English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

تفسير القرآن الكريم  ـ سورة البقرة "2" : الدرس 14 ـ الآية : [26] ـ آية الله في خلقه ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي  .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الرابع عشر من سورة البقرة .

 

  Text Box: كلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة :

 

مع الآية السادسة والعشرين وهي قوله تعالى :

أيها الأخوة الكرام ، تعارف الناس على أن البعوضة لا قيمة لها ، حشرةٌ حقيرة ، يضربها الإنسان ويقتلها ولا شيء عليه ، كما يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف :

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .

[الترمذي عن سهل بن سعد ]

يبدو أن هذه الحشرة هيَّنةٌ على الناس ، لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن الشيء كلما صَغُر كلما احتاج إلى صنعةٍ بارعة ، فقد تجد مذياعاً كبيراً فلا يثير دهشتك ، أما إن رأيته صغيراً فإنه يستأثر باهتمامك ، وأما إن رأيت ساعةً فيها مِذياع فإنك تزداد اهتماماً وانتباهاً ، وتدرك أن فيها دقة صُنع .

أطلعني أخٌ كريم على جهاز كمبيوتر بحجم كف اليد فيه كل البرامج التي توضع في الكبير ، وفيه اتصال دولي ، وفيه إنترنت ـ شيء لا يُصدق ـ بحجمٍ صغير ، فكلَّما صغرت الآلة كان وراءها صنعةٌ بارعة ، هناك أحياناً آلات تصوير تُثَبَّت في قدَّاحة وتستخدم لأغراضٍ خاصَّة ؛ كآلة تصوير فقط ، وأحياناً آلة تصوير متحركة ، وقد تكون قطعة كحبة العدس تُلتَقط بها الأصوات وتُسَجَّل ، فكلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة وأثار الاهتمام .

 

  Text Box: الإعجاز في خلق البعوضة :

 

توصل أحد العلماء قبل أشهر عديدة إلى جهاز يقيس عشرة مرفوعة إلى قوة خمسة عشر من أجزاء الثانية ، أي رقم واحد أمامه خمسة عشر صفراً ، أي ألف مليون ملْيون جزء من الثانية ، هذه هي الثانية ضربة واحدة ، هل بإمكان إنسان أن يَصل إلى تقسيم ثانية إلى ألف مليون ملْيون جزء ؟ أُعطي هذا الإنسان في جامعة في أمريكا الجائزة الأولى ، يمكن أن يقاس الآن بهذا الجهاز زمن تفكك الذرة ، وهناك تطبيقات كثيرة جداً ، كلَّما دَق الأمر كلّما ظهر من خلاله عظمة الصانع ، طبعاً الفيل كبير ، والحوت الأزرق كبير يبلغ وزنه مئة وخمسين طناً ، يحوي خمسين طناً لحماً ، وخمسين طناً دهناً ، ويستخرج من الحوت ما يقدر بتسعين برميلاً زيت سمك ، وجبة غذائِهِ أربعة أطنان ، وإرضاع صغيره ثلاثمئة كيلو في كل رضعة ، هذا شيءٌ ضخم ، أما حينما ترى نملة ؛ فيها دماغ ، وفيها ذاكرة ، وفيها جهاز هَضم ، وفيها جهاز إفراز ، وفيها جهاز مَعرفة ، وفيها جهاز شمّ ، لها نشاطات مخيفة ، حينما ترى نحلة صغيرة ، حينما ترى بعوضة ، فما عليك إلا أن تلوذ بقوله تعالى :

البعوضة أيها الأخوة لها ثلاثة قلوب ، قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح ، هذا القلب يُمِدُّ الجناح بطاقةٍ تجعله يرِفُّ أربعة آلاف رفةٍ في الثانية ، هذه البعوضة عندها جهاز رادار ، ففي ظُلمة الليل ينام طفلان على سريرهما تتجه البعوضة إلى الطفل مباشرةً دون أن تتجه إلى وسادة أو إلى ركن في الغرفة ، الآن لديها جهاز رادار يكشف لها الكائن الحي فإذا وصلت إليه حلَّلت دمه ، هناك دمٌ لا يُناسبها ، قد ينام أخوان على سرير واحد ، يفيق أحدهما ، وقد أُصيب بمئات لدغات البعوض ، والثاني سليم ، إذاً عندها جهاز تحليل دم ، تأخذ الدم الذي يناسبها ، وتدع الذي لا يناسبها ، والبعوضة من أجل أن تأخذ هذا الدم لا بد أن تميَّعه لأن الكرية الحمراء أوسع من خرطوم البعوضة ، فلا بد من أن تميع الدم حتى يجري في خرطومها ، فإذا لدغت البعوضة هذا الطفل استيقظ وقتلها فلا بدّ أن تخدره ، متى يشعر الإنسان بلدغ البعوضة ؟ بعد أن تطير ، يضربها من دون فائدة لأنها تكون قد طارت ، فهذه البعوضة الصغيرة فيها جهاز رادار ، وجهاز تحليل ، وجهاز تمييع ، وجهاز تخدير ، ولها جناحان يرفَّان أربعة آلاف رفَّة في الثانية ، ولها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركَّزي ، وقلبٌ لكل جناح ، وبإمكان البعوضة أن تقف على سطحٍ أملس عن طريق محاجم كالمِشْجَب الذي يثبت على البلور بتفريغ الهواء ، تضغط البعوضة المحجم فيتفرغ الهواء فيثبت ، وللبعوضة مخالب أيضاً .

 

  Text Box:  طيران الطائر واتجاهه نحو هدفه عُزِيَ إلى الله مباشرةً :

 

أجرى بعض علماء الطيران مقارنة بين أعظم طائرة صنعها الإنسان وبين البعوضة  في المناورة ، فكانت قدرات البعوضة والذبابة أعلى من أي طائرة صنعت ، لاحظ الذبابة في أثناء طيرانها بسرعة عالية تأخذ زاوية قائمة فجأةً ، وقد ترجع فجأةً ، وقد تصعد إلى عَلٍ فجأةً ، وبإمكان الذبابة أن تَحُطَّ على السقف ، تضع أرجلها على السقف فتثبُت ، وعندها قدرة على المناورة تفوق أعظم طائرة صنعها الإنسان .

قرأت ذات مرة في موسوعة علميَّة عن الطيران ، موسوعة مترجمة من دار علوم مُحترمة جداً في أمريكا ، كُتِبَ على أول صفحة في هذه الموسوعة : إنَّ أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترتقي إلى مستوى الطائر ، يطير الطائر أحياناً مسافة تقدر بست وثمانين ساعة بلا توقُّف ، يقطع الطائر من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها تقريباً سبعة عشر ألف كيلو متر ، يُهاجر صيفاً وشتاءً ، يهتدي الطائر إلى هدفه بشكلٍ غير معروف حتى الآن ، وضِعَت عشرات النظريات لتفسير اتجاه الطائر نحو هدفه ؛ تفسير الجاذبية ، تفسير الشمس ، تفسير التضاريس  ،وكل هذه التفاسير حارت ولم تقف على قدمين ، لذلك قال تعالى :

 ( سورة الملك )

عُزِيَ طيران الطائر واتجاهه نحو هدفه إلى الله مباشرةً ، فلا توجد نظرية صمدت ، قد يؤخذ الطائر قبل أن يرى النور من لندن أو من بريطانيا ويُرْسَل إلى الصين ، واتجاه الطيور في الرحلات كلّها شمال جنوب ، جنوب شمال ، فهذا الطائر الذي لم ير النور يطير من الصين إلى بريطانيا ، الطائر الذي غادر عُشَّه مثلاً في دمشق وانتقل إلى جنوب إفريقيا ، لو تغيَّرت الزاوية في طريق العودة درجة واحدة لجاء في بغداد ، درجة نحو اليسار لجاء في القاهرة ، يصل إلى دمشق وإلى حي الصالحية ، وإلى بيتٍ في أحد أحياء حي الصالحية إلى عشه ، ما هذه القدرة ؟

 ( سورة الملك )

 

Text Box: البعوضة هينةٌ على الناس ولكن فيها من الأجهزة ومن دقَّة الصُنع ما لا يُوصَف :

 

أيها الأخوة ، كلَّما صغر الجسم عظمت دقة الصنعة فيه ، الآن فيروس الإيدز يتحدى العالَم كلّه ، لم يستطع الإنسان بكبريائه ، بجبروته ، بتقدُّمه العلمي ، بإنفاقه المذهل على البحوث العلمية أن يصل إلى مصل مضاد للإيدز ، مع أن هذا الفيروس أضعف فيروس على الإطلاق ، يموت إذا خرج من الإنسان على بعد عشرة سنتيمترات ، لكنه إذا دخل الجسم يدخلـه بثيابٍ مموَّهة ، يدخله بشكل الكرية البيضاء فلا أحد يُعاكسه ، فإذا تمكَّن التهم كل الكريات البيضاء ، قد يُبذل ألف مليون دولار لتطوير أبحاث للوصول إلى مصل مضاد لهذا الفيروس ، ولكنه يُغَيِّر شكله فتذهب كل هذه الأموال أدراج الرياح ، وله سُلالات ، وقد شاءت حكمة الله أن يكون هذا المرض عقاباً لا ابتلاءً ، بقدر ما هو خطير ومميت بقدر ما تكون الوقاية منه سهلة ، يكفي أن تستقيم وانتهى الأمر ، انتهى المرض .

هذه الآية أيها الأخوة التي تتحدث عن البعوضة ، على صغرها وضآلة شأنها وهوانها على الناس ، فلو قتل الإنسان خطأً هرَّةً في الطريق بسيَّارته فإنه يضطرب ويتألَّم ، يقول : لعلِّي أخطأت ، لعلِّي تساهلت ، لعلِّي لم أكن منتبهاً ، يا ترى هل الله سيُحاسبني ؟ هل أدفع مبلغاً من المال صدقة ؟ أما إذا قتل بعوضة فهو لا يشعر بشيء أبداً ، وكأنه لم يفعل شيئاً أبداً لهوانها على الناس ، ومع أن هذه البعوضة هينةٌ على الناس ، فإن فيها من الأجهزة ، وفيها من دقَّة الصُنع والإبداع ما لا يُوصَف ، تذكرنا هذه البعوضة بقوله تعالى :

 ( سورة الملك )

ليس التفاوت هنا في الصنعة ، فهناك مثلاً شركة تصنع مُعِدَّات منزلية والشركة نفسها تصنع معدات صناعية ، المُعدات المنزلية استعمالها قليل جداً ، لذلك معدنها رخيص وأجهزتها بسيطة ، أما المُعدات الصناعية فهي غالية جداً لأنها مصمَّمة أن تعمل ليلاً ونهاراً .

 

  Text Box: صنعة الله متقنة لا تفاوت فيها :

 

المعمل يصنع مادَّة مُعتنى بها كثيراً ، ومادَّة مُعتنى بها قليلاً ، أما لو دققت في صنعة الله عزّ وجل فإنك لا تجد صنعةً متقنةً وصنعةً أقلّ إتقاناً :

 ( سورة الملك )

التفاوت في الحجم قائم ، هناك بعوضة ، وهناك فيل ، ولكن ليس هناك من تفاوتٍ إطلاقاً في إتقان الصنعة .

أيها الأخوة الكرام ، المؤمن كل شيءٍ يدلُّه على الله ، نحن أمام موضوع دقيق جداً ، إنَّك إن أردت أن تعرف الله فكل شيءٍ يدلُّك عليه ، وإن لم ترد أن تعرفه فإنك لو التقيت مع سيد الأنبياء ورأيته رأي العين ، وجلست إليه ، وحادثته ، لما قنعت ، ولما آمنت ، لو رأيت منجزات العلم كلَّها الآن ، لو ذهبت إلى أكبر مرصد الآن في العالَم لحار عقلك .

زارنا أخ اليوم مختص بالفلك في أمريكا ، حَدَّثنا شيئاً لا يُصدَّق ؛ يبلغ طول ألسنة اللهب لبعض الشموس مئة وخمسين ألف سنة ضوئية ، توجد شموس تزيد عن حجم شمسنا اثنين فاصلة اثنين بليون (2.2بليون) مرَّة عن حجم شمسِنا ، ذكر أرقاماً لا تُصدق ، فقلت : سبحان الله أهذا الإله العظيم يُعصى ؟

( سورة فاطر : آية " 28 " )

إن نجم قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، وهناك أكثر من مليون ملْيون مجرة ، ومعنى مجرَّة أي فيها قريب من مليون كوكب ، ومجرتنا درب التبّانة صغيرة جداً جِداً بالنسبة لغيرها من المجرات ، ومع ذلك حين نقرأ عنها تهولنا المعلومات التي تطالعنا .

 

  Text Box: صنع الله متقن في أكبر شيءٍ صنعه وفي أصغر شيءٍ صنعه :

 

أيها الأخوة الكرام ، صنع الله متقن في أكبر شيءٍ صنعه ، وفي أصغر شيءٍ صنعه ، بل إنَّ قوله تعالى :

( سورة الأنبياء: آية " 33 " )

هذه تشمل الذرَّة والمجرَّة ، هناك كهارب في الذرة تسبح حول النواة ، وفي المجرَّات هناك كُتَل كبيرة جداً تسبح حول مركزها بسرعة قريبة من سرعة الضوء .

قال العلماء :﴿ فَمَا فَوْقَهَا أي فما أصغر منها ، فوقها في الصِغَر ، البعوضة تراها بالعين ، ولكن هناك كائنات كالجراثيم لا تراها ، والفيروسات أصغر ، الحشرات تراها ، أما الجراثيم فلا تراها ، الجرثومة هي أصل كل الأمراض ، إنك لا ترى الجراثيم التي هي أصل المرض ، ولكنك ترى فعلها ، الفيروس أصغر من الجرثوم ، الآن بعد اختراع المجاهر الإلكترونية ، فإن المجهر يكبر أحياناً مئتي مرَّة ، وهناك مجهر يكبّر أربعين ألف مرَّة ، حينما يُكَبَّر الجلد تجد أنه كالغابة فيها تلال ووديان ، وسهول وهضاب  ، وأشجار هي الشعر ، إذا كبَّرنا نقطة من الجلد ، إذا كبَّرنا نقطة من غِشاء المعدة ، من جدار المعدة ، إذا كبَّرنا نقطة من الدماغ ، فإن الشيء الذي تراه شيءٌ لا يُصدق أبداً ، الآن توجد صور لهذا المِجهر الإلكتروني ، إنك تشاهد بواسطته فتبدو لك الخلية .

الخلية بناء قائم بذاته ، عالَم قائم بذاته ، والخلية لا تُرى بالعين ، لذلك كلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ عاليةٍ جداً ، لهذا قال الله تعالى :

 ( سورة الحاقة )

الذي لا تبصره أضعاف الذي تبصره ، فأنت إذا أمسكت بكأس ماء ماذا تبصر ؟ تبصر ماء صافياً ، ماء عذباً ، فراتاً ، نقياً ، شفَّافاً ، لو صوَّرت هذا الماء تحت المجهر لرأيت فيه من الكائنات الحيَّة ما لا يُحصى ، هذا الذي لا نُبصره .

 

  Text Box: عظمة الله في خلقه :

 

أيها الأخوة ، أراد الله سبحانه وتعالى من هذا المثل أن يلفت نظرنا إلى أن هذه الحشرات التي لا شأن لها عندكم ، وهي مخلوقاتٌ عظيمةٌ جداً ، فليس هناك من حرجٍ أن يضربها الله مثلاً ، لكن أريد أن أُثَبِّت هذه الحقيقة إن لم يرد الإنسان أن يعرف الحقيقة فهو لا يصل إليها ، ولو كان إنساناً ذكياً جداً ، ويحمل أعلى شهادة في الأرض ، يعمل في الكيمياء ، يعمل في الطبيعيات ، يعمل في أبحاث الفَلك ويرى بالمراصد الشيء الذي لا يُعقل ، ثم يتعامى عما يرى أحياناً ، قد يرى الإنسان في ليلة مظلمة شيئاً كالغبار في السماء ، هذا الغبار هو المجرَّة ، ملايين الملايين من الكواكب يرى على شكل غبار ، فليس كل شيء لا تراه غير موجود ، أي إنَّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، أنت ماذا ترى ؟ ترى الشمس تدور بينما هي ثابتة بالنسبة إليك ، أنت الذي تدور ، الشمس تدور حول نقطة ، الله قال :

( سورة الأنبياء: آية " 33 " )

كم تحتاج الشمس من زمن لتُتِمَّ دورتها ؟ تحتاج الشمس لمئتي مليون سنة من أجل أن تدور دورة حول كوكبٍ ما ، فالحقيقة نحن في كونٍ لا تتناهى أبعاده ، ذكرت قبل قليل ما هذا الرقم ؟ شيء مذهل حقاً ! مجرَّة تبعد عنّاً ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ، هذه عظمة الله ، ولو وصلت إلى كُنهِ هذه البعوضة وأقل من البعوضة أي إلى الجرثوم ، وأقل من الجرثوم إلى الفيروس لوجدت العجب العُجاب .

 

Text Box: كل ما في الكون يدل الإنسان على الحقيقة :

 

على كلٍ كلَّما تناهت الأشياء في الصغر تحتاج إلى صانعٍ متقن ، فيها صنعةٌ دقيقة ، والأشياء الصغيرة غالِّية جداً ، توجد أجهزة تسجيل صغيرة ، أجهزة راديو صغيرة أسعارها مرتفعة جداً ، حتى أنت قد تجد كمبيوتراً كبيراً ، شاشة كبيرة ، وجسماً للكمبيوتر ، وأحياناً تجد كمبيوتراً يوضع كله في محفظة ، وأحياناً بحجم كفِّ اليد ، كلَّما صغر الجهاز رأيت صنعةً غاية في الإتقان ، هذا هو مغزى هذه الآية :

 

﴿ فَمَا فَوْقَهَا أي فما أصغر منها ، بل فما فوقها في الصغر حسبما قال العلماء ، قال تعالى  :

هنا إذا أراد الإنسان معرفةً الحقيقة دلَّه عليها كل شيء ، وإذا أعرض عن الحقيقة فإنه لو مكث في أعظم مرصد في أمريكا عمره كله ، ولو دخل إلى أدق مخبر في العلوم الطبيعية ؛ رأى الخليّة ، رأى النُسُج الحّية ، رأى تفاعل المواد ، لو أُتيحت كل المعلومات بين يديه فإنه لا يؤمن ، وأدق مثل لذلك : آلة تصوير بسيطة جداً ورخيصة جداً ، إذا أراد صاحبها أن يستخدمها ووضع فيها الفيلم فإنه يلتقط المناظر التي أمامها ، والذي يرفض الحقيقة كإنسان معه آلة ثمنها مليون ليرة ولكنها دون فيلم ، هو إنسان مثقف ثقافة عالية جداً ، ولكنه لم يرد الحقيقة ، بين يديه معلومات مذهلة ، بين يديه آيات يقشعر منها الجلد ومع ذلك لا يستفيد منها شيئاً ، فالعبرة : أنك أنت إذا أردت الحقيقة وصلت إليها ، وإن لم تردها فعليك إثم نفسك !!

 

  Text Box: خلق الله الإنسان مخيراً ولأنه مخير فإن كل شيءٍ في الكون مصممٌ ليكون حيادياً :

 

بعوضة ؛ يسمع هذه الكلمة إنسان فاسق فيقول :

يقول ساخراً أهذا قرآن !!! ؟ هكذا قال الكفَّار : الإله العظيم يذكر بعوضةً ؟ يذكر ذبابةً ؟ يذكر العنكبوت ، هل من المعقول أن يذكر إنسان عظيم هذا في كلامه ؟

قيل : كل شيء في الكون حيادي :

آية واحدة يرفضها إنسان ويهتدي بها إنسان ، آيةٌ واحدة يذوب إنسان خشوعاً لله من خلالها وإنسان آخر يستهزئ بها ، خلقك الله مخيراً ولأنك مخير فإن كل شيءٍ في الكون مصممٌ ليكون حيادياً ، يُستخدم سُلماً ترقى به ، أو دركاتٍ تهوي بها :

ما هو الحق ؟ الحق خلاف الباطل ، ما هو الباطل ؟ الباطل زهوق زائل ، والباطل عابث .

 

  Text Box: تناقض الحق مع الباطل و العبث :

 

قال تعالى :

 ( سورة الدخان )

وقال :

 ( سورة الأحقاف : آية " 3 " )

 ربنا عزّ وجل نفى أن يكون خلق السماوات والأرض باطلاً ، الباطل الشيء الزائل ، ونفى أن يكون خلق السماوات والأرض عبثاً ، فالعبث الشيء غير الهادف ، ولكن الله جلَّ جلاله خلقهما بالحق ، فالحق يتناقض مع الباطل ويتناقض مع العبث ، فالحق لا عبَث فيه ولا بطلان ، الشيء الثابت الهادف ، إذا قلنا :

 ( سورة الأحقاف : آية " 3 " )

أي لابس الحق خلق السماوات والأرض ، أحياناً إذا أنشأنا جناحاً في المعرض لمدة أسبوعين فإننا نضعه من القماش ، أما حينما ننشئ جامعة فإننا ننشئها من حجر ، هذه الجامعة أُنشئت لتبقى ، أما هذا الجناح في المعرض أنشئ ليُهدم بعد أسبوعين ، فكلمة بالحق أي أن الله عزّ وجل خلق الكون ليبقى ، قال :

 ( سورة العنكبوت )

النفس تذوق الموت ولا تموت ، وفرقٌ كبير بين أن تذوق النفس الموت وبين أن تموت ، النفس تَخْلُدُ إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها .

 

  Text Box: النمل والنحل من آيات الله الدالة على عظمته :

 

صارت القضية : هل تريد الحقيقة ؟ إذاً كل شيءٍ يدلَّك على الله حتى البعوضة ، حتى الذبابة ، حتى النملة ، النمل مثلاً يعمل دائماً أعمالاً عدة متنوعة ، وهو في أدبه أعجوبة تكاد لا تُصدق ، النمل يزرع ، النمل يربِّي المواشي ، النمل يُنشئ صوامع الحبوب ، يقيم الجسور ، يَشُقُّ الطُرُقات ، النمل يُعَلِّم ، عنده قِطاع تعليم ، النمل يخزِّن ، النمل يعالج المرضى ، وعند النمل مكتب لدفن الموتى ، تُسحب النملة الميتة وتُدفَن ، وعند النمل كذلك جيش يحرس الملكة ، ويرُدُّ العدوان ، هناك نمل رُحَّل يتنقل من مكانٍ إلى مكان ، ونمل يعيش في بيوت ثابتة ، وهناك نمل يعيش على العمل ، ونمل يعيش على الغزو ، وهناك شيء في النمل لا يُصدق ، النملة عندها جهاز ضخ وجهاز مص فإذا لقيت نملةً جائعة وضعت فمها في فمِها وضخت لها من خلاصة غذائها ، يوجد عند الإنسان مص فقط وليس عنده ضخ أما النمل فعنده جهاز مص وجهاز ضخ ، والله هناك شيءٌ عن النمل يكاد لا يُصدَّق ، إذا رأت النملة أنها في خطر فإنها ترسل إشارة كيماوية إلى من حولها ، إذا كان موتها محقَّقَاً ترسل إشارة تحذير ؛ ابتعدوا عن المجزرة ، وإذا كانت نجاتها محققة ترسل إشارة استغاثة ؛ تعالوا إلي أنقذوني ، والله عزّ وجل أثبت لها الكلام ، وأثبت لها المعرفة :

( سورة النمل )

النملة اجتماعية ، إذا وضعت النملة في بيت فيه طعام وشراب بشكل كامل لوحدها ، فإنها تموت بعد عشرين يوماً وحشةً ، هناك نظام دقيق جداً للنمل ، قال تعالى :

( سورة الأنعام : آية " 38 " )

النحلة ترقص رقصة لتُحدد مكان الأزهار والمسافة والجهة ، وهناك رقصة ثانية للكثافة والجهة ، والمسافة برقصة ، والكثافة برقصة .

 

Text Box: من يتخذ قراراً بالإيمان فكل ما في الكون يدله على الله :

 

أيها الأخوة ، يوجد في هذه الآية موضوع خطير جداً ، يقول الله عزّ وجل :

قف معي أمام مثلٍ واحد ، آية كونية ، حشرة ، حيوان ، نبات ، هذه الآية يؤمن أُناس بالله من خلالها وأناس غيرهم يستهزئون بها ، بين أن تؤمن وبين أن تستهزئ مسافة كبيرة جداً ، جداً كبيرة ، فما السر في ذلك ؟ لماذا قرأ فلان عن البعوضة فبكى خشوعاً لله ، وسمع إنسان هذه الآية فاستهزأ ؟

أحياناً تتكلَّم بكلام أمام جمع يؤيدك إنسان ويعترض إنسان عليك ، إنسان يقبل وإنسان يرفض ، ما سرُّ ذلك ؟ الجواب هنا :

ما معنى آمنوا ؟ أي اتخذوا قراراً بالإيمان ، أرادوا الحقيقة ، فإن أردت الحقيقة فكل شيءٍ يدَلَّك على الله .

 

  Text Box: من لم يرد الحقيقة فإنه يستهزئ بها :

 

قال تعالى :

أي أعرضوا عن طلب الحقيقة ، لا يريدون الحقيقة بل يريدون الشهوة :

اجلس مع إنسان طالب للحقيقة وحدّثه عن المجرَّات فإنه يبكي ، بينما يقول لك إنسان آخر : كم ثمن الدولار اليوم ؟ هذا الموضوع كلَّه ليس له علاقة به ، ما يهمه هو سعر العملات ، البيوت والسيارات ، التجارة والربح ، الشهوات والمقاصف ، فكل إنسان له وجهة هو موليها ، الذي أراد الحقيقة فإن كل شيء يدلُّه على الله ، والذي لم يردها فإنه يستهزئ بها :

والحقيقة واضحة مشرقة .

 

  Text Box: قبولك للحق أو رفضك له متعلق باستقامتك :

 

الشيء الواحد قد يؤدي إلى ضلال من يضل وهداية من يهتدي ، قال تعالى  :

هل التغيُّر حاصل من الشيء أم من الإنسان ؟ ليس من الشيء لأن الشيء واحد ؛ بعوضة ، إنسان ازدادت معرفته بالله من خلالها وإنسان استهزأ بها ، والبعوضة هي هِي ، معنى هذا أن التبدُّل ليس من البعوضة ، ولكن مِنَ الذي ينظر إليها :

حينما يَفْسُق الإنسان لا يحب الحقيقة ، حينما يفسق يرُدُّ الحق ، حينما يفسق يستهزئ بالآيات ، حينما يفسق يشمئزُّ إذا ذُكِر الله وحده ، حينما يفسق تأخذه العزة بالإثم ، فعندنا معنى خطير جداً ، قبولك للحق أو رفضك له متعلق باستقامتك ، لأن غير المستقيم يدافع عن انحرافه ، وغير المستقيم اختل توازنه ، فكيف يستعيده ؟ يقول : هؤلاء الديِّنون على خطأٍ عظيم ظناً من أن ذلك يجعله يتوازن ، دائماً وأبداً يطعن المُنحرف بالمستقيم حتى يرتاح ، لا يرتاح إلا إذا طعن بالمستقيم ، الكافر يطعن بالمؤمن حتى يتوازن ، فلذلك الشيء واحد آية واحدة ؛ الشمس ، القمر ، الليل ، النهار ، الفيل ، الحوت ، البعوضة ، النملة ، الذبابة ، العَنكبوت ، هل تُصَدِّق أن العنكبوت تنسُج خيطاً لو سُحِب الفولاذ بقطر هذا الخَيط لكان خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ ؟ وأوهن بيتٍ لبيت العنكبوت ، فالضعف التي أشارت إليه الآية اجتماعي لوجود خلاف عميق جداً بين الزوجين فبيت العنكبوت ضعيف لأن فيه انهياراً داخلياً ، وأما خيط العنكبوت فهو متين جداً .

 

  Text Box: الذي يريد ألا يسمع هو أشد الناس صمَماً :

 

أيها الأخوة ، آيةٌ واحدة يطير المؤمن إلى الله بها ، يذوب خشوعاً بها ، وإنسان آخر يستهزئ ، التفسير : إن أردت الحقيقة كل شيءٍ يدلَّك عليها ، وإن رفضتها فإنك لو رأيت الآيات كلِّها وجهاً لوجه فإنك لن تستفيد ، أليس هناك أناس عاشوا مع النبي ؟ هل هناك في البشرية كلِّها إنسانٌ أعظم من النبي ؛ من خلقه ، فصاحته ، علمه ، أدبه ، أخلاقه ، نورانيته ، ومع ذلك هناك من عاداه ، وهناك من كرهه ، وهناك من قاتله ، فصار هناك معركة أزليه أبدية بين الحق والباطل ، اذكر للكافر آية كونية يقول لك : الآن لا تُضيع وقتك ، شيء واضح تماماً إذا كنت متحمِّساً لآية كونية ، متحمِّساً لقضية دينية ، متحمِّساً لعمل إسلامي كبير فإنه لا يلقى عند الكافر إلا السُخرية والاستهزاء ، ولكنه يلقى عند المؤمن التعظيم والإكبار والعمل واحد ، فصار التحوُّل وتناقض المواقف ليس من الشيء بل من الإنسان ، إن أردت الحقيقة عرفتها ، وأعانك عليها كل شيء ، وإن رفضتها ما من حقيقةٍ يمكن أن تقنعك عندئذِ .

يقول أحد الحكماء : " لم أجد أشد صمماً من الذي يريد ألا يسمع " ، الذي يريد ألا يسمع أشد الناس صمَماً ، فالكافر رفض الحقيقة ، فإذا عرضت عليه آية كونية ، مجرَّة ، بحر ، تيَّار الخليج ، البرزخ بين البحرين فإنه يزداد سخريةً واستهزاءً :

 

Text Box: عند المؤمن المستقيم استعداد لقبول الحق وعند الفاسق استعداد لقبول الباطل :

 

أما الشيء الخطير ، والله أيها الأخوة افتتاح الآية بهذه الكلمة :

انظر ، إن فَسَق الإنسان ردَّ الحق ، وإن آمن قبِل الحق ، وجرِّب الجلوسَ مع إنسان أخلاقي مستقيم ، وحدثه بحديث كتاب الله ، تجد أنه قبِل هذا الكلام ، وأثنى عليك ، وانهمرت دموعه ، اجلس وكلِّم إنساناً فاسقاً ، وشارباً الخمر ، وزانٍ ، فإنه يردُّ عليك رداً قاسياً ، يسخر من هذا الكلام ، معنى ذلك أن عند المؤمن المستقيم استعداد لقبول الحق ، وعند الفاسق استعداد لقبول الباطل ، فلو عرضت عليه الحق لرفَضَه ، هذا الذي أقوله لكم تؤَكِّده الآية الكريمة :

 ( سورة الماعون )

وتؤكده الآية الثانية :

 ( سورة القصص : آية " 50 " )

وتؤكده الآية الثالثة :

 ( سورة العلق )

أين التتمة ؟ انتهت الآية ، أي أرأيت إلى دناءته ؟ أرأيت إلى نقض عهده ؟ أرأيت إلى حبِّه لذاته ؟ إلى عجرفته ؟ إلى كبره ؟ سلوكه يكفي ، لذلك الفاسق يرُدُّ الحق والمؤمن يقبله ، الفاسق تتأبى نفسه أن يقبل الحقيقة .

 

  Text Box: من المهم أن تكون ذا هيئة حسنة دون أن تكون راداً للحق ولا مضطهداً للناس :
 

 

كان لأحد الصحابة مظهر حسن ، فخاف على نفسه أن يكون مخطئاً ، فقال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :

 (( إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَناً وَنَعْلِي حَسَنَةً ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وغمس النَّاسَ )) .

[الترمذي عن عبد الله ]

الكبر أن ترد الحق  ، أن تكون أكبر من أن تُصَلِّي ، أكبر من أن تصوم ، أن تكون أكبر من أن تكون عبداً لله ، أن تستنكِف عن عبادة الله وتستكبر ، هذا هو الكِبر ، وأن تحتقر الناس ، أما إنسان تعجبه الهيئة الحسنة يعجبه الثوب الأنيق فإنَّ هذا مطلوب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ )) .

[ أحمد عن أبي الدرداء]

مطلوب إذاً أن تكون ذا هيئةٍ حسنة في مظهرك ، لكن ليس مطلوباً أن تكون راداً للحق ولا مضطهداً للناس .

أيها الأخوة الكرام ، هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته ، وأنا أرى أن في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية كونية ، ولا يليق بالله عزّ وجل أن يقول كلاماً لا معنى له ، لماذا ذكر هذه الآيات ؟ تكاد تكون هذه الآيات سُدُسَ القرآن ، كأن الله أرادنا أن نعرفه من خلال خلقه ، فهذه البعوضة التي لا تُعجبك فيها هذه الأجهزة ، وهذه الأعضاء ، وهذه الخصائص ، وهذه النملة التي تكاد ألا تراها لصغر حجمها ، النملة فيها دماغ ، فيها قلب ، فيها جهاز هضم ، كل شيء في هذه النملة على صِغَرِها ، وكلَّما صغر الشيء كان وراءه صنعةٌ أدق ، وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi