ، فالمنافق يأتي طواعية إلى الحكم الوضعي ، ويحتكم إليه ، هو في الشرع ظالم ، وهذا يظهر كثيراً في قضايا الطلاق في الجاليات الإسلامية ، ترفع أمرها لا إلى قاضٍ مسلم ، لأن القاضي المسلم يحكم لها بالمهر فقط ، ترفع أمرها إلى قاضٍ غير مسلم ليحكم لها بنصف ثروة زوجها ، لا يحتكم إلى شرع الله ، بل يحتكم إلى نظام وضعي .

( سورة النساء ) .

أيّ إنسان يحتكم إلى غير شرع الله فهو منافق ، أي إنسان يحتكم إلى غير شرع الله تحقيقاً لمصالحه فهو منافق .

يروي ابن جرير بسنده إلى عامر الشعبي قال : كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم ، وبين رجل من اليهود خصومة ، فقال اليهودي أحاكمك إلى أهل دينك ، أو قال : إلى النبي ، وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم ، فاختلفا ، فاتفقا على أن يأتيا كاهناً في جهينة ، قال : فنزلت الآية : ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا [ ، قاعدة عامة ، حينما تحتكم إلى نظام غير شرع الله عز وجل فهذه صفة قد تتلبس بها النفس ، وهي النفاق .

المنافق من صفاته أنه يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، قال تعالى :

( سورة التوبة ) .

معنى : ] بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [ : من صنف واحد ، ملة الكفر واحدة ، الكافر هو الكافر ، في أي زمان ، وفي أي مكان يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، ] وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [ ، أي بخلاء لا ينفقون ، لا ينفقون ، وينهون عن أن تنفق ، فعندنا فاسد مفسد ، لا ينفق ، وينهاك أن تنفق .

واللهِ حدثني أخ قبل أشهر عن قصة جرت مع أحد أقربائه ، رجل في الستين في بحبوحة ، أراد أن يتقرب إلى الله بدفع مبلغ مليون ليرة لإنشاء مسجد ، حال الإنسان إذا اقترب من الوفاة ، وشارف على ترك الدنيا أن يعمل عملاً يلقى الله به ، الرجل حي يرزق ، الذي حدثني هذه القصة ، هم أقرباء له ، دفع المليون ، له زوجة ، وبنت طبيبة ، وولدان ، الأربعة رفعوا قضية ، واتهموه بالسفه ، وشهدوا جميعاً شهادة زور أن أباهم مجنون ،  الزوجة والبنت والابن ، فحكم بإرجاع المبلغ ، حكم أنه سفيه ، والمبلغ استرد من الجمعية التي دفعه إليها ، وانتهى الأمر ، والذي روى لي القصة حي يرزق ، خلال ستة أشهر الأربعة ماتوا ، بأشكال عديدة واحد في حادث ، والبقية بأمراض عضالة ، وبقي هو وحده حياً ، والمبلغ استدره ، وأنفقه مرة ثانية .

إياك أن تفتري على إنسان محسن ، لا ينفق ، ويمنعك أن تنفق ، وبحكم عملي في الدعوة عندي عدد لا بأس به من الوصايا ، والله الذي لا إله إلا هو لم تنفذ منها وصية واحدة ، واحد ترك ثلاث بنايات ، وأوصى بمئة ألف ، لم تنفذ هذه الوصية ، لذلك درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك ، لماذا هو خير ؟ لأنه لن ينفق ، لن ينفق بعد مماتك ، ] يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [ ، سبحان الله ! ينفقون على شهواتهم وحظوظ أنفسهم ملايين مملينة ، أما إذا دعوا إلى إنفاق مبلغ بسيط لإنسان يعاني ما يعاني ادعوا أنه لم يوجد سيولة معهم ، إن أنفقوه أَنفقوه إسرافاً وتبذيراً ، وإن أَمسكوه أمسكُوه بخلاً وتقتيراً ، لذلك قال تعالى :

( سورة البقرة الآية : 195 ) .

إن لم تنفقوا ] تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ .

الصفة الخامسة من صفات المنافقين أنهم :

( سورة النساء الآية : 139 ) .

قد يكون الشخص محترمًا بمقياس الأرض ، غني ، قوي ، ذو مكانة ، ذو منصب ، فالمنافق يعد هذا الإنسان مستشاراً له ، يعده وليه ، هكذا قال ، فَهِمٌ ، أنا لا أخالفه أبداً ، انظر إلى وضعه كيف هو ، لو ما كان يفهم لما كان بهذه المكانة ، يتخذ الكافر ولياً ، يوليه أمره ، ولياً يرجع إليه ، ولياً يستشيره ، ولياً يهتدي بتوجيهاته ، ولياً ينفذ تعليماته ، ولا يعبأ بتوجيهات رسول الله e ، قال تعالى :

( سورة النساء ) .

المؤمن يعتز بحاجب مؤمن ، ولا يعتز بأكبر شخصية غير مؤمنة ، يعتز بحاجب ، هو أخي في الله هذا ، سيدنا الصديق لما اشترى بلالاً من سيده قال له سيده صفوان بن أمية : واللهِ لو دفعت به درهما لبعتكه ، فقال له الصديق : واللهِ لو طلبت به مئة ألف لأعطيتك ، هذا أخي ، وضع يده تحت إبطه ، وقال : هذا أخي حقاً ، فكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : " أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا ، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا ، يَعْنِي بِلَالًا " .

[البخاري]

وسيدنا عمر خرج إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلالٍ الحبشي ، هذا هو الإسلام ، لذلك عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : (( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ ، وَأُصِيبَ مَعَكَ ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ... )) .

[مسلم]

اختلف رجلان على قطعة جبن ، استعانوا بالثعلب ، الثعلب رفع شعار العدل ، جاء بميزان ، وضع ثلثين وثلثًا ، فلما رجحت كفت الثلثين أكل نصفها ، فرجحت كفت الثلث ، فأكل نصفها ، إلى أن أكل الجبن كله ، هذا حكمه .

ولما استعان المسلمون بغير المسلمين لحلِّ خلافاتهم ما الذي حصل ؟ راحت كل الثروات ، فإذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله سلط الله عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم .

أيها الإخوة ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : (( أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوًا أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي ، وَلَمْ نُسْلِمْ ، فَقُلْنَا : إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ ، قَالَ : أَوَ أَسْلَمْتُمَا ؟ قُلْنَا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : فَأَسْلَمْنَا ، وَشَهِدْنَا مَعَهُ ، فَقَتَلْتُ رَجُلًا ، وَضَرَبَنِي ضَرْبَةً ، وَتَزَوَّجْتُ بِابْنَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ تَقُولُ : لَا عَدِمْتَ رَجُلًا وَشَّحَكَ هَذَا الْوِشَاحَ ، فَأَقُولُ : لَا عَدِمْتِ رَجُلًا عَجَّلَ أَبَاكِ النَّارَ )) .

[أخرجه أحمد في مسنده]

عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : (( كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ رَجُلٍ فِي النَّاسِ إِلَيَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ ، وَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ شَهِدَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ الْمَوْسِمَ وَهُوَ كَافِرٌ ، فَوَجَدَ حُلَّةً لِذِي يَزَنَ تُبَاعُ ، فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا لِيُهْدِيَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ ، فَأَرَادَهُ عَلَى قَبْضِهَا هَدِيَّةً ، فَأَبَى ، قَالَ إِنَّا لَا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخَذْنَاهَا بِالثَّمَنِ ، فَأَعْطَيْتُهُ حِينَ أَبَى عَلَيَّ الْهَدِيَّةَ )) .

[أخرجه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك]

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (( إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقَاتِلَ مَعَهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ ، ثُمَّ اتَّفَقَا ، فَقَالَ : إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ )) .

 [ أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن عائشة ] .

إذاً المنافقون : ] يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ ، المنافقون يعادون المؤمنين بإيمانهم ، ويوالون الكافرين بكفرهم ، قال تعالى :

( سورة المجادلة الآية : 22 ) .

لا تجد مؤمناً يؤمن بالله واليوم الآخر يودّ من حاد الله ورسوله .

( سورة البروج )

أنت حينما تبذل مودتك للكافر فأنت منافق ، لا سمح الله ولا قدر .

( سورة المؤمنين ) .

عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ ، وَمَنَعَ لِلَّهِ ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، وَأَنْكَحَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ )) .

[الترمذي ، أحمد]

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi