English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس  :03/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  تتمة الآية (2) + أحاديث عن أهمية قراءة السورة.

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 أيها الأخوة الكرام ... مع الدرس الثالث من سورة البقرة ، ولا زلنا في قوله تعالى :

( سورة البقرة (

فكلمة ذلك .. ذا اسم إشارة .. فيها إشارةٌ إلى هذا القرآن الكريم ، أما هذه اللام فيسميها النُحاة لامَ البعد ، أو لام التعظيم ، وذاك غير ذلك .

والكاف للخطاب ، فالله سبحانه وتعالى يشير إلى هذا الكتاب ، ويبيِّن لنا عظمته ، ويخاطب به جميع الناس ، الشيء الذي ينبغي أن نقف عنده وقفةً متأنية كلمة :

( سورة البقرة (

 

أيها الإخوة الكرام ... الإنسان حركة ، لماذا ؟ لأن الله أودعَ فيه الشهوات ، فالشهوات تدفعه ، حاجته إلى الطعام تدفعه إلى العمل ، حاجته إلى المرأة تدفعه إلى الزواج ، أو إلى طريقٍ آخر ، حاجته إلى تأكيد الذَّات تدفعه إلى التفوّق ، فهذه الحاجات التي أودعها الله في الإنسان تجعله يتحرَّك ، فالسِمةُ العامة للإنسان أنَّه حَرَكيّ ؛ أما هذا الكأس فلا يتحرك لو وضعناه في هذا المكان مئات السنين ، لأنه لا يحتاج إلى شيءٍ يدفعه ليبقى موجوداً ، لا يحتاج إلى أن يزهو على أقرانه ، لا يحتاج إلى طرفٍ يُكَمِّلُه ؛ الجماد ساكن ، بينما الإنسان متحرك ، فطبيعة الإنسان متحركة ؛ سبب هذه الحركة كما قال الله عزَّ وجل :

(سورة آل عمران : آية " 14 " )

     هذه الشهوات التي أُودعت في الإنسان تجعله يتحرَّك ، الآن  نحو ماذا يتحرك الإنسان ؟ هنا السؤال ، ما دام توجد حركة فهناك هدف ، من هي الجهة التي تَرْسُمُ له الهدف الصحيح ؟ هي الجهة الخالقة ؛ الإنسان أحياناً يرسم لنفسه هدفاً ، هدفاً غير صحيح ، غير نافع ، غير مفيد ، وقد يكون هدفاً مُدَمِّراً ، فالإنسان ليس أهلاً أن يرسم لذاته هدفاً ؛ رُسِمَ الهدف ، ما هو الطريق المناسب لهذا الهدف ؟ قد أسلُكُ طريقاً وعراً ، قد أسلك طريقاً لا يوصلني إلى هذا الهدف ، قد أسلك طريقاً طويلاً، من هـي الجهة -مرةً ثانية -المؤهَّلة كي ترسم لي أقصر طريق وأسلم طريق ؟ الحقيقة خالق الإنسان وحده هو الذي يرسُم لهذا الإنسان هدفاً ، وهو الذي يرسم له طريقاً؛ أما لو رسم الإنسان هدفاً ، فالأهداف متحركة ، والأهداف متبدِّلة ، والأهداف غير ثابتة ، والأهداف مِزاجية أحياناً ؛ هؤلاء البشر أمامكم ، منذُ آلاف السنين ؛ انغمس أناسٌ في الشهوات إلى قِمم رؤوسهم ، وقدَّس أناسٌ العقل ، فكان العقل سبب دمارهم ، قدس أناسٌ العادات والتقاليد فكانت العادات والتقاليد سبب تخلفهم ، أناسٌ قَدَّسوا المادة ، أناسٌ قدَّسوا الروح ، أناسٌ قهروا النفس ، رسمت الشعوب والأمم أهدافاً لذواتها ، وكانت الأهداف غير صحيحة ؛ ادعيت شعوبٌ أنها الشعب المختار في الأرض ، فأرادت أن تَقْهر بقية الشعوب ، فدُمِّرت وانتهت ، الآن هدف الشعوب الغربية المُتعة بأي طريق ، وبأية وسيلة ؛ قضت المتعة عليها ، وإذا كانت هذه الدول تقوم فهي تقوم على أدمغة الآخرين ، لا على أدمغة أبنائها .

فأوَّل نقطة في هذا الدرس : مَن هي الجهة المؤهَّلة لأن ترسم لهذا الإنسان هدفاً ؟ الله جلَّ جلاله ، من هي الجهة المؤهَّلة التي ترسم لهذا الهدف طريقاً ؟ الله جلَّ جلاله ، كلمة هدى .. دقق .. إنسان وصل إلى مدينة ولا بدَّ أن يلتقي بشركة ، ولا يعرف أين هذه الشركة ، إذاً هو يحتاج إلى دليل ، يحتاج إلى هادي ، هو مهتدٍ ، ويحتاج إلى هادٍ ، والهدف الشركة والطريق ؛ كلمة هُدى تعني : الهدف والطريق والهادي والمهتدي ، المهتدي أنت ، الهادي ، والهدف ، والطريق من عند الله عزَّ وجل ، فكل إنسان استهدى الله بتحديد الهدف ، واستهدى الله بتحديد الطريق ، نجح ، وأفلح ، وفاز ونجا ، ؛ خلافاً للإنسان الذي وضع هدفاً من عنده ؛ هناك إنسان هدفه المتعة ، و إنسان هدفه المال ، و إنسان هدفه العلُوّ في الأرض ، و إنسان هدفه موضوع معيَّن ، فكل إنسان ينصرف إلى الهدف الذي رسمه ؛ لكن متى تُخَيِّبُهُ هذه الأهداف ؟ في النهاية ، حينما يكتشف أن المال ليس بشيء ، جعله هدفاً في مقتبل حياته ، قَدَّسه ، باع من أجله  دينه وعِرضه ، وصل إلى المال ، ثم اكتشف أن هذا الهدف سخيف ليس جديراً بهذا الإنسان ، يكتشف هذا ؟ بعد فوات الأوان وهو على فِراش الموت ؛ أدق فكرة في هذا الدرس أنه لا بدَّ من أن تستهدي الله بالهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه ، ولا بدَّ من أن تستهدي الله بالطريق الموصل إلى هذا الهدف ..

" يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم "

لاحظ هذه الشعوب فيما حولنا .. صار العالم الآن قرية ، العالم بيت ، العالم الآن غرفة واحدة .. شعوب بمئات الملايين تعبد البقر ، شعوب تعبد ذواتها ، شعوب تقدِّس العقل إلى درجة الحماقة ، شعوب تقدس الشهوة ، شعوب تقدس التاريخ ، والعادات ، والتقاليد ، فهذه الشعوب رسمت أهدافاً لكنها ضلَّت سواء السبيل ؛ من هو الناجح ؟ من هو الرابح ؟ من هو المُفْلح ؟ هو الذي سأل الله عن الهدف الصحيح ؛ الهدف هو الجنة ، لأن الإنسان خُلِق للجنة ، والطريق طاعة الله عزَّ وجل .

فكلمة هدى أي هناك هدف ، وهناك حركة نحو الهدف ، وهادٍ ، و مهتدٍ ، أربعة أركان لكلمة الهُدى ، فأنت المهتدي ، والهادي هو الله ، يهديك إلى الهدف الصحيح ، ويهديك إلى الطريق الصحيح ؛ والله جلَّ جلاله هدى أنبياءه ورسله إلى الأهداف الصحيحة ، فَسَلِموا ، وسعدوا هم وأتباعهم في الدنيا والآخرة ، والذين شردوا عن طريق الدين رسموا أهدافاً أخرى ؛

 إذا نظرت  أيها الأخ الكريم ، إلى شارع مزدحم بالناس تجد أن في بال كل إنسان هدفاً يسعى إليه ، السعيد ، والرابح ، والناجي هو الذي تطابَق هدفه مع الهدف الذي رسمه الله لهذا الإنسان ؛ لذلك أيها الإخوة هناك آياتٌ متعلِّقة بالهدى مهمةٌ جداً ينبغي أن تكون تحت سمعنا وبصرنا ..

(سورة البقرة (

هل هناك ثمرة بعد هذه الثمرة ؟

مِن المستقبل كله ..

على الماضي كله ..

 

) سورة البقرة (

( سورة طه (

لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، اِجمع الآيتين ، من يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، الهدى الحقيقي ، الفوز الحقيقي ، المعرفة الحقيقية .

( سورة آل عمران : آية " 73 " )

لا يمكن أن يوصف إنسان بأنه مهتدٍ إن لم يعرف الله ، قد يتفوق في الدنيا ، ولكنه ليس مهتدياً ، قل إن الهدى الحقيقي الهدى المنجي الهدى المسعد ، قل إن الهدى هدى الله فلا يوجد إلا حل واحد ؛ إما أنك مع الله ، وإما أنك مع الهوى .

هناك آية أخرى :

) سورة البقرة : آية " 120 " )

 .. لذلك قد تجد إنساناً ذكياً لكن لن يكون الإنسان عاقلاً إلا إذا اهتدى بهدي الله " كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم " . ، هذا الهدى مبذول لكل الناس ..

(سورة الأنعام : آية " 88 " )

لأن الله عزَّ وجل قال :

) سورة الليل (

ألزم الله سبحانه وتعالى نفسه بهداية البشر ، هداهم بهذا الكون ، الكون كلُّه يدلُّ على الله ، وهداهم بهذا القرآن ، وهداهم بالعقل ، وهداهم بالفطرة ، وهداهم بأفعاله ؛ أفعاله تدل عليه، والفطرة مجبولة على الإيمان به ، والعقل مركبٌ على مبادئ توصله إلى الله عزَّ وجل ، وكل ما في الكون يدل على الله ، يدل على الله خالقاً ومربياً ومسيراً ، موجوداً وواحداً وكاملاً ؛ فلذلك أيها الإخوة أنت متحرك ، شئت أم أبيت ، لا يوجد حل وسط ، هناك مَلَكٌ ، وهناك شيطان ، الملَك يُلْهم ، والشيطان يوسوس ، ولا بدَّ من أن تستجيب لأحدهما ، لأنك كائن متحرك ، إذاً هناك هدف ، الهدف إما أنه من صنعِك ، وإما أنه من الله عزَّ وجل ، إذا كان من صنعِك في الأعم الأغلب فالهدف غلط ، يصاب الإنسان بخيبة أمل حينما يكتشف أنه عاش عمراً مديداً ، وقد ضل سواء السبيل ..

( سورة الكهف (

أيها الإخوة ... ورد في بعض الآثار أن الكافر حينما يأتيه ملك الموت يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا من شدة الندم .

( سورة الزمر (

فأخطر شيء أن تعرف إلى أين تتحرك ؟ لجمع المال فقط ، من طريقٍ مشروع أو غير مشروع ، هذا ضلال ، تتحرك لتكون ذا منزلةً عّلية ، بحقٍ أو بباطل ، لتستعلي على الناس ، هذا ضلال ، تتحرك لتنغمس في المتع الرخيصة ، إلى أن يأتي الموت هذا ضلال ؛ ما الهدف ؟ متعة ، مال ، مكانة ، استعلاء ، ما الهدف ؟ الهدف الحقيقي أنت مخلوقٌ للجنة ، وطريقُها طاعة الله عزَّ وجل ، يجب أن تُصْغي إلى خالقك الذي رسم لك الهدف ، والدليل :

(سورة الذاريات (

( سورة هود : آية " 119 " )

) سورة الطلاق (

فهذا القرآن هُدى ، يحتاج الإنسان في حركة الحياة إلى هدف ، فرَسَمَ له القرآن الهدف، ويحتاج الإنسان في سعيه نحو الهدف إلى طريق ، فرسَمَ له القرآن الطريق ، وهذا القرآن كلام الله عزَّ وجل ، إذاً يمكن أن نقَسِّم البشرية إلى قسمين إنسان استهدى الله فهداه ، وإنسان شرد عن الله . والشرود عن الله آلاف الأنواع .. أنواع منوعة .. التاريخ أمامكم والشعوب من حولكم والأخبار بين أيديكم ، أكثر الشعوب تسير في طريق مسدودة ، لو أنها ازدهرت في حياتها الدنيا، لو أنها -كما يقولون- سخَّرت الطبيعة ، لكنهم حينما يأتي ملك الموت يفاجئون أنهم خلقوا لحياة أبدية ، وأن هذه الحياة الدنيا هي إعداد لتلك الحياة ، فجعلوها مقراً ، وجعلوها منتهى أمانيهم ، ومَحَطَّ رحالهم ، فضلوا سواء السبيل .

يا أيها الإخوة ، لا تنسوا هاتين الآيتين :



هو الهدى وحده ، الحق لا يتعدد ، دققوا في هذه الآية :

) سورة القصص : آية " 50 " )

إن لم تستجب لرسول الله فأنت على الباطل قطعاً ، هناك طريقتان ؛ إن لم تكن على أحدهما فأنت على الثاني حتماً ، إما أن تستجيب لأمر الله عزَّ وجل ، وإما أن تستجيب لهواك ، إما أن تكون على طريق الحق ، وإما أن تكون على طريق الباطل .

الهدى كما قلت قبل قليل : مبذول ، كُلُّ شيءٍ يدلك على الله إن أردت الهدى ؛ فإن لم ترد الهدى لو اِلتقيت بالأنبياء جميعاً ، ورأيت معجزاتهم جميعاً ، وكل شيء أمامك واضح فلن تبلغ الهدى ، الشيء الذي يلفت النظر أن بعض العلماء في أوربا أو أمريكا اطّلعوا على حقائق مذهلة في خلق الإنسان أو في الأكوان ، اطلعوا على حقائق مذهلة ، لكنْ لماذا لم يؤمنوا ؟ لأنهم ما أرادوا الهُدى ، ولو أرادوا الهدى لوصلوا إليه ، القضية قضية قرار ، فإما أن تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة ، وعندئذٍ كلُّ شيءٍ يوصلك إليها ، وإما أن تعزف عن الحقيقة ، ولو رأيت الأنبياء جميعاً ، واستمعت إليهم جميعاً ، ورأيت معجزاتهم جميعاً ، ورأيت كتاباً ينزل من السماء، ورأيت ناقةً خرجت من الجبل ، ورأيت بحراً أصبح طريقاً يبساً ، ورأيت العصا أصبحت أفعى أو ثعباناً ، ورأيت النار تمتنع عن إحراق إبراهيم لن تستفيد شيئاً ، إلا أن تتخذ قراراً من الداخل بالبحث عن الحقيقة .

أيها الإخوة قال العلماء : هناك هداية دلالة ، وهناك هداية توفيق ، وهناك هداية مصلحة ، كيف ؟ نحن بني البشر هدانا الله عزَّ وجل إلى مصالحنا ، يحتاج الإنسان إلى الطعام ، فيشعر بالجوع ، الإحساس بالجوع هداية إلى المصلحة ، لو أن الإنسان يجوع دون أن يشعر بالجوع لمات ، يوجد عند الإنسان جهاز توازن لو اختل توازنه يستعيد توازنه ، فالحفاظ على التوازن هذه مصلحة ؛ عينا الإنسان ، وأذناه ، وأنفه ، وحواسه كلها تهديه إلى ما حوله ، أنت موصول مع المحيط الخارجي بهذه الحواس .

فأحياناً قصة لها دلالة ، إنسان يقود سيارته من حمص إلى دمشق ، وهو في حديثٍ ممتعٍ مع صديقه ، لم يلتفت إلى مشير الحرارة ، ارتفعت الحرارة ، واحترق المحرِّك لخلل أصابه ؛ قال لي : لو نظرت إلى اللوحة مرة واحدة ، ورأيت الحرارة مرتفعة لوقفت ووفرت ثلاثين ألفاً ؛  لم ألتفت إلى اللوحة لأنني منغمس في حديث ممتع مع صديقي فاحترق المحرك ، اللوحة إذاً ناقصة ، لأن المؤشر يعطي حركة فهو يحتاج إلى نظر ، وتحدث مشكلة إذا غفل السائق عن النظر للمؤشر ، فما قولك بعداد له صوت ؟ يمكن أن ترى ، ويمكن أن تسمع وهو أبلغ ، فإذا كان الإنسان ضعيفَ السمع يحتاج إلى ضوء ، عداد فيه ضوء ، وصوت ، وحركة .. أقوى .. جهازنا الذي زودناه به ربنا عز وجل هذا الجهاز المعقد هداك إلى مصالحك ، تجد الإنسان إذا جاع يبحث عن الطعام ، إذا كان الطعام فاسداً تقيؤه ، آلية التقيؤ دقيقة جداً ؛ يقوم جهازه وهو نائم بآليات عجيبة جدأ ، لسان البلعوم يتحرك وأنت نائم حركة معقدة ، ويأتيه إشارة من الفم إلى الدماغ أن هناك لعاباً ، فالدماغ يعطي أمراً .. لسان المزمار هذا .. يغلق القصبة الهوائية إغلاقاً تاماً ويفتح طريق المريء ، فيدخل هذا اللعاب في مري الإنسان وأنت نائم ، فالإنسان مبني بناء دقيقاً جداً .

لو دخل جرثوم .. هناك جهاز المناعة المكتسب ، جهاز دقيق جداً.. لمجرد دخول جرثوم تخرج عناصر استطلاعية من جهاز المناعة تتصل بهذا الجرثوم ، وتكشف هويته ، وتأخذ شفرته الكيماوية ، وتعود إلى معامل صنع السلاح العقد الليمفاوية ؛ تهيئ هذه العقد سلاحاً مضاداً ، تأتي عناصر ثالثة مقاتلة تحمل هذا السلاح ، تنطلق إلى الجرثوم وتقاتله ، فتقتله ، ثم تأتي عناصر خدمات تزيل هذه الجثث من ساحة المعركة ، وأنت لا تشعر .

إنسان رأى أفعى ، هذه الصورة انطبعت على شبكية عينه ، شبكية العين فيها إحساس نُقِلَت إلى الدماغ ، الدماغ فيه إدراك بحسب المفاهيم والخبرات السابقة ، يدرك الدماغ الخطر ، وهو يتصل بملكة الجهاز الهرموني عن طريق ضابط اتصال ، هو الجسم تحت السرير البصري؛ الدماغ مِلك والنخامية ملكة ، ملك وملكة لا بدَّ أن يلتقيا عن طريق وسطاء ؛ ترسل الملكة أمراً إلى الكظر أن هناك خطراً ليتصرَّف ، فيرسل الكظر أمراً إلى القلب ليرفع ضربات القلب ، إذا ارتفعت الضربات أسرع الدم في الأوعية ، ووصل الدم إلى العضلات بطريقةٍ أسرع؛ و أمراً ثانياً إلى الرئتين فيزداد وجيبهما كي يتناسب وجيب الرئة مع ضربات يراسل القلب ، ويرسل أمراً ثالثاً إلى الأوعية المحيطة في الجسم ، فتضيق لمعتها ويصفر لون الخائف ، لأنه بحاجة إلى الدم لا إلى لون وردي ، وأمراً رابعاً إلى الكبد فيطرح كميةً زائدة من السكر كي تكون وقوداً إضافياً في معركته مع هذه الأفعى ، وأمراً خامساً بإطلاق هورمون التجلُّط ، فلو أنه جُرح لئلا ينزف دمه كله الدم يتجلط ، هذه هداية ، فإذا كان هناك خطر توجد آلية معقدة ، دخل جرثوم توجد آلية معقدة ، دخل الطعام هناك هضم معقد ، على كلٍ هذا طريق طويل ، هذه الهداية ، اسمها هداية المصالح ، أي أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان في أحسن تقويم .

( سورة هدى (

هذه هداية المصالح ، وهي تبدو واضحة جداً عند الحيوانات ، يقوم  الحيوان بآليات معقدة جداً من دون تعليم ، من دون تدريب ، والدليل فور ولادة الطفل الصغير الآن يضع فمه على ثدي أمه ، ويقوم بآلية معقدة جداً ، تسَمَّى آلية المص ، مَن علَّمه ؟ وضَعَ شفتيه على حُلْمَة ثدي أمه ، وأحْكَم إغلاق شفتيه ،وسحب الهواء فجاءه الحليب ؛ لولا هذه الآلية لما كان هذا الدرس ، ولما كانت هذه البلدة ، ولما كان إنسان واحد في العالم ، آلية المص ، سموه : مُنْعَكَس المص .

هذه هداية المصالح ، نحن وغيرنا سواء فيها ؛ بالعكس الغرائز أعلى عند غيرنا من الأعمال الإرادية .

الهداية الثانية أيها الإخوة ، هداية الدلالة ، أنزل ربنا عزَّ وجل هذا القرآن على نبيه ليدلُّنا على ذاته ، ليدلنا على هدفنا ، ليدلنا على طريقنا ، ليدلنا على منهجنا ، اِفعل ولا تفعل ، هذه هداية ثانية ، هداية الدلالة .

الهداية الثالثة :

( سورة الكهف (

      هداية التوفيق ، فكل واحد منا مهتدٍ إلى مصالحه ، يجوع يأكل، يدخل طعام فاسد فيتقيَّأ ، ينعس يتعب جهازه العصبي فينام ، يقول لك : أريد أن أنام ، متضايق ، ينام يستريح ،  يشتهي في الصيف الأكلات الباردة ، أكلات فيها ماء ، يشتهي الخس ، يشتهي البطيخ ، يشتهي الحلو بالشتاء لـوجود البرد ، يحتاج إلى غذاء فيه طاقة حرارية عالية جداً ، فالإنسان مهتدٍ إلى مصالحه .

      أجرى بعض أطباء الأطفال تجربة رائعة جداً ، وضعوا عشرة أطفال أمام غذاء مفتوح ، أنواع منوَّعة من الغذاء ، وسمحوا للأطفال أن يأكلوا كما يشاءون ؛ ورسم علماء كبار في التغذية لعشرة أطفال آخرين منهجاً رائعاً في التغذية ، فالفيتامينات ، والسكريات، والبروتينات ، والنشويات ، كل الأغذية النظامية ؛ وجدوا أن نمو أجسام الأطفال الذين تُركوا وشأنَهم ليأكلوا كما يشاءون أرقى بكثير من نمو الذين رسمت لهم خطط دقيقة جداً في غذائهم ؛ فالإنسان مهتدٍ إلى مصالحه ، يهتدي إلى مصالحه ، والله عزَّ وجل هداه إليه ، هداه هداية دلالة ، فإذا قبلت الهدى أيها الإنسان هُديت هدايةً ثالثة ، هُديت توفيقاً ، الله يوفقك ، تستوعب الحق ، يعينك على طاعته ، يعينك على العمل الصالح ، يجمعك مع أهل الحق ، يشرح صدرك للإسلام ، هذه كلها هداية توفيق ، فأنت بين هداية المصلحة وبين هداية الدلالة ، وبين هداية التوفيق ، ثلاثة هدايات ؛ هداية مصلحة ، هداية دلالة ، هداية توفيق ، تتوَّج هذه الهدايات أنك تهتدي إلى الجنة ، يدخل المؤمنون الجنة بفضل الله عزَّ وجل .

أيها الإخوة ... معنى قوله تعالى :

( سورة الكهف (

هذا الهُدى هداية التوفيق ..

(سورة فصلت : آية " 17 " )

هذا هو الاختيار ..

( سورة مريم : آية " 76 " )

أيضاً هداية التوفيق . شيءٌ آخر : يقول الله عزّ وجل .. الآية الكريمة :

( سورة القصص : آية " 50 " )

معنى ذلك أنه لا شيء على الإنسان لو اتبع هواه وفق هدى الله عزّ وجل ، لأنه ليس في الإسلام حِرْمان ، بل هناك تنظيم ، كل شهوةٍ أودعها الله في الإنسان فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها .

أيها الإخوة الكرام ... هذا الكتاب هدىً لمن ؟ للمتقين ، كلمة متقين ، المتقي اسم فاعل من الفعل اتقى .. اتقى مزيد ، مجرَّده وقى .. وقى من الوقاية ، الوقاية فيها خطر ، معنى ذلك هناك أخطار محدقة بالإنسان ، لأنه وحده قبل حمل الأمانة ، رِّكب الله المَلَك من عقلٍ بلا شهوة، ركِّب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل ، ركِّب الإنسان من كليهما ، اختارت الملائكة العبادة من دون مسؤولية ، هُم مع الله دائماً ، واختارت الحيوانات الشهوة من دون مسؤولية ، فالحيوان همه أكله فقط لكنه لا يُحاسب وهو غير مكلَّف ، لكن الله خلق الإنسان من طين الأرض ، ونَفَخَ فيه من روحه ، ففيه نفخةٌ من الله ، وفيه قبضةٌ من الطين ، فيه نوازع أرضية ، وفيه ميول علوية ، إذاً يوجد عنده خطأ ؛ فإذا غلبت نوازعُه الأرضية أَخَلَّ بالأمانة ، إذا غلبت نوازعه الأرضية فسد ، لأن عنده دوافع وشهوات ؛ الفساد بالضبط كمركبة فيها محرك .. الشهوة هي المحرك ، قوة اندفاع .. والمنهج هو المِقود ، تصور مركبة بلا مِقود والطريق فيه انعطافات وفيه حفر ، وفيه وديان على اليمين واليسار ، فمركبة تنطلق بسرعة عالية في طريق فيه انعطافات ، والدنيا ليل فلا بدَّ أن تهوي في الوادي ؛ فكلمة متقي : مِن اتقى ، واتقى مزيد من وقى ، ووقى من الوقاية ، والوقاية من الخَطَر ، معناها يوجد خطر ، لأنك إنسان تحوم حولك أخطار ، فما الخطر ؟ تتحرّك وفق شهواتك من دون منهج الله عزّ وجل ، هذه هي القصة كلها ..

( سورة القصص : آية " 50 " )

      إذا أحب الإنسانُ المرأة ، والْتقى معها لقاءً خارج نطاق الزوجية ، فقد اعتدى على بشرٍ مخلوق ، قضى وطره دون أن يربطها بعلاقة زوجية تضمن لها مصالحها ومستقبلها ، إذاً هو ماذا فعل ؟ اعتدى على الآخرين بدافع من شهوته ، الإنسان يحب المال .. قد يأكل أموال الناس بالباطل ، بدافع من حب المال.. فالشهوات إن لم تنضبط بمنهج الله فلا بدّ أن تؤدِّي إلى فساد ، وقد قال الله عزّ زجل :

) سورة الروم : آية " 41 " )

     ما هو الفساد ؟ إخراج الشيء عن خصائصه ؛ صمم الله عزّ وجل هذا الماء لا لون له ولا طعم له ولا رائحة ، لو كان فيه رائحة غير مقبولة لأصبح الماء فاسداً ، ولو فيه عكر شديد أصبح الماء فاسداً ، لو فيه ألوان غير مقبولة أصبح ماء فاسداً ؛ إفساد الماء إخراجه عن طبيعته، هذا هو الإفساد .. فلأن الله أودع في الإنسان الشهوات .. فإذا لم يهتد بهدي الله عزّ وجل فلابدّ أن يفسد ، والفساد أساسه : مخلوقٌ مخير أودعت فيه الشهوات ، تحرَّك وفق الشهوات من دون منهج الله عزّ وجل، لذلك ليس هناك فساد في عالم الملائكة ، وليس هناك فساد في عالم الحيوان، الفساد فقط عند الإنسان الذي مُكِّنَ من الشهوات ، ولم يهتد بمنهج الله عزّ وجل ؛ فلذلك لأني أنا إنسان يوجد حولي أخطار ؛ خطر الشهوة ، خطر تَحَمُّل العقاب على عدواني على الآخرين ؛ ما الذي يجري الآن ؟ أناس يعتدي بعضهم على بعضٍ ، وربنا عزّ وجل يحاسبهم حساباً دقيقاً ، فأنت أمام خطر أن تغريك نفسك بأخذ ما ليس لك ، فيعاقبك الله عقاباً أليماً ، هذا خطر ؛ فالمتقي هو الذي اتقى عقاب الله عزّ وجل ؛ الله عزّ وجل له أسماءُ جلالٍ ؛ الله جبار ، الله منتقم ، الله كبير ، الله قهَّار ، الله مهيمن ، هذه أسماء الجَلال ، ورحيم ، ولطيف ، وحكيم هذه أسماء الجمال، ما معنى اتقيت الله ؟ اتقيت أسماء جلاله بأسماء جماله ، أي أنا أطلب رحمة الله بطاعته، أتقي غضبه ، أتقي بطشه ، أتقي انتقامه ..

) سورة البروج (

وهو

)سورة الرعد (

( سورة الأنعام : آية " 18 " )

هذه أسماء الجلال أما إذا أنا أطعته :

( سورة هود (

( سورة مريم(

إذاً كلمة التقوى أن تتقي غضب الله ، تتقي عقابه ، تتقي أن تكون تحت أسماء جلاله ، وتتقي عقابه الأبدي وهو النار ، لذلك :

( سورة آل عمران : آية " 102 " )

أن تطيعه فلا تعصيه ، وأن تذكره فلا تنساه ، وأن تشكره فلا تكفره .

 فيا أيها الإخوة الكرام ... الهدى إنسان شعر بالخطر ، بحث عن الخلاص من خلال هذا الكتاب ، لذلك :

( سورة البقرة : آية " 2 " )

فكلما تمعَّنت ، كلما تأمَّلت في هويتك أنت إنسان فيك شهوات أرضية ، وفيك مطالب علوية ، فإذا غلبت عليك شهوتك فالمصيبة كبيرة جداً، حينما تحركت الشهوة عشوائياً رافقها العدوان على أعراض الناس ، وعلى أموالهم ، والعدوان مصيره العقاب ، وأنت حينما تستقيم على أمر الله تتقي عقاب الله ، حينما تستقيم على أمر الله تتقي أسماء الجلال ، وتطلب أسماء الجمال والإكرام ..

 إن لم يبحث الإنسان عن الحقيقة فهذا الكتاب لا يعنيه ، فلو جلس إنسان في مكان جميل، وليس عنده هدف فهو لا يسأل عن شيء ، ولا يبحث عن شيء ، أما إذا جاء إنسان إلى بلدة غريبة عليه ، وله مبلغ ضخم ليقبضه من مؤسسة ، وهو لا يعرف عنوان المؤسسة فتجده يسأل ، لأن هناك هدفًا ، الهدف أن يأخذ هذا المبلغ من هذه المؤسسة ، والمؤسسة لا يملك عنوانها ، فإنه يسأل .. فأخطر شيء أن تكون إنساناً بلا هدف .. أنا ذهبت إلى بلاد بعيدة جداً قلت كلمة ، قيل لي : ماذا رأيتَ ؟ قلت : رأيت إنساناً بلا هدف ، يأكل ، ويشرب ، ويستمتع ..

) سورة محمد (

أخطر شيء أن تكون بلا هدف ، وأعظم شيء أن يكون لك هدف عظيم ، هذا الهدف يدفعك إلى مكارم الأخلاق .

لذلك أيُّها الإخوة ، الشيء اللطيف أن المؤمن لا يشيخ أبداً ، المؤمن شابٌ دائماً ، قد يصل إلى المائة ، ولكنه لا يشيخ ، بل يبقى شاباً .. شابٌ بهمته.. لأن هدفه كبير ، هدفه الله عزّ وجل .

النقطة الدقيقة : متى يسأم الإنسان الحياة ؟ حينما تكون أهدافه أرضية ؛ هدفه الزواج فتزوج ، هدفه أن يكون معه مال فجَمَّع المال ، هدفه أن يحتل مكانة رفيعة فنالها ، والإنسان دائماً يكتشف تفاهة أهدافه المادية ، فمستحيل أن يمدك شيئاً من الدنيا بسعادةٍ مستمرَّة ، كلما بحثت عن هدفٍ مادي ، ووصلت إليه اكتشفت تفاهته ، أما حينما يكون الله هدفك أنت في شبابٍ دائم .

ثمة فكرة ذكرتها كثيراً : إن الإنسان يبحث عن السعادة في أعماقه ، وتحتاج السعادة بالمفهوم المادي إلى صحة ، وإلى وقت ، وإلى مال ، ودائماً عنصر من هذه العناصر مفقود .. ففي أول الحياة الوقت موجود ، والصحة موجودة ، لكن لا يوجد مال ، في منتصف الحياة الصحة موجودة ، والمال موجود ولكن لا يوجد وقت ، في آخر الحياة المال موجود ، والوقت موجود لكن لا توجد صحة ، معنى هذا أن الإنسان طوال حياته شقي ، دائماً ينقصه واحد ، لكن المؤمن غير هذا ، المؤمن لا ينطبق عليه هذا الحكم ، لماذا ؟ لأن هدفه الله عزّ وجل ؛ هو شاب يسعد بالله ، وهو متزوج يسعد بالله ، وهو فقير يسعد بالله ؛ القصة كلها أن لا يكون هدفك محدوداً ، إذا كان الهدف محدوداً ، ووصلت إليه انتهيت ، تصبح الحياة مملةً ، تصبح الحياة مُتْعِبةً ، تصبح الحياة عبئاً ؛ لذلك تجد الكبراء ، أصحاب الأموال أصحاب المراتب العالية في المجتمع تجلس معهم فتتضايق ، المال يقول لك : .. أمر تافه ، لا شيء فيه ، مع أن معه أموالاً طائلة ، وليس عنده مشكلة ؛ ذكر لي أحد الإخوة مفارقة عجيبة بحياتي : زاره شخص .. أقسم بالله أن حجمه المالي بِضعة آلاف الملايين ، لا بضع مئات ، بل بضعة آلاف .. شكا له عن حياته وعن ملله ، لا يعجبه شيء ، ولا يوجد شيء يرضيه ، قال لي : شيء عجيب ، خرجت من عنده ، وليس لي قوائم تحملني ، فما هذا الإنسان ؟ لا يوجد عنده مشكلة ، المال كله بين يديه؛ وتابع حديثه قال لي : طلبت أسرة فقيرة مساعدة مني ، دخلت إلى بيت في إحدى قرى دمشق ، فإذا هو بيت متواضع جداً تحت درج ، الزوج موجود ، والزوجة موجودة ، والأطفال في سعادة ، والدخل محدود ، طلبوا أجرة البيت فقط .. ألف ليرة فقط ، قال لي : شعرت أن في هذا البيت سعادة غامرة ، مع أنه يشكو من ضيق الدخل ، فالإنسان حينما يفقِد الهدف يصير إنساناً عبئاً ، أنا هذا الذي أقوله لكم : يجب أن تختار هدفاً يفوق كل قدراتك ، هو الله عزّ وجل ، كل إنسان هدفه الله فهو سعيد ، في شباب دائم ليس ثمة ملل ، ولا سأم ، لأنه يبحث عن شيء مهما بذل فلن يحيط بالله عزّ وجل ، أما الدنيا فمحدودة ، وتنتهي ، إنسان صار معه مال ، وأكل كل الأكلات ، ولم يبقَ عنده الرغبة الجامحة للأكل ، تزوج ، شيء انتهى ، أَلِفَ هذه العلاقة ، احتل مكانة رفيعة بالمجتمعَ ، أَلِفَ هذا التعظيم ، وهذه المكانة ، لكنه يبحث عن شيء ، لذلك توجد نقطة دقيقة ، ذات مرة ألقيت فيها درسً عنوانه : ثم ماذا ؟

جمعت المال .. ثم ماذا ؟ وصلت إلى مكانةٍ عَليَّة .. ثم ماذا ؟ يوجد قبر بعد الدنيا ، انغمستَ في كل المتع الرخيصة .. ثم ماذا ؟ السِمة التي تجمع كل المنحرفين الملل والسأم والضجر ، لماذا تجد المؤمن أسعد الناس؟ لأن هدفه كبير ، فهو موعود بالجنة ..

( سورة القصص (

أيها الإخوة ... هذه الآية الكريمة :

( سورة البقرة (

أي إذا شعرت أن هناك خطراً ، الخطر أن تغلبك شهوتك ..

 

 

(سورة المؤمنون (

أي غلبتنا شهواتنا ، الشقاء أن تغلبك شهوتك ، وهذا هو الامتحان الصعب ، ثَمَن الجنة ضبط الشهوة ..

 (سورة النازعات (

فأنت حينما تشعر أن هناك خطراً ، الخطر أن تغلبك شهواتك على منهج ربك ، أنت إذاً الآن مُتَّق ، تتقي الخطر ، تتقي أن تقع تحت وطأة عذاب الله ، تتقي أن تكون تحت وطأة أسماء الجلال ، بطش الله شديد هناك زلازل ، وأمراض عضالة ، هناك قهر ، و فقر ، و انقباض ، وهم ، و حزن ، تتقي أن تكون تحت وطأة أسماء الجلال ، تتقي العقاب الأكبر وهو النار ، ما دمت تتقي فأنت تبحث عن الهدى ، والهدى موجود في القرآن الكريم ، القرآن رسم لك الهدف ورسم لك الطريق ..

 

 

( سورة فاطر (

أي أنه ما من جهةٍ في الأرض مؤهلةٍ أن ترسم لك الهدف الصحيح إلا الله عزّ وجل ، وما من جهةٍ في الكون مؤهلة أن ترسم لك الطريق الصحيح لهذا الهدف ؛ هدف المؤمن هو الجنة ، هدفه أن يعرف الله ، وأن يعرف منهج الله ، وأن يسلُك الطريق الصحيح ؛ فعنده توازن ، وعنده رضىً ، وعنده قناعة ، لا يوجد عنده شعور بالقلق للمستقبل ، لأن الخط البياني للإنسان المؤمن صاعد صعوداً مستمراً ، أما حينما ينسى الله عزّ وجل يكون الصعود حاداً ، والسقوط مُريعاً ؛ هذا الفرق بين المؤمن الذي يمشي على منهج الله عزّ وجل ، وخطُّه البياني صاعد صعوداً مستمراً ، بينما غير المؤمن يكون صعوده حاداً ، وانهياره سريعاً .

أيها الإخوة ... إن شاء الله نُتابع هذا في الدرس القادم :

( سورة البقرة (

بالمناسبة اسمحوا لي أن أضع بين أيديكم بعض الأحاديث الشريفة التي تتعلَّق بسورة البقرة ، قد يسأل أحدكم ما هذه التفصيلات ؟ يقول عليه الصلاة والسلام :") تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ  " (

مسند أحمد رواه : بن بريدة عن أبيه

 

وفي حديثٍ آخر :

" تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ " *

(مسند أحمد : رواه بن بريدة (

و في حديثٍ ثالث :

وعَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَقَالَ : قَرَأْتَ سُورَتَيْنِ فِيهِمَا اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى "*

 ( سنن الدرامي رواه : عبد الله )

            وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ في أعيننا "

جدَّ أي عظُّم في أعيننا ..

وعَنْ أَبِي عَطَّافٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَاءَتَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقُولانِ رَبَّنَا لا سَبِيلَ عَلَيْهِ "*

 ( سنن الدرامي )

            وعن ابن مسعودٍ قال : قال عليه الصلاة والسلام : " ما خيَّب الله امرأ قام في جوف الليل فافتتح سورة البقرة وآل عمران"

أوائل هذه السورة مباركة جداً ، أن ربنا عزّ وجل وصف المؤمنين بخصائص كبرى والمنافقون والكفار ، هؤلاء الأصناف الثلاث ، فالإنسان عليه أن يحرص على أن تنطبق عليه صفات المؤمنين ، طبعاً في الدرس القادم :

 

والهدى يرفعهم عند الله ..

إذا فهمنا هذه الآيات فهماً دقيقاً وانطبقت علينا سَلِمْنا وسعدنا في الدنيا والآخرة .. أخرج الإمام مسلم و أحمد والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ"*

وقال عليه الصلاة والسلام :" أفضل القرآن سورة البقرة وأعظم آيةٍ فيها آية الكرسيّ وإن الشيطان ليفر من بيتٍ تُقْرأ فيه سورة البقرة " .

وهناك أحاديث كثيرة عن فضل هذه السورة ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقنا إلى متابعة فهم هذه السورة والعمل بها .

والحمد لله رب العالمين

*  *  * 

Copyright © 2007 Nabulsi