English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

تفسير القرآن الكريم  ـ سورة البقرة "2" : الدرس 5 ـ الآيات : [6-7] ـ وصف المؤمنين والكافرين ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي  .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من سورة البقرة .

 

  Text Box: حديث الله تعالى عن الكفار والمؤمنين في الآيات التالية :

 

مع قوله تعالى في الآية السادسة :

تكلَّم الله عن المؤمنين في الآيات السابقة عندما قال :

هؤلاء الصِنْفُ الأول .

 

  Text Box: الإيمان والكفر نموذجان متقابلان ، متعاكسان ، متناقضان :

 

الصِنف الثاني :

يمكن أن يُقَسَّم البشر على اختلاف أجناسهم ، وأعراقهم ، وألوانهم ، وانتماءاتهم ، وأقاليمهم ، وأَمْصارهم ، وقبائلهم ، وطوائفهم ، وملَلِهم ، ونِحَلِهم إلى قسمين : مؤمنٍ وكافرٍ ؛ مؤمنٍ عرف الله ، واستقام على أمره ، وأقبل عليه ، وانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه ، فسعد في الدنيا والآخرة ، وحقق الغاية من خلقه ، وحقق الحكمة من وجوده ؛ وكافرٍ غَفَل عن الله ، وتَفَلَّت من منهجه الله ، وأساء إلى خلقه ، فشقي في الدنيا والآخرة ، ولن تجد صنفاً ثالثاً ، الثالث منافق ، وهو في الأصل كافر ، لكن مصالحه تقتضي أن يظهر ما لا يبطن ، إن المنافقين هم الكافرون ، فالتقسيم الحقيقي : مؤمن وكافر .

الإيمان تصديق ، الكُفر تكذيب ، الإيمان كشف ، الكفر غطاء ، الإيمان إقبال ، الكفر إعراض ، الإيمان شُكر ، الكفر جحود ؛ نموذجان متقابلان ، متعاكسان ، متناقضان ؛ الإيمان تصديق ، الكفر تكذيب ، الإيمان إشهار وكشـف ، الكفر غِطاء ، الإيمان إقبال ، الكفر إعراض ، الإيمان شكر ، الكفر جحود .

 

  Text Box: المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره :

 

 يُستثْنى صنفٌ من الكفار ، صنف كفر لنقص المعلومات فلما توافرت له آمن ، كَفرَ لأن المعلومات وصلت إليه مشوَّهةً فلما صححت له آمن ، أما هذا الذي  تخبر عنه الآية  :

المقصود هو الكافر المنتَفِعُ بكفره ، الذي يعبد شهوته ، ومن لوازم عبادة شهوته أن يكفر بالله ، فكفره مَصْلَحِيّ ، كفره متعـلقٌ باختياره ، كفره متعلقٌ بمصالحه ، كفره متعلقٌ بشهواته ، كفره متعلقٌ بمكانته ، كفره متعلقٌ بمكاسبه ؛ هو الكافر الذي اتخذ الكفر وسيلةً إلى مكاسبه . دققوا ، الإنسان قد تغيب عنه الحقائق فإذا تجلَّت له آمن ، هذا الإنسان ليس معنياً بهذه الآية ، الإنسان أحياناً قد تأتيه الحقائق عن الدين مشوَّهةً فإذا صححت له هذه الحقائق آمن ، هذا الإنسان ليس معنياً بهذه الآية ، الإنسان أحياناً قد يغفل فإذا ما صحا آمن ، هؤلاء ليسوا معنيين بهذه الآية ، أما الذي اتخذ الكفر وسيلةً للدنيا ، الذي انتفع بكفره ، الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية ، أو مكسباً كبيراً ، أو مالاً وفيراً ، أو منصباً رفيعاً ، أو مكانةً مرموقة ، هذا الإنسان سواءٌ عليه أأنذرته أم لـم تنذره لا يؤمن ، لأنه لا يبحث عن الحقيقة ، ولا يرجوها ، ولا يتمنَّاها ، ولا تعنيه إطلاقاً .

ذكرت مرةً مثلاً وسأُعيده ، لأنه مناسبٌ لهذا المعنى ، مثل افتراضي ؛ إنسان فقير جداً يعمل عَتَّالاً على دابة ، فلما ماتت هذه الدابة فَقَدَ دخله كلياً ؛ دفنها ، وأقام عليها بناءً وقبةً خضراء ، وأعطاها اسماً من اختراعه ، وزعم أن هناك ولياً مدفوناً في هذا المكان ، وجاءه الناس زُرافاتٍ ووحدانا يتبركون بهذا الولي ، ويعطونه العطايا الكثيرة ، فهذا الإنسان انتفع بهذه الكذبة ، وهذا الدجل انتفاعاً لم يكن يخطر له على بال ؛ هل في الأرض قوةٌ يمكن أن تُقنعه أن المدفون هنا دابة ؟ لا ، قناعته أشد من قناعة الذي يناقشه ، لكنه ليس من صالحه إطلاقاً أن يعترف أن المدفون في هذا المكان دابة ، هو يقاتل من أجل دَجَلِه ، يقاتل من أجل فكرته ، يقاتل من أجل كذبه ، يقاتل من أجل الخُرافة التي نشرها بين الناس ، هو يدافع عن مصلحته ، يدافع عن دخلِه ، يدافع عن مكانته ، يدافع عن مكاسبه ، فهذا الذي اتَّخذ الكفر وسيلةً للدنيا ، هذا الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية ، ودخلاً كبيراً ، وهيمنةً على الناس عظيمة ، هذا سواءٌ عليه أأنذرته أم لم تنذره لا يؤمن ؛ هو بعيدٌ جداً عن موضوع الفكر وعن موضوع العقيدة ، وعن موضوع المبادئ وعن موضوع الأهداف ، أنت في واد وهو في واد ؛ المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره . ليس الذين كفروا هم الذين شوِّهَت لهم المعلومات فكفروا فلما صُحِحَت آمنوا ، لا ليسوا هؤلاء ، وليسوا هم الذين غابت عنهم الحقائق فلما حصَّلوها آمنوا ، ليسوا هؤلاء ، إن الذين كفروا هم الذين انتفعوا بكفرهم ، والذين وصلوا إلى الدنيا بكفرهم ، والذين أطاعهم الناس لكفرهم .

 

Text Box: المؤمن إنسان مبادئ وقيم بينما الكافر إنسان مصالح وشهوات :

 

أيها الأخوة حدثنا ربنا عزَّ وجل عن اليهود كيف أنهم يعرفون النبي ، أية معرفةٍ بديهية ؛ وأية معرفةٍ يقينية ، أية معرفةٍ سهلة ، أية معرفةٍ قصيرة من أن تعرف ابنك ، فإذا نظر أحدهم إلى ابنه هل يقول له : ما اسمك يا بني ؟ مستحيل ، من أنت ؟ ترتيبك الثاني أم الثالث ؟ مستحيل ، قال ربنا عزَّ وجل :

 ( سورة البقرة )

لماذا كفروا ؟ كفروا حسداً ، هناك مصالح ، لذلك كأن الله عزَّ وجل ينصحنا أن لا نناقش المنتفع بكفره ، لا تحاوِرَه :

حاور من لم ينتفع بكفره ففيه خير ، معلوماته قليلة ، معلوماته مشوَّهة ، لو وصل إلى الحقيقة لآمن بها ، هذا يأخذ الله بيده إلى الإيمان ، أما الذين عناهم الله بهذه الآية فهم المنتفعون بكفرهم ، المؤمن إنسان مبدأ ، الكافر إنسان مصلحة ، المؤمن إنسان قِيَم ، الكافر إنسان شهوات ، المؤمن يسعى للآخرة ، الكافر يسعى للدنيا ، مبادئ المؤمن فوق كل مصالحه ، مصالح الكافر فوق كل مبادئه .

من معاني الكفر كما قلت قبل قليل الجُحود ، يقول الله سبحانه وتعالى :

 ( سورة النساء )

 

  Text Box: من لوازم الإيمان الشكر ومن لوازم الكفر الجحود :

 

أي أن من لوازم الإيمان الشكر ومن لوازم الكفر الجحود ، فالمؤمن يشكر والكافر يجحد ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( رأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَراً قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : بِكُفْرِهِنَّ . قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ( العشير هو الزوج ) وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ )) .

[البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ]

هذا لا ينطبق طبعاً على النساء المؤمنات الصالحات الصادقات ، اللواتي يعرفن حق الزوج ، واللواتي يَرْعَين الزوج ، واللواتي يربين الأولاد .

( سورة التحريم)

جنس النساء قبل أن يعرفن الله يَكْفُرْن العشير " مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ " ، قال لها : ولا يوم الطين ، فسكتت ، هذه قصة طويلة عن أحد ملوك الأندلس ، واسمه ابن عبَّاد ، أحب جاريةً وتزوَّجها ، وجعلها السيدة الأولى ، اشتهت حياة الفقر مرةً وحَنَّت إليها ، فطلبت أن تدوس في الطين ، فعجن لها الكافورَ والمسك بماء الورد ، وقال : هذا هو الطين ؛ فلما خسر المُلك ، وأخذه منه ابن تاشفين ، وأودعه السجن ، افتقر ، فكانت زوجته تسيء معاملته وتقول له : ما رأيت منك خيراً قط ؛ فقال لها مرةً : ولا يوم الطين ؟ فسكتت .

 

  Text Box: كلمة كفر تعني أن هناك إيماناً بالفطرة وهناك جحود باللسان :

 

الكفر هو الجحود ، والكفر هو التكذيب ، والكفر هو الإعراض ، والكفر هو الغِطاء ، دقق الآن ؛ قال بعض الشعراء في الجاهلية : " في ليلةٍ كفر النجومَ غمامُها ."

النجوم : مفعول به مُقَدَّم ، غمامُها : أي سحابها ، وهي فاعل مؤخَّر ؛ أي غَطَّت السحب النجوم ؛ فالكفر هو الغطاء والستر ؛ الآن منطقياً يظهر معنى جديد ، معنى الذي كفر أنه يؤمن بالله بفطرته لكنه غَطَّى هذه الحقيقة ، الشيء الموجود يَسْبِق الغطاء ، ماذا أنت تغطي ؟ كلمة كفر تعني الغطاء والستر ، الستر والغطاء مصدر ، فلا بدَّ من شيءٍ تَسْتُره ، لا بدَّ من شيءٍ تُغَطِّيه ؛ كلمة الكفر تعني تغطية الإيمان ، أنت مؤمن لكنَّك تُغَطِّي إيمانك ، مؤمن ولكن تَسْتُر إيمانك ، مؤمنٌ بفطرتك ولكن مصلحتك تقتضي أن تغطِّي هذه الحقيقة ، أن تُعَمِّيها على الناس ، لذلك يوم القيامة :

 ( سورة الأنعام )

فقال الله عزَّ وجل :

 ( سورة الأنعام )

المعنى دقيق جداً الكفر هو السَتْر والغطاء في أصل اللُّغة ، وهذا القرآن بلسانٍ عربيٍ مبين ، فالإنسان حينما يكفر يُغَطِّي حقيقةً آمن بها بفطرته ، والإنسان حينما يكفر يستر حقيقةً تُدرَك بالبديهة ، والشيء المُغَطَّى يسبق الغطاء ، والشيء المستور يسبق السِتر ، فكلمة كفر تعني أن هناك إيماناً بالفطرة ، وهناك جحود باللسان :

 ( سورة الأنعام )

 

  Text Box: الكفار المنتفعون بكفرهم أنت في واد وهم في واد :

 

أيها الأخوة ، هؤلاء الكفار المنتفعون بكفرهم :

 أي أنت في واد ، وهم في واد  .

لقد أسمعت لو ناديت حيـاً            ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو ناراً نفخت فيها أضاءت           ولـكنَّك تنفخ فـي رماد

***

نعوذ بالله من الكفر ، الناس رجلان مؤمنٌ وكافر ، مؤمنٌ يعرف الله وكافرٌ كَذَّبَ بالحق لما جاءه ، مؤمن مقبل وكافر معرض ، مؤمن شاكر وكافر جاحد ، مؤمن يرى ويشهد وكافر أعمى :

 (سورة الإسراء)

وقال :

 

Text Box: الله تعالى قدّم السمع على البصر :

 

كأن الله جلَّ جلاله ينصحنا أن هذا الذي اتخذ الكفر مغنماً ، واتخذ الكفر سبيلاً للدنيا أنّ وَقْتُكَ أثمن من أن تُضَيِّعَه معه ، ابحث عن إنسانٍ آخر يبحث عن الحقيقة ؛ يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى :

 ( سورة الأعلى)

لماذا لا يؤمنون ؟ هنا المشكلة :

الإنسان له عين وله سمع ، قُدِّمَ السمع مبدئياً على البصر :

قـال العلماء : " العين لا ترى إلا أمامها ، ولا ترى بعد الحواجز ، ولا ترى إلا بواسطة ، فزاوية الرؤية نحو الأمام ، فإذا كان هناك جدار منع الرؤية ، ولا بدَّ من نورٍ يتوسَّط بين العين وبين المرئي ، ولكن الأُذن تتصل بالجهات الست ، الأمام ، والخلف ، واليمين ، واليسار ، وفوق ، وتحت ، بالجهات الست ، والأذن لا تحتاج إلى وسيط ، وإن كان الهواء هو الوسيط فلولا الهواء ما انتقلت الأمواج الصوتية ، ولكننا يمكن أن نغفل الوسيط لكونه دائماً وثابتاً.

هذه الغشاوة حُبُّ الدنيا ، الشهوات ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

(( حُبُّك الشيء يُعمي ويُصِم )) .

[أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء]

 

  Text Box: الشهوة غشاوة على الأذن وغشاوة على العين :

 

لما أحب الشهوة وآثرها على كل شيء ، وعبدها من دون الله ، وجعلها نهاية آماله ، ومحطَّ رحاله كانت هذه الشهوة غشاءً على عينيه ، وغشاءً على أذنيه ، فهو لا يرى الآيات ، ولا يستمع إلى الحق ؛ والإنسان إما أن يرى الآيات الدَّالة على عظمة الله ، وإما أن يُصغي لكلمة الحق تلقى في أذنه ، فالشهوة غشاوة على الأذن ، وغشاوة على العين ؛ الفكر أو ما يدعى مجازاً العقل الذي في الرأس ، هناك عقل في القلب ، وعقل في الرأس :

 ( سورة الأعراف )

إن أردنا أن نسمي ما في الرأس فكراً ، الفكر جهاز استدلال ، جهاز استنباط ، جهاز محاكمة ، جهاز اتخاذ قرار ، جهاز معرفة ، أداة إدراكيَّة منافذها السمع والبصر ، فإذا فُتحِ البصر ، وفُتِحَ السمع ، جاءت المعلومات إلى الدماغ ، والدماغ درسها وحللها ، وحاكم جُزْئيَّاتها واتخذ قراراً ، وكلما تعمَّق هذا القرار في الذهن انتقل إلى القلب ليستقر فيه ، فالقلب قلبُ النفس ، فيه تستقر الحقائق ، حينما يضع الإنسان غشاوةً على عينه وهي الشهوة ، وحينما يضع غشاوةً على أذنه وهي الشهوة ، حيث السمع والبصر هما مَنْفَذا الحقائق :

 ( سورة الملك)

فالإنسان بهذا الحال لن يسمع .

 

  Text Box: منفذا القلب هما السمع والبصر :

 

الآن ادعُ إنساناً متفلِّتاً همُّه النساء ، همه المال ، همُّه الشهوات ، همه أن ينغمس في شهوات الدنيا ، ادعه إلى درس علم يستحيل أن يستجيب لك ، ما لي ولهذا الدرس ماذا أفعل به ؟ كلام فارغ ، كلام أعرفه ، أنا لا أحبُّ أن أُضَيِّع وقتي ، هو في واد وأنت في واد ، فالإنسان إذا أحب الشهوات أحب الدنيا ، أحب المال ، أحب النساء ، أحب الانغماس في المُتًع الرخيصة ، هذه الشهوة غشاءٌ على عينه وغشاءٌ على سمعه ، بقي الفكر بلا معلومات ، لم يسمح الإنسان لعينه أن ترى الآيات فيستنبط منها الحقائق ، ولم يسمح لأذنه أن تصغي إلى الحق فيعرف الحقيقة ، وضع على أذنه غشاوة وعلى عينه غشاوة ، فالفكر تعطل ، والفكر هو المورِّد للقلب ، تعطَّل القلب قال علماء التفسير : هذا خُتْمٌ حكمي ؛ أي إذا أغلقنا الأبواب الخارجية للمسجد إغلاقاً محكماً ، فهذه الأبواب الداخلية مغلقةٌ حكماً ، حتى لو أنها مفتوحة لن يصل إليها إنسان ما دام البابان الخارجيان مُغْلقين ، فالأبواب الداخلية مغلقةٌ حُكماً .

 منفَذَا القلب السمع والبصر ، وعلى السمع غشاوة ، وعلى البصر غشاوة  .

والغشاوة هي حبُّ الدنيا .

 

  Text Box: وصف الله عزَّ وجل قلب الكافر بصفاتٍ كثيرة :

 

أيها الأخوة الكرام ، وصف الله عزَّ وجل قلب الكافر بصفاتٍ كثيرة ، وصفه بالخَتْمِ .

والطبع ، والضيق ، والمرض ، والرَيْن ، والموت ، والقسـاوة ، والانصراف ، والحَمِيَّةِ ، والإنكار ، هذه عشرة أوصـاف لقلب الكافر ، والحقيقة يقول سيدنا عمر : " تعاهد قلبك " .

 ( سورة الشعراء)

رأس مالِكَ الأوَّل في الآخرة قلبك السليم ، هذا القلب الذي استقرت فيه الحقائق ، هذا القلب الذي امتلأ شكراً لله ، هذا القلب الذي امتلأ حباً لله ، وهذا القلب الذي امتلأ تعظيماً لله .

(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب إنك تعلم أنني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي )) .

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

الآلاء للتعظيم ، النَعْماء للحب ، البلاء للخوف ؛ معنى ذلك أن القلب السليم فيه تعظيمٌ لله ، وحبٌ له ، وخوفٌ منه ، البلاء يُورِثُ الخوف ، والآلاء تورث التعظيم ، والنعم تورث الحب؛ فالقلب السليم فيه خوف ، وفيه حب ، وفيه تعظيم ، أما قلب الكافر فيه الختم ، والطبع ، والضيق ، والمرض ، والرَين ، والموت ، والقساوة ، والانصراف ، والحَمِيَّة ، والإنكار :

 ( سورة النحل )

أي تُنكر الحقائق ، تَعاف الحقيقة .

 

Text Box: آيات من القرآن الكريم عن الحمية الجاهلية :

 

ذكر لي أخ أنه حدَّث إنساناً بكلامٍ طيبٍ عن الدين ، فأجابه : هذه المعلومات لا أهتَمُّ لها ، ولا أصغي إليها ، ولا أزنها بأي ميزان ، إنني أسعى لامرأةٍ جميلة وبيتٍ واسع وسيارةٍ فارهة .

 ( سورة النحل)

وقال في الحمية :

 ( سورة الفتح )

تجد عاطفة هَوْجاء ، تَعَصُّباً أعمى ، انحيازاً غير معقول ، يفور بلا سبب ، يقسو بلا سبب ، يقتل بلا سبب ، يغضب بلا سبب ، حمِيَّة جاهلية ، حمية عمياء ، ينجرف انجرافاً مخيفاً بلا أسباب معقولة .

 ( سورة الفتح )

يغضب الإنسان الجاهلي فيرتكب جريمة ، يغضب فيقذِف بأبشع الكلمات ، يغضب فيُطَلِّق بلا سببٍ وجيه ، يغضب فيعتدي ، هذه الحمية الجاهلية ، من صفات قلب الكافر .

 

  Text Box: آيات أخرى من القرآن الكريم عن الانصراف والقساوة :

 

وفي الانصراف قال تعالى :

 ( سورة التوبة )

انصرف عن الحق إلى الباطل ، انصرف عن المسجد إلى دور اللهو ، انصرف عن الحقائق إلى القَصَص ، انصرف عن دروس العلم إلى المُسَلْسَلات .

 ( سورة التوبة )

مكانك الطبيعي في أعلى عليين فَغُصْتَ في أسفل سافلين ، مكانك الطبيعي في السماء أنت في وحول الأرض انصرفت إلى الدنيا ، أخلدْت إلى الأرض ، وقال في القساوة   :

 ( سورة الزمر )

ما هذا القلب أيها الأخوة ؟ يكبر ويكبر ولا نرى كِبَرَه ، فيتصاغر أمامه كل كبير ، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير ؛ من هم الأنبياء العظام ؟ لهم قلوبٌ كبيرة وَسِعَت هموم الناس ، القلب الكبير يحمل هموم المسلمين ، لا يرتاح إذا حقق مصالحه المادية  فقط ، هذه لا تعنيه كثيراً ، يعنيه أن يحقق إنجازاً للمسلمين .

 

  Text Box: القلب منظر الرب يتصل بالله فيمتلئ رحمة :

 

والقلب أيُّها الأخوة منظر الرَّب :

(( إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ )) .

[ مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

القلب منظر الرَّب ، وقد ورد في الحديث القدسيّ :

(( عبدي طهَّرتَ منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ )) .

[ورد في الأثر]

القلب بيت الرَّب ، والقلب أيها الأخوة يتَّصل بالله فيمتلئُ رحمةً ؛ الرحمة إحساس داخلي مُنْعَكَساتها اللين واللطف والخدمة والتواضع ؛ قال تعالى :

 ( سورة آل عمران )

أي بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا كنت لهم لَيِّناً ، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك وأحبّوك ، ولو كنت منقطعاً عنا لكان قلبك قاسياً ، والقسوة من لوازمها الفظاظة والغِلظة :

 ( سورة آل عمران )

قوانين ، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمةً ، إذا امتلأ القلب رحمةً كنت ليناً مع الناس رحيماً بهم ، منصفاً متواضعاً ، مُعطياً كريماً ، سخياً عفُوَّاً فأحبك الناس والتفّوا حولك ؛ أما إذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ قلبك قسوةً .

 

  Text Box: قسوة القلب علامة البُعد ورقَّة القلب علامة الرحمة :

 

مؤشِّر الإيمان يتحرك تماماً مع مؤشِّر الرحمة ، أنت رحيمٌ بقدر ما أنت مؤمن ، وأنت قاسي القلب ـ لا سمح الله ـ بقدر بُعْدِكَ عن الله .

 ( سورة الزمر)

وفي آيةٍ أخرى :

 ( سورة البقرة )

قلب الكافر كالصخر ، لا يرحم ، ولا يعطف ، ولا يتألَّم ، يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يبني غناه على إفقارهم ، يبني حياته على موتهم ، يبني أمنه على خوفهم ، قلبٌ كالصخر ؛ فهؤلاء الذين خاضوا حروباً عالمية خَلَّفت خمسين مليون قتيل ـ الحرب العالمية الثانية ـ قلوبهم كالصخر من البعد عن الله ؛ كلما ابتعدت عن الله كلما قسا القلب ، فقسوة القلب علامة البُعد ، ورقَّة القلب علامة الرحمة .

" يا أمير المؤمنين إن الناس خافوا شدتك " ، قال : " والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى " .

وقالوا لسيدنا الصديق " أتولي علينا عمراً !؟ " قال :  أتخوِّفونني بالله ؟ أقول : يا رب ولَّيْتُ عليهم أرحمهم ، هذا علمي به فإن بدَّل وغيَّر فلا علم لي بالغيب " .

 

Text Box: مواقف تدل على رحمة سيدنا عمر رضي الله عنه :

 

" أيُّها الناس : إن الناس خافوا شدتي وبطشي ، إن هذه الشدة على أهل البغي والعدوان أما أهل العفة والإيمان فأنا أَلْيَن لهم من أنفسهم ، سأضع لهم خدي ليطؤوه بأقدامهم ـ هذا قول سيدنا عمر ـ أيها الناس خمس خصالٍ خذوني بها : لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم إلا بحقها ، وألاَّ أنفقها إلا بحقها ، ولكم عليَّ ألا أُجَمِّركم في البعوث ـ ترسله لمهمة سنة ، فيدع زوجته وأولاده ـ ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى ، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا " .

من رحمة سيدنا عمر أنه كان يتجوَّل في المدينة ليلاً مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف فرأوا قافلةً قد استقلَّت في ظاهر المدينة ، فقال : تعال نحرسها .

بكى طفل فقال عمر إلى أمه : أرضعي طفلك ؛ أرضعته فسكت ، ثم بكى فقام إليها وقال : أرضعي طفلك ؛ أرضعته فسكت ؛ ثم بكى ، فغضب عمر ، قال لها : يا أمة السوء أرضعي ابنكِ . فقالت له : وما شأنك بنا ؟ ـ ما دخلك ـ إنني أفطمه . قال : ولِمَ ؟ قالت : لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ـ أي التعويض العائلي ـ فضرب جبهته ، وقال : ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين .

عندما صلَّى سيدنا عمر صلاة الفجر ما عرف أصحابه قراءته من شدة بكائه من شدة خوفه من الله ، قال : يا ربِّ هل قبلت توبتي فأهَنِّئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟

قلب رحيم ، اشتهى أن يأكل اللحم في عالم الرَّماد ، ولكنه قال لبطنه : " قرقر أيها البطن أو لا تقرقر ، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين " .

تقرّحت يد السيدة فاطمة من الطحن ، ومن سحب الماء بالدلو ، وتعبت تعباً شديداً ، فشكت إلى زوجها سيدنا علي ، قال : اذهبي إلى أبيك واطلبي منه خادمةً ـ كل شيء بيد أبيك ـ فذهبت إليه ، فقال : ما الذي جاء بك يا بُنيتي ؟ استحيت وقالت : جئت لأسلِّم عليك ؛ عادت إلى البيت وقالت لزوجها : ائتِ معي ـ استحيت أن تطالب أباها بخادمة ـ فجاءت مع سيدنا علي ، تكلم سيدنا علي مع النبي عن حاجتها إلى خادمة وعن تعبها وعن مشقتها ، فقال : والله يا بُنَيَّتي لا أُؤثرك على فقراء المسلمين ، لا أدع أهل الصفة يتضوَّرون جوعاً ، قولي : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله " ، وانتهى الأمر .

رحمة في القلب شملت المؤمنين جميعاً بدون تمييز .

(( مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ )) .

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي :

(( الراحمون يرحمهم الرحمن ))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

 

  Text Box: مواقف من الكتاب والسنة عن القاسية قلوبهم :

 

(( دخلت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )) .

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]

قال تعالى :

( سورة الزمر )

 قد يموت القلب ، يقول الله عزّ وجل  :

 ( سورة الأنعام)

الذين ماتت قلوبهم :

 ( سورة المطففين)

هذا الرّان ، فالشهوات والمعاصي والأخطاء تجعل طبقة تحول بين القلب وبين معرفة الحقيقة .

 ( سورة البقرة )

قلوبهم مُغَلَّفة :

 ( سورة البقرة )

كُفْرُهم ومعاصيهم وانحرافهم سبب تغليف قلوبهم .

 

  Text Box: تبدأ أمراض القلب بعد الموت ويتعذَّب صاحبها بها إلى أبد الآبدين :

 

وقال تعالى :

 ( سورة البقرة )

القلب يمرض ، القلب المُتَكَبِّر مريض ، والقلب الجاحد مريض ، والشُح مرض ، والأنانية مرض ، وأن تظلم الناس مرض ، وأن تَبْخَـسَ الناس أشياءهم مرض ، هذه كلها أمراض .

أخواننا الكرام ، أمراض الجسم مهما تكن عُضالة ؛ سرطان ، تَشَمُّع كبد ، فشل كلوي تنتهي مع الموت ، فإذا كان المرء مؤمناً فإلى الجنة ، وتبدأ أمراض القلب بعد الموت ويتعذَّب صاحبها بها إلى أبد الآبدين ، فمليون مرض بالجسم ولا مرض واحد بالقلب ، والدليل :

 ( سورة الشعراء)

قلبك السليم رأسُ مالك ، هناك كِبْر ، وهناك حسد ، وبَغْي ، وعدوان ، واستعلاء ، وجحود ، وهضم حقوق الآخرين ، وهناك أن تَبْخَسَهُم حَقَّهُم ، أمراض القلب لا تُعَدُّ ولا تحصى ، وكل هذه الأمراض تبدأ آلامها بعد الموت ، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا .

 

  Text Box: ربنا عزّ وجل يعاوننا على الإيمان :

 

حدثني أخ : إنسان كان يقود سيارة بسرعةٍ طائشة في الساعة الثانية ليلاً في مدينة مجاورة في بيروت ، دهس طفلاً ، يبدو أن في قلب هذا السائق حياة ، لم يذق طعم النوم عشرين يوماً ، تألَّم ، زار طبيباً نفسياً فنصحه أن يدفع ديَّةً لأهل الطفل ، ليرتاح ضميره وينام ، فإذا كان في القلب حياة فهذه نعمةٌ كُبرى ، أما إذا كان القلب مغلفاً ومليئاً بالمعاصي عندئذِ انتهى ، وقال الله تعالى في الضيق  :

 ( سورة الشعراء )

وهذه نعمةٌ كُبرى :

(( إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

أي أن ربنا عزّ وجل يعاوننا على الإيمان ،  فإذا اتخذ الإنسان قراراً صحيحاً يشرح الله له صدره ، تجده مبسوطاً ، وإذا اتخذ قراراً آخر غير صحيح يضيق صدره :

 (سورة الحجرات)

Text Box: قلب المؤمن طاهر بفطرته مصطبغ بكمال الله :

 

القلب قضية كبيرة .

(( أعرف في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) .

[ متفق عليه عن النعمان بن بشير ]

رأس مالك قلبك ،  قلب المؤمن نظيف ، قلبه صاف ، قلبه بريء ، قلبه مطمئنٌ لعدالة الله ، لا يحمل حقداً على أحد ، ولا يحسد ، ولا يبغي ، ولا يتكبر ، قلبه سليم وهو موصول بالله ، طاهر بفطرته ، مصطبغ بكمال الله ، باتصاله بالله ، هذا قلب المؤمن ، والطبع  :

 ( سورة المنافقون)

 هذا الطبع حكمي أيضاً ، مثلا : انتسب إنسان إلى الجامعة بضغطٍ من أبيه ، ولم يحضر أي درس ولا ساعة ، وما قَدَّم أي امتحان ، ولا قرأ ولا صفحة ، هل يفقه هذا شيئاً ؟ لماذا لا يفقه ؟ لأنه أغلق بيده منافذ المعرفة ، لو سمع درس يتعلَّم كلمة ، لو قرأ كتاباً ليتعلم ، لو زار الأستاذ ليتعَلَّم ، فلما أعرض عن حضور أي درس ، وعن سماع أية محاضرة ولو بالشريط ، وعن قراءة أي موضوع ، فإنه أغلق بيديه منافذ المعرفة ، إذاً ختم قلبُه ختماً حكمياً .

 ( سورة الصف)

 إذا عُزيت الإزاغة إلى الله ، أو عُزيَ الإضلال إلى الله ، أو عُزي الخَتْمُ إلى الله ، أو عزي (ران على قلوبهم ) إلى الله هذا كله زيغ جزائي مبني على اختيار ؛ وأوضح مثل : قلت هذا قبل قليل : طالب لم يقدم أي امتحاناً ، ولا حضر ولا مادة ولا قرأ ، جاءه إنذار من إدارة الجامعة ؛ إنذار ثانٍ ، إنذار ثالث ، ولم يستجب ، صدر قرار بترقين قيده من الجامعة ، هل في هذا القرار افتراءٌ عليه ؟ أم هو تجسيدٌ لاختياره ؟

 

  Text Box: حبُّ الكفار للدنيا واختيارهم للشهوات وإصرارهم عليها جعلها كغشاوةٍ على أعينهم وعلى سمعهم :

 

قال تعالى :

 ( سورة الصف)

إذا عُزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري ، وإذا عُزي الخَتْمُ إلى الله فهو الختم الجزائي المبني على سد منافذ المعرفة باختيارك ، فقوله تعالى :

هو الخَتْمُ الحُكْمِي ، لأن :

الختم من صنع أيديهم ؛ حبُّهم للدنيا ، واختيارهم للشهوات ، وإصرارهم عليها جعل هذه الشهوات كغشاوةٍ على أعينهم وعلى سمعهم ، ولأن العينين والسمع منافذ للفكر ، والفكر موَرِّد للقلب فصار القلب مختوماً عليه حكماً :

  Text Box: أنواع العذاب :

 

يوجد بالقرآن عذاب أليم ، ويوجد عذاب مهين ، ويوجد عذاب عظيم ، هؤلاء الذين أضلّوا الناس وتبعهم الناس على إضلالهم ، هؤلاء لهم يوم القيامة عذابٌ مهين ، يُعذَّبون أمام أتباعهم الذين أضلّوهم ، والعذاب المهين أشدُّ من العذاب الأليم .

لو كان الإنسان له مكانة كبيرة جداً وأهنته أمام الناس جميعاً ، كأَنْ تضربه ضرباً مهيناً أمام أتباعه جميعاً فإن هذا عذاب مهين ؛ ويوجد عذاب أليم له ألم حسِّي شديد ؛ العذاب المهين معنوي ، والعذاب الأليم حِسي ، أما العذاب العظيم منسوبٌ لقدرة الله ؛ أنت إن أردت أن تعذِّب إنساناً يوجد حدود ينتهي عندها العذاب ، مات فلا تستطيع إكمال العذاب ، تنتهي قدرتك على تعذيبه بعد أن يموت ، لكن الله عزّ وجل قادر على أن يُعَذِّب الإنسان إلى أبد الآبدين :

 ( سورة النساء )

هذا عذاب عظيم ، ويوجد عذاب مهين ، ويوجد عذاب أليم ؛ العذاب المهين أن يعذِّبه أمام من خضعوا له بكفره ، أي إنسان أنكر وجود الله عزّ وجل وقال : الشهوة هي كل شيء ، يوجد علماء هكذا ، يوجد طغاة هكذا ، فهؤلاء الذين أضلّوا الناس وحملوهم على الكفر يعذَّبون عذاباً مُهيناً أمام أتباعهم ، والذين كفروا وجحدوا يعذَّبون عذاباً عظيماً ، أي عذاباً مستمراً لا ينتهي ، أما الإنسان إذا عَذَّب فَله حد ينتهي عنده التعذيب ، عندما يموت من يعذبه .

 

  Text Box: ملخص لأهم نقاط الدرس :

 

أيها الأخوة ، افتتح ربنا عزّ وجل هذه السورة العظيمة بوصف المؤمنين ، ووصف الكافرين ؛ أما المؤمنون فهم :

الإيمان تصديق ، والكفر تكذيب ، الإيمان إقبال ، الكفر إعراض ، الإيمان شكر ، الكفر جحود :

وانتفعوا بكفرهم ، وجعلوه مَطِيَّةً لشهواتهم :

مكان العقل القلب :

لأن مَنفَذي القلب هما السمع والبصر :

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi