English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "22"من العقيدة الإسلامية من خلال القرآن والسنة: مستلزمات العبودية (2) : تعظيم حرمات الله وتعظيم شعائره ، للدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

        أيها الإخوة : مع الدرس الثاني والعشرين من دروس العقيدة ، وقد بدأنا في الدرس الماضي بموضوع لوازم العبودية لله عز وجل ، وتحدثنا عن أبرز هذه اللوازم ، ألا وهي الإخلاص لله عز وجل ، وسلامة الطوية ، واليوم ننتقل إلى تعظيم حرمات الله عز وجل وتعظيم شعائره ، فيه آية تعد أصلاً في هذا الباب ، ألا وهي قوله تعالى :

 

     (سورة نوح)

      فالإيمان بالله شيء ، وتوقيره شيء آخر ، حينما قال الله عز وجل : ]إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ[ ، فالتركيز والإضاءة والخط تحت كلمة عظيم ، لأن معظم الكائنات من دون استثناء يؤمنون بالله ، حتى إن إبليس قال :

 

(سورة ص)    

      فالإيمان بوجود الله قاسم مشترك بين معظم الخلق ، ولا يعد هذا الإيمان إيمان منجياً ، لكن الإيمان بالله العظيم حينما تعظمه ، وتوقره ، وتراه عظيماً ، عندئذ تستقيم على أمره ، ويبدو أن الطاعة مرتبطة بالتعظيم .

 

 

     الشيء مألوف جداً ، وكما قالوا : شدة القرب حجاب ، أما أن ترى ابنك بين يديك يضحك ، ويلعب ، ويتكلم ، ويبكي ، ويأكل ، ويتنفس ، ودماغه فيه مئة وأربعون مليار خلية استنا دية ، وأربع عشرة خلية قشرية ، ورئتان ، ومعدة ، وأمعاء ، وعينان ، وأذنان ، ولسان، ومريء ، وتنفس ، وإفراز ، وكليتان ، لا أعتقد أن في الكون أعقد من الإنسان ، إنه تعقيد إعجاز ، لا تعقيد عجز ، وأنت تعلم علم اليقين أن هذا الابن كان خلية من أربعمئة مليون خلية خرجت منك في اللقاء الزوجي ، تشكل هذا الطفل الذي أمامك من حوين واحد من أربعمئة مليون حوين ، يفكر ويسأل ، ويعترض ، ويناقش ، ويفرح ، ويحزن ، ويرى ، ويسمع ، ويتكلم ، وينطق .....

 

        

         شاءت حكمة الله أن ترى خلقك من ابنك ، تراه رأي العين ، لكن كما قالوا : شدة القرب حجاب ، هذا الكون من دون خرق لنواميسه ، ومن دون تعطيل لأنظمته هو معجزة ، وأية معجزة !

      قال الإمام مجاهد : " ما لكم لا تبالون لله عظمة " ، وقال ابن عباس : " ما لكم لا تعلمون لله عظمة" ، وفي رواية : " ما لكم لا تعظمون الله حق تعظيم " ، وقال ابن زيــد : " ما لكم لا ترجون لله وقاراً " ، الوقار هو الطاعة ، " ما لكم لا تخافون عظمة الله عز وجل".

       أيها الإخوة : دائماً الطاعة مقترنة بالتعظيم ، أنت في الخدمة الإلزامية ، ويوجد رتب تبدأ من سبعة ، هذه أقل رتبة ، ويوجد سبعتان ، وثمانية ، وثمانيتان ، يوجد ثمانية ونجمة ، أو ثمانيتان ونجمتان ، أو ثمانيتان وثلاث نجمات ، بعد هذا نجمة على الكتف ، ثم اثنتان ، ثم ثلاث ، ثم تاج ، ثم تاج ونجمة ، وتاج ونجمتان ، وتاج وثلاث ، ثم سيفان ..... إذا كنت في الخدمة الإلزامية ، وقال لك عريف : ازحف ! يمكن ألا تزحف ، أما إذا كان اللواء موجودًا تصير على الأرض ، لأنك تعرف ما معنى الاستعصاء ، إنه السجن .

مثل بين أيديكم :

 

 

     أنت تطيعه بقدر ما تعظمه ، وتعصيه بقدر ما يقلّ تعظيمك له ، فمن لوازم العبودية لله عز وجل طاعته ، وتعظيمه كي تطيعه .

      يقول عليه الصلاة والسلام : ((إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد ، ويقرها فيهم ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها منهم ، فحولها إلى غيرهم)) ،

      الآن هذه النعمة التي أكرمك الله بها ينبغي أن تراها من فضل الله عليك ، فإذا رأيتها هكذا بذلتها ، وإن رأيتها بجهدك كما قالها قارون :

 

   (سورة القصص)

بخلت بها .        

قد يقول لك التاجر : خبرات متراكمة ، سهر ، عمل دؤوب ، حتى حصلت هذه الثروة ، يوجد أذكى منه بمئات المرات ، ولا يملك درهماً واحداً ، فعطاء الله لا علاقة له بذلك ، بل الذكاء ، ولكن له علاقة بالاستقامة .

 

ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجى       هلكن إذاً من جـهلـهن البهائم

***

         فيا أيها الإخوة : من لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم نعمه ، الزوجة نعمة ، فمن كفر بها حرم منها ، والزوج نعمة ، فإذا كفرت الزوجة هذه النعمة حرمت هذه النعمة ، وأن تكون معافى في جسمك هذه نعمة ، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول : ((الحمد لله الذي عافاني في بدني )) ، أن تتمتع بسمعك ، وبصرك ، وحركتك ، وذاكرتك ، وقوتك ، وتخدم نفسك بنفسك ، هذه نعمة لا تعدلها نعمة .

      ((إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد ، ويقرها فيهم ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها منهم ، فحولها إلى غيرهم)) .

      من لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم ما حباك الله به ، ومن نتائج تعظيم ما حباك الله به أن تبذله للناس ، لا أن تستأثر به ، وتنفرد به .

         عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ . قِيلَ : وَمَا اسْتَعْمَلَهُ ؟ قَالَ : يُفْتَحُ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ)) .

(مسند الإمام أحمد)

       دائماً وأبدا أقول : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، إذا أحب الله عبداً استعمله في خير ، وجعل حوائج الناس إليه ، وفتح على يديه باب الأعمال الصالحة ، واستعمله ، أي جعله أداة خير للناس ، فكلما رأيت إنسانًا منّ الله عليه بعمل صالح ، بدعوة ، بتعليم ، ببناء مشفى ، أو ميتم ، أو مسجد ، أو بإدارة دعوة ناجحة لله عز وجل ، أنا لا أجد كلمة أهنئه بها كهذه الكلمة ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .

         في حديث آخر من طريق آخر : ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله ، قيل : كيف يستعمله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ، ثم يقبضه عليه)) .

         أخ من إخواننا يقيم في بلدة في أمريكا ، لما سافرت إليها من عدة سنوات حضر الدروس ، ثم اقتنى الأشرطة ، يقول لأحد أصحابه : هذه الأشرطة مضمونها أن أعود لبلادي، وأن أخدم أمتي ، نوّر الله قلبه ، قال : هذا كلام دقيق ، وعليه أدلة ، أقسم لي صديقه توفي رحمه الله ، شاب في مقتبل العمر ، أنه في أوج نجاحه أنهى عمله ، وباع أثاث البيت ، واستقال من وظيفته ، وتنفيذاً لوصية رسول الله حيث يقول : ((من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله)) ، وعاد إلى الشام ، وخلال أيام ثلاثة توفي بحادث ، على أي نية مات ؟ على أعلى نية ، إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله ، هذا لمجرد أنه أراد أن يعود لبلد مسلم حيث المشكلات لا تعد ولا تحصى ، وأن يتبرأ من بلد آخر ترتكب فيه المعاصي على عارضة الطريق ، أراد أن يعود لبلد مسلم ، وأن يكون جهده في خدمة المسلمين ، ومات على هذه النية .

          سيدنا زيد الخيل كان من أجمل العرب فلما زار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه النبي قال له : ((من الرجل ؟ قال : أنا زيد الخيل ، قال : بل زيد الخير - لكرم النبي وأخلاقه العلية دعاه إلى داره ، قال له : يا زيد ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد ، لله درك ، أعطاه وسادة ليتكئ عليها ، قال : يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك - ما هذا الأدب ؟! - قال يا رسول الله : أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو بلدهم الروم - أعجب به النبي عليه الصلاة والسلام - قال : لله درك يا زيد ، واستأذن النبي ، وغادر إلى بلده وفي الطريق توفاه الله)) .

   وهو من كبار الصحابة ، وبين إسلامه وموته ثلاثة أيام فقط !

      إذا أحب الله عبداً استعمله ، قيل كيف يستعمله ؟ قال يوفقه لعمل صالح قبل الموت ، ثم يقبضه عليه .

      وفي حديث آخر : إذا أراد الله لعبد خيراً طهره قبل موته ، قالوا : وما طهور العبد ؟ قال : عمل صالح يلهمه إياه حتى يقبضه عليه ، أناس صالحون كثر يموتون ، وهم يصلون ، يموت في ليلة القدر ، وهو يقرأ القرآن ، يموت في المسجد ، وإنسان آخر يموت وهو يعالج الصحن ، لأن محطة إباحية لا تأتي عنده ، فصعد فوق السطح ليعدل اتجاه الصحن لعله يراها واضحة فمات ، موت الإنسان يلخص حياته كلها ، وإنسان ادعى النبوة في شرق آسيا ، وادعى أنه نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجدوه ميتاً في المرحاض ، فيبدو أن طريقة موت الإنسان تترجم حياته في الدنيا  .

لذلك ورد في بعض الأحاديث الشريفة : ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء )) .

         مفاد كلامي : أن المؤمن يعظم النعمة ، لأنها من الله ، يشكرها ، ويبذلها ، المؤمن يعظم العمل الصالح ، يقبل عليه لأنه قربة إلى الله ، يعظم الله ، ويعظم نعمه وأوامره ويعظم الأعمال التي تقرب منه ، بعد أن سقى سيدنا موسى للفتاتين قال :

 

(سورة القصص)

              لذلك العلماء استنتجوا أن الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح ، وأن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح .

             الله عز وجل هدى على يد إنسان مئات الأشخاص ، هذا أكبر غني في الأرض ، والذي يملك ألوف الملايين ، ولم يقدم لله عملاً صالحاً واحداً هذا أفقر خلق الله ، فمن وسائل التعظيم كما يقول الله عز و جل :

(سورة سبأ)

 التفكر في خلق السماوات والأرض .

 

(سورة آل عمران)

 

         من باب تعظيم الله عز وجل وتوقيره التفكر في آياته ، المؤمن ما الذي يملأ قلبه ، قرأت بحثاً عن النملة والنحلة والمجرات شيء لا يصدق ، خلق الله يملأ ساحة نفسي ، الإنسان الآخر يقول : هل رأيت سيارة (ب إم ) ؟ ماركات السيارات ، والأجهزة ، والشركات العملاقة ، والعطور ، والمصانع الكبيرة في العالم التي تقدم للجسد ما يحتاج ، هذه تملأ ساحة نفسه ، ما الذي تهتم له ؟ يهمك صنع الله أم صنع البشر ؟ لذلك الأنبياء والصديقون والعلماء الكبار ملأت نفوسهم عظمة الله عز وجل ، بينما الأشخاص التافهون تملأ نفوسهم مصانع تقدم سلعًا وخدمات ومركبات ، وما شابه ذلك .

 لكن لي تعليق ، لو أنك ركبت طائرة عملاقة ، وهي تقلّ أربعمائة راكب ، وكل شيء ميسر لك في الجو ، وتقطع المحيط الأطلسي ، أو تطير ساعات طويلة بلا توقف ، يمكن من تعظيم هذه الطائرة أن تنتقل لتعظيم الله عز وجل ، كيف ؟ هذا الإنسان أعطاه الله عقلاً ، لولا هذا العقل لما اخترع هذه الطائرة ، هل رأيت في مجتمع القرود من يصنع طائرة؟ الحيوانات هيَ هي ، أما الإنسان فصنع طائرات ، ونقل صورة  عبر المسافات الشاسعة ، وصارت الاتصالات سريعة جداً ، هذا كله بفضل الجهاز الذي كرم الله به الإنسان .

        قال تعالى :

 

(سورة الحج)

والحمد لله رب العالمين .  

Copyright © 2007 Nabulsi