English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس  24: بتاريخ 18/2/ 2004 لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

الموضوع : مستلزمات العقيدة - الرجاء والدعاء والاستعانة والتوسل والتوكل

تفريغ : السيد لؤي الراعي

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .   

      أيها الإخوة الكرام : مع الدرس الرابع والعشرين من دروس العقيدة ، والموضوع اليوم من لوازم العقيدة الرجاء والدعاء والاستعانة والتوسل والتوكل ، وسوف نشرح بفضل الله عز وجل وتوفيقه بعض هذه الخصائص التي هي من لوازم الإيمان ، ولابد من مقدمة .

         الحقيقة أن علم العقيدة ، وقد ذكرت قبل قليل أننا في الدرس الرابع والعشرين من دروس العقيدة ، الحقيقة أن علم العقيدة لا يعني فقط أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد ، هذا شطر من علم العقيدة ، العقيدة الكاملة أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد ، وماذا ينبغي أن يكون موقفك مما تعتقد ، العقيدة الكاملة اعتقاد ووجهة إلى الله ، اعتقاد وسلوك وموقف ، فحينما نفهم أن العقيدة تعني أن تعتقد أنه لا إله إلا الله ، ماذا كان موقفك من علم التوحيد هل رجوت غير الله؟ هل استعنت بغير الله ؟ هل توكلت على غير الله ؟ هل عقدت الأمل على غير الله ؟ هل خفت من غير الله ؟ ما قيمة أن تعتقد أنه لا إله إلا الله والتطبيقات العملية لهذا الاعتقاد لم تكن موجودة ؟ فلذلك أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد شطر العقيدة .

        العقيدة الكاملة أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد ، وأن تعرف أيضاً ماذا ينبغي أن تقف مما تعتقد ، وأوضح مثل : أنه إذا اعتقد أن هذا المرض الجلدي لا يشفى إلا بالتعرض لأشعة الشمس ، فمهما حدثتنا عن أشعة الشمس وعن فوائدها العظيمة في شفاء هذا المرض ، ولم تتعرض أنت لأشعة الشمس ، فإن هذه العقيدة لا قيمة لها إطلاقاً ، ويمكن أن أسميها عقيدة إبليسية ، آمن بالله رباً وعزيزاً وخالقاً وآخر ، ولكن عمله وسلوكه لا ينتمي إطلاقاً إلى هذه العقيدة .

        أيها الإخوة الكرام : نجتمع مع أناس كثيرين تجده يعلق رجاءه على غير الله ، إما على دولة كبرى ، أو على جهة غنية أو جهة قوية ، ويرى ان في تدخلها الحل الناجح ، وأن في عطائها الخلاص من الفقر ، وأن في دعمها العز بعد الذل ، هذا فاقد الإيمان كلياً يجب أن تعقد الرجاء على الله عز وجل ، ((لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه)) ، ينبغي أن تخاف من شيء واحد هو ذنبك ، وينبغي أن ترجو جهة واحدة هي ربك ، لأن كل شيء بيد الله .

(سورة الزمر)

        وأن الأمر كله بيد الله .

 

(سورة هود)

 

(سورة البروج)

 

         فلا ينبغي أن تخاف من غيره ، وأدق معنى ورد في هذه الآية الكريمة :

 

(سورة الأنعام)

         في قوى الآن بالأرض مخيفة ، طواغيت ، جبابرة ، ظالمون ، عتاة ، يتمنون أن يبنوا أمجادهم على البشرية كلها ، على الشعوب بأكملها ، على حريتها ، على ثقافتها وكرامتها ، على فقرها ، لكن الله عز وجل يقول :

        هؤلاء الطغاة الكبار أخافهم ، ولا أخافهم ، أخافهم إذا سمح الله لهم أن يصلوا إليه ، ولا أخافهم إذا لم يسمح الله لهم أن يصلوا إليه ، بالضبط كمجموعة وحوش كاسرة أزمتهم بجهة قوية حكيمة عادلة ، علاقتي مع هذه الجهة وليس مع الوحوش ، فإن أرخى زمامها وصلت إلي ، وإن أبعدها عني نجوت منها .

(سورة هود)

      معنى ذلك أيها الإخوة : المفهوم التقليدي لعلم العقيدة أنه يجب أن تعتقد بكذا وكذا وكذا ، وانتهى الأمر ‍‍!؟ لا ! وأن يكون حالك كذا وكذا وكذا ، لذلك كان هذا الدرس من دروس العقيدة المتكاملة من لوازم معرفة الله عز وجل أن ترجوه ، وألا ترجو أحداً سواه ، أن تعلق عليه الآمال ، أن يكون الله عز وجل محط الرحال عندك ، أن ترجو ما عنده ، أن ترجو الدار الآخرة ، وكل ما قرب إليها من قول أو عمل ، لذلك : آية دقيقة جداً يقول الله عز وجل :

 

(سورة الإسراء)

           هؤلاء المشركون الذين عبدوا أصناماً ، وكانت هذه الأصنام رموزاً لأناس صالحين، هؤلاء الأناس الصالحون كانوا يرجون رحمة الله ، ويخشون عذابه ، أنتم لما تعبدون من دون الله ؟ شيء غير معقول ، هذا الذي تعبده من دون الله يخشى رحمة الله وعذابه ، ويبتغي إلى ربه الوسيلة ، أية وسيلة أقرب يسلكها إليه ، يرجو رحمته ، ويخشى عذابه ، لو أردت أن أسقط معنى هذه الآية على واقع المسلمين : لو أن طالب علم بالتعريف الشرعي ، أو مريداً بالتعريف القلبي علق أمله على الشيخ ، وظن أنه يرفعه ، أو يخفضه ، يعطيه أو يمنعه ، يقربه ، ونسي الله عز وجل ، والشيخ نفسه يفتقر إلى الله أشد الافتقار ، ويرجو ما عند الله أشد مما ترجو أنت من الشيخ .

         مرة دخل أحد كبار الأئمة فرأى تلاميذه ، وقد التفوا حوله ، واجتمعوا عليه ، ووقروه وعظموه ، فدعا هذا الدعاء فقال : يا رب لا تحجبني عنك بهم ، ولا تحجبهم عنك بي، هذا التوحيد ، أنا أتصور - والله أعلم - أنه ما من رجلين على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أحبا بعضهما بعضاً كسيدنا الصديق ورسول الله عليه الصلاة والسلام ، أما حينما توفي النبي ماذا قال الصديق ؟ قال : (من كان يعبد محمداً - من دون أي لقب ! من دون رسول الله ! قل : من كان يعبد النبي محمداً ، من كان يعبد الرسول محمداً ، من كان يعبد هذا الرسول - من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت).

        أنا أتصور أن قلبه كاد يتمزق من الأدب ، ولكنه خشي على المسلمين أن يشركوا ، خشي عليهم أن ينسوا ربهم ، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، هذا الذي تظنه يقدم لك شيئاً ثميناً هو يرجو رحمة الله مثلك ، ويخشى عذابه مثلك ، فينبغي أن تتجه إلى الله ، فيمكن أن أقول : ضمن هؤلاء الصالحين ، وصحبة الصالحين من وسائل الوصول إلى الله عز وجل ، لا أن تعبدهم من دون الله ؟ ألم يقل الله عز وجل :

 

(سورة التوبة)

         هذا شيء واقع ،

       والمسلمون أحياناً تزل أقدامهم فيصلوا إلى هذا المستوى .

         أيها الإخوة الكرام : يجب أن ترجو الله ، وتعقد الأمل عليه ، وتضع كل الثقة به ، وألا تعلق أملاً على غيره ، إذا كان الله معك فمن عليك ،وإذا كان عليك فمن معك ، أولئك الذين يدعون ، أي أولئك الذين يدعون من دون الله ، ويقدسونهم ، ويعظمونهم ، ويعبدونهم من دون الله هؤلاء صالحون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، وأقربهم إلى الله عز وجل من جعل وسيلته طاعته لله عز وجل .

 

(سورة الإسراء)

        قال بعض العلماء : ابتغاء الوسيلة طلب القرب منه بالعبودية والمحبة ، ومقامات الإيمان الثلاثة : الحب والخوف والرجاء ، يا رب إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي ، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وببلائي كي يخافوني ، وبآلائي كي يعظموني ، ينبغي أن يمتلئ قلبك محبة وخوفاً وتعظيماً لله عز وجل .

       لذلك عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ يَقُولُ : ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ)) .

(صحيح مسلم)

        وفي الحديث القدسي : ((أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء)) .

        أيها الإخوة : عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ مَهْلًا لِمَ تَبْكِي فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ)) .

(صحيح مسلم)

       أيها الإخوة : الحديث عن الرجاء ينقلنا إلى علاقة الرجاء بالتمني ، التمني أن تتمنى شيئاً كبيراً عظيماً دون أن تفكر في دفع الثمن ، أن تتمنى الجنة دون أن تعمل لها ، أن تتمنى النجاة من النار دون أن تتقيها ، وفي الدنيا هل يكفي أن تكون غنياً وتقعد في البيت ؟ هل يكفي أن تتمنى أن تكون عالماً من علماء الدنيا وتقعد في البيت ؟ مستحيل ! لذلك ربط الله عز وجل رجاء ما عنده بالعمل ،

 

(سورة الإسراء)

 

(سورة الكهف)

         من هنا قيل : طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب .

        ((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة)) .

        سئل بعض العلماء : ما علامة الرجاء ؟ قال : أن يكون إذا أحاط بالإنسان الإحسان ألهم الشكر ، راجياً بتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة ، وراجياً تمام عفوه في الآخرة.

       جاءتك النعم ينبغي أن تشكر جاءك البلاء ينبغي أن تصبر ، هذا من علامات الإيمان .

      والله مرة أحد علماء دمشق الأجلاء له ابن درس الطب ، ثم نال البورد ، ثم دخل كلية الشريعة ، ثم حفظ القرآن ، ثم أدى الخدمة الإلزامية ، ثم خطب له ، وعرسه بعد أيام ، وافته المنية بحادث سير ، ذهبنا على مدينة بالشمال لتعزيته ، والله ما كنت أصدق عيني أني أرى إنساناً باشاً عنده دعابة ، قلت : يا رب إنسان فقد أثمن شيء له في الدنيا ، وبهذا المرح ، وبهذا الترحيب بالضيوف ، كيف استقبل قضاء الله عز وجل ؟ هذا من علامات الإيمان أن تستقبل قضاء الله بالرضا .

       هذه المرأة التي مات ابنها ، فلما جاء زوجها سألها عن الابن قالت : هو في أهدأ حال، هيأت له الطعام وتزينت له وناما ليلة واستيقظا فقالت له : لو أن الجيران أودعوا عندنا وديعة ثم طلبوها قال : هذا من حقهم ، قالت : هكذا فعل الله عز وجل ، فلما قص على النبي ما حدث له من زوجته أم سليم قال له النبي الكريم : ((بارك الله لكم في ليلتكما))  .

 (ورد في الأثر)

       مر معي في السيرة أن بعض الصحابة إذا توفي لهم ابن كانوا يتزينون ليعبروا عن رضاهم بقضاء الله وقدره ، هذه علامة الإيمان .

      بالمقابل أعرف رجلا ميسور الحال ، وعنده معمل ، وله ابن في الصف التاسع ، توفي فترك الصلاة نهائياً ، لماذا قبضه الله !؟

         الرسول عليه الصلاة والسلام أولاده جميعاً توفوا ، زوجته الحبيبة الوفية توفيت ، عمه توفي ، ترك مكة ، وهاجر إلى المدينة ، أوذي في الله ، وما أوذي أحد مثله ، وخاف في الله ، وما خاف أحد مثله ، ومضى عليه ثلاثون يوماً لم يدخل جوفه إلا ما يواريه إبط بلال....

           هذا الدين ! الدين أنت مع الله في السراء والضراء ، في الغنى والفقر ، في الصحة والمرض ، بإقبال الدنيا و إدبارها ، وإلا ما قيمة هذا الدين الذي يزول بمصيبة صغيرة ؟

(سورة الأحزاب)

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ)) .

(صحيح مسلم)

      معنى هذا الحديث : لمجرد أن تتوجه إلى الله ، وتخطب وده ، وتتقرب إليه بطاعة ، بصيام ، بصدقة ، بقيام ، بغض بصر ، بشيء يرضيه رأيت الله عز وجل يقبل عليك ، ويملأ قلبك غنى ، ويتجلى عليك بالسكينة ، لمجرد أن تتحرك نحوه أقبل الله عليك .

       لو يعلم المعرضون انتظاري لهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلي ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين ؟

        يوجد قول عن أحد العلماء : القرآن والسنة حق مئة في المائة ، لكن ما سوى الكتاب والسنة كلام له وجه مقبول ، ووجه آخر قد يكون غير مقبول ، أحد العلماء يقول : إلهي أحيا العطايا في قلبي رجاؤك ، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك ، وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك ، روي عنه أيضاً : أنه قال : يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال ، رجاء مع الذنب ورجاء مع العمل ، قال : رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال ، لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص ، وكيف أصفيها ، وأحرزها ، وأنا بالآفات معروف ، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك ، وكيف لا  تغفرها ، وأنت بالجود موصوف ، إذا اعتمدت على عملك ربما كان العمل غير مخلص .

(سورة الفرقان)

       وقد يكون لك أعمال كالجبال ، وكجبال تهامة ، فيجعلها الله هباء منثوراً ، من هؤلاء ؟

       عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا)) .

(سنن ابن ماجة)

     فهذا كلام عميق ، لكن ينبغي أن يفسر الرجاء مع الذنب ، يوجد فيه افتقار إلى الله ، وقلق ، واعتماد على عفو الله فقط ، أما الرجاء مع العمل قد يكون الاعتماد على العمل ، والعمل منوط بالإخلاص ، والإخلاص ليس من السهل أن تكون مخلصاً ، لأنه ضمن الحقل الديني في دنياك .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ)) .

(سنن ابن ماجة)

          أيها الإخوة : الرجاء شيء ، والتمني شيء آخر ، التمني بضاعة الحمقى ، الأحمق يتمنى دائماً ، أما الذي يريد الوصول لمرتبة معينة هذا لا يتمنى بل يرجو ، الرجاء يرافقه السعي .

          أما التمني فمقرون بالكسل والقعود ، من لوازم الإيمان ، ونحن في الحديث عن علم العقيدة عن شطرها الثاني ، ماذا ينبغي أن تكون عليه ؟ ينبغي أن تكون العقيدة هكذا ، وينبغي أن تكون أنت هكذا ، شطران ، ماذا ينبغي أن تعتقد ، وماذا ينبغي أن تكون عليه إذا اعتقدت ، ممكن لإنسان مجند غر يساق على الخدمة الإلزامية ، وقائده منضبط ، وهو أبوه ، ويأتي عنصر مجند ، ويهدده فيبكي وينهار ، هذا أحمق ، هو منضبط ، والذي على رأس الجيش كله والده ، وتقلق ؟ ! إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ جزء من الثقة بالله من لوازم الإيمان ، بهذه المحن التي ألمت بالمسلمين بهذا الإحباط الذي ألم بهم يئسوا ، تطلعوا إلى القوي فقط ، يرحمون أو لا يرحمون ، ونسوا الله فنسيهم .

(سورة آل عمران)

        الآن : الدعاء يوجد حقيقة أتمنى على الله أن تكون واضحة عندكم ، عد الله ترك الدعاء كبراً ! والكبر من لوازمه الحجاب ، الدليل :

 

(سورة غافر)

            إخواننا الكرام : المؤمن فيما بينه وبين الله متذلل ، يدعوه دائماً ، يمرغ جبهته على أعتاب الله عز وجل ، قد يكون له شأن كبير في الحياة ، لكنه مع الله في أدق الدرجات من التذلل والخضوع له .

         مثلاً : أحد كبار القادة الإسلاميين الذين انتصروا ، وردوا التتار ، والتتار اجتاحوا العالم ، سجد وقال : يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره ، انصر دينك يا رب ، هو لاشيء ، فكلما تذللت إلى الله رفعك الله .....

       يوجد طاغية في أروبة الشرقية قال : إذا حمل هذا الصفصاف الإجاص أتنحى عن منصبي ، فلما نحي عن منصبه بالقوة وضع الشعب حبات الأجاص على الصفصاف ، ربطوها ربط ، ما روى التاريخ أن قائداً فتح بلداً إلا واستكبر ، وتغطرس ، واستعلى ، وتعجرف إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة دخلها متواضعاً لله مطأطئ الرأس ، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره من تواضعه لله عز وجل .

        ترك الدعاء كبر ، اسأل ربك حاجتك كلها ، اسأله ملح طعامك ، وشسع نعلك إذا انقطع ، من لا يدعوني أغضب عليه ، إن الله يحب الملحيين في الدعاء ، تذلل بين يديه ، لك مكانة كبيرة ، والله عز وجل يرفع لك ذكرك ، لأنك بينه وبينك في منتهى الخضوع ، لكن أهل الدنيا يستكبرون عن أن يدعوه الله ، فإذا جاءه من هو أقوى منه أصبح ذليلاً أمامه كالقط أليس كذلك ! المؤمن ذليل أمام الله ، لكنه على أهل الدنيا معتز بالله عز وجل .

       من صفات المؤمنين :

(سورة المائدة)

           مشى أحد الصحابة ، وتبختر أمام الأعداء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن)) .

           وقد قال الشافعي : " التكبر على المتكبر صدقة " ، شيء مخيف والله .

        أما المؤمنون :

 

(سورة السجدة)

         في جامع الترمذي : بإسناد صحيح عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ : ((أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)) .

(سنن الترمذي)

        عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ((إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ فَقُلْتُ وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) .

(سنن النسائي)

        عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ قَالَ: ((لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) حَتَّى بَلَغَ ( يَعْمَلُونَ ) ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ