English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة "2" : الدرس 13ـ الآيات : [23-25] ـ العلم والعمل طريقا الجنة ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثالث عشر من سورة البقرة .

 

  Text Box: (إن) تفيد احتمال الوقوع ، أما (إذا) تفيد تحقق الوقوع :

 

مع الآية الثالثة والعشرين والتي تليها ، يقول الله سبحانه وتعالى :

 (إن) أيها الأخوة تفيد احتمال الوقوع ، أما (إذا) تفيد تحقق الوقوع :

 ( سورة النصر )

لا بدَّ من أن يأتي نصر الله :

 ( سورة الحجرات : آية " 6 " )

قد يأتي وقد لا يأتي ، فـ (إن) : تفيد احتمال الوقوع ، و(إذا) تفيد تحقق الوقوع :

الريب : هو الشك ، لماذا يرتاب كفار مكة برسالة النبي ؟ مع أن أعداء النبي عليه الصلاة والسلام وصفوه بالصادق والأمين ما جربوا عليه كذباً قط ، أيعقل ألا يكذب على الناس ويكذب على الله ؟ كان المشركون يضعون عنده مالهم ، يثقون به إلى درجةٍ أنه لمَّا هاجر أبقى ابن عمه علي ابن أبي طالب ليردَّ الأموال إلى أصحابها ، فهو عندهم أمين ، وهو عندهم صادق ، وكان اسمه في قريش : الأمين ، فلماذا يتهمونه بهذه الرسالة ؟ ويقولون عنه إنه كاذب ؟ وهو لم يتلقَّ علماً قط :

 (سورة العنكبوت)

أتى بكلامٍ معجز لا يستطيع أن يأتي بمثله فصحاء العرب ، فمن أين جاءهم الريب ؟ قال بعض العلماء : هذا ريبٌ نفسي وليس ريباً عِلمياً ، كانوا يتمَنَّوْن أن ينزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم ، هم لهم مقاييس ، مقاييسهم المال والجاه ، ولكن مقاييس الله عزَّ وجل غير مقاييس البشر ، وهذا معنى دقيق نحتاجه اليوم .

 

  Text Box: المراتب عند الله تنالها بالعلم والعمل فقط :

 

في كل مجتمع يوجد أشخاص أغنياء ، أشخاص أقوياء ، أشخاص وجهاء ، هؤلاء قمم بموازين المجتمع ، ولكنهم قد لا يكونون كذلك عند الله :

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين ، مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبره )) .

[ أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]

أنت قد تكون عبداً ذا دخلٍ محدود ، ليس لك شأنٌ كبير ، لا أحد يفتقدك إذا غبت ، ولا أحد ينتبه إليك إذا حضرت ، هؤلاء سمَّاهم النبي الأتقياء الأخفياء : إذا حضروا لم يعرفوا ، وإذا غابوا لم يفتقدوا :

(( إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يدعوا  ))

[ابن ماجة عن معاذ]

 ومع ذلك قد تكون عند الله بمنزلةٍ عاليةٍ جداً ، هم أرادوا هذه النبوَّة لرجلٍ من القريتين عظيم ، له مالٌ وفير ، وشأنٌ كبير ، ونسبٌ عريق ، ولكن الله سبحانه وتعالى يرفع من عباده من يشاء ويخفض من يشاء ، فالبطولة أيها الأخوة أن تكون عند الله ذا مرتبةٍ عالية ، المراتب عند الله تنالها بالعلم والعمل فقط :

 ( سورة الزمر : آية " 9 " )

وقال :

 ( سورة المجادلة )

وقال :

 ( سورة الأنعام : آية " 132 " )

 

  Text Box: معنى الحكمة :

 

عند الله مقياسان فقط ؛ مقياس العلم ومقياس العمل ، دقق النظر والفكر :

 ( سورة البقرة )

الحكمة خير كثير ، يصف الله العظيم جلَّ جلاله هذا الخير بأنه كثير ، ما الحكمة ؟ الحكمة بالتعريف الجامع المانع أن تعرف الحقيقة وأن تعمل وفقها ، إن عرفتها ولم تعمل وفقها فلست حكيماً ، أنت عالم ، متعلِّم ، مثقف ، ولكنك لا تكون حكيماً إلا إذا تطابق السلوك مع ما تعرف من العلم ، إذا تعلَّمت وانتفعت بما تعلَّمت ، إذا عرفت وجاء السلوك اليومي موافقاً لهذه المعرفة ، إذا عرفت الحقيقة الكبرى وجاءت الحركة اليومية موافقةً لهذه الحقيقة فأنت حكيم .

 ( سورة البقرة )

بنص القرآن الكريم :

 ( سورة البقرة )

 

Text Box: الإنسان ينتفع بالحكمة إلى أبد الآبدين ولكنه لا ينتفع من المال الكثير إلا بالقليل :

 

ما هو خير الدنيا ؟ شخص معه ألف مليون ، عنده خمسمئة دونم ، عنده بيوت لا يعلمها إلا الله ، عنده أموال منقولة وغير منقولة ، عنده أرصدة بالبنوك الأجنبية بالمليارات . قال الله تعالى :

 ( سورة النساء : آية " 77 " )

وازن بين الآيتين :

 ( سورة النساء : آية " 77 " )

متاع قليل لأنه منقطع بالموت ، يأتي الموت فلا يَدَعُ لك شيئاً إلا أمتاراً من أرخص أنواع الأقمشة ، خام ، غير مقصور ، أسمر ـ هذا هو الكفن ـ لا تأخذ معك شيئاً ، لذلك فالشيء المنقطع غير كثيرٍ ، ولو ضاقت عنه الدنيا ، لأنه منقطع ، الآيتين :

 ( سورة النساء : آية " 77 " )

وقال :

 ( سورة البقرة )

إنك تنتفع بالحكمة إلى أبد الآبدين ، ولكنك لا تنتفع من المال الكثير إلا بالقليل ، ما تأكل ، وما تشرب ، وما ترتدي من ثياب ، سرير تنام عليه ، بيتٌ يؤويك .

 

  Text Box: العبرة أن تكون عند الله كبيراً :

 

سأل ملك جبار وزيره ذات مرة : من الملك ؟ فانخلع قلب الوزير وقال له : أنت الملك ، هل في الأرض ملكٌ غيرك ؟ قال له : لا ، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه ، إنَّه إن عرفنا جَهِدَ في استرضائنا ، وإن عرفناه جَهِدْنا في إحراجه ، فالملك بالمفهوم الدقيق هو الذي عرف الله وكان مستقيماً على أمره فوعده الله بالجنة.

 (سورة القصص)

هم يتمَنَّوْن أن تكون هذه النبوة لرجلٍ من القريتين عظيم بمقياس الأرض ، ولكن الله سبحانه وتعالى أعطاها لإنسانٍ صادقٍ ، أمينٍ ، محبٍ ، مخلصٍ ، مطيع ، فكل بطولتك أن تكون وفق مقاييس الله عزَّ وجل إنساناً مقبولاً عند الله ، فهذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله ، وهذا الموظَّف البسيط الذي يخدم الناس ولا يبتزُّ أموالهم ، ولا يوقعهم في حرجٍ شديد ، ولا يعقِّد عليهم الأمور ، قد يكون في أدنى مرتبة في الدنيا ، ولكنه عند الله كبير ، هذا التاجر الصدوق الذي يعلِّم الناس درساً في الورع والاستقامة والصدق والأمانة إنه عند الله كبير ، إنسان له دخلٌ محدود يسعى لنشر الحق هو عند الله كبير ، العبرة أن تكون عند الله كبيراً ، كان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : " اللهم أرني بعين نفسي صغيراً ، وبأعين الناس كبيراً ".

هناك أشخاصٌ كثيرون هم عند الناس صغاراً لكنهم عند أنفسهم كُبَاراً ، هذا مرض العُجب والكِبر .

 

  Text Box: أعلى مرتبة في الدين مرتبة العبودية لله وهي التي وصل إليها النبي الكريم :

 

أيها الأخوة :

أعلى مرتبة في الطب أن تحمل بورد ، أو ( إف آر إس ) من بريطانيا ، أو (أكريجيه ) من فرنسا ، هذه أعلى شهادة بالطب ، أعلى شهادة في الآداب أن تحمل دكتوراه دولة وتأخذ عليها جائزة نوبل مثلاً ، هذه مراتب الدنيا ، رجل ألَّف إنتاجاً أدبياً فقُدِّر عالياً إلى درجة أنه منح عليه جائزة نوبل ، لكن يا ترى ما هي أعلى مرتبة عند الله عزَّ وجل ؟ أعلى مرتبة في المال أن يكون معك آلاف الملايين بالعملات الصعبة الغالية جداً ـ آلاف الملايين ـ الذي اخترع الكمبيوتر ويقود الآن صناعة متفوقة فيه ، حجمه المالي الآن ثلاثين مليار دولار ، هذه مرتبة مالية عالية ، وهناك مرتبة علمية كأينشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية ، وهناك مرتبة إدارية كالذي يتربَّع على عرش أقوى دولة في العالم هو في قمة هذا المجتمع ، لكن ما هي أعلى مرتبة في عالم الدين ؟ أعلى مرتبة هي التي وصل إليها النبي ، مرتبة العبودية لله ، أن تكون حقاً عبداً لله :

أنت في أعلى درجة عند الله حينما تكون عبداً له ، معنى عبد : انصياعٌ كامل ، حبٌ كامل ، إخلاصٌ كامل ، رضى بقضاء الله وقدره ، طُمأنينة إلى وعد الله :

 ( سورة الأحزاب )

 

  Text Box: الله عزَّ وجل وليّ دينِهِ وهو ينصره دائماً بطريقةٍ أو بأخرى :

 

كان سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة ملاحَقاً وقد هُدِرَ دمه ، ووضعت قريش مئة ناقة مكافأة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، لحقه سُراقة ليقتله ، وليأخذ المئة ناقة ، فقال له النبي ـ وإذا كان هناك للدعوة الإسلامية في عهد النبي خطٌ بياني ، كان هذا الخط في نهايته الدنيا ، أي في أصعب مرحلةٍ مرَّت بها الدعوة ، النبي بين مكة والمدينة مهدورٌ دَمُهُ ، مُلاحُق ، مئة ناقةً لمن يأتي به حياً أو ميتاً ـ قال له : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ معنى ذلك أن النبي واثق أنه سيصل إلى المدينة سالماً ، وسيُؤسس دولةً هناك ، وسيحارب الفرس ، وستأتيه كنوز كِسْرَى ، ووعد سراقة أن يلبسه سواري كسرى .

انظر إلى الثقة بوعد الله عزَّ وجل ، وعدك الله بالنصر ، وكلما كان إيمانك قوياً فإنه لا يتزعزع ولو سمعت ألف خبر ضد الإسلام ، هذا الدين دين الله ولن يتخلى عنه أبداً ، ولكن أرجو الله أن يكسبني الشرف فأكون جندياً له ، القلق دربي من باب واحد هو خوفي ألا يسمح الله لي ألا أكون جندياً للحق ، ألا يقبلني جندياً من جنده ، أما هذا الدين فهو دينُه ، وهو ناصره ، وربنا عزَّ وجل قد ينصر دينه بالرجل الفاجر ، وأحياناً يُسَخِّر أعداء الدين لخدمة الدين ، ولربما تَنْبُع الدعوة من بلدٍ يحارب الدين ، وهذا الذي يحدث الآن في أوروبا وأمريكا ، إذ يزداد الوعي فيهما ، ويدخل الناس في الإسلام أفواجاً ، يصلون إلى مراتب عُليا وهم مسلمون ، وهذا الذي يُقْلِقُ الغرب ، يقولون : في عقر دارنا أناسٌ من جنسنا مثقَّفون أعلى ثقافة ، يحتلون أعلى المناصب يسلمون !! الله عزَّ وجل وليّ دينِهِ وهو ينصره دائماً بطريقةٍ أو بأخرى ، ولكن اِقلق إن لم يسمح الله لك أن تنصره ، أو أن تكون في عداد جنده ، لأن الله عزَّ وجل عزيز :

 ( سورة محمد )

 

Text Box: معرفة الله و طاعته تثمر إيماناً وتقوى :

 

هذه الأمة العربية التي شرَّفها الله بالرسالة ، وجعلها أمةً وسطاً ، إذا قَصَّرت في مهمتها سخَّر الله أمةً أخرى ، نحن شرّفنا ربنا بأن جعلنا في أشرف المواقع بين الأمم ، وجعل النبي محمداً صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وحبيب الحق من جنسنا ، تجد إنساناً غير عربي اللسان يقف في الصلاة ويبكي خاشعاً ولعله لا يفهم شيئاً من التلاوة ـ لأن لغته ليست عربية ـ يُسأل : لماذا تُصَلِّي أو تحضر هذه الصلاة الجهرية في المسجد وأنت لا تفهم شيئاً ؟ يقول : ماذا يفهم الطفل الرضيع وهو على صدر أمِّه ؟ يمصُّ ثدييها ، وتضمُّه بيديها إلى صدرها وتغمره بحنانها ، ماذا يفهم من كلامها ؟ لا يفهم شيئاً ، لكنَّه في قمة السعادة ، مثله مثل الطفل ذاك ، فهذا يصلي ولا يفهم ماذا يُتلى في الصلاة ولكنه سعيد بقربه من الله سعادة الطفل بقربه من أمه ، ونحن لغتنا عربية نستمع إلى القرآن صباح مساء ، نصلِّي خلف الإمام فنفهم قراءته ، أيكون هذا الذي لا يتقن العربية أقرب إلى الله منا ؟!!

يا أيها الأخوة ، القضية مصيرية والأمور واضحة جداً ، هناك في هذا الْكَون حقيقة واضحة جداً ، حقيقة واحدة هي الله ، كل من اقترب من هذه الحقيقة شعر بالأمن ، شعر بالطُمأنينة ، شعر بالرضا ، شعر أن المستقبل له ، شعر أن الدنيا صغيرةٌ جداً لا تستأهل أن نهتم لها :

((إنما الدنيا عرض حاضر يصيب منها البر والفاجر وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر ))

[الحسن بن سفيان والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس]

 (( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء))

[الترمذي عن سهل بن سعد]

قال لي شخص : مساحة بيتي سبعمئة متر ، تجد فـي هذا البيت كلُّ ما تتمنى ؛ حدائق ، شرفات ، أبهاء ، أثاث فخم جداً ، كل وسائل العصر في هذا البيت ، أجبته : هذا النبي الكريم الذي هو سيِّد ولد آدم ، سيد الخلق وحبيب الحق ، كان إذا أراد أن يصلِّي قيام الليل ، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته ، فكانت تنزاح جانباً كي يصلي ، معنى ذلك أن مساحة البيت ليست مقياساً لسعادة الإنسان ، والدخل ليس مقياساً ، كذلك أحد الصحابة وهو سيدنا مصعب بن عمير كان والده غنياً ، فلمَّا أعلن إسلامه قاطعه أبوه وطرده ولم يعطه من مال الدنيا شيئاً ، كان من أكثر شباب قريش أناقة ، كان من أكثرهم غنىً ، كان شاباً عطراً ، فلما أسلم ذاق ألوان الجوع وألوان العُرِي ، ولما مات رآه النبي وقد كُفِّن بثوب إذا وضع على رأسه انكشفت قدماه ، إذا جرَّ إلى قدميه انكشف رأسه ، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه الدنيا ليست لها قيمة ، قد تكون أمين مستودع ، قد تكون ضارب آلة كاتبة ، قد تكون بمنصب صغير جداً وأنت عند الله كبير ، عند الله مقياس واحد ؛ الذي عَرَفَه وأطاعه معرفة وطاعة أثمرتا إيماناً وتقوى .

 

  Text Box: النبي الكريم عرف الله واستقام على أمره فتبوأ أعلى مرتبة ينالُها إنسان على الإطلاق :

 

اقرأ :

 ( سورة يونس )

عرف الله واستقام على أمره فتبوأ أعلى مرتبة ينالُها الإنسان على الإطلاق ، فكان عبداً لله ، واقرأ قوله تعالى :

 ( سورة النجم )

أين هذا الكلام ؟ عند سدرة المنتهى ، في المرتبة التي لم يصل إليها إلا محمدٌ صلى الله عليه وسلم :

 ( سورة النجم )

وقال :

 ( سورة النجم )

وقال :

 ( سورة الإسراء )

 

  Text Box: الفرق بين العبيد والعباد :

 

قال تعالى :

إذاً حينما تتعبد لله حقاً ترتقي إلى أرقى مرتبةٍ في الكون وهي أن تكون عبداً لله ، لكن الناس كلهم عبيدٌ لله قولاً واحداً ، عبيدٌ لله جميعاً كافرهم ومؤمنهم ، معنى العبودية : أن تكون مفتقراً إلى إمداد الله ، من منا يقول : أنا لست عبداً ؟ إذا لم تكن عبداً أغلق أنفك ، فهل تستطيع ؟ أنت مفتقر إلى هذا النَفَس ، فإذا مُنع عنك الهواء ثلاث دقائق تموت ، لست عبداً ؟ دع الماء أياماً معدودة يوماً أو يومين يموت الإنسان ، لست عبداً ؟ دع الطعام ، وجودك مفتقر إلى ما حولك ، إلى هواء ، إلى ماء ، إلى طعام ، إلى زوجة ، إلى مأوى ، إلى رزق ، إلى مال تشتري به الطعام ، إذاً أنت عبد ، هذا العبد المقهور ليس هو المقصود ، هذا عبد القَهْرِ ، جمعه عَبيد :

 

 ( سورة فصلت : آية " 46 " )

لكن المقصود عَبْدَ الشكرِ ، جمعه عِباد :

 (سورة الفرقان : آية " 63 ")

وقال :

 ( سورة الزمر : آية " 53 " )

 

  Text Box: دليل هذا الكتاب إعجازُه :

 

العباد هم الذين عرفوا الله ، واختاروا طاعته ، وآثروا قربه ، وعملوا لبلوغ جنَّته ، ففرِّق بين العبيد والعباد ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عبدٌ ، عبدٌ لله ، لكنه عبدٌ أتاه بمحض إرادته ، هو عبد الشُكْرِ ، لا عبد القهرِ ، الملحد عبد لله ، بدليل أن وجوده مفتقرٌ للهواء والشراب والطعام ، هو عبد ولكنَّه عبدٌ مقهور ، العبد المؤمن تعَرَّف إلى الله باختياره ، وأطاعه باختياره ، فهو عبد الشكر ، إذاً :

دليل هذا الكتاب إعجازُه ؛ أي نظم القرآن ، صياغة القرآن ، لغة القرآن ، حروف القرآن ، أخبار القرآن ، الحقائق العلمية في القرآن ، المنهج التربوي في القرآن ، أصول العلوم في القرآن ، هذه يَعْجَزُ عنها كلُّ البشر ، لذلك إعجاز القرآن دليل على أنه كلام الله ، وقد كان الدرس الماضي حول إعجاز القرآن الكريم ، هناك إعجاز علمي ، وإعجاز أدبي بلاغي ، وإعجاز إخباري ، إعجاز وصفي ، وإعجاز أدبي ، قال سبحانه :

Text Box: الله عزَّ وجل تحدى البشرية كلها بهذا القرآن :

 

هذا التحدي قائمٌ أبداً ، ومَن يستطيع من بني البشر أن يحكم على المستقبل ؟ هذا مستحيل ، قد يقول أحدهم : أنا أعلم العلماء الآن ، هل يقول أحدٌ في الأرض : أنا أعلم العلماء في هذا الموضوع في المستقبل ؟ هذا كلام غير علمي ، مثل هذا الإنسان يُضْحَكُ عليه ويسخر منه ، قد يتحدَّى الإنسان من حوله ولكنه لا يستطيع أن يتحدَّى من سيأتي بعده ، إلا الله وحده فهو يتحدى لأنه عليمٌ بكل شيء ، لأنه علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن ، لأن الله وحده يعلم السِرَّ وأخْفى يقول :

لن تستطيعوا :

في المستقبل ، معنى ذلك أنه مضى على نزول هذا القرآن أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام ، وتقدّم العلم تقَدُّمَاً يفوق حَدَّ الخيال ، هل في كل علوم الأرض حقيقةٌ مقطوعٌ بها تُصادم آيةً قرآنية ؟ أبداً ، لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لكن يقع المسلمون أحياناً في منزلقٍ مضحك ، يقول لك أحدهم : الحمد لله ، القرآن يوافق العلم ، هذا كلام مضحك ، بل قل : الحمد لله العلم يكْسب وسام شرف حينما يوافق القرآن ، القرآن هو الأصل ، لا تمدحِ القرآن بأنه وافق العلم ، يجب أن تمدح العلم بأنَّه وافق القرآن ، هذا كلام خالق الأكوان ، هذا الكلام الذي لا ريب فيه .

هناك عبارة أقولها لكم كثيراً : فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، كم هي المسافة بين خالق الأكوان وبين هذا الإنسان الضعيف ؟ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، لذلك تحدى الله عزَّ وجل البشرية كلها بهذا القرآن ، ومع ذلك فإنني لم أدخل في موضوع الإعجاز الآخر الرياضي ، هناك بحوث ودراسات والله مذْهِلة ، ملخَّصها أنَّك إذا بدَّلت حرفاً واحداً في كتاب الله يَخْتَل ميزان القرآن الكريم ، حروفه حرفاً حَرفاً بحسابات دقيقة جداً محسوبة لو بَدَّلت حرفاً واحداً ، أو حذفت حرفاً واحداً ، أو أضفت حرفاً واحداً بحيــث لا يختل ميزان القرآن كله ، ولكن لا مجـال للخوض في موضـوع الإعجاز الحسابي والرياضي علماً أن هناك علماء دخلوا في هذا الموضوع ، ولم يكونوا مخلصين فيه فَزَلَّت أقدامهم زلاّتٍ لا تعَدُّ ولا تحصى .

 

  Text Box: أي كتاب يضم حقائق علمية مكتشفة بعد القرآن لا يمكن أن تتعارض مع آيات في كتاب الله :

 

قال :

مثلاً هل يعقل أن عالماً من كبار علماء البحار ، بعد جهدٍ جهيد ، وبعد عمرٍ مديد يكتشف حقيقةً يظنُّ أنه ما سبقه إليها أحد ، وهي أن بين البحرين حاجزاً ، فإذا هي آيةٌ كريمة في القرآن الكريم قبل ألفٍ وأربعمئة عام :

 ( سورة الرحمن )

هناك أخ طبيب أخصائي بالعظام درس في بريطانيا ، درس على أستاذ في علم الأجنة ، يُعَدّ من أكابر علماء عصره ، وله كتاب من كثرة تداوله وشهرته يُسَمِّيه الطلاب : إنجيل علم الأجنة ، لأنه صار كتاباً مقدَّساً عندهم ، كتاب دقيق جداً يدَرَّس في كل الجامعات تقريباً ، وهو أستاذ هذه المادة ومتفوق إلى أعلى درجة ، قال : دخل ذات مرة على طلابه ليقول : ذكرت لكم سابقاً في كتابي مؤكداً أن العظام تتكون بعد اللحم ، ثم تبين لي بشكلٍ لا يدع للشك مجالاً أن القضية بالعكس ، العظم أولاً واللحم ثانياً ، دخل إلى القاعة وهو في أعلى مرتبة في الجامعة وكأنَّه أحدث شيئاً وكأنَّه سَيُلْقي قُنْبُلةً علمية ، فقال : اكتشفت مؤخراً أن العظام تتكون أولاً واللحم ثانياً ، مع أنه خلال عشرين سنة أو ثلاثين سنة كان يؤكِّد أن اللحم أولاً ثم العظام ثانياً ، قام طالب باكستاني وقال له : يا أستاذ هذه الحقيقة جاءت في كتابنا قبل ألفٍ وأربعمئة عام ، قـال لي محدثي : كاد الأستاذ يُصْعَق ، وأخذ يردد : هذا اختراعي ، هذا كشفي ، جاء الطالب بالقرآن الكريم مع ترجمته إلى اللغة الإنكليزية في اليوم التالي :

 ( سورة المؤمنون : آية " 14 " )

ويقال إنه أسلم ، واستعلنت الحقيقة خفّاقة أن أي كتاب يضم حقائق علمية مكتشفة بعد القرآن لا يمكن أن تتعارض مع آيات في كتاب الله التي تتحدث في النقطة ذاتها ، أو الموضوع ذاته .

 

  Text Box: هناك إشارات في القرآن الكريم فيها أصول العلوم :

 

قال تعالى :

بل إن هناك إشارات في القرآن الكريم فيها أصول العلوم ، الذرة :

 ( سورة الأنبياء : آية " 33 " )

تَشَكُّل الجنين :

 ( سورة النجم )

حركة الجِبال :

 ( سورة النمل )

 

  Text Box: قلب المؤمن الكامل فيه تعظيمٌ لله وخوفٌ منه وحبٌ له سبحانه :

 

شيء لا يصدَّق ، قال :

أيّها الأخوة الكرام القرآن متوازن ، يتحدث الخطيب أحياناً عن جهنَّم فيملأ الناس رُعْباً منها ، أو يتحدَّث عن الجنة فقط فيدغدغ أحاسيسهم ويسترخون لكن الأكمل أن تتحدث عنهما معاً ، لماذا ؟ لأن الإنسان يخاف ومع الخوف ينبغي أن يتفاءل ، قال :

(( قال داود فيما يخاطب ربه : يا رب أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك ؟ قال : يا داود أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي الكفين ، لا يأتي إلى أحد سوءً ، ولا يمشي بالنميمة ، أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى عبادي ، قال : يا رب إنك لتعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك ؟ فقال : ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي .. )) . 

[رواه البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس]

ذكرهم بآلائي كي يعظِّموني ، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، ذكرهم ببلائي كي يخافوني ، أي يجب أن تخافه وأن تحبه وأن تعظمه في وقتٍ واحد ، قلب المؤمن الكامل فيه تعظيمٌ لله وفيه خوفٌ منه وفيه حبٌ له ، نِعَمُه تدعو إلى محبته ، ونِقَمُه تدعو إلى الخوف منه ، وآلاؤه تدعو إلى تعظيمه ، فالقرآن متوازن .

 

Text Box: تبشير خالق الكون للمؤمن بالجنة :

 

بعد أن حذَّرنا سبحانه من التكذيب بهذا القرآن جاءت البشرى منه تعالى :

خالق الكون يُبَشُّرك ، والله أيُّها الأخوة لو عقلنا هذه الآية ، لو كنت تعاني ما تعاني ؛ ضيق دخل ، مشكلة أُسرية ، مشكلة صحية ، مشكلة في عملك :

خالق الكون يبشرهم :

هذا الوصف بليغ ، أي أنَّه مكان جميل جداً ، أحياناً يذهب الإنسان إلى بستان جميل ؛ ورود ، أشجار ، مياه ، حدائق ، مروج خضراء ، بيت فخم ، مسبح ، يقول لك مندهشاً : مثل الجنة ، إن الجنة دائمة خالدة ، أما هذه النزهة ربع ساعة ، ساعة ، ساعتين ، نهار ثم يكون ذكرى ، ولكن الجنة إلى الأبد .

 

  Text Box: من معاني الآية التالية أن كل نعيم تناله في الجنة بسبب استقامتك في الدنيا :

 

قال تعالى :

ليست جنة واحدة بل جنات :

هذه الآية لها عدة معانٍ ؛ من أوجه معانيها أن كل نعيم تناله في الجنة بسبب استقامتك في الدنيا ، مثلاً إذا درس إنسان دراسة طويلة جداً ومتعبة جداً ونال أعلى شهادة ، الآن يبدأ القطاف ، الآن له دخل كبير ، مكانة اجتماعية ، راحة كبيرة جداً ، ماذا يقول زميله الكسول ؟ يقول : متى صار فلان في هذه المرتبة العالية ؟ أين كان هو عندما كنت تلعب أنت في الأزقة ؟ عندما درس ثلاثاً وثلاثين سنة ولم يرفع رأسه يوماً وآثر الدراسة على كل حظوظه من الدنيا ، الآن صار في مرتبة عالية ، فهذا الذي تُرزَقه في الآخرة بسبب استقامتك في الدنيا ، أهل الدنيا كلهم يدعونه إلى درس علم يقول لك : مشغول وليس عندي فراغ ، لأي شيء لديك فراغ إذاً ؟ عندي ازدحام أعمال ومواعيد ، يتنصَّل من كل مجلس علم يتعرف فيه إلى الله عزّ وجل ، أما الذي يجلس على ركبتيه ليطلب العلم ، وليعمل بالعلم فإن له عند الله مقاماً كبيراً ، والله عزّ وجل جعل ثواباً لمجالسِهِ حوافز ومكافآت ، قال : "هم في مساجدهم والله في حوائجهم " أما ترضى أيها المؤمن أنَّ يتولَّى الله أمرك ؟

 ( سورة البقرة )

 

  Text Box: المؤمن يرعاه الله ويربيه بينما الكافر كالدابة المنفلتة :

 

والله أيها الأخوة ، هناك آية كريمة في سورة محمد صلى الله عليه وسلم :

 ( سورة محمد )

تصوَّروا ابن في كنف أبٍ كبير ، عالِم ، غني ، مُرَبٍِّ ، أحسن تنشئته ، اعتنى بأخلاقه ، اعتنى بدينه ، اعتنى بصحته ، اعتنى بطعامه ، اعتنى بهندامه ، اعتنى بشهاداته ، اعتنى بمكانته ، راقب تصرُّفاته ، ضبط حركاته وسكناته حتى صار إنساناً ألمعياً ، وهناك شاب بلا تربية ، يمضي وقته بأماكن اللهو ، بأماكن القِمار ، متَّهم بالسرقة ، متهم بالزنى ، مودع بالسجن ، هذا إنسان من دون مربّ ٍ، المؤمن يرعاه الله ويربيه ، عنده قرآن يربِّيه ، عنده جامع يربيه ، تجد المؤمن متميِّزاً ، عنده حياء ، عنده خجل ، في ملابسه حياء ، بحركاته وسكناته ، مزحه لطيف جداً ، نظراته أديبة ، كلامه مضبوط ، عنده خوف من الله ، عنده وفاء بالوعد ، عنده رحمة في قلبه ، عنده إنصاف ، تجد كماله صارخاً :

 ( سورة محمد )

الكافر إنسان كالدابة المنفلتة ، يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام ، أما المؤمن فهو إنسان راقٍ مُعلِّق قلبه وبصره بربه :

  Text Box: معانٍ مستفادة من الآية التالية :

 

لولا أن الله منَّ علينا في الدنيا فعرفناه ، وطلبنا العلم ، واستقمنا على أمره ، وغضّضنا من أبصارنا ، وأقمنا الصلوات ، وحججنا ، وزكينا ، وربينا أولادنا ، وحجَّبنا بناتنا ، وجعلنا بيتنا إسلامياً ، وعملنا إسلامياً ، ودخلنا حلالاً ، وإنفاقنا صحيحاً ، وتوخِّينا العمل الصالح لما وجدنا هنا ، الآن انظر إلى شخص يحمل شهادة عُليا ، بعدما تعب ثلاثاً وثلاثين سنة ، إذا جلست معه يقول لك : والله تعبنا كثيراً ، والله جاءت أيام لم ننم الليل ، كان عندنا أساتذة شديدو القبضة علينا ، تجده يفتخر ويشعر بنشوة أنه تجاوز عقبات كبيرة جداً ، فأهل الجنة في الجنة ، قال تعالى :

المعنى الأول : لولا أنَّ الله منَّ علينا في الدنيا ، وتعرَّفنا إليه ، وكلفنا بعض الشدائد مما حَمَلنا على التوبة ، فجمعنا مع أهل الحق ، وأخذ بنواصينا إلى أن نعمل أعمالاً صالحة ، قرَّبنا ، تجلَّى علينا ، ملأ قلوبنا نوراً ، ملاً قلوبنا حبوراً ، ملأ قلوبنا محبةً له ، حبب إلينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا ، كرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، لولا فضل الله علينا ما كنا في هذه الجنة.

المعنى الثاني : إذا أمسكت تفاحة في الجنة ، هذه تفاحة ، لكن عندما أكلتها فليس هناك نسبة ، وليس لها علاقة بتفاح الدنيا إطلاقاً ، طعم آخر أطيب بكثير ، العلاقة بينهما الشكل والاسم فقط ، ليس من فواكه الجنة في الدنيا إلا الاسم والشكل :

أي أن التشابه بالشكل والاسم ، أما الطعم فلا نسبة بينهما بل المقارنة مرفوضة ، أنت تشرب أحياناً كأساً من الشراب المصنع والمصنوع ، ونشرب شراباً طبيعياً طازجاً مئة بالمئة ، فلا تجد بينهما أي نسبة ، أين الثرى من الثُريا ؟ الاسم واحد ولكنك تجد أن الشراب الكيماوي كيماوي ، والشراب الطبيعي لا يُقَدَّر بثمن وهذا في الدنيا ، فكيف في الجنة ؟ هذا المعنى الثاني .

 

Text Box: الذي يزهد في الجنة ويعيش للدنيا فقط إنما هو إنسان أحمق :

 

قال تعالى :

لا يوجد نَكَد ، ولا يوجد تَرَهُّل ، ولا يوجد مرض ، هناك متاعب عديدة عند النساء في الدنيا ، أما في الجنة فلا ، هن طاهرات ومطهرات ، لا حيض ، ولا نفاس ، ولا نشوز ، ولا زوجة حاقدة ، ولا زوجة لئيمة ، انتفى كل ذلك أبداً ، والزوجة يزينها كمال وجمال منّة من الله تعالى :

هذه هي الجنة ، وطريقها واضح ، وهي بعد الموت ، فالذي يزهد في الجنة ويعيش للدنيا فقط إنما هو إنسان أحمق :

  Text Box: الذين أحبَّهم الله عزّ وجل جعل دنياهم كفافاً :

 

قد ينتقي الواحد زوجته وتكون من الدرجة الأولى ، ولكنها كبرت بعد الخمسينات ، اختلفت ، تجد أن أكثر النساء مصابات بعلل مرضيـة كثيرة ، وتنوعت مشكلات الحياة لدى الزوجين ، شاءت حكمة الله عزّ وجل أن تكون الحياة متعبةٌ لأننا خُلِقنا للجنة ، فإذا كانت الحياة مريحةً جداً كرهنا لقاء الله عزّ وجل ، إذا كانت الحياة مريحة جداً وكل شيء كاملٌ فيها زهد الناس عندئذٍ عن الآخرة ، وكانوا ممن يشملهم قوله تعالى :

( سورة يونس )

لذلك الدنيا العريضة خطر كبير جداً ، هؤلاء الذين أحبَّهم الله عزّ وجل جعل دنياهم كفافاً ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً )) .

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

الإنسان ينبغي أن لا يطلب الكمال في الدنيا ، ولكنه يجب أن يطلب الستر والكفاف في الدنيا والكمال في الآخرة ، كل شيء في الآخرة كامل ، الآخرة مبنية على أن لك ما تشاء ، أيُّ خاطرٍ يخطر على بالك تراه واقعاً أمامك ، إنه نعيم الجنة الذي لا يُداني قال تعالى :

( سورة الحاقة )

أي أُكُلها دائمٌ وظلها ، فواكهها :

 ( سورة الواقعة )

 

  Text Box: الجنة كما وصفها الله عزّ وجل في القرآن الكريم :

 

في الجنة أنهار من عسل ، من لبن ، من عسل مُصَفَّى ، من لبن لم يتغيَّر طعمه :

 ( سورة محمد : آية " 15 " )

وقال :

 ( سورة محمد : آية " 15 " )

الماء غير آسن ، واللبن لم يتغير طعمه ، والعسل مصفَّى ، والخمر لذةٍ للشاربين :

 ( سورة الواقعة )

هذه هي الجنة كما وصفها الله عزّ وجل في القرآن الكريم ، هي للمؤمنين ، والطريق لها سالك غير صعب ، شروطها غير تعجيزية ، أحياناً يكون هناك شيءٌ عظيم لكن شرطه تعجيزي فوق طاقتك تزهد به ، لكن الجنة ليست كذلك ، بل يكفي أن تعرف الله حقاً ، وأن تطيعه صدقاً ، وأن تؤدِّي واجباتك تِجَاهه كاملة ، فأنت إذاً من أهل الجنة ، في الدرس القادم إن شاء الله:

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi