English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس  :01/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  مقدمة عن اسم السورة ، الآيات المكية والمدنية .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

أيها الإخوة الكرام ... نبدأ اليوم تفسير سورة البقرة ، ولهذا سبب سأوضِّحه لكم قبل أن أشرع بالتفسير ، مضى على هذا الدرس أيها الأخوة بفضل الله جلَّ جلاله أكثر من خمسٍ وعشرين عاماً ، كان التفسير في البدايات آيات مختارة من القرآن الكريم ، ثمَّ بَدَأْتُ من سورة لقمان ، وتابعت إلى نهاية المصحف ، بدأ التسجيل الواضح من جزء عمَّ ، وقبل هذا الجزء التسجيلات غير واضحة ، ثم رجعت إلى سورة يونس ، وتابعت التفسير إلى سورة لقمان ، وكان وقتها بحسب الخطة أن أعود إلى سورة البقرة ، أي فسرت الثلث الأخير ، عشرة أجزاء ، ثم الثُلث الثاني ، ثم الثلث الأول ، لسببٍ أو لآخر تابعت التفسير إلى نهاية الجزء التاسع والعشرين، جزء عم مُفَسَّر بشكل واضح جداً ، ومسجَّل بشكل واضح جداً ، فحسب الخطة ، ونعود الآن إلى القسم الأول ، لأن كل السور من هود إلى نهاية المصحف ، مفسـَّرة ومسجلة على أشرطة واضحة جداً ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من تفسير الثلث الأول .

واليوم نبدأ تفسير سورة البقرة ، ولكن أُقَدِّم لكم هذه الحقيقة ، أي شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة ، وكل واحد من الإخوة الحاضرين إذا لم يكن له عمل متعلق بالآخرة فهناك خسارة كبيرة ؛ الدنيا تمضي ، البيوت تزول ، لاحِظوا : الميت ترك كل شيء إلا عملاً صالحاً ينزل معه في قبره ، يقول فالله عزَّ وجل  :

 

( سورة يوسف : آية " 108 )

فكُلُّ من يتبع نبي الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يدعَو إلى الله بطريقةٍ ، أو بأخرى، وقلت لكم من قبل : استقيموا يُسْتَقَم بكم ، الموقف الصادق دعوة ، الموقف الأمين دعوة ، الوَرَع دعوة ، الصدق دعوة ، الإتقان دعوة ، قد يكون لكل واحد عمل طيّب ، هذا العمل يُسَبب اتساع دائرة المسلمين ، فالدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم ، والدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرِف ، وكل إنسان جلس في مجلس علم ، واستمع إلى تفسير صار مؤاخذاً ، صار مسؤولاً ، صار مكلَّفاً أن ينقل هذا إلى الآخرين ، إما بلسانه ، أو بشريط أ، و بلقاء ، لا بدَّ أن تُلْقي بعد أن استمعت ، لا بد أن تعطي بعد أن أخذت ، وهذا الذي يبقى ، الذي يحَرِّك المؤمن في الدعوة إلى الله حديثٌ لرسول الله ، والله أيها الإخوة لو تلوت هذا الحديث على مسامعكم آلاف المرات لا أشبع منه :" يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها " .

" فَو اللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ

 ( من صحيح البخاري )

" خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس ".

والجهاد كما تعلـمون ذِروة سنام الإسلام ، " ومن مات ولم يجاهد ، ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مـات على ثلمةٍ من النفاق " ، الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد ، والدليل قال تعالى :

( سورة الفرقان (

جميل جداً أن يمتلئ المسجد بطُلاَّب العلم ، والأجمل من هذا أن ينتشر هذا العلم خارج المسجد ، جميل جداً أن يفكِّر كُلٌ منا كيف ينْقُل الحق إلى أخيه ، إلى صديقه ، إلى جاره ، إلى موظفي محلِّه ، إلى زملائه ، إلى أقربائه ، لأننا جميعاً كل الإخوة الحاضرين طرفٌ واحد ، ولكن البطولة أن تُدخل إلى هذا المجموع الطيِّب إن شاء الله أطرافاً جديدة ، فكل واحد مكلف أن يبحث من أقربائه ، من زملائه ، من جيرانه ، من أتباعه ، ممن هم دونه ، ممن هم فوقه ، بطريقةٍ أو بأخرى لنشر هذا الحق ، هذا الذي يبقى ، وترون كيف يموت الناس ، ولا يأخذون معهم شيئاً ، إلا عملاً صالحاً ابتغوا به وجه الله عزَّ وجل ، فتعليم العلم من أعظم الأعمال الصالحة . نشر الحق صنعة الأنبياء ..

( سورة فصلت (

بدأ هذا الدرس أيها الإخوة في عام 1976 بأربعة أشخاص فقط ، وترون هذا الإقبال ، وهذا من فضل الله عزَّ وجل ، هؤلاء الذين يأتون لطلب العلم ، ولمعرفة كلام الله عزَّ وجل ، وسنة رسوله ، هؤلاء يبتغون وجه الله عزَّ وجل ، فالبطولة أن تتعلم ، وأن تُعَلِّم ، وأن تستمع ، وأن تُلْقي ، وأن تتلقَّى ، وأن تعطي ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :" خيركم  (على الإطلاق خيرية مطلقة( من تعلم القرآن وعلّمه"

وكلما اتسعت دوائر الحق ، ضاقت دوائر الباطل ، وكلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً ، قال تعالى :

( سورة النور (

وقال تعالى :

) سورة  آل عمران : آية" 103 ")

فالفضل لله عزَّ وجل ، وهذا القرآن الكريم مائدة الله ، وهذا القرآن الكريم حبل الله المتين ، دستوره القويم ، الصراط المستقيم ، المنهج الصحيح . هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، هذا الكتاب فيه نبأ من قبلكم وذكر مَن بعدكم ، فيه الأمر ، فيه النهي ، فيه الحلال ، فيه الحرام ، في أخبار الأمم السابقة ، فيه مشاهد من يوم القيامة ، فالحقيقة الفضل لله عزَّ وجل أن سورة يونس والتي بعدها مُفَسَّرَةٌ بشكلٍ مفصل إلى نهاية المصحف ، ومسجَّلة بأشرطة واضحة جداً ، واليوم نبدأ الثلث الأول لهذا الكتاب الكريم ، ونبدأ بسورة البقرة .

قبل أن نبدأ في شرح هذه السورة ، لابدَّ أن نسأل هذا السؤال : لماذا سميت سورة البقرة ، مع أن البقرة ليست حيواناً مألوفاً في الجزيرة العربية ؟ الحقيقة أن هذه البقرة التي سُمِّيَت بها السورة الأولى في القرآن الكريم بعد الفاتحة ، هذه البقرة لها قصة ؛ كان هناك رجل غني جداً من بني إسرائيل ، كان ثرياً جداً ، ولم يكن له أولاد ، فقتله ابن أخيه ، وألقى الجثة بعيداً على مشارف قريةٍ بعيدة ، واتُّهِمَ أهل هذه البلدة بقتل هذا الرجل ، ونَشِبَ خلافٌ بين القرية الأولى ، والقرية الثانية ، إلى أن جاء أولياء القتيل ليسألوا موسى عليه السلام عَن الذي قتل هذا الرجل ، فربنا عزَّ وجل في الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة ذكر قصة هذه البقرة ، فقال :

( سورة البقرة : آية "  67 " )

الأمر الإلهي أن يذبح بنو إسرائيل أيَّةَ بقرة ، فإذا أخذوا أحد أعضائها ، وضربوا به هذا القتيل يحيى ، ويقف ، ويقول : فلان قتلني ، أي كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُثْبِت لبني إسرائيل الحياة بعد الموت ؛ نقف قليلاً لننتقل إلى موضوع اليوم الآخر .

الحقيقة الكبرى أيها الإخوة أنه بعد الإيمان بالله ، وهـو الرُكن الأول بعد الركن الثاني، وهو أن تؤمن بالـيوم الآخر ، لأن الحياة الدنيا من دون إيمانٍ باليوم الآخر غابة يأكل القوي الضعيف ، يستغلُّ الغني الفقير ، وهذا مـا يجري في العالم اليوم ، هو عالم لا يؤمن باليوم الآخر ، فالقوي هو الذي يسحقُ الضعيف ، والغني هو الذي يستغلُّ الفقير ، والأقوى هو الذي يعتدي على الأضعف ، والأحداث كلُّها تشير إلى أنه لن تقوم حياةٌ إلا أن تؤمن باليوم الآخر ، وكل ما يقال من كلامٍ لا معنى له ؛ ضمير يقِظ ، وازع داخلي ، هذا كلُّه إن لم يُدَعَّم بالإيمان باليوم الآخر لا جدوى منه ، ولم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر ؛ فربنا سبحانه وتعالى من خلال قصة البقرة أراد أن يبيِّن لبني إسرائيل أن هذا الذي تراه ميتاً سوف يُحْييِه الله يوم القيامة لينال جزاء عمله ، فماذا فعل بنو إسرائيل ؟ هذا الأمر لم يتلقَّوه بالقبول ، ولم يستقبلوه بالرضا ، ولم يستقبلوه بالانصياع ، بل استقبلوه بالتشكيك والسخرية :

( سورة البقرة (

نبيٌ كريم يستهزئ ؟! يمزح !!

( سورة البقرة (

هنا..  

وانتهى الأمر ، أية بقرةٍ تُجْزِؤكم ، وأية بقرةٍ لو أخذتم أحد أعضائها ، وضربتم به الميت لقام ، وتكلَّم ، وقال : قتلني فلان ، ولكن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم :


) سورة البقرة : آية " 72 " )

كل طرفٍ ألقى التهمة على الطرف الآخر .

( سورة البقرة (

يقول الناس عن الذي يموت : الفقيد الفلاني ، هذا الذي يموت خلع ثياباً فقط ، أما ذاتُهُ فباقية ، وسوف يحاسب ، وسوف يعيش حياةً أبدية في جنةٍ يدومُ نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفد عذابها .

إخواننا الكرام ... تُلحُّ الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين ؛ أن تؤمن بالله ، وأن تؤمن باليوم الآخر ، لأن الإيمان بالله لا معنى له من دون أن تؤمن أنَّه مطلعٌ عليك ، وسيحاسِب ، وسيعاقِب ، لن تستقيم على أمر الله إن لم تؤمن أنه مطلعٌ عليك ، وسيحاسب وسيعاقب ، قال تعالى:

( سورة الطلاق (

أي إنك تستقيم حينما تعلم أن الله يعلم ، وأنَّك في قبضته وسيحاسب ؛ ولن تجد إنساناً مستقيماً إلا بسبب أنه يُدْخل في حساباته اليوم الآخر ؛ والذي يثير العجَبَ أن الإنسان حينما يأكل المال الحرام ، وحينما يعتدي على أعراض الآخرين ، وحينما يتفَلَّت من منهج الله عزَّ وجل ، كيف ينام الليل ؟ كيف يتوازن مع نفسه ؟ إذا قرأ قول الله تعالى :

( سورة الحجر (

 حينما يوقن الإنسان المؤمن أن كل حركةٍ وكل سكنةٍ ، وكل تصرفٍ ، وكل عطاءٍ ، وكل منعٍ ، وكل وصلٍ ، وكل قطعٍ ، وكل زيارةٍ، وكل نظرةٍ ، وكل كلمةٍ سوف تَدْخُل في ميزان أعماله ، وسوف يُسأل عنها يوم القيامة ، عندئذٍ يستقيم الإنسان على أمر الله ، ولن تجد في الأرض إنساناً مستقيماً إلا إذا كان إيمانه باليوم الآخر عظيماً ، هذه الدنيا فيها نِعَم ، وفيها مُتَع ، وفيها شهوات ، وفيها حظوظ ، ما الذي يحصل ؟ هذه الحظوظ ، وهذه الشهوات ، وهذه المُتع ، وهذه الِنعم بشكل عام ، إما أن تفارِقَك ، وأنت حي ، وإما أن تفارقها عند الموت ؛ لا بدَّ من الفراق ، لأنّ خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت ، وقد تفارقك قبل الموت ؛ من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام :" اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا "

·        ·        أما الدار التي لا تفارقك فيها النعم ولا تفارقها هي الدار الآخرة .

( سورة الصافات (

( سورة المطففين (

هناك قلق في الدنيا ، الإنسان قَلِق على صحته ، وكلما تقدَّم به العمر يزداد هذا القلق ، يا ترى أَأُصاب بالمرض الفلاني ؟ أو بالمرض الفلاني ؟ والأمراض كثيرة جداً ، هذا أكبر قلق ، قلقٌ على الصحة ؛ يوجد قلق على الدخل ، هل يبقى هذا الدخل أم يتقلَّص ؟ هل أبقى في هذه الوظيفة ؟ هل تبقى لي هذه التجارة ؟ هل يبقى لي هذا الدخل ؟ الحياة الدنيا مشحونة بالقلق ، لأنك لا بدَّ أن تُغادر الدنيا ، إذاً سوف تفارق كل النعم ؛ وأوضح شاهد إذا تَبِعْتَ جنازةً ، ورأيت الميت كيف يدفن ، كان ساكناً في بيت ، قد تكون مساحته مئتي متر ، قد يكون أربعمئة متر ، قد يكون بيت بأحياء دمشق الراقية ، قد يكون بيتاً له إطلالة جميلة ، له شرفات ، مُعْتَنى به ، غرف للنوم ، غرف للاستقبال ، غرف للجلوس ؛ فيه كل شيء ، فيه تدفئة ، تكييف ، أين مصير  صاحب هذا البيت ؟ تحت أطباق الثرى ، في حفرةٍ صغيرة ؛ هذا مصيرُ كل حي ، فهذه النعم ، لا بدَّ أن تفارقها بالموت ، وقد تفارقُكَ قبل الموت ؛ أما الآخرة فحياةٌ أبديةٌ سرمدية ، حياةٌ لا نغص فيها ، ولا شيخوخة فيها ، ولا حُزْنَ فيها ، ولا قلق فيها ، ولا برد ، ولا حر ، ولا مرض، ولا فقر ، ولا غنى ، ولا قهر .

(سورة الصافات (

( سورة المطففين (

إذاً أراد الله جلَّ جلاله حينما جعل هذه السورة تحمل اسم سورة البقرة أن يذكِّرنا باليوم الآخر ، وأن الإيمان باليوم الآخر يأتي بعد الإيمان بالله تماماً ، ولو تتبعت الآيات التي تذكر الإيمان لوجدت أن أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ والحياة الدنيا من دون إيمان باليوم الآخر غابة ؛ يأكل القوي الضعيف ، يستغل الغني  الفقير ، شعوبٌ تُقْهَر ، شعوبٌ تموت من الجوع ، وشعوبٌ تُطعِم كلابها من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها في جنوبي آسيا ، هناك محلات ، وهناك رَفاه لكلابهم يفوق رفاه بعض الشعوب ؛ حياةٌ القوي فيها هو المسيطر ، والضعيف مسحوق ، هذه حياةٌ دُنيا من دون يوم آخر ، انظر إلى مجتمع إيماني صغير ، أفراده مؤمنون باليوم الآخر ، تجد الإنسان يأخذ ما له ، ويدع ما ليس له،  قلت مرةً في موضوع الزواج : لماذا ينجح الزواج الإسلامي ؟ لأن الله بين الزوجين ، لأن كل طرفٍ يخشى أن يظلم الطرف الآخر ، يخشى الله ، يخاف من الله أن يظلم الطرف الآخر، وكل طرفٍ يرجو رحمة الله بخدمة الطرف الآخر ، فكلا الزوجين يرتقيان إلى الله ، ويزداد التفاهم والوئام بينهما بسبب إيمانهما بالله واليوم الآخر ، أنا أُلِحُّ على الإيمان باليوم الآخر ؛ يجب أن يدخل هذا اليوم ، اليوم الآخر في الحسابات اليومية ، وقال لي أخ : في الحسابات الساعيِّة ، والأصح أن يدخل هذا اليوم في الحسابات اللحظيَّة ، كل لحظة ، كل عملٍ سوف تحاسب عليه .

(سورة الكهف (

 الإنسان المؤمن شخصية فَذَّة ؛ ذكرت مرة أن الشخصية الفَذَّة فيها درجة علمية ، من هو المؤمن ؟ المؤمن عرف الحقيقة الكُبرى في الكون ، عرف الله ، هذا أكبر عالم ، لأنه عرف الله ، دققوا في هذا القول ، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، القرآن الكريم هذا الكتاب .. وازن بينه وبين أي كتابٍ آخر المسافة بينهما كما بين الله وهذا المؤلِّف ، لأن هذا كلام الله ؛ وازن بين من عرف الدنيا ، وبين من عرف الله ، بينهما كما بين الله وخلقه ؛ هذا الذي عرف الله إنسان كبير جداً ، عرف الحقيقة العظمى  وانسجم معها فسعد في الدنيا والآخرة ، والإيمان درجة أخلاقية ، لأن المؤمن محكوم بمنظومة قيمٍ أخلاقيةٍ كثيرةٍ كبيرةٍ جداً ، ففي حياته نهج دقيق تفصيلي ، وذكرت سابقاً أنه ما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط ، هي الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، بينما يحوي الإسلام - وأرجو ألا أُبالغ - مئة ألف بند تقريباً ؛ بنود في كسب المال ، بنود في إنفاق المال ، بنود في الزواج ، بنود في الطلاق ، بنود في المجالس ، بنود في أداء الحِرَف ، بنود في السفر ، بنود في الإقامة ، بنود في تربية الأولاد ، منهج كامل ؛ حينما فهم المسلمون أن الإسلام بضعة عبادات شعائرية كانوا خلف الأمم جميعاً ، أما حينما فهم الصحابة الكرام أن الدين هو الحياة كما أرادها الله عزَّ وجل ساروا وفق المنهج التفصيلي ، لذلك طلب العلم فرضٌ على كل مسلم ، في حياة المسلمين لا شيء يعلو على طلب العلم ؛ إنَّك بالعلم تعرف من أنت ، وتعرف موقعك بين الناس ، وتعرف ماذا بعد الموت ، وماذا قبل الموت ، وما المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ فلذلك حينما يؤمن المؤمن باليوم الآخر تنتهي مشاكله .

 .. هذه قصة نموذجية أرويها دائماً  ؛ أخ من إخواننا يعمل في لف المحركات ، قال لي: أنا قبل أن أصطلح مع الله يأتيني محرك محروق ، طبعاً أجرة لفِّ المحرك خمسة آلاف تقريباً ، قال لي : أفتحه ، فإذا به قَطْع بسيط جداً في خط خارجي ، يُصَلَّح في دقيقة ، قال لي : قبل الصلح مع الله أُصَلِّح هذا المحرِّك وآخذ خمسة آلاف عداً ونقداً ، لأن صاحب المحرك لا يعرف ماذا حدث ، يعرف أن المحرك واقف عن العمل ، إذاً هو محروق ، وجاء به للفّه ، قال لي : بعد أن عرفت الله عزَّ وجل : أقول له كلَّف خمساً وعشرين ليرة ، مع أن الشرط خمسة آلاف ، دخل بالمحاسبة الذاتية ، هذه هي القصة كلّها .

الدين كله محاسبة ذاتية ، الدين كله كما قال هذا الأعرابي ، هذا البدوي لابن سيدنا عمر ، قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها فقال له : ليست لي ، قل لصاحبها : ماتت .. ليست لي .. خذ ثمنها .. ليست لي .. ثم ألحّ عليه ، قال له : والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدَّقني ، فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا الدين كله ، الدين كله أن تؤمن باليوم الآخر ، ضبطْتَ لسانك ، ضبطت كسبك للمال ، ضبطت إنفاقك للمال ، ضبطت عَيْنَك ، ضبطت أذنك ، ضبطت يدك ، ضبطت حركاتك وسكناتك .

يا أيها الأخوة الكرام ... سُمِّيت هذه السورة التي هي أطول سورةٍ في القرآن ، سميت بالبقرة لأن البقرة دليلٌ لبني إسرائيل على اليوم الآخر ، كيف أن الله سبحانه وتعالى أحيى هذا الميت ، الذي قال : فلان قتلني . هذه واحدة ، فلذلك الإنسان عندما يعصي الله عزَّ وجل يجب أن يعلم أن إيمانه باليوم الآخر ضعيف ؛ لو كان إيمانه باليوم الآخر قوياً لما عصى الله أبداً ؛ مستحيلٌ أن يعصي الله إذا كان مؤمناً أنه سيحاسب ؛ إذا ذهبت إلى بلد مجاور ، ووجدت في أثناء الذهاب تفتيشاً دقيقاً جداً ، وأنه لا يمكن لحاجة أن تمر إلا بمحاسبة دقيقة ، هل تشتري شيئاً هناك؟ أبداً شيء طبيعي ، ما دام هناك حساب دقيق لا تشتري شيئاً ، يقول لك رخيصة : ليست المشكلة أنها رخيصة ، ولكن كيف سأنقلها إلى بلدي ؟ لا تمر ، والمؤمن كذلك ، أي شيء ، قد لا يوجد عليه رقابة ، أنت موثوق ، الطبيب موثوق ، المهن الراقية كلها موثوق بأصحابها ، لو قال طبيب لمريض : تحتاج إلى تحليل ، عشرة تحاليل ، هل يستطيع المريض أن يناقش الطبيب؟ لا يستطيع ، تحتاج إلى التحليل الفلاني ، انتهى ؛ من الذي يعلم أن هذا التحليل ضروري ، أو غير ضروري ؟ هو الله وحده ، إذا قال لك المحامي : الدعوى رابحة ، وهي خاسرة حتماً ، هل بإمكانك أن تناقشه ؟ من يعلم ذلك ؟ الله وحده ، والله أيها الإخوة لو صح إيمان المسلمين باليوم الآخر لأغلق قصر العدل أبوابه .

بقي سيدنا عمر وزير عدل مع سيدنا الصديق سنتين ، ولم يَرفع له أحد قضية ، لو أنصف الناس لاستراح القاضي ؛ نحن مشكلتنا الإيمان باليوم الآخر ، وأنك سوف تسأل .

( سورة الحجر (

مرة ثانية يا إخواننا الكرام ، أكبر وهم نتوهَّمه أن الذي يأتي إلى المسجد ، ويصلي هو صاحب دين ؛ تأتي إلى هنا لتأخذ تعليمات الصانع فقط ، وتعود مرة ثانية لتقبض الثمن ، دينك بعملك ، دينك بدكّانك ، دينك بمكتبك ، دينك بعيادتك ، دينك بشركتك ، دينك بالحقل ، دينك بالمعمل ، دينك مع أولادك ، هنا تأخذ تعليمات الصانع ، وتعود إلى الحياة كي تُمارس هذه التعليمات ؛ وأوضح شيء كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الله عزَّ وجل يقول : " اللهم افتح لي أبواب رحمتك " ، يا رب أشعرني بقرب منك ، أما إذا خرج من المسجد يقول : " اللهم افتح لي أبواب فضلك " ، العمل خارج الجامع ، هناك الدين ، هناك الاستقامة ، هناك ضبط اللسان، هناك ضبط الدخل ، هناك ضبط الإنفاق ؛ نحن حينما فهمنا الدين خمس عباداتٍ شعائرية صرنا في مؤخَّرة الأمم ، ولكننا يجب أن نفهم الدين منهجاً كاملاً ، لهذا أكبر شيء يشغل المؤمن: ما حكم الشرع في هذا الموضوع ؟

 سميت سورة البقرة لأن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ليضربوا ببعضها هذا المقتول ، فيعيد الله جل جلاله له الحياة فيقف ، ويقول : فلان قتلني ! أي أن الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى ، وهذا الذي ذكره القرآن الكريم .

الشيء الثاني : كان في بني إسرائيل رجل صالح ، وكان مستقيماً ورعاً مخلصاً ، لم يَدَع لأهله إلا بقرة ؛ هذه كل ثروته في الدنيا لابنه الوحيد ، هذه الصفات التي في سورة البقرة :

) سورة البقرة : آية " 69 " )

انطبقت جميعها على هذه البقرة ، فلم يرض صاحبها (ابن هذا الصالح) بثمن أقل من أن يُملأ جلدها ذهباً فكانت ثروةً طائلة ؛ يستنبط من هذا : أن الإنسان إذا كان صالحاً تولَّى الله مِن بعده رعاية أولاده ؛ يقول الله عزّ وجل في الأثر القدسي :

" عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول هذا العبد : يا ربِ أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين .. "  يقول الله عزّ وجل في هذا الأثر القدسي: " عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك .. "

معنى ذلك : تحرَِّ الحلال ، ولا تأخذ ما ليس لك ، ولا تَخْشَ على أولادك من بعدك ، الله وليُّهم هو الحافظ الأمين ، هو الذي يرعى لك أولادك بعد موتك ، هو الذي يسترهم ، هو الذي يرزقهم ، هو الذي يحفظُهم ، هو الذي يُكرمهم ؛ كم من أبٍ ترك ملاين طائلة لأولاده كسبها بالحرام من أجلهم ، فكانت النتيجة أنهم ّبددوا هذه الأموال في وقتٍ قصير ، وعاشوا فقراء؛ وكم من أبٍ خاف الله عزّ وجل في كسبه فتولَّى الله من بعده رعاية أولاده ، لا تقلق على أولادك ، اقلق على شيء واحد هو : أن تقع في معصية ؛ هذا الذي مَكَّنك الله منه ؛ معظم الناس الآن يكسبون المال الحرام من أجل أولادهم ، من أجل بناء مستقبل أولادهم ، شراء بيوت ، تزويج أولادهم ، يكسبون المال الحرام ، ما الذي يحدث ؟ هذا المال الذي كسبوه حراماً يبدَّد ، ويذهب كما أتى ، ويبقى أولادهم فقراء ، تتمة الأثر القدسي يقول الله لعبدٍ آخر :" .. عبدِ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا ربِ لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، يقول الله عزّ وجل : إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم "

هي بقرة مباركة ، لأن الأب كان صالحاً ..

( سورة الكهف : آية " 82 " )

 بنى سيدنا الخَضِر الجدار ، لأن أباهُما كان صالحاً ، فلذلك الحقيقة الثانية في هذه السورة : أحرص على الدخل الحلال ، احرص على طاعة الله ، ولا تفكر في مصير أولادك ، لأن الله سيتولى أمرهم ، إذا كنت أباً صالحاً سيحفظ الله لك أولادك من بعدك ، وسيتولى أمرهم ؛ والله كم من قصةٌ مؤثرةٍ .. رجل اتقى الله فكان أولاده من بعده أعلاماً ، قمماً ، وكم من رجل لم يتق الله في كسب المال ، ترك أيضاً ملايين طائلة فرأى صديق المتوفى ابن صديقه في الطريق فقال له : إلى أين أنت ذاهب ؟ قال بالحرف الواحد : إنني ذاهبٌ لأشرب الخمر على روح أبي ، روح الميت تُرفرف فوق النعش ، تقول : " يا أهلي يا ولدي لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة عليَّ " .

النقطة الثانية : أن هذه البقرة التي جاءت صفاتها مفصَّلةً انطبقت على تلك البقرة التي كانت لرجلٍ صالح ، فأبى ولده ثمناً لها إلا مِلءَ جلدها ذهباً ، أحياناً  يَدَعُ أب صالح قطعة أرض، بيتاً ، دُكَّاناً صغيرة ، تدرّ هذه  الدكان على أولاده من بعـده خيراً كثيراً ، لأنه كان صالحاً ، لا تقلق على أولادك ، اقلق على دخلك ، حلال هو أم حرام ؟ أنت لست مكلفاً أن تُطعم أولادك المال الحرام ، هذه النقطة الثانية .

النقطة الثالثة في هذا الدرس : أن هذه السورة سورة مدنية ؛ طبعاً القرآن الكريم كما تعلمون مكيٌّ ومدني ، والعلماء اختلفوا هل الآية التي نزلت في مكة مكية ، والتي نزلت في المدينة مدنية إطلاقاً ولا علاقة للزمن بها ، مراعين المكان فقط ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة أُنزل عليه القرآن ، فالآيات التي أُنزلت عليه في مكة مكيةٌ أم مدنية ؟ هناك علماء راعوا الزمن فقط ، فكل آيةٍ نزلت بعد الهجرة في أي مكان فهي مدنية ، وكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة في أي مكان فهي مكية ، هذا مقياس زمني ، ويوجد مقياس مكاني : كل آيةٍ نزلت في مكة بأي وقت فهي مكية ، وكل آية نزلت في المدينة فهي مدنية .

والذي يعنينا أن القرآن المكي له خصائص ، والمدني له خصائص ؛ يركِّز القرآن المكي على الإيمان بالله عن طريق الآيات ، ويركِّز على اليوم الآخر ، اِقرأ سورة من الأجزاء الأخيرة من القرآن الكريم ، سورة عمَّ ، النازعات ، المرسلات ، يركِّز على الإيمان بالله ، وعلى الإيمان باليوم الآخر ، لأنهما أصلا العقيدة ، يركز على الرد على الكفار والملحدين ، والمشركين والمنكرين ، وعلى ذكر الجنة والنار ، تكاد هذه القواسم تتجاذب السور المكية ، الإيمان بالله من خلال الآيات ، الإيمان باليوم الآخر ، الرد على المشركين والكفار والملحدين ، ذكر الجنة والنار، لو انتقلت إلى البقرة ، إلى آل عمران ، إلى النساء ، إلى الأنعام ، يختلف الأمر ، تجد آيات التشريع اِفعل ولا تفعل ..

( سورة البقرة : آية " 282 " )

شيء جميل ، تشريع ، ويوجد منافقين ..

( سورة آل عمران : آية " 120 " )

صـار هناك طبقة منافقين ، لم يكن في مكة منافقون ، لأن الإسلام كان مُضطهداً ، فلا داعي لأحد أن ينافق ؛ إذا أعلن الكفر يمشي على عرض الطريق ، كان المسلمون مضطهدين ، لذلك لم يكن نفاق في مكة ، أما حينما أُسس للمسلمين دولة قوية في المدينة صار هناك نفاق ؛ تجد في السور المدنية حديثاً عن التشريع ، وحديثاً عن المنافقين ليحذِّر المؤمنين ، وحديثاً عن علاقة المسلمين بغيرهم ، هذا في المدينة .

ما الذي يعنينا ؟ الذي يعنينا هو أن كل دعوةٍ إلى الله لابدَّ أن تمر بمرحلتين : مرحلة التعريف بالله واليوم الآخر ، ومرحلة التعريف بالمنهج ، وأية دعوةٍ إلى الله غَفَلَت عن تعريف أتباعها بالله واليوم الآخر دعوةٌ عرجاء ، دعوةٌ لا تنجح ، فأنت حينما تأمر الإنسان أن يصلي ، يصلي لمن ؟ تأمره أن يستقيم ، يستقيم خوفاً مِن مَن ؟ لا يعرف الله !! وكنت أقول دائماً : إذا عرف الإنسان الأمر ، ولم يعرف الآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر ، وهذا حال المسلمين اليوم أعظم من أن يُخفى ، مغنية تسأل عالماً : إنني تبت فهل يوجد مانع أن أغني ؟  لا يوجد مانع بموضوعات دينية ؟ صار الغناء مسموحاً ، والاختلاط مسموحاً ، والبنوك مسموحة في مصر ، لم يعد هناك شيء ، كل شيء له فتوى ، وكنت أقول : متحسّراً : إنَّ لكل معصيةٍ فتوى .

 إذا عرف الإنسان الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من هذا الأمر ، وهذا حال المسلمين ؛ صار الإسلام غازاً ، صار الإسلام فلكلوراً ، مظاهراً، لباساً إسلامياً ؛ آيات قرآنية نزين بها البيت ، وتوجد سهرات لا ترضي الله في هذا البيت ، توجد أجهزة لا ترضي الله في هذا البيت ، توجد علاقات لا ترضي الله في هذا البيت ، أما كله آيات قرآنية ، وصورة الكعبة ، وآية الكرسي ؛ بقي الإسلام مظاهراً ، مؤتمرات إسلامية، كتباً فخمة جداً . العنوان على عرض الكتاب ، أناقة بالطباعة ، أشرطة مرئية ومسموعة ، ومكتبات وكل شيء في أعلى درجة ، لكن لا توجد استقامة ، لا يوجد التزام  ، وكأن الله عزّ وجل تخلَّى عنا ؛ ذكرت هذا فيما مضى ، أن شخصاً سألني فقال لي : لِمَ ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قلت له : سُئل الإمام إبراهيم بن الأدهم هذا السؤال مرةً في البصرة فقيل له : إن الله تعالى يقول :

( سورة غافر : آية " 60 " )

ونحن ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قال : " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ ادعيتم أنكم آمنتم بالله ، ولم تنصاعوا لأمره ، قرأتم القرآن فلم تعملوا به ، ادعيتم حب نبيَّكم فلم تعملوا بسنَّته، قلتم : إن النار حق فلم تتقوها ، قلتم : إن الجنة حق فلم تعملوا لها ، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا .." ذكر اثني عشر بنداً ، وقال : فكيف يُستجاب لكم ؟

فالذي أريده ما دام هناك مّكي ومدني ، معنى ذلك أن القرآن المكي يدعوك إلى الإيمان بالله واليوم الآخر عن طريق الآيات ، وأيَّة دعوةٍ إلى الله تُغفل هذا الشطر الكبير من الدين فهي دعوةٌ عرجاء .. لا تنجح .. والآن ترى أننا اعتنينا بالفقه على حساب العقيدة ، يجب أن نعتنيَّ بالفقه والعقيدة معاً ، والشيء الدقيق أن الإنسان حينما يؤمن بالله إيماناً صحيحاً ، هو يبحث عن أمره ونهيه ، يبحث بشكلٍ حثيث ، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل ما حكم الشرع في هذا ؟

أنت أحياناً موظف في شركة ، نُحيِّ المدير العام السابق عن عمله ، وجاء مدير جديد ، أنت تسأل : من هو ؟ فلان ، ما ثقافته ؟ ما أخلاقه ؟ ما طبيعته ؟ ما طباعه ؟ الخ ، بعد أن عرفت شيئاً عن شخصيته الآن تنتظر الأوامر والنواهي ؛ سلوك طبيعي جداً أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً ؛ فنحن في المكِّي عرفنا الآمر ، الآن في المدني يجب أن نعرف الأمر ؛ لذلك أيُّ أمرٍ لم يسبقه تعريفٌ بالآمر هذا الأمر لا قيمة له ، لأن شرف الرسالة من شرف المُرسل ، وقيمة الأمر من قيمة الآمر ، وكلَّما عرفت الله أكثر وَقَّرْتَ أمره أكثر ، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعده أكثر ، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعيده أكثر ؛ القضية دقيقة جداً ، لذلك لا تحاول أن تُملي على الناس الأوامر الإلهية دون أن تعرِّفهم من أمر بها ؛ ماذا عند الله لو أطعته ؟ وماذا عنده لو عصيته ؟ إذا لم يكن هناك فكرة واضحة ماذا ينتظر الطائع ، وماذا ينتظر العاصي فلا تعبأ لا بالأمر ولا بالنهي .

هذا درس بليغ لنا ، فلذلك أنا حاولت في أول التفسير أن أبدأ بالقسم المكي ، بالثلث الأخير ، ثم بالثلث الثاني ، ورجوت الله عزّ وجل أن يُمَكَّن الإيمان بالله في قلوب الإخوة المؤمنين ... الآن يأتي التشريع تاجاً يتوَّج به المؤمن ؛ أنت حينما تعرف الله تبحث عن أمره ونهيه ، تبحث عما يرضيه ، لذلك بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده ؛ هذان الخطَّان في عهد النبي الخط الأول : التعريف بالآمر ، والثاني : التعريف بالأمر ؛ الحد الأدنى الآن أن يسير الخطَّان معاً ، لذلك لابدَّ من درسٍ تعرف الله فيه ، التفكُّر في خلق السماوات والأرض ، هذا الخط الأول، كل إنسان يأكل ، ويشرب ، ويتزوج ، وينام ، ويستيقظ ، ويتأمَّل ، وينظر ، يجب أن تعلم أن أرقى عبادة على الإطلاق تتقرَّب بها إلى الله أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض ، من أجل أن تزيد معرفتك بالله ، من أجل أن يكون أمر الله عندك عظيماً ..

( سورة نوح (

إذا فكَّرت في خلق الإنسان أطواراً ترجو لله الوقار ، من أين يأتي الوقار ؟ يأتي إذا فكَّرت في خلق الله عزّ وجل ..

" إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء " .

فيا أيها الإخوة الكرام ، علمتنا كلمة مكي ومدني أن الدعوة ينبغي أن تمر بمرحلتين ؛ مرحلةٍ نتعرف فيها إلى الآمر ، والمرحلةٍ الثانية نتعرف بها إلى الأمر الإلهي .

هذه السورة أيها الإخوة .. سورة البقرة .. من أطول سور القرآن الكريم ، فيها خاصة ثالثة أُسأل عنها دائماً ، هذه الخاصة : حديثٌ طويل عن بني إسرائيل وما علاقتنا ببني إسرائيل..

( سورة البقرة : آية " 134 " )

 صفحات طويلة ، سيدنا موسى ، وعلاقته بفرعون ، وعلاقته بقومه ، وكيف نجَّاه الله من فرعون ، وكيف انتقل إلى سيدنا شعيب .. الخ . الحديث عن بني إسرائيل له مغزى هو : أن الأسلوب التربوي الحكيم ينطلق من هذه المقولة : " إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة " ، يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر ، فكل الأمراض التي وقعت بها بنو إسرائيل المسلمون مرشَّحون لأن يقعوا بها ، فأيُّ مرضٍ من أمراض بني إسرائيل نحن مُرشَّحون لأن نقع فيه ..

(سورة البقرة (

هذا يعتقده المسلمون اليوم ، يعتقدون بمفهومٍ ساذج للشفاعة ، اِفعل ما شئت ، والنبي عليه الصلاة والسلام يشفع لك ..

( سورة المائدة (

وهذا مرضٌ أصاب المسلمين ..

( سورة البقرة : آية " 93 " )

وهذا مرضٌ أصاب المسلمين ؛ لو تتبعت أمراض بني إسرائيل لوجدت أن كل هذه الأمراض قد تلبَّّسنا بها ؛ فإذا قرأنا قصة بني إسرائيل نقرأها كي نتعظ ، كي نعتبر من هؤلاء القوم الذين خرجوا عن منهج ربهم فاستحقوا لعنة الله عزّ وجل ، هذه النقطة الثالثة .

نعيد ملخص هذه النقط :

الأولى : سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر ، وأن الناس جميعاً سيحاسبون حساباً دقيقاً جداً .. " ، ومن  حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً " ، " ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٌ عاريةٌ يوم القيامة ، ألا يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٌ ناعمةٌ يوم القيامة ، ألا يا رُبَّ مكرِم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رُبَّ مهينٍ لنفسه وهو لها مُكرم " ، فالعبرة باليوم الآخر.

الشيء الثاني : أن الذي يحيا حياةً مستقيمة ينبغي ألا يقلق على أولاده من بعده ، لأن الله عزّ وجل هو الذي سيحفظ له أولاده من بعده ، أي عليك أن تستقيم وانتهى الأمر ..

) سورة الزمر (

( سورة الأعراف (

النقطة الثالثة : هي أن هذه السورة مدنية ، والسور المدنية فيها تشريعات ، والتشريع مكانه الطبيعي بعد معرفة المُشَرِّع ، الأمر مكانه الطبيعي بعد معرفة الآمر ، فإذا عرفنا الآمر وعرفنا الأمر تكاملنا ، ولا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى جعل التشريع نصف الدين تماماً .

      والنقطة الرابعة في سورة البقرة : أن كل قصص بني إسرائيل بأمراضهم ، وتقصيرهم ، وانحرافاتهم تنطبق علينا .

ذكرت مرة أنّ هؤلاء الذين نسوا :

(سورة المائدة : آية " 14 " )

معنى ذلك متى تكون بيننا العداوة والبغضاء ؟ إذا نسينا حظاً مما ذُكرنا به ، كأن للعداوة والبغضاء قانون ..

( سورة المائدة : آية " 91 " )

( سورة المائدة : آية " 14 " )

معناها في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً ، ومع ذلك عداوة وبغضاء مع هذه القواسم المشتركة ، وصف الله عزّ وجل بني إسرائيل فقال:

( سورة الحشر: آية " 14 " )

يحوي المجتمع عشرات العوامل المشتركة ، ومع ذلك عداوةٌ وبغضاء ما بعدها من عداوةٍ وبغضاء ، هذا قانون ثالث ، فأردت من هذا الدرس أن يكون مقدمةً للدروس القادمة التفصيلية ، اسم البقرة ، والأبُ الصالح ، وبنو إسرائيل ، لماذا كثر ذكرهم في هذه السورة ؟ والشيء الرابع المكي والمدني .

والحمد لله رب العالمين

*  *  * 

Copyright © 2007 Nabulsi