English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "20"  من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة : رؤية الله يوم القيامة ، للدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .

    فمع الدرس العشرين من دروس سورة العقيدة ، والموضوع اليوم رؤية الله يوم القيامة .

      أيها الإخوة : لقد أثبت الله جل جلاله للمؤمنين يوم القيامة أنهم ينظرون لوجه ربهم عز وجل ، فما أعطوا في الدنيا ولا في الآخرة نعمة هي أعظم من تلك النعمة ، ولم يعطوا نعمة هي أقر لأعينهم من هذه النعمة ، أعلى عطاء يناله الإنسان أن يسمح له يوم القيامة أن ينظر لوجه الله الكريم ، في بعض الآثار ورد أن المؤمن إذا نظر لوجه الله الكريم يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام ! لكن في الدنيا هذا مستحيل !

       سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان من أولي العزم ، ومع ذلك حينما قال :

(سورة الأعراف)

    لم يتحمل سيدنا موسى وهو من أولي العزم أن يرى تجليَّ الله على الجبل ، هذا المعنى تؤكده آية كريمة هي قوله تعالى :

(سورة الأنعام)

 

      أيها الإخوة : هاتان الآيتان أصل في هذا الموضوع .

      إلى السنة النبوية الشريفة الصحيحة في صحيح الإمام مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : ((قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) .

(صحيح مسلم)

     عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) .

(صحيح مسلم)

        نفى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون قد رأى ربه ! أما يوم القيامة فيهيئ الله للمؤمنين ما يؤهلهم لرؤيته سبحانه بعد أن يأذن لهم ، فقال جل جلاله :

(سورة القيامة)

نضارة العمل الصالح والطهارة والحب والصفاء والاستقامة ، أما الكفار فبالمقابل يحرمون من هذه النعمة العظيمة فلا يبصرون إلا ما يخزيهم ، قال جل جلاله :

(سورة المطففين)

   إذا حجبت عنك نعم الأرض ، وسمح الله لك أن تكون موصولاً به فأنت أسعد الخلق ، وإذا أعطيت الدنيا وما فيها ، وحجبت عن الله فأنت أشقى الخلق .

   أيها الإخوة : وفي التنزيل أيضاً :

(سورة يونس)

     الحسنى هي الجنة ، وزيادة هي النظر لوجه الله الكريم .

ففي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ... ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ )) .

(صحيح مسلم)

       العقيدة لا تؤتى إلا من الكتاب والسنة ، ولا يستطيع إنسان كائن من كان مهما علا شأنه، ومهما تألق في سماء المعرفة أن يعطينا من العقيدة من عنده ، هذه عقيدة ! أصل الدين، إن صحت عقيدة الإنسان صح عمله ، وإن فسدت فسد عمله .

     وعن جابر رضي الله عنه من حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك أي يوم القيامة )).

   مما يدل على أن المؤمنين ينظرون إلى وجه الله الكريم ، دليل القبول والرضا ، إذا طرق بابك إنسان ، واستقبلته مبتسماً فابتسامتك دليل ترحيبك به .

     عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا)) .

(صحيح البخاري)

وفي رواية أخرى : عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ((كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) قَالَ إِسْمَاعِيلُ : افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ )) .

(صحيح البخاري)

       في الآخرة الله عز وجل يهيئ المؤمن بإمكانات تتيح له أن يرى الله عز وجل ، لكن طبيعة الأجسام في الدنيا لا تحتمل التجلي الإلهي .

((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا)) .

   ماذا تستنبطون ؟ أن رؤية وجه الله العظيم لها ثمن في الدنيا ، من ثمنها المحافظة على الصلاة ، ومن أفضل الصلاة محافظة صلاة الفجر وصلاة العصر قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها .

(سورة طه)

     عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه ((أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ القيامة ...)) .

(صحيح البخاري)

    هذا الحديث دليل آخر على أن الإنسان إذا كان من أهل الجنة يهيأ لرؤية الله جل جلاله .

      أيها الإخوة عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ فَقَالَ كَعْبٌ إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ قَالَ مَسْرُوقٌ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَقَالَتْ لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي قُلْتُ رُوَيْدًا ثُمَّ قَرَأْتُ ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) فَقَالَتْ أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ)) .

(سنن الترمذي)

       السيدة عائشة رضي الله عنها نفت أشد النفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون قد رأى ربه ، لكنه رأى جبريل .

     في رواية أخرى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا : فَأَيْنَ قَوْلُهُ ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الْأُفُقَ)) .

(صحيح البخاري)

     وله شاهد آخر في الصحيحين  عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ)) .

(صحيح البخاري)

     أيها الإخوة : أحد كبار العلماء يقدم تعليقاً يجمع بين رواية ابن عباس وبين نفي السيدة عائشة : يقول هذا الإمام الجليل : ليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضاً لهذا ، ولا قوله رآه بفؤاده ، وقد صح عنه أنه قال : (رأيت ربي تبارك وتعالى ، ولكن لم يكن هذا في الإسراء ، بل في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الفجر ، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه ) ، وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال : نعم رآه حقاً ، فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد ، لكن لم يقل الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه رآه بعيني رأسه يقظة ، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه ، ولكن قال : مرة رآه ومرة قال رآه في فؤاده فحكيت عنه مرتين .

    أيها الإخوة : حينما قال : لقد رأيت ربي كان هذا في المنام ، وليس في الإسراء والمعراج وليس بعيني رأسه ، ولكن بعين قلبه ، وهذا يمكن ولا يتناقض مع الآيات والأحاديث .

      نريد أن نستنبط من هذه النصوص الصحيحة أن المؤمن عليه أن يسعى في دنياه الزائلة والفانية على أن يصل إلى الجنة فيكون قد حصّل أعظم عطاء يناله مخلوق في الكون ، المؤمن الذي يستحق دخول الجنة ، ثم يؤهل كي يرى الله عز وجل يكون قد حصّل أعظم عطاء يناله مخلوق في الكون منذ أن خلق الله الكون إلى نهاية الحياة .

      الآن في هذه الرؤيا المنامية ما تفاصيلها ؟

        عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّ قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّ قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى قُلْتُ فِي الْكَفَّارَاتِ قَالَ مَا هُنَّ قُلْتُ مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ قَالَ ثُمَّ فِيمَ قُلْتُ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ قَالَ سَلْ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبـِّكَ قَالَ رَسـُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا)) .

(سنن الترمذي)

     هكذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

     أيها الإخوة : لابد من أن أحيطكم علماً أن هناك من يتأول الآية الكريمة :  

         أي منتظرة ، وهذا التأويل الموهوم مردود قطعاً ، لأن هذا القرآن الكريم نزل بلغة العرب ، بلسان عربي مبين ، فما في هذه اللغة من قواعد ، نظر إذا عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار ، نحو قوله تعالى :

(سورة الحديد)

     أي انتظرونا ، إذا عدّي بنفسه يعني هذا الانتظار ، وإن عدي بـ : في فمعنى ذلك التفكر والاعتبار .

(سورة الأعراف)

      وإذا عدي بـ إلى فيعني المعاينة بالأبصار ، نحو قوله تعالى :

(سورة الأنعام)

       بعيني الرأس المعاينة والتفحص .

     معنى ذلك أنها تنظر إلى الله لا تنتظر ، معنى الانتظار لا يأتي من تعدية الفعل بـ : إلى لأن هذا يعني النظر والتمحيص ، وتعديته بـ : في يعني التفكر ، وتعديته بذاته معناه الانتظار.

وسئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن قوله تعالى :

 

(سورة القيامة)

     فقيل : قوم يقولون : إلى ثوابه ناظرة على ثوابه ، فقال : مالك كذبوا ، فأين هم من قوله تعالى :

(سورة المطففين)

      الآية الثانية تفيد أن الأولى ناظرون بمعنى النظر ، فقال مالك : الناس ينظرون لله يوم القيامة بأعينهم ، وقال : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعبر الله عن الكفار بالحجاب فقال :

      من المعاني المخالفة المعاكسة أن الله عز وجل إذا قال :

      المعنى المعاكس أن المؤمنون ينظرون ، الآن ماذا ننتفع بهذا الكلام ؟ ثبت لديكم أن رؤية المؤمن لله عز وجل ثابتة قطعاً في الكتاب والسنة ، فماذا ينبغي أن يفعل حتى يصل على هذه الرؤيا ؟

      لذلك أيها الإخوة : هذه الدنيا حينما يسعى الإنسان إليها ، وينسى ربه فقد باء بخسران مبين .

        والله أيها الإخوة : ما من خسارة تحيط بالإنسان كأن يخسر الآخرة ، لأن الجنة أعظم عطاء  .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ )) .

(صحيح البخاري)

       عين رأت ، دائرة المرئيات محدودة ، يقول لك واحد من الناس : أنا رأيت الصين ومصر فقط ، يقول آخر : رأيت أمريكا وإنكلترا والمغرب ، دائرة المرئيات محدودة جداً ، أما دائرة المسموعات فيكفي أن تستمع على الأخبار ، فإذا أنت أمام أخبار تدلك على بلاد ودول وعواصم وأماكن وسدود وبحار وجبال وسهول و.... فإذا كانت دائرة المرئيات محدودة فدائرة المسموعات غير محدودة ، لكن دائرة الخواطر لا تنتهي ، لذلك جاء في الحديث القدسي : ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)) .

     أيها الإخوة : أول مرتبة في الجنة أن تدخلها ، وتستمتع بالبساتين والأنهار من العسل المصفى ، ومن أنهار من لبن لم يتغير طعمه ، ومن أنهار خمر لذة للشاربين ، والأنهار من ماء غير آسن البساتين ، الحور العين ، لولدان المخلدين ..... هذه متع الجنة ، لكن الله سبحانه وتعالى وصف متعاً أرقى من ذلك فقال :

       الله عز وجل وعد المؤمنين أن يسعدوا برؤيتهم إليه في أعلى ؟ في الأعلى هو رضوان من الله اكبر ، أن يرضى الله عنك ، ويشعرك أنه يحبك ، هذا أعلى شيء يناله إنسان ، فبين جمال الجنة ، وبين جمال وجه الله عز وجل ، وبين رضوان الله عليك ، هذا الذي ينبغي أن نسعى إليه أيها الإخوة .

        وأسباب دخول الجنة بين أيديكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً  ، أسباب دخول الجنة متاحة لكل مؤمن ، لكن إذا قصر فالمشكلة مشكلته ملاحظة العلم في الإسلام ليس مطلوباً لذاته ، المطلوب أن يعمل به ، فالعلم ما عمل به ، وإن لم يعمل به لا جدوى منه ، لعلي أوضح لكم هذه الفكرة وهي مهمة جداً .

      إنسان مصاب بمرض جلدي ، علاجه الوحيد أن يتعرض لأشعة الشمس ، فلو قبع في غرفة مظلمة ذات رطوبة عالية ، ثم بدأ يتحدث عن الشمس ، وعن سطوعها ، وعن جمالها ، وكيف أنها في رابعة النهار ، وكيف أن أشعتها مطهرة ما قيمة هذا الحديث ؟ لا قيمة له إطلاقاً ، لأنه لم يتعرض لأشعة الشمس .

      لذلك أحياناً المؤمن يظن أنه إذا طلب العلم ، وأحاط بمعنى هذه الآيات ، وتلك الأحاديث انتهت المشكلة ، لم ينته شيء ، هذا الفرق الجوهري بين أصحاب النبي رضوان الله عليهم وبين المؤمنين المقصرين في آخر الزمان ، ما لم تنقلب تلك المعلومات ، وهذه الحقائق ، وتلك النصوص إلى سلوك يومي فلا جدوى من تعلم هذا العلم ، فالعلم ما عمل به ، فإن لم يعمل به كان الجهل أولى لأنك مسؤول ، صار العلم حجة عليك ، وليس حجة لك ، يكون حجة لك إذا طبقته ، ويكون حجة عليك إذا خالفته .

وعالم بعلمه لم يعملن        معذب من قبل عباد الوثن

(سورة الصف)

     فهذه الجنة أبوابها مفتحة في الدنيا ، وأسباب دخول الجنة بأيدي كل المؤمنين فما علينا إلا أن نتحرك .

(سورة الأنفال)

  ما لم يتحرك المؤمن إلى الله فلا جدوى من حياته ، لأنها تضييع للوقت من دون ثمرة يانعة يقطفها .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi