English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "13"  من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة : آداب و أركان شهادة أن محمد رسول الله ، للدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام :

مع الدرس الثالث عشر من دروس العقيدة و ننتقل اليوم إلى شهادة أن محمداً رسول الله .

أيها الإخوة الكرام :

يمكن أن يكون الدين كله في محورين ، شهادة ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله ، شهادة ألا إله إلا الله كلمة التوحيد ، و أن محمداً رسول الله كلمة المنهج الذي جاء به النبي عليه الصلاة و السلام ، مراد الله يتضح من سنة النبي عليه الصلاة و السلام أي :

[ سورة آل عمران : الآية 31]

هذه الكلمة كلمة شهادة أن محمداً رسول الله أولاً فيها مرتكزات ثلاثة ، المرتكز الأول الأدب الذي ينبغي أن نكون عليه مع رسول الله ، و المرتكز الثاني مقتضيات هذه الكلمة ، و المرتكز الثالث مبطلات هذه الكلمة ، الآداب و المقتضيات و المبطلات ، لنبدأ بالأدب و ليس أمامنا إلا كتاب الله عز وجل و سنة رسوله في هذا الموضوع .

فالله عز وجل حينما قال :

[ سورة النور : الآية 62]

و إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه :

[ سورة النور : الآية 62]

أي أنت عضو في جماعة ، أنت ضمن أسرة ، ينبغي أن تتحرك بتنسيق مع رب الأسرة ، هل يعقل أن يسافر ابن إلى مكان بعيد دون أن يستأذن أباه ؟ مستحيل ، و مجتمع المؤمنين مجتمع أسرة :

[ سورة الحجرات : الآية 10]

و على رأس هذا المجتمع سيد الخلق و حبيب الحق ، فإذا كنت في مجتمع مسلم ينبغي أن يكون هناك تنسيق بينك و بين بقية أخوتك ، و أن يكون هناك استئذان بينك و بين من تتلقى العلم منه ، مرة لي درس في جامع آخر فإمام المسجد إنسان أحبه و الله و أقدره لكن لاحظت أنه غاب عن الإمامة عدة أسابيع ، من عادته أنه إذا غاب في الأعم الأغلب يكون في العمرة فلما عاد إلى الإمامة و سلمت عليه عاتبني قال : أنا مريض لم تزرني ، قلت له : غبت مرات عديدة و كنت في العمرة ، أنا حينما غبت هذه المرة غلب على ظني أنك في العمرة ، و لو أنك طبقت سنة رسول الله و أعلمتني قبل أن تذهب إلى العمرة ثم عدت فهنأتك هذا الوضع الطبيعي أما أنت حينما لم تعلمني في العمرات السابقات غيابك هذه المرة ظننته في عمرة ، إذاً هناك خلل في العلاقة بيننا حتى على مستوى جامع ، على مستوى جماعة يوجد شيء اسمه استئذان ، إعلام ، تنسيق ، نوع من العلاقة الطيبة مع إخوانك الكرام .

فهو سيد الخلق لا ينبغي أن تذهب دون أن تستأذنه :

[ سورة النور : الآية 62]

إذاً من الأدب الذي بينه القرآن الكريم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تستأذنه إذا سافرت ، يوجد أدب آخر ، يقول الله عز وجل :

[ سورة النور : الآية 63]

النبي عليه الصلاة و السلام لا يمكن أن يكون دعاؤه مناداته مخاطبته كما تخاطب أخاً لك أو كما تخاطب صديقاً لك .

من أدق التفاسير حول هذه الآية أن ابن عباس رضي الله عنه قال : كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه و سلم ، قال : فقولوا يا نبي الله ، يا رسول الله .

لذلك أحد طلاب العلم جلس في مجلس علم و لم يكن كما ينبغي فقال له الشيخ : يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك ، و الحياة كلها أدب ، بل إن النبي عليه الصلاة و السلام حينما دهش أصحابه من أدبه الرفيع سألوه مرة يا رسول الله : ما هذا الأدب ؟ فقال : أدبني ربي فأحسن تأديبي .

لا تعرف قيمة الأدب عند المؤمن إلا إذا صاحبت غير المؤمن ، مزاحه رخيص ، ألفاظه فاحشة ، طرفه جنسية ، تستحي أن تستمع إليه ، المؤمن يضبط لسانه ، كلامه لطيف ، رقيق الشعور ، يعتذر ، يستحيي ، فالأدب هو عنوان الإيمان ، لذلك قال بعض العلماء : الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان :

[ سورة النور : الآية 63]

كما قلت قبل قليل : لا تقولوا يا محمد ، يا أبا القاسم ، يا بن عبد الله ، و لكن قولوا يا رسول الله ، يا نبي الله ، هذا هو الأدب .

يوجد آية ثانية تؤكد هذا المعنى :



[ سورة الحجرات ]

 

أي عنوان إيمانك الأدب الرفيع الذي تتحلى به ، سيدنا حمزة سئل مرة أيكما أكبر أنت أم رسول الله ، قال : هو أكبر مني و أنا ولدت قبله ، سيدنا يوسف قال :

[ سورة يوسف : الآية 100]

أيهما أخطر بربكم النجاة من السجن أم النجاة من الجب ، الجب موت محقق لكن لم يذكر الجب لئلا يذكر أخوته بعملهم ، قال :

[ سورة يوسف : الآية 100]

أحياناً تلاحظ من أخوك المؤمن أدب رفيع جداً ، هذا الأدب الرفيع هو ثمرة من ثمار الإيمان ، كان عليه الصلاة و السلام لا يواجه الناس بما يكرهونه .

من أخلاق المؤمن أنه لا يحمر الوجوه ، أحياناً تضيق على إنسان حتى تحرجه و حتى تلجئه إلى أن يكذب ، لا تحمر وجه أخيك ، رد الطرف عن زلته ، اقبل منه عذره و لو لم يكن صادقاً ، التمس لأخيك عذراً و لو سبعين مرة ، من جاءه أخوه متنصلاً فليقبل منه محقاً كان أو مبطلاً ،فالأدب مع رسول الله هذه آيات كريمة تحدده و تبينه و تحدد معالمه ، و الأدب مع إخوانك المؤمنين أيضاً هذا ينبغي أن يكون .

يوجد معنى آخر في قوله تعالى :

[ سورة النور : الآية 63]

يقول الحسن البصري أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره ، فإن دعاءه مستجاب ، فاحذروا أن يدعوا عليكم فتهلكوا .

دعاؤه هو مستجاب الدعوة ، ثم يقول الله عز وجل :

[سورة النور : الآية 63]

إخوانا الكرام :

علامة محبة الله اتباع سنة رسول الله بدليل أن الله عز وجل يقول :

[ سورة آل عمران : الآية 31]

من الأحاديث الشريفة الصحيحة أن النبي عليه الصلاة و السلام فيما رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عليه الصلاة و السلام :

إني ممسك بحجزكم عن النار هلم عن النار وتغلبونني تقاحمون فيه تقاحم الفراش فأوشك أن أرسل بحجزكم وأنا فرطكم على الحوض فتردون علي معاً وأشتاتاً فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله ويذهب بكم ذات الشمال وأناشد فيكم رب العالمين فأقول أي ربي أمتي فيقول يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرة على أعقابهم فلا أعرفن أحدكم يوم القيامة يحمل شاةً لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئاً قد بلغتك فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بغيراً له رغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئاً قد بلغتك فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئاً قد بلغتك فلا أعرف أحدكم يوم القيامة يحمل سقائاً من أدم ينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئاً قد بلغتك "

هذا الحديث الطويل أراد النبي عليه الصلاة و السلام أنك لا تستطيع أن ترد حوض النبي يوم القيامة إلا إذا كنت مستقيماً في الدنيا ، فإذا اغتصبت شاة أو اغتصبت ناقة أو اغتصبت سقاء من أدم من جلد و جئت النبي عليه الصلاة و السلام و قلت يا محمد يا محمد يقول لك قد بلغتك ، و قد سأل النبي ربه أن ينجي أمته فيقول يا محمد لا تدري ماذا أحدثوا بعدك .

لذلك الحديث الفيصل في هذا الموضوع :

" يا فاطمة بنت محمد ، يا عباس عم رسول الله ، أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ، لا يأتيني الناس بأعمالهم و تأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه "

أيها الإخوة :

علامة تقديرك لرسول الله أدبك معه ، إذاً بعد موته صلى الله عليه و سلم ؟ أدبك مع سنته، من ألطف ما قرأت حول قوله تعالى :

[ سورة الحجرات : الآية 1]

أي يوجد آية واضحة لا تقدم أشياء أخرى تخالف هذه الآية ، لا تقدم مقترحات تناقض سنة النبي ، لا تبدي آراء تعاكس ما جاء به الوحيان الكتاب و السنة :

[ سورة الحجرات : الآية 1]

بجلسة أحياناً تتكلم عن شيء من سنة النبي يقول لك أحدهم هذه غير معقولة ، ماذا فعل ؟ قدم بين يدي الله و رسوله ، قدم كلاماًَ مناقضاً لفعل النبي ، قدم كلاماً مناقضاً لسيرة النبي ، فأنت أدبك في حياته كما فعل أصحاب رسول الله ، و أدبك بعد مماته أن تعظم سنة النبي عليه الصلاة و السلام .

لذلك قال الله تعالى :

[ سورة الأنفال : الآية 33]

مادامت سنتك مطبقة في حياتهم فهم في بحبوحة من عذاب الله ، أي الإنسان إما أنه مطبق أو أنه مستغفر ، في كلا الحالين هو في بحبوحة و في مأمن من عذاب الله ، علامة أن الله سبحانه و تعالى يعطيك أماناً أنك في طاعته ، أو أنك أخطأت لكنك تستغفر ، فالأدب مع رسول الله في حياته واجب كل مؤمن ، و الأدب مع سنة النبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته واجب كل مؤمن ، أجمل ما قاله بعض الصحابة الكرام أظنه سيدنا سعد بن أبي وقاص قال :

ثلاثة أنا فيهن رجل و فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، من هذه الثلاثة ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى .

أتمنى لو أن كل مؤمن قرأ أحاديث رسول الله و اعتقد أنها هي الحق و أن مخالفتها يورث الهلاك لكنا في حال غير هذا الحال ، أي النبي عليه الصلاة و السلام في بعض أحاديثه الجامعة المانعة الموجزة يقول :

لا يخافن العبد إلا ذنبه و لا يرجون إلا ربه .

شيء واحد ينبغي أن تخاف منه أن تقع في ذنب وإذا وقعت في مشكلة لابد من جهة واحدة هي التي يمكن أن تنقذك منها إنها الله عز وجل هذه الجهة الوحيدة في الكون التي تنقذك مما أنت فيه الله جل جلاله ، لا يخافن العبد إلا ذنبه و لا يرجون إلا ربه .

أيها الإخوة :

ركيزة شهادة أن لا إله إلا الله أن تكون متأدب مع رسول الله في حياته وبعد مماته في حياته مع شخصه ومع توجيهاته وبعد مماته مع سنته المطهرة أن تعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام  لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى كلامه صلى الله عليه وسلم ليس من ثقافته ولا من خبرته ولا من بيئته ولا من كلامه فقط من وحي السماء لذلك لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

الآن شهادة أن محمد رسول الله ما مقتضياتها أو ما أركانها ؟

أول مقتضى لهذه الشهادة أن تصدق النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان تصديق والكفر تكذيب أن توقن حقاً أن هذا الإنسان ليس عبقرياً ولا مصلحاً اجتماعياً ولا شخصيةً فذةً إنما هو رسول الله هذا الإنسان هو رسول الله لكن قد تلتقي مع أناس كثيرين يطرحون عليك أنه عبقري أنه مصلح اجتماعي أنه استطاع أن يلم شمل الأمة هذا كلام كله غير صحيح إنه رسول الله يوحى إليه فأول مقتضى من مقتضيات الإيمان برسول الله أن تصدق أنه رسول الله حقاً يخبر عن الله عز وجل و يوحى إليه بشرع ناسخ للشرائع السماوية السابقة ،  إنسان يوحى إليه  هناك أشخاص كثيرون من أديان أخرى يقدسون النبي عليه الصلاة والسلام ويعظمونه ويتحدثون عن عبقريته وعن إصلاحه للأمة وعن جمعه لشمل الأمة وعن ... القضية الفيصل بينك وبينه هل تعتقد أنه رسول يوحى إليه هنا أما التعظيم سهل فأول مقتضى من مقتضيات الإيمان برسول الله أن تصدقه أنه رسول يتلقى الوحي من الله عز وجل هكذا يجب أن تعتقد أن هذا الإنسان هو رسول .

[ سورة النساء : الآية 136]

النبي باعتقاد المؤمن هو رسول الله ، في الصحيحين :

" عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ لِي إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ الْوَفْدُ قَالُوا رَبِيعَةُ قَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ أَوْ الْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَسَأَلُوا عَنْ الْأَشْرِبَةِ فَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَظُنُّ فِيهِ صِيَامُ رَمَضَانَ وَتُؤْتُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ ......"

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ]

أي بالإيمان لا يوجد حل وسط ، التصديق حدي ، هل أنت مصدق مئة بالمئة أن هذا الإنسان رسول الله و أنه يوحى إليه و أن كل أقواله و أفعاله و إقراره حق من الله تعالى ؟ فانتهى الاعتراض و انتهت المناقشة و انتهى النقد .

أيها الإخوة الأكارم :

هل يكفي أن نؤمن أنه رسول الله و أنه يوحى إليه و أن ما جاء به من عند الله وحده و أن كلامه و إقراره و فعله و صفته تشريع ينبغي أن نأخذ به ؟ الجواب نعم و لا ، نعم ينبغي أن نؤمن بهذا ، و لا لا يكفي أن نؤمن بهذا دون أن نتبع هذا النبي ، الاتباع سهل جداً أن تنتمي لجماعة ، من السهل جداً أن تعلن ولاءك لفئة ، لكن البطولة لا في إعلان الولاء و لكن في الاتباع ، الاتباع يقتضي جهد ، الاتباع يقتضي مجاهدة النفس و الهوى ، الاتباع يقتضي أن تتنازل عن حظوظك لمرضاة الله عز و جل ، الاتباع يقتضي أن تلزم نفسك بطاعة رسول الله :

[ سورة آل عمران : الآية 31]

هذه الآية أصل في هذا الموضوع ، الله عز وجل يقول :

[ سورة الحجرات : الآية 1]

أي أن تتبع و لا أن تعترض ، أن تتبع لا أن تقترح ، أن تتبع مثلاً لو قالوا الفجر أربع ركعات و الظهر ركعتين مثلاً ، النبي علمنا كيف نصلي ، و صلوا كما رأيتموني أصلي ، يوجد أشياء كثيرة الإنسان بحكم ضعف إيمانه يتمنى أن تكون على غير ما هي عليه ، علامة إيمانك برسول الله أنك تتبعه من أعماق أعماقك ، أذكر لكم صفات المؤمنين :

[ سورة الأحزاب : الآية 36]

 

أحياناً بالمؤتمرات قبل أن يجتمعوا يقولون هناك قضايا لا نوافق أن تدرج في جدول الأعمال ، كذلك المؤمن إذا الله عز وجل قضى أمراً إما تشريعاً أو قضاء و قدراً :

[ سورة الإسراء : الآية 23]

شيء الله قضاه ، حكم شرعي جاء من كلام النبي عليه الصلاة و السلام ، فهذا الذي قضاه النبي لا يمكن أن يكون في صدرك حرج منه :

[ سورة الأحزاب : الآية 36]

أي أنت مخير في المباحات و لست مخيراً في الفرائض و الأحكام ، علامة إيمانك أن تفعل ما أمرك به النبي ، شخص أحياناً يحتار أشتري هذا البيت أم هذا البيت ، هذا البيت صغير لكنه نحو الجهة القبلية ، هذا البيت كبير لكنه نحو الجهة الشمالية ، هنا في حيرة ، شراء البيتين من المباحات ، فالخيرة تأتي من أشياء مباحة أما أصلي أم لا أصلي ، هذه لا يوجد بها خيار ، ينبغي أن أصوم أو لا أصوم لا يوجد خيار ، إذا للزوجة فرضاً الربع أو الثمن بحسب قواعد الميراث لا يوجد خيار ، الله عز وجل قضى بهذا ، جميع الأحكام القرآنية و الأحكام النبوية لا يوجد لك خيار بها هذا من مسلمات الإيمان بالله و رسوله :

[ سورة الأحزاب : الآية 36]

تدبر القرآن من معاني التدبر أنه كلما قرأت آية تعرض نفسك عليها ، هل أنا كذلك ؟ أي قد يحرم الإنسان من نصيبه من الإرث بحسب نوع قرابته هل تعترض هذا حكم الله عز وجل؟ الله عز وجل كماله مطلق ، فحينما يقضي الله أمراً و حينما يقضي النبي أمراً لا يمكن لمؤمن أن يكون لهم الخيرة من هذا ، هذا شرع الله عز وجل .

يوجد آية ثانية :

[ سورة النساء : الآية 65]

هذا كلام رب العالمين ، لو أنه رفعت قضيتك إلى قاض شرعي و القاضي الشرعي حكم لك بسنة النبي و أنت لم تكن راضياً عن هذا الحكم ، ففي إيمانك خلل كبير ، مرة ثانية :

لو أنه اختلفت مع أخ و رفعت القضية إلى قاض شرعي و هذا القاضي الشرعي حكم لك وفق سنة النبي و أنت كنت منزعجاً لم تكن راضياً ففي الإيمان خلل كبير :

[ سورة النساء : الآية 65]

الأصح ليس في إيمانك خلل بل إنك لست مؤمناً :

[ سورة النساء : الآية 65]

أي إنسان يعقد عقده على امرأة لأيام ثم يجد أنه لا رغبة له فيها فيطلب الفراق يجب عليه نصف المهر ، إنهم يومان ثلاثة ، هل أنت منزعج ؟ هذه ابنة كرام الناس لها مكانة ، لها مشاعر ، ذاع بين الناس أنك خطيباً لها و أنها زوجة لك ،  فهكذا الشرع ، مليون ، نصف مليون ، خمسة أيام كل يوم مئة ألف :

[ سورة النساء : الآية 65]

أيها الإخوة :

ثلاث آيات تبين أن اتباع النبي جزء من إيمانك :

[ سورة الحجرات : الآية 1]

[ سورة الأحزاب : الآية 36]

[ سورة النساء : الآية 65]

 

أي أروي قصة دائماً النبي عليه الصلاة و السلام قال مرة لأصحابه قبيل معركة بدر لا تقتلوا عمي العباس ، أي يوجد شخص فكر قال : أيقتل أحدنا أباه و أخاه و ينهانا عن قتل عمه ما استساغ هذا ، ثم اتضح له أن عم النبي كان مسلماً و كان عينه في قريش ، فلو أن عم النبي لم يخرج مع المشركين لكشف نفسه ، و لو أن النبي عليه الصلاة و السلام ذكر أنه مسلم لا تقتلوه لكشفه ، و لو أن النبي عليه الصلاة و السلام سكت لقتلوه ، فلابد من أن يقول هذا الكلام المختصر لا تقتلوا عمي العباس ، ثم اتضح أن عمه كان مؤمناً ، و كان مكلفاً بمهمة في قريش ، و كان يعبد الله سراً ، و كان عينه على قريش ، يقول هذا الرجل و الله ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .

لذلك قال عليه الصلاة و السلام فيما ورد بصحيح مسلم :

"عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا "

[ مسلم ، الترمذي ، أحمد ]

رضي بهذا الإنسان رسول الله ، كلامه وحي ، أفعاله سنة ، إقراره تشريع ، و انتهى الأمر .

أيها الإخوة :

النبي عليه الصلاة و السلام أوتي القرآن و مثله معه ، ما معنى مثله ؟ أي السنة ، الكتاب و السنة ، فكلا الوحيين الكتاب و السنة من الله العظيم ، القرآن وحي متلو و السنة وحي غير متلو .

 مقتضيات الإيمان برسول الله :

أن تصدقه أنه رسول من عند الله و أنه يوحى إليه و أن شريعته ناسخة للشرائع السابقة ، ثم أن تتبعه ، ثم أن تزكي النفس بهديه و سنته ، كيف كان مع أهله ؟ مع أولاده ؟ مع جيرانه؟ مع أصحابه ؟ كيف كان غضبه ؟ كيف كان رضاه ؟ كيف يعامل زوجته ، يجب أن تتزكى بهديه صلى الله عليه و سلم ، و الدليل قول الله عز وجل :

[ سورة الأحزاب : الآية 21]

أخوتنا الكرام :

لابد من هذه القاعدة : ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، الصلاة فرض فرض ، هل تتم الصلاة من دون وضوء ؟ لا ، الوضوء إذاً فرض ، هذه القاعدة طبقها على سنة النبي ، الله عز وجل يقول :

[ سورة الحشر : الآية 7]

إذاً هذه الآية ماذا تقتضي ؟ كيف يتم أن تأخذ ما آتاك الرسول و أن تنتهي عما نهاك عنه الرسول كيف ؟ لا بد من معرفة ما آتاك و ما نهاك ، إذاً معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم ، أنت كيف تصلي لأن الصلاة فرض ، لماذا تصوم ؟ لأن الصيام فرض .

يجب أن تتعرف إلى سنة النبي القولية بماذا أمرك و عن أي شيء نهاك ، لأن اتباع النبي فرض عليك ، أنا أقول دائماً متى تعالج ارتفاع الضغط عندك ؟ إذا علمت أنه معك ارتفاع ضغط ، متى تستطيع أن تأخذ ما أتاك الرسول ، و متى تستطيع أن تنتهي عما نهاك عنه الرسول ؟ إذا كنت تعلم ماذا آتاك و ماذا نهاك ، إذاً هذه الآية التي تقتضي الوجوب لا يمكن أن تطبق إلا إذا تعرفت إلى سنة النبي صلى الله عليه و سلم القولية ، إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه و سلم القولية فرض عين على كل مسلم .

الآن إذا قال الله لك :

[ سورة الأحزاب : الآية 21]

كيف يكون النبي لك أسوة حسنة إن لم تتعرف إلي سيرته ؟ إذاً تقتضي هذه الآية أن تتعرف إلى سيرة النبي ، إذاً معرفة سيرة النبي أو سنته العملية فرض عين على كل مسلم من خلال هاتين الآيتين :

[ سورة الحشر : الآية 7]

من خلال هاتين الآيتين يقتضي و هو فرض عين أن تتعرف إلى سنة النبي القولية و إلى سنته العملية هذا واجب ، أي في كل بيت يجب أن يكون هناك كتاب أحاديث صحيحة ، في كل بيت ينبغي أن يكون هناك كتاب سيرة من أفضل كتب السيرة ، يقول عليه الصلاة و السلام في الصحيحين :

"عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "

كيف ؟ المعنى الدقيق كيف يكون النبي عليه الصلاة و السلام أحب إليك من والديك و أولادك و الناس أجمعين ؟ الحقيقة عند التعارض ، أي إذا كان طلب ابنك أن تفتح له محلاً مثلاً ليس شرعياً يبيع موسيقا ، يبيع أشرطة ، يؤجر أفلام فيديو ، و ألح عليك و أنت وجدت أن إرضاؤه جيد مع أن عصيت رسول الله في إرضائه فهذه المشكلة ينبغي أن تحب رسول الله أي أن تطبق سنته دون أن تعبأ بما يتمناه عليه والداك أو أولادك أو الناس أجمعين .

لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه أي حتى تكون سنة النبي أحب إليك من والدك و ولدك و الناس أجمعين ، و قد قال عليه الصلاة و السلام :

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ "

[ مسلم ، أحمد ]

أي بصراحة في حياة كل منا شخصية يتمنى أن يكونها ، و شخصية يكره أن يكونها ، و شخصية يكونها ، أنت لك شخصية دائماً يوجد بذهنك شخصية هي قدوة لك ، و يوجد شخصية أخرى تحتقرها ، قل لي من الشخص الذي تتمنى أن تكون على دربه أقل لك من أنت ، أهل الدنيا اجلس مع التجار مثلاً فلان عنده ثروة فلكية ، فلان بصفقة واحدة حقق ثلاثمائة مليون ، فلان اشترى أرضاً كلما جلس يتحدث عن فلان ، معنى فلان هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها ، هذا في عالم التجارة ، في عالم الصناعة المعمل الفلاني ثلاث ورديات ، حجم إنتاجه في اليوم ثلاثمائة ألف قطعة مثلاً ، يتحدث فأنت اسأل نفسك هذا السؤال ما الشخصية التي تتمنى أن تكون على دربها ؟ المؤمن قطعاً الشخصية التي يتمنى أن يكونها هو رسول الله ، أن يكون على دربها ، على منهجها ، الآية الثانية :

[ سورة الأحزاب : الآية 21]

لن يكون النبي لك أسوة حسنة إلا إذا أردت الله و أردت رسول الله و الدار الآخرة ، و ذكرت الله كثيراً ، دخل إلى بيته قال : أعندكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فإنني صائم .

أحياناً تدخل إلى البيت الأكل لم ينضج يقيم الدنيا و لا يقعدها ، يوجد طعام لكن تأخر قليلاً إذاً المؤمن دخل للبيت يوجد مشكلة النبي ماذا فعل ؟ كان رقيقاً ، كان حليماً ، كان لطيفاً ، كيف أن النبي كان واحداً من أصحابه و عليه جمع الحطب ، كنت برحلة يوجد أشخاص يرتاح ينام يدعونه للطعام لا يدفع ، و لا يعمل ، النبي قال و عليّ جمع الحطب ، قالوا : نكفيك ذلك ، قالوا : أعلم أنكم تكفونني و لكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .

إخوانا الكرام :

آخر مقتضى لإيمانك بأن النبي عليه الصلاة و السلام هو رسول الله يجب أن تزكي نفسك بهديه ، دخل إلى البيت أعندكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فإني صائم ، أي أخلاقه رضية ، حليم ، رقيق ، فنماذج ، كان إذا أتى مريضاً أو أوتي به قال : أذهب البأس رب الناس ، اشف و أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً ، و أنت إذا زرت مريضاً ينبغي أن تتخلق بهذه الأخلاق .

كان إذا أتاه الأمر يسره قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، و إذا أتاه أمر يكرهه قال : الحمد لله على كل حال ، هذا من هدي النبي و من أخلاق النبي و من سمت النبي ، كان إذا أصبح و إذا أمسى قال : أصبحنا على فطرة الإسلام ، و كلمة الإخلاص ، و دين نبينا محمد ، و ملة أبينا إبراهيم ، حنيفاً مسلماً و ما كان من المشركين .

كان إذا أكل أو شرب قال : الحمد لله الذي أطعم و سقى ، و سوغه و جعل له مخرجاً .

كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم .

كان يمشي مشياً يعرف فيه أنه ليس بعاجز و لا كسلان ، كان عليه الصلاة و السلام يقول:

" عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ”

[ أبي داود ، أحمد ]

العينة : أي ربا على شكل بيع ، و أنستم إلى الراحة  ، العبرة من هذه الفقرة الأخيرة أنه ينبغي أن تقرأ سيرة النبي عليه الصلاة و السلام و أن تهتدي بهديه و أن تزكي نفسك بهديه صلى الله عليه و سلم ، أي في الصحة و المرض ، في الإقامة و السفر ، في علاقتك الحميمة مع أهلك ، مع أولادك ، مع إخوانك ، مع جيرانك ، كيف كان النبي ؟ أهم شيء في هذا اللقاء الطيب إن شاء الله أن تتزكى نفسك بهدي النبي عليه الصلاة و السلام .

من لوازم تنفيذ هذا الأمر أن تتعرف إلى سيرة النبي و أن تتخلق بأخلاقه عندئذ يكون النبي أسوة حسنة ، و لن يكون أسوة حسنة إلا إذا أردت الله و رسوله و الدار الآخرة و ذكرت الله كثيراً ، و الحمد لله رب العالمين .

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا و لا تهنا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا و ارض عنا ، و صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم .

 

الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi