English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة الإسلامية : أسماء الله الحسنى : المسعر ( 2 ) ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: من أسماء الله الحسنى : ( المسعِّر ) :

 

Text Box: حقائق مستنبطة من اسم الله ( المسعِّر ) :

 

أيها الإخوة الكرام ، لا زلنا في اسم ( المسعِّر ) ، وقد بينت لكم في لقاء سابق أن أوسع نشاط يمارسه الإنسان في حياته الدنيا البيع والشراء ، ولا بد من معرفة أحكام البيع والشراء ، وإن أخطر ما في البيع والشراء هو السعر ، فإذا تدنت الأسعار عم الرخاء ، وإذا غلا السعر هلك الناس .

 

1 – ورودُ اسم ( المسعِّر ) في السنة النبوية الصحيحة :

 

لذلك كان عليه الصلاة والسلام ، يسمي ربه ( المسعِّر ) ، هذا الاسم كما قلت في لقاء سابق لم يرد في القرآن الكريم ، ولكن ورد في السنة المطهرة فعَنْ أَنَسٍ قَالَ :

(( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَعِّرْ لَنَا ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ )) .

 [ أخرجه الترمذي ]

ثم بينت لكم أيضاً أن الموادّ إذا كثرت رخصت الأسعار ، فإذا قلت : ارتفع السعر فمَن هو ( المسعِّر ) حقيقة ؟ هو الله سبحانه وتعالى ، فإذا زادت الكميات التي تنتجها الأرض رخصت الأسعار ، وهبطت ، وعم الرخاء .

 

2 – التسعير القسري قد يمنع الخير :

 

فلذلك الحقيقة أن الله جل جلاله هو ( المسعِّر ) ، أما أن يكون الناس في رخاء  وفي بحبوحة ، والمواد موفورة ، والناس في غنى ، وتأتي أنت ولي الأمر لتضع أسعارا هابطة فتعيق الناس عن أرباحهم ، فهذا ظلم ، من هنا تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يسعِّر ، لما قيل له : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَعِّرْ لَنَا ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ )) .

لذلك إذا كان الناس في رخاء ، وفي بحبوحة ، والمواد متوافرة ، والناس في غنى ، فالتسعير القسري قد يمنع الخير عن معظم الناس ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يسعر ، لأنه بيّن أن التسعير أحياناً يقع في حالة من الظلم لا يرضاها النبي لنفسه .

 

3 – جواز التسعير في حالات الجشع وغلاء الأسعار تحقيقًا للمصلحة العامة :

 

ولكن هناك حالة ثانية أقرها الفقهاء ، حينما يكون البائع جشعاً ، ويريد أن يربح أرباحاً طائلة ، ويحتكر المواد ، ويقنن على الناس بغية ارتفاع الأسعار ، ومضاعفة الأرباح ، حينئذٍ يتدخل ولي الأمر لرحمة الناس ، ولتوفير المواد فيسعر .

إذاً : عندنا تسعير ظالم ، و تسعير يعدّ حكيماً من قِبل ولي الأمر .

دائماً الشريعة كما قال بعض العلماء : " عدل كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها  مصلحة كلها ، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة ، من العدل إلى الجور ، ومن الحكمة إلى خلافها ، فليست من الشريعة ، ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل .

فالحقيقة الأولى في هذا اللقاء : أن التسعير إذا كان مؤدياً إذا ظلم عميم فالنبي حرمه ، أما إذا تدخل ولي الأمر بإنقاذ الفقراء من جشع الأغنياء ، ومن رفع الأسعار رفعاً مفتعلاً عن طريق الاحتكار ، ومنع بيع البضاعة ، أو الإيهام ، أو التدليس ، عندئذٍ أقر الفقهاء لولي الأمر في حالات يقع فيها ظلم شديد أن يسعر .

إذاً : التسعير الذي يؤدي إلى الظلم حرمه النبي عليه الصلاة والسلام ، أما التدبير الحكيم الذي يؤدي إلى إيصال المواد إلى المستهلك الفقير بغية أن تقوم حياته على شكل معقول فقد أقره الفقهاء استثناء من هذا الحديث .

 

4 – معنى ( المسعِّر ) :

 

على كلٍ ، ( المسعِّر ) اسم فاعل ، من فعل رباعي ، كلكم يعلم الفعل الثلاثي وزن اسم فاعله فاعل ، كتب كاتب ، أما الفعل الرباعي سعر يسعر مسعر ، فالمسعر هو الله عز وجل .

وقد بينت كثيراً أن المواسم الزراعية قد تتفاوت من عام لآخر ، أحياناً تتضاعف المواد أضعافاً كثيرة ، عندئذٍ ترخص الأسعار .

إذاً : التسعير أن يكون فعلاً إلهياً تكوينياً ، أو أن يكون فعلاً بشرياً تنظيمياً ، من أجل أن يكون فعلاً إلهياً تكوينياً لقضية الإنتاج والخصب والغلة ، أو يكون فعلاً بشرياً تنظيماً بيد ولي أمر المسلمين ، وله ولولي الأمر أن يسعر بعض المواد الأساسية .

لكن من معاني هذا الفعل سعّر يسعر تسعيراً وتسعيرة ، يعني وضع سعراً محدداً لهذا السلعة ، وقولك : سعّر النار ؛ أي أشعلها ، والآية الكريمة :

 

 ( سورة الإسراء )

 

 ( سورة التكوير ) .

و( المسعر ) هو سبحانه وتعالى ، لأنه يزيد الشيء ، ويرفع من قيمته ، أو من تأثيره ، أو من مكانته ، أو يخفض من قيمته أو تأثيره أو مكانته ، يقول الله عز وجل :

 

 ( سورة الفتح )

نحن في معاني كلمة المسعر والسعير :

﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾

لذلك علماء المسلمين قاطبة رأوا أن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان إخباري ، أن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه ، وأن القرآن في أخباره أخبرنا عن يوم آخر تسوى فيه الحسابات ، ولكن الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة أن بعض العلماء وعلى رأسهم ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي ، لأنه لا يعقل أن يكون في الأرض غني وفقير ، وقوي وضعيف ، وظالم ومظلوم ، وتنتهي الحياة هكذا من دون تسوية حسابات .

إذاً : لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات ، جاءت الآية الكريمة :

﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً

اسم ( المسعر ) يدل على ذات الله ، وعلى صفة التسعير ، إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم ، وكل أمة جاثية ، إلى أن قال :

(( يا أَبا هُريرة ، أُولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة )) .

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] .

هؤلاء الذين استغلوا ، وظلموا ، وأخذوا ما ليس لهم .

 

5 – الدعاء باسم ( المسعِّر ) :

 

أيضاً أيها الإخوة ، يمكن أن ندعو باسم ( المسعر ) ، لأن الله عز وجل يقول :

 

 ( سورة الأعراف الآية : 180 ) 

وحينما قال الصحابة الكرام :

(( يا رسول الله سعر لنا ، فقال : بل الله يرفع ويخفض ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة )) .

[أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]  

فقال آخر :

(( سَعِّرْ لنا ، فقال  : بلْ أدْعُو عز وجل )) .

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

إذاً : يتضح من التسعير أنه فعل كوني من قِبل الله عز وجل متعلق بالغلات ، والإنتاج و التسعير كفعل بشري يتعلق بولي الأمر حينما يضع حداً بجشع التجار .

كان الرجل إذا أسلم علمه النبي الصلاة ، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات :

(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي )) .

[ مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ]

 ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :

(( اللهم ارزقني طيباً ، واستعملني صالحاً )) .

[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند فيه ضعف ]

ولأدعية النبي عليه الصلاة والسلام معان دقيقة جداً ، من أدعيته :

(( اللهم أنا بك وإليك ، أنا بك ، قائم بك ، وأنت قصدي )) .

[ ورد في الأثر ]

(( اللهم ارزقني طيباً ، واستعملني صالحاً )) .

[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند فيه ضعف ]

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

فكل دعاء يقول : اللهم ارزقني هو دعاء باسم ( المسعِّر ) ، اللهم ارزقني .

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي )) .

وبينت أيضاً أن الإنسان النعمة الأولى في حياته هي نعمة الهداية ، وقد قالوا : تمام النعمة الهدى ، والنعمة الثانية الصحة ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يكثر من دعائه الشريف :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )) .

[ ابن ماجه ]

والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً كان يدعو فيقول :

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ ـ دققوا في هذا المعنى ـ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ ، وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ )) .

في كل الحالات الشيء الذي تحبه إذا أكرمك الله به ليكن في سبيل الله ، والامتحان الذي أبينه لكم دائماً أنك ممتحن فيما أعطاك الله ، وممتحن فيما زوى عنك ، أي شيء منحك الله إياه أنت ممتحن به .

لأن الدنيا في الأصل دار ابتلاء ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل دار الآخرة دار عقبة ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .

إذاً : حينما تقول : اللهم ارزقني فقد دعوت الله عز وجل ( المسعر ) بمعنى هذا الاسم ، وهو الرزق ، والإنسان حريص على صحته ، وحريص على رزقه ، والله عز وجل هو الرزاق .

وكنت أقول دائماً : تفاحة على غصن في شجرة في بستان ، هذه لك ، ولكن طريقة انتقالها إليك باختيارك ، يمكن أن تأكلها ضيافة ، ويمكن أن تأكلها هدية ، ويمكن أن تأكلها شراء ، أو تهدى إليك ، أو أن تأكلها ضيافة ، ويمكن ـ لا سمح الله ولا قدر ـ أن يأكلها بعض الناس سرقة ، ويمكن أن يأكلها بعض الناس تسولاً ، فهي إما تسول ، أو سرقة ، أو شراء ، أو ضيافة ، وهكذا .

إذاً : طريقة انتقال الرزق إليك باختيارك ، أما هو فلك ، لذلك :

(( إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي إِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ )) .

[ أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ] .

وفي زيادة : (( واستجملوا مهنكم )) .

 

Text Box: بين الكسب والرزق :

 

اختر مهنة شريفة ، الرزق هو هُو ، ودائماً ولا زلنا في موضوع الرزق ، فقد فرق العلماء بين الكسب وبين الرزق ، الرزق ما انتفعت به فقط ، فالثوب الذي تلبسه ، والطعام الذي تأكله ، والسرير الذي تنام عليه ، والثياب التي تلبسها هي رزقك ، أما حجمك المالي فهو كسبك ، الكسب مال جمعته ، ولم تنتفع به ، بل سئُلت عنه يوم القيامة ، من أين اكتسبته ؟ وفيمَ أنفقته ؟

فالفرق واضح جداً بين الرزق وبين الكسب ، الذي ينتفع به فقط هو رزقه ، والذي جمعه هو كسبه ، الذي جمعه هو محاسب عليه ، من أين اكتسبه ؟ وفيمَ أنفقه ؟ من هنا ورد في بعض الآثار :

(( أن روح الميت ترفرف فوق النعش ، تقول يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي )) .

[ ورد في الأثر ]

إذاً : أيها الإخوة ، قضية المال قضية خطيرة ، تُسأل عن المال مرتين : مرة من أين اكتسبته ؟ ومرة فيمَ أنفقته ؟

 ( سورة الحجر )

وقد قال بعض العلماء : " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام " .

لا زلنا في الدعاء باسم ( المسعر ) ، باسمه نصاً ، أو بمعناه الواسع .

أيها الإخوة الكرام ، حينما يصح دخلك يستقيم الطريق إلى الله عز وجل ، لأن تسعة أعشار المعاصي في كسب الأموال والعلاقة بالنساء ، ولو جمعنا الأحكام لوجدنا أن تسعة أعشارها متعلقة في موضوعين : موضوع كسب المال ، وموضوع العلاقة بالنساء ، لذلك أحكام الشريعة واسعة جداً في هذين الموضوعين .

إذاً : الدعاء بالرزق مشروع

(( اللهم ارزقني طيباً ، واستعملني صالحاً )) .

[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند فيه ضعف ]

 

Text Box: الحلال صعب ، والحرام سهل :

 

ولا بد من تنويه إلى قضية دقيقة ، وهي : أن الشيء اللطيف والحكيم أن الرزق الحلال صعب ، وأن الرزق الحرام سهل ، لو عكست الآية ، لو أن الكسب الحلال سهل جداً ، وأن الكسب الحرام صعب جداً لأقبل جميع الناس على الحلال ، لا طاعة لله ، ولا حباً له ، ولا ابتغاء مرضاته ، ولكن طلباً للأسهل ، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون الرزق الحلال صعبا ، والرزق الحرام سهلا .

أحياناً يعمل إنسان عاماً بأكمله ، يشتري بضاعة ، يعرضها ، يوزعها ، يبيعها ، بعضها نقداً ، وبعضها ديناً ، يجمع ثمنها ، يدفع مصاريفها ، يعين موظفين ، في النهاية قد يربح وربما لا يربح ، وأحياناً يغض الإنسان بصره عن مخالفة تؤذي المسلمين ، يأخذ الملايين فالحرام سهل ، بغض بصر ، أو بتواطؤ ، أو بإغراء ، أما الحلال صعب ، لذلك البطولة أن تكسب المال الحرام ، ولو كان صعباً ، وقد ورد في بعض الآثار :

(( من بات كالاً مِن طلب الحلال بات مغفوراً له )) .

[ الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف ]

لا تضجر من كسب الحلال فهو صعب .

هناك امرأة تعمل طوال النهار لتأخذ 500 ليرة ، وامرأة أخرى تأخذها في دقائق ، فالكسب الحرام سهل ، والحلال صعب ، هذه حكمة بالغة في الدنيا ، فهذا الذي يبحث عن الحلال مؤمن ورب الكعبة ، هذا الذي يقول : معاذ الله يعتقد أن الله هو الغني .

(( ما ترك عبد شيء لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .

[ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه مقال ]

الدنيا مفعمة بالامتحانات ، فقد يعرض على إنسان عمل بدخل كبير ، لكن هذا العمل لا يرضي الله ، قد يبنى على مضرة الآخرين ، قد يبنى على أخذ أموالهم بالباطل ، فأي عمل قادك إلى معصية الله فهو خسارة ما تعدلها خسارة ، وأي عمل مهما كان دخله قليلاً إذا كان في مرضاة الله كان ربحاً كثيراً ، لذلك كان الرجل إذا أسلم علّمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات :

(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي )) .

[ مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ]

Text Box: رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع ، وإذا اشترى :

 

في كسب الرزق يقول عليه الصلاة والسلام :

(( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا اقْتَضَى )) .

[ أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ] .

هناك تعنت في كسب الرزق ، هناك قسوة في كسب الرزق ، هناك شدة في كسب الرزق ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع ، وإذا اشترى  وإذا اقْتَضَى )) .

وفي رواية :

(( وإذا اقتضى )) .

والمؤمن من علامات إيمانه السهولة ، واليسر ، والتسامح في علاقاته المادية  والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ : مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء )) .

[أخرجه الترمذي عن أبو سعيد الخدري رضي الله ] .

لذلك ورد في بعض الآثار :

(( إن أطيب الكسب كسب التجار ، إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا   وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا كان لهم لم يعسروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا )) .

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ]

سبعة صفات وردت في بعض الآثار تجعل أطيب الكسب كسب التجار ، لذلك :

(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ : مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء )) .

لأن التاجر يحقق لك أكبر حاجة في حياتك موادك الأولية ، طعامك ، شرابك ، ثيابك ، وأنت إنسان تحتاج مليون حاجة ، فهذا الذي يقدمها لك بنوعية جيدة ، وبسعر معتدل هو داعية إلى الله دون أن يشعر ، لذلك أكبر قطر إسلامي في العالم إندونيسيا يعد 250 مليونًا فتح عن طريق التجار ، لا سلاح ، ولا حرب ، ولا جيوش ، تاجر صدوق أمين ، فلا تستهن بهذه الحرفة ، يمكن أن تلبي حاجات الناس ، لذلك الناس أحياناً يدعون من أعماق قلوبهم لتاجر صدوق باعهم سلعة جيدة ، سعرها معتدل ، وجيدة ، وقدمت لهم خدمات كثيرة .

النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه من حديث أبي ذر قال :

(( قلت ومن هؤلاء الذين يشنأهم الله ؛ يبغضهم الله ؟ قال : التاجر الحلاف   يكثر الحلف ، أو قال البائع الحلاف ، والبخيل المنان ، والفقير المختال )) .

[ ورد في الأثر ]

وورد :

" أحب ثلاثاً ، وحبي لثلاث أشد ، أحب الطائعين ، وحبي للشاب الطائع أشد ، أحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ، أحب المتواضعين ، وحبي للغني المتواضع أشد ، وأبغض ثلاثة ، وبغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد ، أبغض المتكبرين ، وبغضي للفقير المتكبر أشد ، أبغض البخلاء ، وبغضي للغني البخيل أشد " .

لذلك ورد أيضاً : " أن العدل حسن ، لكن في الأمراء أحسن ، فأجمل صفة في الأمير العدل ، وأن الورع حسن ، لكن في العلماء أحسن ، وأن الحياء حسن ، لكن في النساء أحسن ، وأن السخاء حسن ، لكن في الأغنياء أحسن ، وأن الصبر حسن ، لكن في الفقراء أحسن ، وأن التوبة حسن ، لكن في الشباب أحسن " .

 

Text Box: خاتمة :

 

إذاً : أيها الإخوة ، الله هو ( المسعر ) بفعله التكويني ، وولي أمر المسلمين حينما يرى في مصلحة أمتي أن يسعر ، يسعر بتدبيره الفقهي ، ولأن الإنسان مطلوب أن يدعو في هذا الاسم بمعنى هذا الاسم حينما يقول :

(( اللهم ارزقني طيباً ، واستعملني صالحاً )) .

وأن الكسب شيء ، وأن الرزق شيء آخر ، الرزق ما انتفعت به ، والكسب مال حصلته ولم تنتفع به ، وسوف تحاسب عليه ، وأن من أدق الحسابات يوم القيامة حساب المال ، من أين اكتسبه ؟ وفيمَ أنفقته ؟

أيها الإخوة الكرام ، نسأل الله جل جلاله أن يرزقنا طيباً ، ويستعملنا صالحاً .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi