English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة الإسلامية : أسماء الله الحسنى : الباطن " 1 " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: من أسماء الله الحسنى : (الباطن) :

 

أيها الأخوة الكرام ، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى ، وهو "الباطن" هذا الاسم ورد في قوله تعالى :

 ( سورة الحديد ) .

وقد ورد أيضاً في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :

(( وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء )) .

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ] .

 

Text Box: التعريف اللغوي للباطن :

 

"الباطن" اسم فاعل ، والبطن في كل شيء جوفه ، و "الباطن" خلاف الظاهر    والله تعالى يقول :

 ( سورة النحل الآية : 78 ) .

وقد أكّد علماء النفس أن هذا الطفل حينما يولد ليس عنده أية مهارة ، ولا أية قدرة ﴿ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، إلا منعكساً واحداً لولاه لما عاش إنسان على سطح الأرض ، إنه منعكس المص ، آلية معقدة جداً تُخلق مع الجنين ، فإذا وصلت إصبع الممرضة إلى شفتيه مصها ، لولا هذا المنعكس لما عاش إنسان على وجه الأرض ، ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .

 

Text Box: عدم الإحاطة بالله لأنه لا يعرف الله إلا الله :

 

أيها الأخوة ،  والشيء الباطن المحتجب عن الأنظار .

 ( سورة الأنعام الآية : 151 ) .

وبطن كل شيء ما احتجب عن النظر ، لكن الله عز وجل هو "الباطن" ما معنى أن الله باطن ؟ قال : الله عز وجل محتجب عن الأبصار ، والدليل قوله تعالى :

 ( سورة الأنعام الآية : 103 ) .

لا يًرى في الدنيا ، وأي ادعاء أنه رأى الله فهو كاذب ، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ ، لكنه يُرى في الآخرة .

 ( سورة القيامة ) .

أيها الأخوة ، الله عز وجل  يُرى في الآخرة ، ولكن لا يدرك ، أي لا يحاط به  لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، لأنه لا يعرف الله إلا الله ، إذاً يُرى في الآخرة بدليل قوله تعالى ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ .

وقد ورد في بعض الآثار : أن الإنسان إذا نظر إلى وجه الله الكريم يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة .

 

Text Box: أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله تعالى :

 

لذلك هناك جنة ، وهناك نظرة إلى وجه الله الكريم ، في قوله تعالى :

 ( سورة يونس الآية : 26 ) .

الحسنى هي الجنة .

 ( سورة الليل ) .

البشر على فئتين ، فئة تصدق بالحسنى أي أنها مخلوقة للجنة ، وفئة تكذب بالحسنى تؤمن بالدنيا فقط ، الدنيا ولا شيء إلا الدنيا .

فالجنة هي الحسنى ، ما الذي فوق الجنة ؟ النظر إلى وجه الله الكريم ، وما الذي فوق ذلك ؟ قال :

 ( سورة التوبة الآية : 72 ) .

أن تكون في الجنة هذه حسنى ، وأن يُسمح أن تنظر إلى وجه الله الكريم هذه الزيادة ، أما الأكبر ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

لذلك أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله ، أن تمشي في رضوان الله ، أن يكون دخلك في رضوان الله ، أن يكون إنفاقك في رضوان الله ، أو يكون وصلك للآخرين في رضوان الله ، أن تكون قطيعتك لمن حولك في رضوان الله ، أن تعطي لله ، أن تمنع لله ، أن ترضى لله ، أن تغضب لله ، أن تصل لله ، أن تقطع لله ، هذا من كمال الإيمان .

 

Text Box: "الباطن" المحتجب عن الأبصار و أي ادعاء لرؤية الله عز وجل هو ادعاء كاذب :

 

إذاً "الباطن" المحتجب عن الأبصار ، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ لا يُرى في الدنيا ، وأي ادعاء لرؤيته فهو ادعاء كاذب ، الحقيقة أن خصائص الجسم في الدنيا لا تسمح برؤية الله .

 ( سورة الأعراف الآية : 143 ) .

إذاً مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يرى الإنسان ربه في الدنيا ، لأن أجهزته ، خصائصه ، حواسه لا تحتمل أن ترى الله ، لكن طبيعة الإنسان في الجنة تختلف عن طبيعته في الدنيا ، في الجنة يمكن أن ترى الله ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ .

لكن في كلا الحالين أن تحيط بالله مستحيل ، لا يعرف الله إلا الله ، يعني أنت ممكن أن تصل بمركبتك إلى الساحل ، ممكن ، أن تخوض بهذه المركبة البحر مستحيل !.

فقال بعض العلماء : عين العلم به عين الجهل به ، وعين الجهل به عين العلم به لو شخص سأل رجلاً أن هذا البحر المتوسط كم لتر ؟ فإذا قال لا أدري فهو عالم ، إذا قال 33 مليار و762 يكون كاذباً ، أي رقم يذكر إجابة عن هذا السؤال فهو كذب ، أما أي قول لا أدري فهو العلم .

لذلك قال سيدنا الصديق : العجز عن إدراك الإدراك إدراك .

يعني قمة العلم في الحديث عن ذات الله نقول لا أعلم ، أنت في أعلى درجات العلم ، إذا قلت لا أعلم .

 ( سورة البقرة الآية : 255 ) .

 

Text Box: اختلاف نظام الدنيا عن نظام الآخرة :

 

أيها الأخوة ، الله عز وجل باطن ، احتجب بذاته عن أنظار الناظرين .

عفواً في ساعة رقمية ، وفي ساعة بيانية ، الساعة البيانية طبيعتها تختلف اختلافاً كلياً عن الساعة الرقمية ، البيانية مسننات ، ونوابض ، وعقارب ، بنية أخرى ، أما الساعة الرقمية إلكترونية ، و لها نظام خاص .

أنت في الدنيا لك نظام ، وفي الآخرة نظام آخر ، أنت في الدنيا ترى من خلال العينين ، وتنقل لك الأصوات من خلال الأذنين ، وتتحرك عن طريق الرجلين ، وتقوم بعمل ، هكذا في الدنيا ، أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك الذي في أمريكا إلا إذا سافرت إليه ، رؤية حقيقية مباشرة ، إلا إذا سافرت إليه ، تحتاج إلى ركوب طائرة سبع عشرة ساعة أحياناً ، لكن في الآخرة :

 ( سورة الصافات ) .

 ( سورة الصافات ) .

النفس في الآخرة هي كلها أعين ، كلها آذان ، شعاع ، كل شيء خطر في بالك تجده أمامك ، ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾ ، ﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ ، أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك بنظرة وهو في أمريكا ، أما في الآخرة أي شيء يخطر في بالك تجده أمامك ، نظام آخر .

 

Text Box: الدنيا دار ابتلاء أساسها الكدح و الآخرة دار تشريف أساسها الإكرام :

 

لذلك من الخطأ الكبير أن تتوهم الآخرة كالدنيا ، أو أن تتوهم خصائص الإنسان في الآخرة كخصائصه في الدنيا ، في الدنيا :

 ( سورة الانشقاق ) .

من أجل أن تأكل طبقاً من الطعام ، تحتاج إلى عمل ساعة ، من أجل أن تركب مركبة تحتاج إلى دراسة طويلة ، إلى تجارة عريضة ، من أجل أن تتزوج تحتاج إلى دخل يعني الدنيا مبنية على الكدح ، ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾ أما الآخرة مبنية على :

 ( سورة ق الآية : 35 ) .

 

 ( سورة الحاقة ) .

نظام الآخرة نظام إكرام ، نظام الدنيا نظام عمل ، الدنيا دار عمل ، ليست دار أمل ، الدنيا دار تكليف ليست دار تشريف ، الدنيا دار ابتلاء ليست دار جزاء ، طبيعة الدنيا شيء وطبيعة الآخرة شيء آخر ، طبيعة الدنيا أساسها الكدح ، طبيعة الآخرة أساسها الإكرام       ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ ﴾ .

 ( سورة ق ) .

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ )) .

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ] .

 

Text Box: اختلاف خصائص الإنسان في الدنيا عن خصائصه في الآخرة :

 

أضيق دائرة دائرة المرئيات ، يقول لك أنا سافرت إلى بريطانيا ، وإلى الهند  ، وإلى مصر ، هذه مرئياته ، لكن يسمع بالأخبار مئات المدن ، هنولولو مثلاً ، يسمع بها  فالمسموعات أكثر بكثير ، أما الخواطر لا نهاية لها ، دقق في الحديث :

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ )) .

هذا الإله العظيم الذي خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ألا يخطب        وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟.

لذلك أيها الأخوة ، الله عز وجل شاءت حكمته أن نكون على خصائص في الدنيا لا تسمح لنا أن نرى الله ، فهو باطن ، وشاءت حكمته أيضاً أن يهبنا خصائص أخرى في الآخرة أن نرى الله .

إنسان دخل إلى بستان جميل ، جميل جداً ، لكن صاحب هذا البستان له وجه يأخذ بالألباب ، فالنظر إلى وجه صاحب هذا البستان يفوق النظر إلى البستان ، أما إذا قال لك صاحب هذا البستان : أهلاً وسهلاً ومرحباً ، أنت ضيفنا العزيز ، هذا التكريم والترحيب يفوق النظر إلى وجهه .

فصار في حسنى وهي الجنة ، وفي زيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم ، وفي ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

 

Text Box: من صدق الله استحق جنة عرضها السماوات و الأرض :

 

أيها الأخوة ، الله عز وجل  باطن لأنه احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها من الخلائق أجمعين ، من أجل الابتلاء ، فكرة دقيقة جداً أرجو الله أن يمكنني أن أشرحها لكم :

لو فرضنا امرأة تمشي بأبهى زينة ، وفي إنسان يحمل مسدس ، يقول لإنسان آخر إن نظرت إليها أقتلك ، هل ينظر إليها ؟ مستحيل ! أما امرأة تمشي بأبهى زينة وفي ناظر مؤمن بالله ، معه نص فقط ، يعني كلمات :

 ( سورة النور الآية : 30 ) .

الشهوة محسوسة ، ملموسة ، أمام عينك ، المرأة الجميلة ، البيت الجميل   ، المركبة الفارهة ، الطعام الطيب ، المال الوفير محسوس ، تدركه بحواسك الخمس ، أما الآخرة خبر .

 ( سورة الضحى ) .

لماذا يستحق المؤمن الجنة ؟ لأنه صدّق الله ، أما أحاسيسه كلها في الدنيا ، الدنيا خضرة نضرة ، الدنيا محسوسة ، أما الآخرة خبر ، يفتح القرآن يقرأ قوله تعالى ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ ، صدق الله ، لأنه صدق الله بالغيب لم يرَ الجنة ، ولم يرَ النار ، صدق فاستحق الجنة ، الدليل قوله تعالى:

 ( سورة البقرة ) .

أما لو وجد لكل معصية عقاب فوري لا أحد يعصي ، لكن عدم المعصية ليست سمواً ، ولا عبادة ، ولا محبة ، ولا شوقاً ، ولا إقبالاً ، بحكم الخوف.

Text Box: لا إكراه في الدين :

 

لذلك الأقوياء يطاعون للخوف منهم ، لكن الله أراد أن تكون طاعته عن محبة ، أرادك أن تحبه ، لذلك قال :

 ( سورة البقرة الآية : 256 ) .

أرادك أن تأتيه طائعاً ، أرادك أن تأتيه بمحض اختيارك ، أراد أن تأتيه محباً  ، أراد أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة محبة ، هذه العلاقة ثمينة جداً ، أما علاقة القهر لا قيمة لها .

لو شخص ، معك حاجة ثمينة ، شهر عليك مسدساً وقال : أعطني إياها ، تعطيه إياها هل تشعر أنك عملت عملاً صالحاً ؟ أبداً ، تحس أنك مقهور .

لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو أجبرهم على أفعالهم ألغيت الجنة والنار ، والثواب والعقاب ، ألغي كل شيء ، ألغي التكليف ، ألغيت الأمانة .

 

Text Box: بطولة الإنسان أن يأتي ربه مختاراً لا قسراً :

 

كل بطولة الإنسان أن جاء ربه مختاراً ، بمحض اختياره جاء إلى هذا المسجد ، بمحض اختياره صلى ، بمحض اختياره غض بصره  ، بمحض اختياره ضبط لسانه ، بمحض اختياره ترك الحرام ، أكل الحلال ، كل قيمة عملك لأنك مخير ، وكل قيمة عملك لأنك جئت الله مختاراً ، لم تأتيه قسراً ، الله عز وجل يقول :

 ( سورة السجدة الآية : 13 ) .

يعني يا عبادي لو أنني أريد أن ألغي اختياركم ، لو أنني أريد أن ألغي تكليفكم   ، لو أنني أريد أن ألغي حملكم للأمانة ، لو أنني أريد أن تكون طاعتكم قسراً ، لفعلت هذا ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ ، ولكن هذا الهدى الذي يأتي قسراً لا قيمة له .

بربكم ، لو رئيس جامعة أجرى امتحاناً لطلاب جامعة ، وزع أوراقاً مطبوع عليها طبعاً الإجابة الكاملة ، مطبوع عليها العلامة التامة ، مئة بالمئة ، قيل للطالب اكتب اسمك واخرج كتب اسمه ، النتائج 83 طالب ممتاز ، هذا النجاح له قيمة ؟ له قيمة عند الطلاب ؟ عند الأولياء ؟ عند رئاسة الجامعة ؟ سقط الامتحان .

 

Text Box: منح الله سبحانه وتعالى رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً :

 

قيمتك عند الله أنك جئته مختاراً ، باختيارك آمنت به ، باختيارك أطعته  باختيارك أحببته ، لذلك الله عز وجل  قال :

 ( سورة المائدة الآية : 54 ) .

لخص علاقته بعباده بهاتين الكلمتين ، ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ، من هنا الذي كفر به يطعمه ويسقيه ، الكفار يأكلون ، ويشربون ، يسكنون البيوت الفخمة ، يركبون المركبات الفارهة ، معهم أموال طائلة ، غارقون في ملذاتهم ، لكن الله سبحانه وتعالى منح رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً ، ما أرادك أن تأتيه كارهاً أبداً ، ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

إذاً لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً .

 

Text Box: احتجاب الله عز وجل عن رؤية عباده لامتحانهم :

 

أيها الأخوة ، الله عز وجل باطن لا يُرى ، لكن كل ما في الكون يدل عليه   باطن لا يُرى ، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ ، واحتجب عن رؤية عباده ليمتحنهم ، سأوضح :

أنت صاحب محل تجاري ، تفتح المحل بيدك صباحاً ، وتجلس وراء الطاولة وأمام مكان للأموال ، وعندك موظف ، يا ترى هذا الموظف أمين أم خائن ؟ ما أتيح له أن يمتحن ، أنت وراء الطاولة ، دخلت أول داخل ، وخرجت آخر خارج ، والمفتاح بيدك  والمال معك ، يا ترى أمين أم خائن ؟ كلام ليس له معنى ، لكن متى يمكن أن تمتحنه ؟ إذا خرجت من المحل إلى محل آخر وتراقبه من هذا المحل ، هو الآن وحده ، والمال بين يديه ، أنت تراه هو لا يراك ، راقبته ساعات طويلة لم يأخذ قرشاً من مكان المال ، أما لو أنه خان وفتح مكان المال وأخذ مبلغاً ، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا تغافلت عنه ، متى أتيح له أن       يمتحن ؟ إذا غبت عنه ، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا توهم أنك لا تراه .

لذلك قال تعالى :

 ( سورة إبراهيم الآية : 42 ) .

هو لا يغفل ، لكن عباده يظنون يغفل .

 ( سورة إبراهيم ) .

كلمة احتجب عنا ليمتحننا ، لولا أنه احتجب لما امتحننا ، لو أن الله أرادنا أن نطيعه قسراً ، أي إنسان يتكلم كلمة كذب يفقد نطقه ، أي إنسان ينظر إلى امرأة لا تحل له يفقد بصره ، الكل يطيعونه ، طاعة قهر ، طاعة القهر لا قيمة لها إطلاقاً ، والأقوياء يطاعون   ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم فقط ، أما الأنبياء يمدحون في غيبتهم .

 

Text Box: الجنة ثمن من صدق و آمن بالغيب :

 

لماذا احتجب عن الأبصار ؟ ليمتحننا ، لماذا احتجب عن الأبصار ؟ ليكون للجنة ثمن ، ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ ، على الشبكية الله لا يُرى ، يمكن أن تأكل المال الحرام ، يمكن أن تكذب ، يمكن أن تأخذ ما ليس لك ، هذا واقع معظم الناس ، ما دام قوياً يأخذ ما ليس له  الأخ الأكبر يأخذ كل الثروة ، له أخوة صغار ، وأخوات بنات ، ما دام قوياً يأخذ كل شيء ، هذه البطولة أن تصدق بالغيب ، ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ أن تصدق أن الله سيحاسب  وسيعاقب ، ثمن إيمانك بالغيب ، يعني الدنيا محسوسة ، ملموسة ، تراها بعينيك ، ترى مركبة فارهة ، ترى بيتاً جميلاً ، ترى امرأة جميلة ، ترى مالاً وفيراً ، ترى طعاماً طيباً ، ترى بعينيك ، والآخرة خبر في القرآن ، على الشبكية ما في غير الدنيا ، الآن مشكلة الإنسان يرى الأشياء الجميلة ، يضحي من أجلها بكل شيء ، ثم يكتشف أنه كان على خطأ كبير .

 

Text Box: العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل :

 

أيها الأخوة الكرام ، الشيء إذا ظهرت عينه وآثاره تراه بعينيك ، أما إذا غابت عينه ، وبقيت آثاره تراه بعقلك ، الله عز وجل احتجب عنا ، لكن الكون كله يشير إليه إذاً العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل .

وفي كل شيء له آية      تدل على أنه واحد

            * * *

أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره لا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق ، صار عندنا طريق المعرفة الحواس ، وطريق المعرفة العقلية العقل ، وطريق الشيء إذا غابت عينه وآثاره الخبر الصادق .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi