English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس  :02/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيتان ألم (1) ذلك الكتاب ...(2)

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الكرام ... مع الدرس الثاني من سورة البقرة .

بسم الله الرحمن الرحيم

(سورة البقرة (

أيها الإخوة الكرام ... الكتاب هو الذي يُحْفَظُ في السطور ، ويُقرأ مدى الدهور ، والقرآن هو الذي يُحفظ في الصدور ، ويُقرأ ، يغلب على القرآن أنه يُقرأ ، إذاً يحفظ في الصدور ، ويغلب على الكتاب أنه يكتب ، ويحفظ في السطور ؛ فالقرآن والكتاب اسمان لشيءٍ واحد ؛ لكن هذا يُذَكِّرنا بقوله تعالى :

( سورة الرحمن (

البيان اللُّغة ، واللغة من تكريم الله للإنسان ؛ أداة اتصالٍ بين أفراد النوع ، أداة اتصال راقية جداً ، أداةٌ يعبِّر بها الإنسان عن فكره وشعوره ، أداةٌ اجتماعية ؛ يتَّصل الإنسان مع الآخرين عن طريق اللغة ؛ لو أن اللغة تُقرأُ ، لو أن اللغة تقتصر على أن تُلقى ، وأن تُسمع لما انتقلت ثقافةٌ من جيلٍ إلى جيل ، ولا من أمةٍ إلى أمة ، لذلك قال تعالى :

( سورة العلق (

فاللغة حديثٌ واستماع ، واللغة كتابةٌ وقراءة ؛ حينما مَكَّنَ الله الإنسان أنْ يكتب اللغة ومن أن يقرأ المكتوب ، معنى ذلك أن هذه الـعلوم التي بين يدي الإنسان انتقلت من جيلٍ إلى جيل ، ومن عصرٍ إلى عصر، وعن طريق الترجمة من أمةٍ إلى أمة ؛ فالإمام القُرطبي مثلاً صاحب التفسير المشهور ، لو لم يكن هناك كتابة أين علمه ؟ ضاع بموته ، فأيُّ عالمٍ صَبَّ علمه في كتاب ، فهذا الكتاب انتفع به أبناء عصره الذين لم يلتقوا به ، وانتفع به الذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة ، وانتفعت به الأمم الأخرى عن طريق الترجمة ، إذاً معنى قوله تعالى :

(سورة الرحمن (

البيان من أخص خصائص الإنسان ، وهو من تكريم الله للإنسان ؛ عَلَّمك أن تنطق ، وعلَّمك أن تفهم الكلام الذي ينطقه غيرك ، وعلمك أن تكتب ، وعلمك أن تقرأ المكتوب ؛ فلذلك الكتاب محفوظٌ في السطور ويقرأ على مدى الدهور ، والقرآن محفوظٌ في الصدور ويُقْرَأُ بلسانٍ عربيٍ مبين .

أيها الإخوة ... أما كلمة الكتاب .

) سورة البقرة (

هذه (أل) العهد ، أيْ : هذا الكتاب الذي يتميَّز عن كتب أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة ، أيُّ كتابٍ ألَّفه إنسان .. أُُدخل إلى أضخم مكتبةٍ في العالم .. كل هذه الكتب في كفة ، وهذا القرآن في كفةٍ أخرى ؛ إنه كلام الله ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ؛ لذلك هذا الكتاب ، هو كتابنا المقرر ، هو أساس سعادتنا ، هو منهجنا ، هو دستورنا، هو حبل الله المتين ، هو الصراط المستقيم ، هو النور المبين ؛ لا تنس هذه المقولة " فضل كلام الله على كلام خلقه ...." اِقتنِ أعلى كتاب ألَّفه إنسان في العالم ، المؤلف إنسان لكن هذا القرآن من عند خالق الأكوان .

دخل مغنٍ بريطاني شهير إلى مكتبة في إيطاليا فرأى فيها القرآن الكريم ، فسأل صاحب المكتبة : من مؤلِّف هذا الكتاب ؟ رفع صاحب المكتبة يده إلى السماء ، وأشار إلى الله عزَّ وجل. استهزأ هذا المغنِي بهذه الكلمة ، واشترى الكتاب ليقرأه ، ولينتقده ، وليوبِّخ صاحب المكتبة على هذه الدعوى ؛ فلما قرأه آمن به ، وترك الغناء ، وصار من دعاة الإسلام ، واشترى بثروته الطائلة ، كل تسجيلاته ، وأحرقها ؛ فهذا الكتاب كتاب خالق الأكوان ، هذا كتابنا ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام :" خيركم .. (على الإطلاق ).. من تعلَّم القرآن وعلَّمه " .

الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام ، أعلى شيء في الإسلام الجهاد ، وسمَّى الله نشر هذا الكتاب وتِبيانَه للناس ، وتفسيره ، وشرحه ، حَمْل الناس على تطبيقه سمَّى ذلك : جهاداً كبيراً ، فقال تعالى :

(سورة الفرقان (

والشقي كلُّ الشقي الذي جاء إلى الدنيا ، وخرج منها ، ولم يفهم كلام الله .

 

هذه (أل) العهد ، أيْ : كتاب الله ، هذا الكتاب متميِّز عن كتب بني البشر قاطبةً ؛ فما من كتابٍ على وجهِ الأرض إلا فيه خطأ ، وفيه صواب ، أما الكتاب الذي لا ريب فيه فهو هذا الكتاب ، فلن تجد في هذا الكتاب حرفاً ثبت أنه خطأ ، لأنه كلام خالق البشر ؛ أنا أقول لكم هذه الكلمة : مهما كان المؤلف عظيماً ، قد تكون معطيات العصر الذي أُلِّف فيه الكتاب واضحةً ، فإذا قرأت كتابه بعد مائة عام وجدت فيه خللاً ؛ هذا الكتاب الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً ، هل في تقدُّم العلوم المُذهل في كل أنواع العلوم ؛ في الفلك ، وفي الطب ، وفي علم القارَّات ، وفي الجيولوجيا ، وفي التاريخ ، هل هناك حقيقةٌ علميةٌ قاطعةٌ صَدَمت آيةً قرآنية ؟ مستحيل ، لأنه كلام خالق البشر ؛ وليس هذا الكلام من عند النبي عليه الصلاة والسلام . مثلاً : قال تعالى :

 

والخيل أمام النبي ..

) سورة النحل : آية " 8 " )

هذا الشيء موجود في الجزيرة العربية ، لو كانت هذه الآية من صنع النبي ، لانتهت عند هذا الحد ..

 

 

لم يكن في عهد النبي طائرة ، لم يكن في عهد النبي سيَّارة ، ولم يكن في عهد النبي حَوَّامة ، ولم يكن في عهد النبي مركبة فضائية ، لكنه كلام خالق الكون ، قال تعالى :

 

) سورة النحل (

فالذي يركب طائرةً ويقرأ هذه الآية يرى أن الطائرة دخلت في هذه الآية ، والذي يركب مركبةً فخمة ويقرأ هذه الآية يرى أن المركبة دخلت في هذه الآية ، لأنه كلام خالق البشر ؛ يقول الله عزَّ وجل :

(سورة الحج (

الإنسان يعجَب ، لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل : من كل فجٍ بعيد ، القصد أن الفج بعيد ، لكن لأن الأرض كرة فإنك كلما ابتعدت عن إحدى نقاطها صار البعد عمقاً ..

(سورة النحل (

إذاً هذا الكتاب غير كتب أهل الأرض ، وما أتعس الذي أمضى حياته مع كتبٍ من صنع بشر ؛ أمضى حياته في الأدب ، في الشعر ، في القصة ، كل هذا من صنع البشر ، أما إذا استوعب كلام خالق البشر  سعد به في الدنيا والآخرة  .. شيءٌ آخر ..

 

 

و(أل) للعهد ، أي أن هذا الكتاب متميزٌ عن كل الكتب السماوية السابقة ، كيف ؟ اِئتمن الله البشر على  الكتب السماوية السابقة لحكمةٍ أرادها ، وكانت معجزة النبي شيئاً ، والكتاب الذي أُنزل عليه شيءٌ آخر ؛ معجزة سيدنا عيسى أنه أحيى الموتى ؛ ومعجزة سيدنا موسى أنه ضَرَبَ البحر فكان طريقاً يبساً ، والأفعى ، والعصا ، إلخ ... فالمعجزة شيء ، والكتاب الذي نُزِّل عليه شيءٌ آخر ، الكتب السماوية اِئتمن الله البشر عليها ، بينما القرآن الكريم يتمَيَّز من بين الكتب السماوية أن الله تولى حفظه بذاته ، قال :

( سورة الحجر (

لذلك لا يستطيع بشر أن يبدِّل حرفاً واحداً ، ولا أن يبدِّل حركةً ، ولا أن يضع آيةً مكان آية ، وليس معنى حفظ الله عزَّ وجل لهذا القرآن أنه لا تجري محاولةٌ لتغييره ، الآن في الإنترنت سور اِدّعى الذي وضعها أنها من سورة البقرة ، رقم ثلاثة وعشرين ، ولا علاقة لها بالقرآن إطلاقاً ؛ الأمر يكشفه الأطفال ، وفي في درسٍ آخر إن شاء الله أقرأ عليكم هذه السور التي افتعلها أعداء الدين ، وجعلوها كأنها سور من كتاب الله عزَّ وجل ؛ إنك إذا قرأتها أمام طفل يكشف أنها اِدِّعاء وكذب ، أمام طفل من المسلمين ؛ إذاً هذا الكتاب كتاب الله عزَّ وجل يتميز عن بقية الكتب السماوية أن الكتب السماوية اِئتمن الله خَلْقَهُ على حفظها ، فما الذي حصل ؟

( سورة المائدة : آية " 13 " )

أو بدلوا وحرَّفوا لأهوائهم ، فالكتب السماوية السابقة ، غاب منها قسم ، وحرف وبُدل منها قسمٌ آخر ، إذاً ليست هي كلمة الله الآن ؛ وكما أن الكتب السابقة أُنزلت على قومٍ معيَّنين لفترةٍ معينة ؛ بينما القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل هذه الكتب ..

( سورة آل عمران : آية " 58 " )

( سورة الصف : آية " 9 " )

           إذاً :

 

 

هذا الكتاب متميِّز على كل الكتب السماوية السابقة ، وعلى كل الكتب التي ألَّفها بنو البشر قاطبةً ..

 

بعضهم قال : القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء ، من بدايات الرسالات ، حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها ، هذا الكتاب ليس للأمة العربية ، ولا للمسلمين ، بل هو لكلِّ أبناء الأرض قاطبةً ، والله تولى بنفسه .. بذاته.. حفْظَ كتابه ؛ والعلماء يُضيفون على ذلك أنه من لوازم حفظ كتاب الله جلَّ جلاله حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن سنة النبي مبيِّنة للقرآن ، فإذا ضاع التفسير ضاع الأصل ؛ فإذا قلت : إن الله تولى حفظ القرآن الكريم ، معنى ذلك أنه تولى أيضاً حفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كيف تولى حفظها ؟ عن طريق علماء آتاهم الله قدراتٍ عاليةً جداً فمحَّصوا ، ونَقَّبوا ، ودققوا ، وحفظوا سنة رسول الله الصحيحة ؛ يطمئننا الله عزَّ وجل أن هذا القرآن لن .. (بتأبيد النفي) .. لن تصل إليه يد التحريف والتبديل ، لن ، لذلك قال :

( سورة البقرة : آية " 2 " )

إذا قرأته لا يمكن أن يتبادر إليك شكٌ طفيف أن هذه الكلمة ليست من القرآن ، هذا الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هوَ هو بين أيدينا بسوره ، وآياته ، وكلماته ، وحركاته ، وسكناته ..

 

     لأن الله بذاته تولى حفظ القرآن الكريم  ، لذلك لا يمكن أن يطرأ عليه أي تغيير ، لكن ليس معنى ذلك أنه لا تجري محاولات ، تجري ، بدأها مسيلمة الكذاب ، فإذا قرأت ما صاغه ، وادَّعى أنه وحيٌ من السماء لأخذك الضحك إلى مكانٍ بعيد .

أيها الإخوة الكرام ... قد يسأل سائل : ما السبيل إلى أن أؤمن أن هذا القرآن من عند خالق الأكوان ؟ السبيل كلمة واحدة : إعجازه ، لا يستطيع بنو البشر مجتمعين إلى يوم الدين أن يأتوا بآيةٍ واحدة إطلاقاً ، فهذا الكتاب فيه إعجاز ، والإعجاز أي أن البشر يَعْجَزون عن أن يأتوا بمثله ، أولاً فيه إعجاز إخباري ..

( سورة آل عمران : آية " 44 " )

ما كنت لديهم ، جاء القرآن الكريم بآيات تبيِّن ، وتوضِّحُ التاريخ البشري بدقةٍ متناهية ؛  ففي مصر مثلاً كان هناك فراعنة .. وفي حقبةٍ قصيرةٍ جداً حكم مصر ملوك .. الحاكم الذي عاصر سيدنا يوسف جاء ذكره في القرآن ملك فقال :

( سورة يوسف : آية " 54 " )

أما الذي عاصر سيدنا موسى كان فرعوناً ..

)سورة الزخرف : آية " 51 " )

هناك دقة بالغة لأن هذه القصص سمَّاها العلماء : من إعجاز القرآن الإخباري ، قال تعالى :

(سورة الروم (

إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل ؛ قصة فرعون مع سيدنا موسى ، وقصة سيدنا يوسف مع ملك مصر ، وقصة أقوامِ عادٍ وثمود جاءت بتفصيلٍ شديد ودقةٍ شديدة ، هذا اسمه : الإعجاز في الإخبار عن الماضي ؛ وفي القرآن الكريم إخبارٌ عن الحاضر البعيد مكانياً عن رسول الله ؛ وفي القرآن الكريم إعجازٌ إخباريٌ عن المستقبل ، قال تعالى :

وفعلاً في بضع سنين تزيد عن السبعة وتقِلُّ عن التسعة غلب الرومُ الفرسَ في أدنى الأرض ، قال بعض علماء التفسير : أي في أخفض نقطةٍ من الأرض ، ولم يكن أحدٌ يعلم قبل عشرات السنين أن غور فلسطين أخفض نقطةٍ في الأرض ، عُرِفَ بعد اكتشاف أشعة الليزر أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض إطلاقاً ، والمعركة تاريخياً تَمَّت في غور فلسطين ، قال تعالى :

في القرآن الكريم إعجاز إخباري ؛ إخبار عن الماضي ، وإخبار عن الحاضر ، وإخبار عن المستقبل .

وفي القرآن الكريم إعجاز علمي ، مثلاً ، اكتشف علماء الفيزياء الآن أن كل عنصرٍ في الأرض من دون استثناء ذرَّات ، وفي الذرة نواة ، وحول النواة مسارات وعلى المسارات كهارب ، قال تعالى :

( سورة يس (

مثل آخر : اِكتشف أن جنس المولود ذكراً كان أو أنثى يحدده الحوين لا البويضة ، ولا علاقة للبويضة بتحديد جنس المولود ، قال تعالى :

(سورة النجم (

الأرض كرة .

) سورة النمل (

الأرض تدور ، تمُرُّ الجبال مر السحاب ثلاثين كيلو متراً بالثانية .. كل ثانية تقطع الأرض في دورتها حول الشمس ثلاثين كيلو متراً ، في الدقيقة ألفاً وثمانمائة كيلو متر ، في العشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلو متر ، نحن الآن مشينا عشرين ألف كيلو متر ، من بداية الدرس وحتى الآن ..

منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها ، وإلى سنوات إلى بضع عشراتٍ من السنين كان يُظَن أن الشمس ثابتة ، والكواكب تدور من حولها ، على أقل تقدير المجموعة الشمسية تدور حول الشمس ، ثم اكتشف أن الشمس تجري ، قال تعالى :

)سورة يس (

يوجد بالقرآن إعجاز علمي ؛ لم يكن على عهد النبي طائرات ، ولا صواريخ ، ولا مناطيد ، قال :

( سورة الأنعام : آية " 125 " )

تـرى أنت السحاب سقفاً أبيضاً ، فإذا ركبت طائرةً ترى السحاب من فوق جبالاً ، ودياناً ، هِضاباً ، سهولاً .. كتضاريس الأرض تماماً .. وهذا ذكر في القرآن الكريم ؛ طبعاً أنا أعطيكم أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الآن أصبح اختصاصاً اسمه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، قال تعالى :

(سورة الطارق (

فَهِمَ العلماء أن هذا البخار يصعد إلى السماء ويرجع مطراً ، هذا المعنى الذي يتناسب مع معطيات ذلك العصر ، ثم فهموا أن هذه الموجات الكهرطيسية تصعد إلى السماء فترُدُّها طبقة الأثير ، ولولا هذه الطبقة التي ترجع هذا البث لما كان هناك إذاعة ولا نقل صورة عبر الفضاء..

ثم اكتشف العلماء أن كل كوكبٍ في الكون يسير في مسارٍ مُغْلَق ، معنى مسار مغلق أنه يرجع إلى مكان انطلاقه بعد حين ، فالصفة الجامعة المانعة الشاملة لكل الكون أن السماء ذاتُ رجعٍ ..

الطريقة كي تؤمن أن هذا القرآن كلام الله هو الإعجاز ؛ الإعجاز الإخباري ، الإعجاز العلمي ، الإعجاز البلاغي ..

( سورة هود : آية " 6 " )

إلغِ ( مِن ) الكلام ليس قرآناً ، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع ، إلغِ (ما) وإلا ليس قرآناً ، لأن أسلوب النفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر ، لو ألغينا النفي والاستثناء فقد ألغينا القصر ، اِحذف (على الله) .. ما من دابةٍ إلا الله يرزقها .. ليست قرآناً ، لأن حذف (على) ْأَلغت الإلزام الذاتي لله عزَّ وجل ، قل : الدواب صار محدوداً (أل) العهد ، بعض الدواب ، الدواب الأهلية ، أما جاءت دابة منكَّرة ، مُنَكَّرة تنكير شمول ؛ قد تقف أمام آيةٍ ترى فيها إعجازاً بلاغياً، هنا استثناء ، هنا حصر ، هنا قصر ، هنا تقديم ، هنا تأخير ، قال تعالى :

(سورة الفاتحة : آية " 5 " )

إذا قال : نعبد إياك .. هل يختلف المعنى ؟ يختلف اختلافاً كبيراً ، إذا قلت : نعبد إيَّاك يا رب ، لا يمنع أن نعبد غيرك ، أما إذا قلت :

قدَّمت إياك على الفعل ، أي لا نعبد إلا أنت ..

) سورة الأنعام : آية " 59 " )

لـو قال : مفاتح الغيب عنده ، فهي عنده ، وعند غيره ، أما حينما جاءت عنده قبل مفاتح الغيب ، أصبح المعنى حصراً ؛ هذا موضوع طويل جداً ، الإعجاز العلمي طويل جداً ، يحتاج إلى أشهر ، الإعجاز البلاغي يحتاج إلى أشهر ، الإعجاز التاريخي ، الإخباري ، إعجاز النظم ، شيء مذهل .

فيا أيها الإخوة الكرام ... طريق الإيمان بهذا الكتاب هو الإعجاز؛ هناك شيء آخر ، الذي أنزل هذا الكتاب ، الذي أنزله يشهد لنا أنه كلامه ، كيف يشهد لنا أن كلامه الذي أنزله ؟ من خلال التأويل ، والتأويل بأدق التعاريف : وقوع الوعد والوعيد ؛ أي  حينما يمحق الله مال المُرابي ، محق مال المرابي شهادة الله لهذا المرابي قوله تعالى :

( سورة البقرة : آية " 279 " )

هو كلامه ، محقُ مال المرابي شهادة الله للمرابي أن هذا القرآن كلامه ؛ والشاب الذي يؤمن بالله ويعمل صالحاً ويحيى حياةً طيبة ، الحياة الطيبة التي يحياها الشاب هي شهادة الله له أن هذا القرآن كلام الله ؛ وحينما تنفِقُ من مالك فيزداد مالك ، فزيادة المال شهادة الله لك أن القرآن كلام الله عزَّ وجل ..

( سورة البقرة : آية " 276 " )

أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه ..

يوجد توازن قُوى في العالم

) سورة الحج : آية " 40 " )

 فحينما أُلْغي هذا التوازن عانت الشعوب ما عانت ، عانت الأمَرَّين كان هذا التوازن بين قُوى الأرض نعمة من نعم الله العظمى ، غفلنا عن هذه النعمة فعرفناها بفقدها ؛ كان التوازن كان نعمةً من نعم الله العظمى ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ، توازن القوى ، شرق وغرب ، فلما اختل هذا التوازن ، وصار هناك قوة واحدة ، فقَدْنا هذه النعمة ؛ اللهمَّ عرفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها ، لابدَّ من أن نعرف النعم ، إما أن نعرفها بوفرتها أو بزوالها .

 شيءٌ آخر : هذا القرآن كلام الله ، وحبل الله المتين ، والصراط المستقيم ، ومنهج ربِّ العالمين ، والنور المبين ، غنىً لا فقر بعده ، ولا غنىً دونه ، من أوتي القرآن فهماً وتفسيراً فرأى أن أحداً أُوتي خيراً منه فقد حقَّرَ ما عظَّمه الله عزّ وجل ؛ أهل القرآن أهل الله ، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لتتعلم كلام الله فلا شيء في حياتك يعلو على هذا الهدف ؛ لاشيء .. يعني أهم ألف مرة من أن تؤدي امتحاناً جامعياً يُبنى عليه مستقبلك .. إنك تتعرف إلى كلام الله ، إلى منهج الله ، إلى افعل ولا تفعل ، هذا حرام وهذا حلال ، فلذلك يقول الله جلَّ جلاله :

(سورة الأنعام : آية " 1 " )

نحمد الله على أن أَوْجد الكون ، وفي المستوى نفسه :

( سورة الكهف : آية " 1 " )

أي أن الكون كلُّه في كَفَّة وهذا القرآن في كفة ، الكون خَلْقه والقرآن كلامه ، لا معنى لخلق الكون من دون منهجٍ تسير عليه ؛ يتَّضحُ هذا في قوله تعالى :

( سورة الرحمن (

يا رب كيف تعلِّم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ ليس هذا هو المعنى ..

 المعنى : أن ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي ، وليس ترتيبًا زمنيًّا ، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهجٍ يسيرُ عليه ، اِذهب إلى بعض الشعوب ، ماذا يعبد شعب في الهند بأكمله ؟ البقر ، وشعبٌ آخر يعبد الجرذان ، وعندي تحقيقٌ علمي لمجلةٍ محترمةٍ جداً فيها صورٌ لا تُصدَّق ، معبد ضخم جداً .. إله هذا المعبد الجُرذان .. لذلك قال الله تعالى :

( سورة الكهف : آية " 1 " )

نحن نعبد الله عزّ وجل ، نعبد خالق السماوات والأرض ، نعبد الذي بيده ملكوت كُلِّ شيء ، نعبد الذي إليه يرجع الأمر كله ، نعبد الذي إذا قال لشيءٍ : كن فيكون ، نعبد القوي ، نعبد الغني ، نعبد صاحب الأسماء الحُسنى ، والصفات الفُضلى ، لذلك أحد أكبر النعم بعد نعمة الوجود نعمة الهدى ؛ هناك ثلاث نعم ؛ نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد، ونعمة الهُدى والرشاد ، يؤكد هذا المعنى :

) سورة الكهف : آية " 1 " )

من أجل أن تطمئن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو نفسه الكتاب الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من دون زيادةٍ ولا نقص ، قال تعالى :

( سورة الكهف : آية " 27 " )

لا تُبَدَّل ، ولا تُغَيَّر ، ولا تُحَرَّف ، ولا يُضاف عليها ، ولا يُحذف منها إطلاقاً .. تولَّى الله بذاته حفظ كتابه ..

    وأنت حـينما تؤمن طـوعاً تـرقى به ، لو أراد الله عـزَّ وجل أن نؤمن به قسراً لفعل ، ولـكن هذا لا يُسعدنا ، لـو أراد الله أن نؤمن بهذا القرآن قسراً لكان ذلك ، ولـكن هذا الإيمان القَسري لا يسعدنا ، قال تعالى مخاطباً نبيه محمد :

( سورة الشعراء (

لكن الله دعانا لنؤمن به طوعاً ، لنرقى بهذا الإيمان ، ليكون إيماننا اختياراً لا إكراهاً ..

( سورة البقرة : آية " 256 " )

يقسم ربنا جلَّ جلاله رحمةً بنا فيقول :

( سورة الواقعة(

لا يعرف معنى هذه الآية إلا من درس الفلك ؛ أذاعت محطة أخبار عالمية خبراًِ من سنة ونصف أنه : تم اكتشاف مجرة تبعد عنا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية ؛ أقرب نجم للأرض مُلتهب يبعُد عنا أربع سنوات ضوئية .. أجْرِ مساءً على الآلة الحاسبة ما معنى أربع سنوات ضوئية ؟ أي ( ثلاثمائة ألف كيلو متر بالثانية × 60 بالدقيقة × 60 بالساعة × 24 باليوم × 365 بالسنة × 4 هذا الرقم قسمه على مائة)، عندنا سيارة نريد أن نصل بها إلى هذا الكوكب، السرعة مائة ، ثم قَسِّم هذا الرقم على الساعات ، أي 24 تعرف عدد الأيام ، ثم قسم هذا الرقم على 365 ، يظهر معنا أننا نحتاج لأن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى خمسين مليون سنة .. وبإمكانك أن تجري هذا الحساب مساءً .. تقود سيارة خمسين مليون سنة لتصل إلى أقرب نجم ملتهب للأرض ، هذه المجرة الأخيرة .. ثلاثمائة ألف بليون .. أي ثلاثمائة ألفْ ألف مليون سنة ضوئية ؛ قال الله عزّ وجل :

( سورة الواقعة (

فما جواب هذا القسم ؟

( سورة الواقعة (

جواب هذا القسم إن هذا كلامي يا عبادي  ؛ ذكرت قبل يومين في حفل .. بدأت الحفل هكذا .. قلت : زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين :

( سورة النور : آية " 55 " )

أين الاستخلاف ؟

أين التمكين ؟

أين الاطمئنان ؟

( سورة الحج : آية " 38 " )

أين الدفاع ؟

(سورة النساء )

لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل ..

( سورة محمد : آية " 7 " )

أين النصر ؟ زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعده للمؤمنين ، ولكن :

( سورة مريم : آية " 59 " )

الساعة الخامسة قيام ليل الحمد لله !!

قيام ليل بقنوات المجاري ، لا بالتحليق مع الله عزّ وجل ..

هذا هو الجواب ، فلذلك :

( سورة الواقعة (

إذا عرف الإنسان قيمة هذا القرآن لا ينام الليل ، لا يغيب عن درس تفسيرٍ واحد ، كلام الله دستورنا ، منهجنا ، نور الله المبين ، صراطه المستقيم ، حبلُ الله المتين ، هو الغِنَى ، هو العِز ، كلكم يعلم إذا تفوَّق عالم في القرآن الكريم ، ومات ترتج الدنيا له .. وسمعتم قبل أسابيع .. ترتج الدنيا له مات ، وأخذ معه كُلَّ شيء ، أخذ معه كل الخير ، أما أهل الدنيا إذا ماتوا فيتركون كل شيء ؛ الذين عرفوا الله ، وأمضوا حياتهم في الدعوة إليه يأخذون معهم كل الخير ..

" إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً " .

تعلَّموا القرآن وعلموه ، اِفهموا أحكامه ، ولقنوا أحكامه لأبنائكم ، وربوا أبناءكم على هذا القرآن الكريم ، وعلى حُبِّ نبيِّكُم ، وعلى حب صحابته الكرام ..

( سورة يونس : آية " 2 " )

يشكك أكثر أعداء الدين في هذا القرآن أنه جاء به بشر ، ولكن أنتم يا من تشكّكون بهذا القرآن ألاَ تتبعون نبيَّاً من بني البشر ؟

هذه سُنَّة الله في خلقه ، أنزل الله هذا القرآن على سيد الخلق ، وحبيب الحق ، أنزله على أمين وحيِّ السماء ..

) سورة هود (

هذا الكتاب كله ملخَّصه كلمة واحدة : ألا تعبدوا إلا الله :

( سورة هود (

( سورة الكهف : آية " 110 " )

فَحْوى هذا القرآن كُلِّه :

هذه آية تلخيص ، يلخِّص الله عزّ وجل لنا قرآنه كله ..

قد تنتظر سنوات وسنوات ، ولا تستطيع أن تقابل مَلِكاً ، لكن ملك الملوك يقول لك :

ثمن اللقاء عملٌ صالح ، اِجعل عملك صالحاً فأنت مع الله ، تلقَ الله في الدنيا قبل الآخرة ، يُلقي عليك أنواره ، يُلقي عليك تجليِّاته ، يملأ قلبك أمناً وطمأنينةً ، يملأ قلبك سعادةً ، يملأ قلبك رضاً .

جاءت سيدَنا الصديقَ استغاثةٌ من أحد قواده في بلاد الفرس .. في نهاوند .. المسلمون ثلاثون ألفاً ، والأعداء مائةٌ وثلاثون ألفاً ، أرسل سيدنا سعد إلى سيدنا الصديق يطلب منه النجدة، بعد حين جاءت النجدة .. أقل شيء ثلاثون ألفاً مع الثلاثين ، أو خمسون ألفاً ، أو سبعون ألفاً .. فكانت النجدة رجلاً واحداً اسمه القَعْقَاع ، عندما وصل إليه نظر إليه فقال له : أين النجدة ؟ فقال له : أنا .. معي هذا الكتاب فاقرأه .. فتح الكتاب : " من عبد الله أبي بكر إلى سعد بن أبي وقَّاص، أحمد الله إليك .. ولعله سيدنا خالد .. يا خالد لا تعجب أن أرسلت إليك واحداً ، فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم "، وانتصر الجيش وفيه القعقاع ، القرآن يصنع بطولات ، القرآن يجعل منك ألفاً ، القرآن يجعل منك مئة ألف ، أنت واحد ، هذه كلها حقائق ، فلذلك :

( سورة هود (

فَحْوى هذا القرآن كله :

(سورة هود : آية " 2 " )

الأدق من ذلك أنّ فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم هو التوحيد ..

(سورة الأنبياء (

ما من مكتبة الآن في الأرض إلا فيها قصص ، ساعة تسمى أدبًا مكشوفًا ، وساعة تسمى أدبًا واقعيًا ، فالإنسان البعيد عن الله في الوحل ، الإنسان ساقط ، الإنسان شهواني ، الإنسان خائن ، الإنسان أناني ، الإنسان متعجرف ، يقول الله عزّ وجل :

( سورة يوسف : آية " 3 " )

اِقرأ قصة سيدنا يوسف تَسْمُ نفسك  .. إنسان مبدأ .. دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال :

(سورة المائدة (

كان عبداً فجعله الله مَلِكاً بطاعته لله ، وقف سيدنا موسى مع الحق ، ولم يعبأ ..

( سورة القصص : آية " 15 " )

وخرج من مصر خائفاً يترقب ، وصل إلى سيدنا شُعَيب ، وزوَّجه ابنته ، وعاد إلى فرعون رسولاً ..

( سورة القصص : آية " 7 " )

هذا القرآن الكريم ؛ امرأة فرعون آسية مَثَل أعلى لكل النساء ، إن إيمان المرأة مستقلةٌ به عن زوجها ،  أكثر النساء الفاسقات يقُلن : هكذا يريد زوجي ، سوف تُسألين أنت وحدك عن إيمانك :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " .

فرعون وما أدراكم ما فرعون ، الجبار الطاغية ما استطاع أن يحمل امرأته على أن تؤمن به ..

( سورة التحريم