English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة "2" : الدرس 8 ـ الآيات : [17-20] ـ أصناف المنافقين ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي  .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثامن من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السابعة عشرة .

 

  Text Box: ملخص ما جاء في الدروس السابقة :

 

لا زلنا مع الآيات التي تصف المنافقين ، الآيات التي تصف المؤمنين خمسُ آيات ، والآيات التي تصف الكافرين آيتان ، بينما الآيات التي تصف المنافقين ثلاث عشرةَ آية ، هؤلاء المنافقون الذين يقولون :

هؤلاء المفسدون في الأرض .

هؤلاء الذين  :

هؤلاء الذين يستهزئون بالمؤمنين :

هناك في الأصل علاقةٌ تجارية ، تدفع شيئاً وتقبض شيئاً ، فالمؤمن ربحت تجارته مع الله ؛ بينما المنافق خسرت تجارته مع الله ، شُرِحَت هذه الآيات في درسين سابقين .

 

  Text Box: طريقة المثال أحد أساليب القرآن الكريم الرائعة في توضيح الحقائق وتَجْلِيَة الأمور :

 

نصل الآن إلى قوله تعالى :

أما كلمة ﴿ مَثَلُهُم ﴾ ، أراد الله جلَّ جلاله أن يضرب لنا مثلاً للمنافقين ، والمثل صورة حسية واضحة جداً تنطبق على حقيقةٍ معنوية مُعَقَّدة ، فالمثل طريقةٌ في التعبير رائعة ، وطريقةٌ في التعبير واضحة ، وطريقةٌ في التعبير قريبة ، وطريقةٌ في التعبير صادقة ، وطريقة المثال أحد أساليب القرآن الكريم الرائعة في توضيح الحقائق وتَجْلِيَة الأمور .

 (سورة الجمعة)

ضع على ظهر الحمار كُتُباً قيمة ، وسر به مسافةٌ طويلة ، ثم اسأله عن بعض الحقائق التي في الكتب ، لا يزيد عن أن ينهق ، لأنه لم يفقه شيئاً ، فعلاقة هؤلاء الذين أوتوا الكتاب ، ولم يفهموا مضمون هذا الكتاب ، ولم يعملوا به كعلاقة هذه الدَّابة البهيمة بكتابٍ حُمِّل على ظهرها .

 ( سورة الأعراف )

يلهث على اختلاف أحواله إن كان جائعاً ، أو مرتاحاً ، أو مُتْعَباً ، فهو يلهث ، هذا مثل آخر ضربه الله عزَّ وجل ، ومن اللطيف جداً أن نرجع إلى القرآن الكريم لنرى هذه الأمثال الرائعة التي ضربها الله تعالى توضيحاً لبعض الحقائق .

 

  Text Box: استخدم النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أسلوب المثل :

 

استخدم النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أسلوب المثل ، فَشَبَّه الجماعة بأنهم رُكَّاب سفينة واقتسموا أماكنهم ، أراد بعضٌ هؤلاء الركاب أن يخرق مكانه ليأخذ الماء سريعاً ، قال :

(( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعاً ، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعاً )) .

[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]

 إذا أخذوا على يده نجا ونجوا وإن تركوه هلك وهلكوا ، مثل رائع في المسؤولية الجماعية ، نحن في قاربٍ واحد فإذا أراد بعضنا أن يخرق المساحة التي له من هذا القارب يُهْلكنا جميعاً ، فإذا أخذنا على يده نجونا جميعاً وإن تركناه هلكنا جميعاً ، هذا من أمثلة النبي عليه الصلاة والسلام .

(( الصلاة عماد الدين )) .

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

خيمة فيها عمودٌ يبرز كيانها ، فإذا أُزيح العماد أصبحت الخيمة قماشاً ملقى على الأرض ، لا يظهر كيان هذه الخيمة إلا بالعماد الذي في وسطها .

(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين )) .

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

آياتٌ كثيرة فيها أمثلةٌ صارخة ، وأحاديث كثيرة فيها أمثلة صادقة ، يستخدم الدعاة أحياناً طريقة المثل ، وهي من أروع الطرق في توضيح الحقائق .

 

Text Box: المنافقون ليس لهم في الآخرة رصيد كل رصيدهم في الدنيا :

 

أيها الأخوة ، إن أردت أن تُعَلِّم ، أو أردت أن توضِّح ، أو أردت أن تلقي الحقيقة فاستخدم المثل ، لأن المثل أسلوبٌ قرآني ، وأسلوبٌ نبوي ، وليس هناك من عملٍ أعظم من أن تُشابه أسلوب القرآن ، والأسلوب النبوي ، هؤلاء منافقون لأنَّهم أحبوا الدنيا فقط ، ولأن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، أحبوا الدنيا ، وجعلوها نهاية آمالهم ومَحَطَّ رحالهم ، وبذلوا جهداً جهيداً من أجلها ، فأسسوا وبنوا ومكَّنوا أنفسهم في الأرض ، فلما أرادوا أن يقطفوا ثمار هذا الجهد الطويل ، هذا الجهد الجهيد ، هذا الجهد الذي استغرق من حياتهم مثلاً أربعين عاماً ، أو ستين عاماً فاجأهُم الموت ، وأخذ منهم كل شيء في ثانيةٍ واحدة .

استوقد وزن استفعل في اللغة وزنٌ يعني الطَلَب ؛ طلب النار ، طلب النار لتضيء له حياته ، أي طلب المال ، طلب العز ، طلب المكانة العلّية ، طلب الجمال ، طلب البيت المريح ، طلب المركبة ، هذه طلباته .

من أجل أن تنير له ، فبعد جهدٍ جهيد ، وعمرٍ مديد ، وعملٍ مضنٍ ، تألقت النار وأضاءت له ما حوله ، جاء ملك الموت فجأةً وأخذ منه كل هذا الجهد ، وكل هذه المكتسبات ، هذا حال المنافقين ، ليس لهم في الآخرة رصيد ، كل رصيدهم في الدنيا ، كل البيض في سلةٍ واحدة ، فإذا أُخذت منه هذه السلة فقد كل شيء ، ليس للمنافق مستقبل أبداً ، له حاضر قد يكون رائعاً جداً .

 

  Text Box: أمثلة عن أناس فاجأهم الموت وهم في أوج تألقهم :

 

قال تعالى :

 ( سورة المنافقون )

ماله وفير ، مكانته عَلِيَّة ، ولكن ليس له مستقبل ، كل ما عنده من مال ، كل ما عنده من وجاهة ، كل ما عنده من مكانة ، كل ما عنده من أساليب يستمتع بها بمباهج الحياة الدنيا منوطةٌ بقطرِ شريانه التاجي ، منوطةٌ بسيولة دمه ، منوطةٌ بنمو خلاياه فإذا اضطرب نمو خلاياه فقد كل شيء وإذا ضاق شريانه التاجي فقد كل شيء ، وإذا تَجَمَّد دمه في مكانٍ ما فقد كل شيء .

يسعى ويعمل ويسهر ويُسافر ويؤسس ولا ينام الليل ويخاصم من أجل الدنيا فقط ، من أجل المال ، من أجل المكانة ، فإذا أضاءت ما حوله ، أي بدأ يقطف ثمار عمله فاجأه الموت في أحرج الأوقات ، بل في أوج تألُّقه ، في أوج استمتاعه بالدنيا ، فاجأه الموت بعد أن انتهى من إنشاء العمارة ، بعد أن انتهى من تحصيل هذه الشهادة ، بعد أيامٍ من زواجه ، بعد سنواتٍ من تألُّقِه ، وهناك آلاف الأمثلة ، سعى إنسان في بناء بيتٍ سنواتٍ طويلة ، فلما انتهى البيت فاجأه الموت بعد أيام .

حدثني أخٌ كريم عن إنسان اشترى بيتاً في مكان جميل ، واعتنى بكسوته عناية تفوق حد الخيال ، وجاء بأمتعته ليستقر بهذا البيت ، وجاء بالوجبة الثانية ، وبالوجبة الثالثة ، وبقي جهازٌ ينبغي أن يركب في بيته ، رُكِّب الجهاز ، ولما حان موعد المجيء النهائي ، والاستقرار في هذا البيت ، وافته المنيَّة في اليوم نفسه الذي أزمع فيه أن يسكن هذا البيت .

 

  Text Box: المنافق إنسان بلا هدف أُخروي وبلا مستقبل :

 

هذا كلام عام ، يسعى الإنسان إلى الدنيا بكل جهده ، بكل وقته ، بكل ماله ، بكل تعبه، بكل كده ، بكل عرقه ، فإذا امتلك منها شيئاً أضاءت ما حوله ، أي صارت له مكانة ، له دخل ثابت ، يسكن بيتاً مريحاً ، له مركبة مريحة ، أمره نافذ ، اتصالاته جيِّدة ، معارفُهُ كُثُر ، أتباعه كثيرون ، يأتيه ملك الموت وهو في هذه اللحظة من النشوة ليأخذ منه كل شيء في ثانيةٍ واحدة ، المنافق إنسان بلا هدف أُخروي ، وإنسان بلا مستقبل ، وأوضحُ مثلٍ هذا المثلُ .

بذل الجهد المضني إلى أن أضاءت ما حوله ، استمتاعه بها لسنوات معدودة ، وهذه الدنيا أمامكم ، من دون مفاجآت ، حتى يصل الإنسان إلى الحد المعقول يحتاج إلى أربعين عاماً من حياته ، ماذا بقي له من حياته حسب متوسط العمر في الدنيا ؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين .))

[الحكيم عن أبي هريرة]

كل سنة يعيشها بعد الستين مَكْسَب ، عندما يبلغ عمره الستين عاماً يشعر بأنه قد يفاجأ بالموت في كل لحظة ، وقد يموت وعمره خمسون عاماً ، ففي أحسن الاحتمالات بعد الستين ، أصبح احتمال الموت بعد الستين قائماً في كل لحظة ، ماذا استمتع من حياته ؟ عشرون سنة . ضيَّع الأبد بعشرين عاماً مشحونة بالمتاعب والخصومات والدعاوى ، انظر إلى قصر العدل عشرات بل مئات الألوف من الدعاوى ، هناك دعاوى بين الناس وهناك خلافات أسرية ، وخلافات تجارية ، وعلل بصحته ، وهو يطلب الدنيا بكل ما يملك ، هذا حال المنافق .

 

  Text Box: معان متعددة لآية (استوقد ناراً) :

 

1ـ المعنى الأول أن المنافق يريد من النار أن تضيء له حياته ليكون سعيداً :

أراد المنافق من النار ضوءها طبعاً ، قد تُريد النار من أجل الدفء ، وقد تُريدها من أجل طهو الطعام ، وقد تُريدها من أجل النور . هنا أراد الله عزَّ وجل أن يبيِّن لنا أن المنافق يريد من النار أن تضيء له حياته ، أن تكون حياته سعيدة ، فيها بهجة ، فيها عِز ، فيها فخامة ، فيها رفاه ، وكم من بيتٍ فخمٍ لم يسكنه صاحبه ، وكم من مركبةٍ فارهةٍ ركبها أياماً معدودة ، ثم فاجأه ملك الموت ، هذا الذي يجعل كل مكتسباته محصورة في الدنيا ، يقامر ويغامر .

المؤمن له مستقبل ، والمؤمن يأتيه ملك الموت ، ولكن يأتيه ملك الموت وله عند الله رصيدٌ كبير ، قدَّم ماله أمامه فسهُل عليه اللحاق به ، رصيده عند الله كبير ، استقامته ، وطلبه للعلم ، وعمله الصالح ، ونفعه للمسلمين ، صدقه ، وأمانته ، وتربية أولاده ، هذه كلها أرصدة هائلة مودَعَةٌ له في الآخرة ، فإذا فاجأه الموت يقول له : مرحباً ، الموت تحفة المؤمن ، الموت عرس المؤمن ، لا تكن أيها الأخ الكريم كالذي وضع كل إمكاناته في الدنيا ، هذه الإمكانات العالية في الدنيا تُنهيها جلطة ، تنهيها سكتةٌ قلبيةٌ مفاجئة ، تنهيها خثرةٌ دماغية ، ينهيها نمو الخلايا العشوائي ، أما الذي له عند الله رصيدٌ كبير من العمل الصالح ، ومن الانضباط الشرعي ، ومن الدعوة إلى الله ، لو جاءه الموت ، الموت تحفته ، الموت عُرسه .

2ـ المعنى الثاني رفض المنافقين لدعوة النبي التي كانت ستوصلهم للسعادة في الدنيا والآخرة :

المعنى الثاني في هذه الآية أن اليهود كانوا يتحدَّوْنَ المنافقين قبل مجيء الرسالة النبوية بقولهم : آن أوان مجيء نبيٍ نؤمن به ، فالمنافقون كان عليهم أن يؤمنوا بهذا النبي ليتحدّوا اليهود الذين بشروهم بهذا النبي ، فلما جاء النبي الذي كانوا ينتظرونه ، وكانوا يبحثون عنه ، كي يردوا على كيد اليهود ، وكي يقفوا أمامهم نداً لند ، كذَّبوا به ، فهم استوقدوا ناراً ، فلما أضاءت ما حولهم أذهب الله نورهم الذي كان من الممكن أن يُرْشِدهم إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة برفضهم لدعوة هذا النبي .

3ـ المعنى الثالث أنهم كفار حقيقة لكن مصالحهم تعلقت بالمؤمنين فأظهروا ما لا يبطنون :

هناك معنى ثالث : أن هؤلاء المنافقين هم في الحقيقة كُفَّار ، ولكن مصالحهم تعلَّقت بالمؤمنين ، فأعلنوا إسلامهم ، وأخفوا كفرهم ، وهم أرادوا الدنيا فقط ، هؤلاء انتفعوا بكفرهم ، ولكنهم يختلفون عن الكافرين بأن لهم مصالح مع المؤمنين ، فأظهروا ما لا يُبطنون ، وأعلنوا ما لا يُسِرُّون ، والدليل على ذلك :

هذه منافذ الإيمان .

 

Text Box: الاستماع الذي أراده الله هو الذي يعقبه تطبيق :

 

صممٌ أَصَم لا يسمع .

( سورة ق)

الإنسان إذا أصغى :

 ( سورة التحريم )

 المؤمن يصغي إلى الحق لكن المنافق لا يصغي ، قد يجلس في مجلس علم ، لأنه على موعد مع شخص ، قال له : نلتقي في الجامع ، يجلس ، ويستمع إلى الدرس كُلِّه ، ولا يفقه منه شيئاً ، لأنه ليس هناك ، هو في واد والدرس في واد آخر ، ﴿ صُمٌّ ، وقد تجلس وتحدِّثه عن الله يتثاءب ، ويتشاغل ، ذهنه في أسعار العملات ، في الصفقات ، في الدرهم والدينار ، في النساء ، فإذا حدَّثته حديثاً مصيرياً وخطيراً فأنت في واد وهو في وادٍ آخر ، ﴿ صُمٌّ ، لذلك أهل النار يوم القيامة يقولون :

 ( سورة الملك)

لا يرى القرآن الكريم أن الاستماع هو أن تُعْطي أذنك للقائل ، الاستماع الذي أراده الله هو الذي يعقبه تطبيق .

 

  Text Box: صفات المنافقين :

 

قال تعالى :

 ( سورة الأنفال )

مصيبةٌ كبيرة أن يأتي الإنسان إلى درس علم وأن يسمع كلاماً خطيراً مُتَعَلِّقاً بمصيره وأن لا يأبه له ، هو لم يسمع شيئاً هذه علامة الأصّم .

 ( سورة فصلت)

المنافق أصم .

لا يسأل ، لأن الأمر لا يعنيه إطلاقاً ، ولا ينطق بالحق ، هو لا ينطق بالحق من باب أولى ، وهو لا يسأل ، لأن لسانه لا يستخدمه إلا للدنيا ، للغيبة والنميمة ، للحديث عن النساء ، للحديث عن مظاهر الدنيا .

لا يرى الحقائق ، لا يرى الآيات الدالة على عظمة الله ، لا يرى أفعال الله عزَّ وجل التي تهتز لها القلوب .

كيف يرجعون وهم على ما هم عليه من الصمم ، من الخَرَس ، من العَمَى ؟!!

 

  Text Box: يأتي الموت في وقت غير مناسب أبداً وغير متوقَّع وهذا من حكمة الله عزَّ وجل :

 

أول معنى في هذه الآية : أن المنافق يبحث عن الدنيا ، ولا يعنيه إلا الدنيا ، لا يعنيه من الدنيا إلا الدِرهم والدينار ، جَمَعَ الدرهم والدينار ، اشترى البيت الفخم ، والمركبة ، ورَفَّه نفسه رفاهاً عالياً جداً ، ثم يفاجأ أن كل هذا التَعَب ذهب أدراج الرياح .

قال لي طالب : لي خال عنده دار سينما ـ القصة قديمة جداً والقصة بالستينات على ما أظن ـ قال لي : جمع خمسة ملايين بالستينات ـ أي ما يعادل تقريباً خمسمئة مليون حالياً ـ من أجل أن يعيش خريف عمره في بحبوحةٍ كبيرة ويستمتع بالدنيا ، جاءه مرضٌ خبيث وهو في سن مبكر فصار يبكي وهو على فراش الموت ، قال لابن أخته وهو طالبٌ عندي : جمعت هذا المال من طريق غير مشروع لأستمتع به فلم يتح لي أن أستمتع به . هذه قصةٌ متكررة .

أيها الأخوة الكرام ، المنافق يسعى للدنيا :

(( حُبُّك الشيء يُعمي ويصم .))

[أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء]

الدنيا تغرٌ وتضّرُّ وتمر ، سأروي قصة رمزية ذكرتها لكم كثيراً ، أن إنساناً أراد أن ينتحر جاءه ملك الموت ودلَّه على طريقةٍ يغتني بها ، أصبح هذا الرجل غنياً جداً ، ثم أُتيح له أن يتزوَّج ابنة الملك وأصبح صهر الملك ، فاجأه ملك الموت وهو في يوم عُرْسه ، قال له : تأخذني الآن !! ليتك أخذتني من قبل ، يوم كنت مزمعاً أن أنتحر من أجل الدِرهم والدينار ، يأتي الموت في وقت غير مناسب أبداً ، في وقت غير متوقَّع ، وهذا من حكمة الله عزَّ وجل ، المؤمن مستعد للقاء الله عزَّ وجل ، أهلاً وسهلاً ، أناسٌ كثيرون من أهل الإيمان يأتيهم ملك الموت ، وهم في أحلى حالاتهم ، وهم على شوقٍ له .

كيف يرجعون ؟ أدوات الرجوع مُعَطَّلة ، أداة السمع الأذن صمَّاء ، أداة رؤية الآيات عليها غشاوة ، أداة طلب العلم مُعَطَّلة ، هذا الصنف من المنافقين كفار .

  Text Box: الصنف الآخر من ضعاف النفوس الذين تحدث عنهم القرآن :

 

أما الصنف الثاني الذين ضَعُفَت نفوسهم أو اشتبهت عليهم الأمور هؤلاء منهم خير .

هذا الدين كهذا السحاب كُلُّه خير ، يقول لك : سحابة تحمل ثلاثمئة مليون طن من الماء سوف تنزل على الأرض ، سوف تصبح الأرض عُشباً أخضر ، محاصيل ، أشجار مثمرة ، ينابيع فوَّارة ، الماء هو أساس الرزق .

لكن هذا السحاب يَحْجُب أشعة الشمس ، أيام الشتاء غائمة ، وقد يسمع الإنسان صوت رعدٍ فينخلع قلبه ، وقد يرى ضوء برقٍ فيخطف بصره ، ما رأى المنافقون ما في هذه السحابة من الخير ، أزعجهم الغيم الذي حجب أشعة الشمس ، أزعجهم صوت الرعد ، أزعجهم وميض البرق ، هذه أزعجتهم فرفضوا هذه السحابة ، هناك في الإسلام غض بصر ، فيه دفع زكاة ، فيه ضبط لسان ، فيه قواعد ، فيه صلوات ، فيه صيام ، فيه انضباط ، أزعجتهم هذه التكاليف فرفضوا كُلَّ الدين .

 

Text Box: ضعاف النفوس يريدون من الإسلام مكاسبه لا متاعبه :

 

الذي يُمَيِّزُهم عن الأولين هو قوله تعالى :

هؤلاء يريدون من الإسلام مكاسبه لا متاعبه ، يريدون المغانم لا المغارم ، يريدون أن يعتزّوا بالإسلام ، أن يقطفوا ثماره دون أن يدفعوا الثمن ، هؤلاء حالهم مع الإسلام :

الإسلام فيه تكاليف ، لذلك تخفف الفِرَق الضالة دائماً التكاليف ، هذه قاعدة ، تؤلِّه الفرق الضالة الأشخاص ، تعتمد النصوص الموضوعة والضعيفة ، ذات نزعة عدوانية .

  Text Box: الفرق بين المؤمنين وبين ضعاف النفوس :

 

المؤمن يُصلي الفجر حاضراً ، يقرأ القرآن ، يضبط لسانه ، ينفق من ماله ، يُرَبِّي أولاده ، يجهد ، ولكن هناك نموذجاً آخر هو نموذج مستمتع بالحياة ، هناك إنسان يُعطي وإنسان يأخذ ، إنسان يسترخي وإنسان يجهد .

 ينخلع قلبه لذكر الموت ، هناك أُناسٌ يكرهون القرآن ، لماذا ؟ لأنه يُتلى في مناسبات الحُزن ، كأن القرآن يذكِّرهم بالموت ، هناك أناسٌ يكرهون بعض النباتات لأنها توضع على القبور ، يكرهون كل شيءٍ يذكِّرهم بالآخرة من شدة تعلُّقهم بالدنيا ، حتى أنك لا ترى في بعض البلدان جنازة إطلاقاً ، من المستشفى بسيارة إسعاف إلى المقبرة لا ترى فيها نعياً على الجدران ، بلادٌ كثيرة إسلامية النعي فيها ممنوع ، الجنائز ممنوعة ، لا ترى الموت على الإطلاق ، ترى حياة ، لكننا نحن نستمع أحياناً إلى إعلام في المئذنة يذكرنا بالموت ، نقرأ النعي كل يوم ، نرى جنازة أمامنا ، فالإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام :

 (( أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات )) .

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 (( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به )) .

[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

هذا الذي يريد من الإسلام المغانم ، إذا كان هناك احتفال ، أو نزهة ، أو توزيع شيء هو أول شخص يأتي ، إذا كان هناك تكليف هو ليس هنا ، يريد المكاسب لا المتاعب ، المغانم لا المغارم ، يريد قطف الثمار لا بذل الجهد .

  Text Box: ضعاف النفوس ليس عندهم قيود أبداً فهم ضد الضبط وضد المَنْهَجِّية لأنهم لا يحتملونها :

 

يحتاج الإسلام أحياناً إلى جهد ، وإلى قوة إرادة ، وإلى ضغط ، لا يعجبه الجهد المبذول ، ولا الضغط الشديد ، بل يعجبه التفَلُّت ، يجلس المنافق مع من يشاء ، أنثى أو ذكر ، متزوجة أم غير متزوجة ، تحل له أو لا تحل له ، ليس عنده مشكلة إطلاقاً ، ينظر إلى أي شيء ولا فرق عنده بين شيء يجوز أن يراه وشيء لا يجوز ، يقول لك : نتعلم ، يُطلق بصره في كل شيء ، يتكلَّم أي شيء ، لا يوجد عنده قيود أبداً ، هو ضد الضبط ، ضد الإرادة القوية ، ضد المَنْهَجِّية لأنه لا يحتملها .

 

 يحب ألا يسمع الكلام الذي يُزعجه ، يضع إصبعه في أُذنه ، وهذا واقع ، تتحدث حديثاً عن الآخرة تجده يتثاءب ، اعتذر لأن عنده موعد ، اجعل الحديث عن الدنيا تجده جلس معك حتى الساعة الواحدة ، ولم يقل لك : عندي موعد ، ما دام الحديث عن الدنيا هو مصغٍ إليه ، كتلة نشاط وحيوية ، حدثه عن الآخرة تجده تململ وتثاءب وتأفف واعتذر .

يظنون إذا تجاهلوا ذكر الموت ، وإذا تجاهلوا الدار الآخرة ، أنهم لا تصيبهم الآخرة ولا يموتون ؟

  Text Box: هناك قوانين واقعةٌ عليك وإن لم تؤمن بها :

 

هذه نقطة مهمة جداً ، توجد قوانين هي واقعةٌ عليك وإن لم تؤمن بها ، مطبقةٌ عليك شئت أم أبيت ، وأقرب مثل : قانون السقوط ، السقوطُ الحرّ له قانون ، مظلة الطائرة مبنية على هذا القانون ، فإذا سخر الإنسان من هذا القانون ، واحتقر هذا القانون ، ولم يعبأ بهذا القانون وكذَّب هذا القانون ، وألقى بنفسه من الطائرة ، القانون لا يُطَبَّقُ عليه ؟ إذا كذَّب بقانون السقوط هل ينزل سليماً بلا مظلة ؟ ينزل ميتاً ، يعني سيَّان أن تؤمن أو لا تؤمن ، أن تعترف أو لا تعترف ، أن تصدق أو لا تصدق ، القانون مُطَبَق . هو لا يحتمل سماع الحق ، لا يحتمل التذكير بالآخرة ، لا يحتمل ذكر الموت ، يجعل أُصبعه في أُذنيه لئلا يصل إليه الحق لكن الله محيطٌ به ، إذاً فهو غبيُّ جداً ، كالنعامة إذا غَمَسَت رأسها في الرمل ، ظنَّت أن الخطر لن يقترب منها ، مع أنها أصبحت لقمةً سائغة لعدوها ، حينما غمست رأسها في الرمل غاب عنها منظر عدوها ، فتوهمت أن عدوها اختفى ، هي أخفت رؤيته عن ذاتها ، فكانت لقمةً سائغة لعدوها ، هذا الحال دقيق جداً :

ذكر الجنة ـ الحور العين ـ يقول لك : الله يطعمنا إياها ، الحور العين تعجبه :

(سورة التحريم : آية "8" )

تُعجبه :

 ( سورة آل عمران )

تعجبه ، إذاً ادفع الثمن .

 

Text Box: وصف دقيق للإنسان غير المتوازن كما ورد في القرآن الكريم :

 

قال تعالى :

تكون تجارته أحياناً رائجة تماماً ، صار يحب الدين ، ويحب العلم ، والمشايخ ، والدروس لأن تجارته رائجة ، عندما تتوقف تجد أن وضعه اختلف ، تضعضعت صلاته ، ضعفت ثقته بالله ، تلاشى أمله الكبير ، فهذا الذي يسير كلَّما أضاء له البرق ، وإذا أظلم عليه لم يسر ، فهذا إنسان غير متوازن ، وهذا وصفٌ دقيقٌ لهذا الإنسان :

المنافق :

 ( سورة الحج)

 

  Text Box: المنافق يميل مع مصالحه و المؤمن لا يبدل ولا يغير :

 

 المؤمن لا يُغيِّر :

( سورة الأحزاب)

المؤمن ما بدَّل ولا غيّر ، ولكن المنافق يميل مع مصالحه ، تجده حيثما تكون مصالحه جيدة ، الآن حتى في أمور الخلافيَّات مثلاً يملك هذا المنافق بيتاً ، هذا البيت لا يخرج منه المستأجر بحكم القانون ، فالطريق مسدود لأن المستأجر محميٌّ ، يلجأ للمشايخ ، ويقول : أنا أريد الشرع ، يريد حُكْمَ الله فقط ، لأنه شعر بالحاسة السادسة أن القانون ليس معه ، بحكم القانون مستحيل أن يخرج المستأجر ، تراه يتَّخذ تديّن المستأجر نقطة ضعف ، فهو يريد حكم الله ، بالأسبوع نفسه موضوع ثانٍ وجد أن الطريق مسدود بالدين صار له مصلحة بالقانون ، يوكّل محامياً ، يقول لك : نحن في دولة فيها نظام وقانون ، اختلف النغم ، قبل يومين كان يريد الشرع والآن يريد القانون ، إنه يلحق مصالحه ، ويوجد عنده قدرة لمعرفة أين تتحقق مصلحته ، إذا كانت مصلحته تتحقق بالشرع فإنه يُحكِّم المشايخ ، وإذا كانت مصلحته لا تتحقق عن طريق الدين فإنه يحكِّم المحامين والقضاة ، فهو يميل مع الهواء أينما مال .

  Text Box: الفرق بين المنافقين وبين ضعاف النفوس :

 

إذا نجح ابنه بتفوق فإنه يحب الجامع الذي فيه ابنه ، وشيخ ابنه ، ويقول له : يا بني خذ أخاك معك إلى الجامع ، وإذا رسب ابنه عزا كل أخطاء ابنه للشيخ والجامع ، الجامع ليس له علاقة بالموضوع ، ابنك هو المقصِّر ، لا يوجد عنده حل موضوعي ، إنه يميل مع مصالحه .

هم بقية خير ، لذلك منافقون كُثُر في عهد النبي حَسُن إيمانهم ، هناك نموذج كافر ينتفع بكفره ، لكن مصلحته مع المؤمنين فيظهر ما لا يُبطن هذا أول قسم :

يوجد صنف ثانٍ : ضعفت نفسه أمام شهواته ، واختلط الأمر عليه ، فمال مع شهواته وله ثقةٌ بالمؤمنين فهو لا مع هؤلاء ولا مَعَ هؤلاء ، إذا وجدت مع المؤمنين ميزات تهمُّه مشى ، وإذا حدثت متاعب اختفى ، يعني أيّ خطر يلغي كل تديّنه ، قد يدعُ الصلاة إذا كان شعر أن هناك خطر من هذا الاتجاه الذي هو فيه ، أما المؤمن لا يغير :

 ( سورة الأحزاب)

 

  Text Box: آية المنافق ثلاث :

 

أيها الأخوة آية المنافق ثلاث :

(( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )) .

[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ )) .

إذا تاب عن الكذب أُزيلت منه إحدى صفات النفاق .

(( وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ )) .

إذا تاب عن إخلاف الوعد أُزيحت عنه إحدى صفات النفاق .

(( وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )) .

إذا تاب عن خيانة الأمانة أُزيحت عنه صفةٌ ثالثة ، لا يوجد شيء ثابت ، طبعاً أول قسم من المنافقين مُخيف ، أول قسم كافر ، أما القسم الثاني فيه أمل كبير فإذا كان فيه خطأ أو تقصير ، فيه ازدواجية ، فيه سر وجهر يُصَلَّح هذا ويُبَدَّل . لذلك كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله وهم على ما هم عليه من مرتبةٍ عالية كان أحدهم يتهم نفسه بالنفاق ، واتهام النفس بالنفاق حالةٌ صحيةٌ طيبة ، لأن المنافق يعيش أربعين عاماً في حالٍ واحد ، بينما المؤمن يطرأ عليه في اليوم الواحد أربعون حالاً . يكون أحياناً مرتاحاً ومطمئناً ، ويكون أحياناً قلقاً ، أحياناً خائفاً ، تَعْتريُه هذه الأحوال ، دليل إيمانه ، ودليل صدق إيمانه ، ودليل حرصه على رضوان الله عزّ وجل .

أيها الأخوة الكرام ، مطلع هذه السورة مهمٌ جداً لأن الناس رجلان ؛ مؤمن وكافر ، أما الثالث فمحيِّر ، تظنه مؤمناً ، وهو ليس كذلك ، وهذا الصنف الثالث بعضهم منتمون إلى الكُفَّار قطعاً ، وبعضهم يمكن أن يصلح حالهم ، وأن يعودوا إلى صف المؤمنين ، ولا أدَلَّ على ذلك من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفضح المنافقين ، بل سترهم ، لكنه أعطى أسماءهم لسيدنا حذيفة رضي الله عنه ، والشيء الذي لا يصدَّق أن سيدنا عمر عملاق الإسلام قال له : يا حذيفة بربك هل اسمي مع المنافقين ؟ من شدة خوفه من الله ومن شدة حرصه على رضوان الله .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi