English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "11"  من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة : الجهل بالكفر عذر إلى حين ، للدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام :

مع الدرس الحادي عشر من دروس العقيدة الإسلامية ، معنا اليوم موضوع دقيق جداً تأتي دقته من أن معظم المسلمين لا يستوعبونه ، فقد تجد إنساناً يرتكب خطأ كبيراً و قد يكون الخطأ اعتقادياً أو أن يكون الخطأ قولياً أو سلوكياً ، فيتهم هذا الإنسان بالكفر أو بالشرك أو بالابتداع ، مع أن إيمانه جيد لكنه لا يعلم ، فهذا الذي لا يعلم عند الله معذور ينبغي أن تعلمه .

هذا الموقف الواقعي ، الموقف الأخلاقي ، الموقف الرحيم ، هذا الذي ارتكب خطأ اعتقادياً أو خطأ قولياً أو خطأ سلوكياً لأنه لا يعلم ، لا ينبغي أن تطبق عليه القواعد الحرفية التي تعرفها ، أي مثلاً أعرابي في الصحراء يمتطي ناقته و على ناقته طعامه و شرابه ، أراد أن يستريح جلس ليستريح و أخذته سنة من النوم فلما استيقظ لم يجد الناقة ، هذا الكلام لا يقدره إلا من عرف الصحراء ، الإنسان إذا شردت عنه ناقته هو ميت لا محالة ، أيقن بالهلاك فجلس يبكي ثم يبكي ثم يبكي إلى أن أدركته سنة من النوم ، نام قليلاً فاستيقظ فرأى الناقة ، من شدة فرحته اختل توازنه ، و قال يا رب أنا ربك و أنت عبدي ، ألم يقع هذا بالكفر ؟ ألم ينطق بالكفر ؟ لقد نطق بالكفر ، و لكن عالماً جليلاً تعجبني كلمته يقول : ما كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر .

محور هذا الدرس أنه قد تجد إنساناً يرتكب خطأ كبيراً في عقيدته لأنه يجهل ، و يرتكب خطأ كبيراً في مقولته ، و يرتكب خطأ كبيراً في سلوكه بسبب أنه لا يعلم ، فهذا الذي لا يعلم ينبغي أن تعلمه ، لا أن تنصب نفسك عليه قاضياً تحكم عليه بالكفر و بالزندقة و بالشرك و بالابتداع ، هذا الموقف أنك وصي عن المسلمين و أنك مكلف أن توزع ألقاب الكفر و الشرك و البدعة على كل الناس هذا الموقف ليس مقبولاً ، قال بعض كبار الدعاة إلى الله : نحن دعاة و لسنا قضاة .

أولاً : هناك حقيقة أولى دقيقة صارخة هي أن الجاهل معذور بجهله ، ألم يقل الله عز وجل :

[ سورة التوبة : الآية 6]

فأنت مكلف أن تسمع المشرك كلام الله ، أن تسمع الكافر كلام الله ، أن تسمع الملحد كلام الله ، ينبغي أن تعطيه فرصة ، هو لا يعلم ، دعاة كثيرون إذا نطق المتعلم كلمة فيها انحراف خطير تقوم الدنيا و لا تقعد ، يتهم بالكفر و الزندقة و الإلحاد ، مع أنك لو اطلعت على سيرة النبي صلى الله عليه و سلم و قد جاءه شاب يسأله : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، و الله بمقياس التعلم وقاحة ما بعدها وقاحة و تطاول ما بعده تطاول ، ائذن لي بالزنا ، كأن تقول لإنسان في أعلى درجة من النزاهة ائذن لي بالسرقة ، فالصحابة كبر عليهم كلامه ، فالنبي قال دعوه ، تعال يا عبد الله اقترب ، تعلم من رسول الله كيف يدعو إلى الله :

" عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ "

[ أحمد ]

هذا الشاب يتصور أن أخته تزني ، هذا الذي يزني بها ينبغي أن يقتله ، يقول هذا الشاب: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم و ما شيء على وجه الأرض أحب عليّ من الزنا ، و خرجت من عنده و لا شيء أبغض إلي من الزنا ، أرأيت إلى هذا الصدر الواسع ، أرأيت إلى هذا الحلم ، في سيرة النبي لقطات رائعة .

مرة صحابي جليل عنده بستان في المدينة فإذا في البستان إنسان يأكل من ثمرات البستان

من دون إذنه ، إذاً هو سارق أليس كذلك ؟ فقيده و ساقه إلى النبي عليه الصلاة و السلام و قال للنبي الكريم : يا رسول الله هذا دخل بستاني و أكل من ثمره من دون إذني إذاً هو سارق ، فأجاب النبي إجابة ما أروعها من إجابة ، قال عليه الصلاة و السلام :

هلا علمته إذا كان جاهلاً ، و هلا أطعمته إذا كان جائعاً .

نحن الآن مشكلتنا في العالم أننا نعالج الأمر من آخر حلقة فيه ، هذا إرهاب ، هل واحد في العالم الغربي سأل هذا السؤال ما هي أسباب الإرهاب ؟ ما هي أسبابه ؟ هذا الشاب الذي أراد أن يهز أركان العدو لماذا فعل ذلك ؟ لأنه آمن ؟ لأن بيته قائم أم هدم بيته ؟ لأن أمه موجودة أم قتلت ؟ فقد أمه و أباه و بيته و لا أمل له أن يعيش ما عنده في حياته إلا أن يهز أركان العدو ، لو أنهم سألوا هذا السؤال ما هي الأسباب التي حملت هذا الإنسان على أن يضحي بحياته ، فنحن دائماً نعالج القضية من آخرها ، المعالجة لن تنجح ، لن تنجح المعالجة إلا إذا بدأت من أولها ، قال له : هلا علمته إذا كان جاهلاً ، و هلا أطعمته إذا كان جائعاً ، إن علمته لا يدخل بستانك من دون إذن .

و الله أنا كنت أسمع في هذه البلدة الطيبة كان هناك تقليداً عند كل أصحاب البساتين أنهم في طريقهم إلى السوق و هم يحملون إنتاجهم من الفواكه يضعون جزءاً من إنتاجهم في مكان عام ، كان يوجد في حي الصالحية مكان اسمه جرن الشاويش ، ساقية ماء طاهر عذب كل فلاح يأتي بسلة من الفواكه و يوجد سكين ، يوجد مشمش ، يوجد دراق ، يوجد أجاص ، يوجد تفاح ، إنسان يأكل حاجته ، فإن كان هناك حالات لا يوجد سرقة ، مرة كنت في بلدة في شمالي لبنان متمسكة بالدين كنت أمشي في الطريق كلما مررت ببستان هكذا قد اعتادوا أن يقدموا للضيف شيء من الفواكه ، قال له : هلا علمته إذا كان جاهلاً ، و هلا أطعمته إذا كان جائعاً .

درسنا اليوم لا تكن عصبي المزاج ، لا تكن ضيق الأفق ، لا تكن وصياً على المسلمين ، لا تنصب نفسك قاضياً ، قد تجد إنساناً يرتكب خطأ فادحاً في اعتقاده ، و قد تجد إنساناً يرتكب خطأ فادحاً في أقواله ، و قد تجد إنساناً يرتكب خطأ فادحاً في سلوكه ، إذا كان جاهلاً فهو معذور ، علمه ، فرق كبير بين أن تسحقه ، و بين أن تتهمه ، و بين أن تلغيه من وجود المسلمين ، و بين أن تعلمه و أن يتسع صدرك له ، هكذا الدعوة إلى الله .

و الله مرة قرأت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثاً ترك في نفسي أثراً بالغاً :

" عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ "

[ البخاري ]

اعتبر هذه معصية غلبة ، فرق كبير بين معصية الغلبة و بين معصية الكبر ، الإنسان قد تزل قدمه فيعصي ، هذا الإنسان لا ينبغي أن يلغى من وجودك لعله يستفيد ، لعله يتوب ، طبعاً أنا لست مع الذين إذا رأوا شارب خمر لعله ولي هذا لا نعرف ، هذه السحبات ما أنزل الله بها من سلطان ، هذا اسمه لعب بدين الله ، الخمر الخمر ، لكن هذا الذي يشرب الخمر لعله يتوب و يسبق هذا الذي ازدراه .

المعصية معصية أما أن تقول هذا ولي ، الله وضع سره بأضعف خلقه ، وضع سره بالعصاة ، هذا كلام فيه دجل و فيه كذب و فيه تزوير ، العاصي عاصي في أي مكان و في أي زمان .

فأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً          و ما خالفوا في مذهب الحب شرعاً

من هو الولي ؟ ليس الذي يمشي على وجه الماء ، و لا الذي يطير في الهواء ، و لكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال و الحرام ، أن يجدك حيث أمرك و أن يفتقدك حيث نهاك ، هذا محور الدرس .

إلى الأدلة : قال الله تعالى متحدثاً عن الحوارين :

[ سورة المائدة : الآية 112]

أليس هذا خطأ اعتقادياً كبيراً ؟ قال :

[ سورة المائدة : الآية 57]

هم يتوهمون أن الذي خلق الأكوان لا يستطيع أن ينزل مائدة من السماء ، هذا خطأ اعتقادي ، ما جاء وصفهم بأنهم كفار .

مثل آخر :

[ سورة الأعراف : الآية 138]

هذا خطأ اعتقادي آخر من أتباع سيدنا موسى .

أخرج الإمام أحمد في المسند ، و الإمام الترمذي في السنن بسند صحيح :

" عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ قَالَ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ قَالَ فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً "

أي شجرة يعكفون عليها و يعلقون عليها أسلحتهم ، هل اتهم هؤلاء أتباع السيد المسيح و أتباع سيدنا موسى و أصحاب النبي حينما قالوا و هم حديثو عهد بكفر أي أسلموا حديثاً ، هل تصدقون أن الإنسان إذا دخل في الإسلام حديثاً و بعد يومين جاء رمضان ترك الطعام و الشراب و لكنه قارب أهله ، لا يعلم ، لا شيء عليه ، لو أنه يعلم ينبغي أن يصوم ستين يوماً مقابله ، لا يعلم لا شيء عليه .

حديثو العهد بالإسلام معذورون عند الله عز وجل ، لا يكفرون و لا يشركون ، أي لا يتهمون بالشرك ، و الله عز وجل يقول :

[ سورة الأحزاب : الآية 5]

هذه أول حقيقة في هذا الدرس الجاهل حديث عهد بالإسلام معذور عند الله عز وجل .

أحياناً إنسان يعقد مع الله توبة نصوحة لكن مضى من عمره سنوات و سنوات هو في المعاصي و الآثام ، تدخل قريبته غير المحرم يصافحها أهلاً و سهلاً هو لا يعلم أن المصافحة هذا حكم تفصيلي أنها حرام ، لا ينبغي أن يعلو صوتك عليه و أن توبخه توبيخاً عنيفاً ، لا ، هو لا يعلم ، قل له يا أخي هذا فيه حكم شرعي ، طبعاً إياكم أن تظنوا أنني أعني بهؤلاء الذين يرتكبون بعض الأخطاء في عقيدتهم و في أقوالهم و في سلوكهم أنهم يعلمون ، إذا كانوا يعلمون هذا حكم آخر ، أنا بدأت هذا الدرس بأنه هناك فئة حديثة عهد بالإسلام ، أو حديثة عهد بكفر ، ليست من الكفر ببعيد ترتكب أخطاء في عقيدتها و في سلوكها و في أقوالها هذه ينبغي أن تكون عند المؤمنين معذورة ، و ينبغي أن يتسع صدرهم لمثل هذه الأخطاء :

[ سورة الأحزاب : الآية 5]

ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، و قد قال عليه الصلاة و السلام :

" رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه ."

الآن البند الثاني في هذا الدرس أن الواجب على الجاهل أن يتعلم الحق و أن يصغي إليه ، و أن يسأل أهل العلم ، قال تعالى :

[ سورة النحل : الآية 43]

اسأل أهل الذكر : هم أهل القرآن و السنة ، من أسماء القرآن : الذكر ، اسألوا أهل الذكر: أي أهل القرآن ، اسألوا من أكرمهم الله بمعرفة أحكامه و حدوده و محكمه و متشابهه  و قصصه و مشاهد القيامة فيه :

[ سورة النحل : الآية 43]

و يوجد آية ثانية :

[ سورة الفرقان : الآية 59]

كأن هناك من يعرف الله عز وجل هذا عالم بالله ، و هناك من يعرف أمره و نهيه و هذا عالم بأمر الله ، فأنت بحاجة مرة إلى أن تسأل أهل الذكر ، أهل من يعرف الأمر و النهي ، و أنت بحاجة مرة ثانية إلى أن تسأل أهل المعرفة بالله عز وجل :

[ سورة الفرقان : الآية 59]

[ سورة النحل : الآية 43]

بل إني أقول إن الذي عرف جانباً من عظمة الله عز وجل يبادر إلى السؤال عن الحكم الشرعي في أي موضوع يعانيه ، من علامة صدقه مع الله أنه يسأل ما حكم الشرع في هذا العمل ؟ في هذه النفقة ؟ في قبض هذا المبلغ ؟ في هذا العقد ؟ في هذه التجارة ؟ في هذه السفرة ؟ في هذا الزواج ؟ فعلامة إيمانه أنه يسأل .

بل من لوازم معرفته بالله أنه حريص على طاعته ، الجاهل ينبغي أن يسأل ، و العالم ينبغي أن يبين ، هذان واجبان متقابلان ، الجاهل يسأل ، و العالم يبين ، الدليل على أن العالم ينبغي أن يبين هو قول الله عز وجل :

[ سورة البقرة ]

أي ما معنى أنه يدعو إلى الله ؟ أي هو أمين على هذا العلم ، أمين لا يمكن أن يكتم منه شيئاً ، طبعاً أوضح مثل أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لما رأوا أن الشمس كسفت في وقت يتزامن مع موت إبراهيم ابن رسول الله ، لمحبتهم لرسول الله و لتقديسهم له ربطوا كسوف الشمس بموت إبراهيم ، فقالوا : إن الشمس كسفت لموت إبراهيم ، فلما سمع النبي هذا الكلام ، هنا جمع أصحابه و قال :

إن الشمس و القمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه .

إذا إنسان مرتزق بالدعوة و قيل له ربطوا ظاهرة طبيعية بحالة من حالات الشيخ ، شيء مريح جداً ، طبعاً يا بني هذه الحقيقة بارك الله بكم ، هذا دجال ، ينبغي أن تقول الحق ، هذه أمانة ، ينبغي أن تنطق بالحق ، و ألا تعجب بهذا الذي يقوله الناس عنك ، لا يوجد علاقة ، سيد الخلق كان قدوة ، الحقيقة فكرة مريحة الشمس كسفت يا أخي لعلو مقام هذا الإنسان عند الله ، يوم توفي ابنه إبراهيم كسفت الشمس ، قال لهم : لا ، إن الشمس و القمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه .

شخص قال لشيخ قال له : أنا عندما أضع يدي على الجرس في بيتك يكون قلبي يدق مئة و ثمانين دقة يرجع ثمانين طبيعي ، قال له : و الله غير صحيح لا علاقة لها هذا وهم .

دع الدين طبيعي ، اجعل الدين حياة الإنسان الطبيعية ، لا تبالغ ، لا تقل هذا يصلي الفجر أربعين عاماً بوضوء العشاء ، هذه فوق طاقة البشر ، لا تيئسنا ، لا تعطنا فكرة نحن لم نصلِ أبداً ، كلما تجعل الدين حالات نادرة جداً ، حالات خاصة ، حالات لا يمكن أن تقع نحيته عن الحياة ، جعلته شيئاً غير واقعي ، كلا أنام و أقوم ، هكذا كان النبي و هو أشد الناس خشية لله أنام و أقوم ، أصوم و أفطر ، آكل اللحم ، أتزوج النساء ، هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي .

أحياناً المبالغة غير المعقولة يكون معها انحراف غير معقول ، الإنسان يكون واقعي ، هذا الدين دين الفطرة ، هذا الدين دين الواقع ، هذا الدين دين متوازن ، دين وسطي ، دين معتدل لا يوجد فيه مبالغات ، و أنت في حالاتك الطبيعية تأكل و تشرب و تنام و تتزوج و تؤسس عملاً و تدرس و تأخذ شهادة و قد تكون في أعلى حالات القرب مع الله عز وجل .

الجاهل يتعلم و العالم يبين ، بعضهم يقول : الولي يستحي بكرامته كما تستحي المرأة بدم حيضها ، لما أنت الأضواء كلها تسلطها على ذاتك و هذا الشيء صار كرامة لي أي يوجد قصص ما أنزل الله بها من سلطان تروى ، يقول عليه الصلاة و السلام :

"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ "

[ ابن ماجه ]

هذا الذي يكتم علماً ألجمه الله بلجام من نار هل يوجد حالة أشد من هذه ؟ من يعرفها ؟ الأشد منها أن تفتي بخلاف ما تعلم ، تعلم الوجه الصحيح تفتي بخلافه طمعاً في إرضاء قوي أو مبلغ أو مكانة ، أي بالنهاية الدعاة إلى الله نوعان : داعية معه الحق و الناس هنا ، فهناك دعاة يسعون جاهدين لرفع الناس إلى مستوى الشريعة ، و هناك دعاة آخرون بدل أن يرفعوا الناس إلى مستوى الشريعة يهبط إليهم ، هذه أسهل ، يعطي فتاوى بلا قيد و لا عدد ، يعطي الفتاوى بلا حساب ، هذه بشارة لكم إن شاء الله و لي معكم ، من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه كان له كأجر حاج تامة حجته .

شخص له مع إنسان مبلغاً أين أجده ، لم أجده ، قال له : يوجد بالجامع يوم الأحد ، فجاء ليأخذ دينه ، يقول لي هذا الأخ و الله هدفي أن ألتقي مع غريمي ، سمعت الدرس أعجبني لي سبع سنوات لم أترك الدرس أبداً ، هذا قال عنه الإمام الغزالي : أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله .

و قد قيل يقول بعض علماء القلوب : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، مرة أخرى : من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه كان له كأجر حاج تام الحجة .

و الحديث المعروف :

" عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ قَالَ لَا قَالَ وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ قَالَ لَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ..."

[ أبو داود ، الدارمي ]

البند الأول : أن الجاهل حديث العهد بالإسلام معذور بجهله و ينبغي أن تستوعبه ، و ينبغي أن يتسع صدرك له ، و ينبغي ألا تعنفه ، و ينبغي ألا تتهمه بالكفر ، و لا بالشرك ، و لا بالفسق ، و لا بالبدعة .

و البند الثاني : الجاهل عليه أن يطلب العلم و العالم عليه أن يبين ، و ألا تأخذه في الله لومة لائم .

البند الثالث هو الخطير لا عذر لأحد بعد العلم ، كان معك فرصة قبل أن تعلم ، بعد أن علمت لا عذر لأحد .

بماذا احتج الله على أهل النار ؟

[ سورة الملك ]

فحينما يأتيك العلم انتهى العذر و عندئذ لا حجة لك فيما تفعل :

[ سورة مريم : الآية 59]

و في آية ثالثة :

[ سورة النساء : الآية 115]

هذه آية ثالثة ، و في حديث صحيح يؤكد هذا المعنى :

" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ارْحَمُوا تُرْحَمُوا وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ اللَّهُ لَكُمْ وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ "

[ البخاري ، الترمذي ، أبو داود ، أحمد ]

يصر على ما يفعل ، لذلك قالوا : النبي عليه الصلاة و السلام معصوم بمفرده ، أما أمته فمعصومة بمجموعها ، لكن النبي معصوم و الولي محفوظ أي لا تضره معصية ، ليس معنى ذلك أنه يرتكب معصية فلا تضره ، لا ، إن ارتكب معصية سريعاً ما يتوب منها ، و يغير أي لا يبقى على معصية فوراً يتوب منها ، و يقول عليه الصلاة و السلام :

" عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ "

[ الترمذي ، الدارمي ]

و لأبي الدرداء رضي الله عنه كلمة طيبة قال : إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي يا عويمر ، فأقول : لبيك ربي ، فيقول : ما عملت فيما علمت ؟

[ سورة الصف ]

أيها الأخوة :

الله عز وجل حينما أثنى على النبي صلى الله عليه و سلم أثنى عليه بحسن خلقه و يكاد حسن الخلق يذهب بالخير كله ، بل إن حسن الخلق يعدل الصيام و القيام ، النفل طبعاً .

 فأيها الإخوة :

نحن بحاجة إلى دعاة لهم صدر واسع ، لهم نفس طويل ، لهم حلم كبير ، لهم بصيرة نافذة، لهم غيرة على هذا الدين ، أما كل إنسان وقع بغلطة أمامك رأساً إعدام ، كافر ، مشرك، مبتدع ، فاسق ، عاص ، ما هكذا يا سعد تورد الإبل ، ما هكذا يدعى إلى الله .

ورد في بعض الآثار القدسية لو يعلم المعرضون انتظاري لهم و شوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، و لماتوا شوقاً إلي ، هذه إرادتي في المعرضين فكيف في المقبلين .

إذا الله عز وجل قال :

[ سورة فصلت : الآية 34]

يوجد توجيهات كثيرة جداً تبين أنه عليك أن تحسن :

[ سورة المائدة : الآية 8]

[ سورة التوبة : الآية 7]

[ سورة الممتحنة : الآية 8]

ممكن أن تتعايش مع غير المسلمين ، يمكن أن تزورهم ، و أن تهنئهم بمولود ، و أن تساعدهم ، و أن تبين لهم عظمة أخلاق المؤمن ، و رحابة صدره و تسامحه ، أما أن يختلط في ذهنك أخلاق الدعوة مع أخلاق الجهاد فهذه الطامة الكبرى .

هناك أخلاق للدعوة و هناك أخلاق للجهاد ، أخلاق الجهاد شيء آخر :

[ سورة التوبة : الآية 73]

هذه أخلاق الجهاد ، هذه أخلاق الحرب ، أما في الحياة المدنية فيما بينك و بين من حولك من الناس لا أقول من المؤمنين ، قال تعالى :

[ سورة فصلت : الآية 34]

[ سورة فصلت : الآية 35]

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi