English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :16/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآية " 28 و 29 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد أحمد الحمصي  والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

              الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

             أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس السادس عشر من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثامنة والعشرين وهي قوله تعالى :

( سورة البقرة )

            يقول علماء اللغة : إن كيف اسم استفهام يستفهم به عن الحال ، تقول لأخيك : كيف حالك ؟ اسم استفهام يستفهم به عن الحال .. ولكن الاستفهام أحياناً يخرج عن أصله إلى معانٍ أخرى ، فإذا أردت أن توبِّخ إنساناً تقول له : كيف تفعل هذا ؟ أردت أن توبِّخه ، أو إن أردت أن تُنْكِر عليه ، أو إن أردت أن تردعه ، فالاستفهام هنا استفهام إنكاري ، كيف يكفر هذا الإنسان وقد خلقه الله عزَّ وجل من ماءٍ مهين " ؟ كيف يكفر وقد خلق له ما في الأرض جميعاً ؟ كيف يكفر وقد منحه نعمة العقل؟ كيف يكفر ، وقد خلق له من نفسه زوجةً ؟ كيف يكفر وقد خلق له من نفسه أولاداً يتحركون أمامه ؟ وهو يعلم علم اليقين كيف تم خلق هؤلاء الأولاد من نطفةٍ من ماء مهين ؟ كيف يكفر وكل ما حوله يدل على الله عزَّ وجل ؟ كيف يكفر وما في الكون شيءٌ إلا ويشير إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً ؟ فهذا الاستفهام استفهام توبيخي ، واستفهام إنكاري ..

( سورة البقرة : آية " 28 " )

قال علماء التفسير :

               أي كنتم في حالة العدم ، الموت الأول : موت العدم ، فأحياكم جاء بكم إلى الدنيا ، ثم أماتكم بعد انتهاء الحياة ، ثم يحييكم يوم القيامة لتلقوا نتائج أعمالكم ، إذاً أولاً : موت العدم ثم إحياء الدخول في الدنيا ثم موت الخروج من الدنيا ، ثم إحياء يوم القيامة للحساب والعقاب والجزاء .

              أيها الإخوة الكرام ... حياة الإنسان بيد الله ، الله عزَّ وجل مُتَحَكِّمٌ بإيجاده ، متحكمٌ بحياته ، الله عزَّ وجل هو الذي منحه نعمة الحياة ، أنت كائن حي تتحرك ، ترى ، تسمع ، تتحسس ، تأكل ، تشرب ، تذهب إلى بيتك ، هذه الحياة التي تنعُم بها إنما هي من الله عزَّ وجل ، هو الذي منحك الحياة .

              منحك نعمة الإيجاد ، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد ، وهذه هي النعم الكبرى.

   

( سورة الإنسان )

منحك نعمة الحياة ، منحك نعمة الإمداد ، منحك نعمة الهُدى والرشاد .

            فأنت بين قَوْسين ، قوس الحياة ، وقوس الممات ، الله عزَّ وجل هو المتحَكِّم بالحياة ، واهب الحياة ، الله عزَّ وجل هو المميت ، هو الذي ينهي حياة الإنسان ، فإذا كانت البداية من خلق الله والنهاية من خلق الله لم لا تكون الحياة لله ؟ " الدنيا ساعة اجعلها طاعة " .

           الدنيا ساعة .. الزمن يمضي سريعاً ، الإنسان زمن ، الإنسان بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه ، والإنسان العاقل يَعُدُّ عمره عداً تنازلياً يقول : كم بقي لي من عمري ؟ كيف مضى الذي مضى ؟ مضى الذي مضى كلمح البصر ، فإذا مضى ثُلثا العمر فالثلث الباقي يمضي كلمح البصر أيضاً ، الإنسان فجأةً أمام حسابٍ دقيق ، وجزاءٍ دقيق ، وعقابٍ دقيق ..

كنتم في طور العدم .

              أصل الإنسان من ماء مهين ، في هناك خمسمائة مليون حوَين في اللقاء الزوجي ، يدخل حوين واحد يتلاقح إلى البويضة التي لا ترى بالعين لأنها صغيرةٌ جداً، هذا الحوين وهذه البويضة ، ثم تنقسم البويضة إلى عشرة آلاف قسم وهي في طريقها إلى الرحم ، تنشأ لها في الرحم استطالات كالأرجل من أجل أن تعلق في جدار الرحم ، إذا علقت بدأت تأخذ الغذاء من جدار الرحم ، في تسعة أشهر وعشرة أيام .. هذه البويضة التي لا ترى بالعين ، وهذا الحوين الذي لا يرى بالعين .. يشكلان كائناً بداخل دماغه من مائة وأربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد ، هناك في قشرة الدماغ أربعة عشر مليار خلية ، يحوي العصب البصري تسعمائة ألف ، الشبكية مائة وثلاثين مليون عُصية ومخروط ، الشم عشرين مليون نهاية عصبية شمِّية ، لكل نهاية سبعة أهداب ، الأهداب مغمَّسة بمادة معينة تتفاعل مع الرائحة ، تصبح الرائحة شكلاً هندسياً تشحن إلى الدماغ ، في تعرض الدماغ تعرض على ملف فيه عشرة آلاف رائحة ، من أجل أن تعرف الروائح ، العين ترى الأشخاص بالحجم الحقيقي واللون الدقيق ، وتفرق العين البشرية بين لونين ، بين درجتين من ثمانمائة ألف درجةٍ من اللون الواحد .. لو درجنا لوناً واحداً ثمانمائة ألف درجة تدرك العين البشرية السليمة الفرق بين درجتين .. وبرأس الإنسان ثلاثمائة ألف شعرة ، لكل شعرة ، وريد وشريان ، وعصب ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية ، شعر الإنسان ، دماغ الإنسان ، السمع ، البصر ، الشم ، السمع قضية معقدة جداً جهاز التوازن ، الغدة النخامية وزنها نصف غرام ، تفرز اثنى عشر هرموناً وهي ملكة الغدد تسيطر على كل الغدد الصمَّاء في الجسم ، ملكة وزنها نصف غرام ، تفرز اثني عشر هرموناً ، لو تعطَّل إفراز أي منها لأصبحت حياة الإنسان جحيماً ، هرمون النمو ، هرمون الجنس ، هرمون توازن السوائل ، شيء لا يصدَّق ، الغدة الدرقية مسؤولة عن الاستقلاب فهي تحول الغذاء إلى طاقة .. الكظر مسؤول عن مواجهة الأخطار ، الخطر الداهم ، يعطي أمراً للقلب لرفع نبضه ، وأمراً للرئتين لزيادة وجيبهما ، وأمراً للكبد لطرح كمية سكر إضافية ، وأمراً للأوعية فتضيق لمعتها ، وأمراً للكبد لإفراز هرمون التجلُّط ، شيء لا يصدَّق هذا الكظر فتضيق ، والمعدة فيها خمسة وثلاثون مليون عصارة فيها ، تفرز في وجبة الطعام ونصف لتر من حمض كلور الماء من أجل هضم الطعام ، والبنكرياس ، والطُحال ، وللكبد فيه خمسة آلاف وظيفة ، وتقوم كل خليةٍ من خلايا الكبد بكل هذه الوظائف ، والعظام ، والعضلات ، والأعصاب ، والقلب ، والشرايين ، هذا كلُّه يُصَنَّع في أكمل صناعة في تسعة أشهر ، الله منحنا الحياة و بيده الله ، إنسان ملء السمع والبصر ، غني ، قوي ،  يصبح خبراً بثانية ، نعوة ، ينتهي .

( سورة المؤمنون )

        واهب الحياة هو الله ، المميت هو الله ، وحياتك بين هذين القوسين ، فلمَ لا تكون لله عزَّ وجل ؟ " الدنيا ساعة اجعلها طاعة " . في أول ليلةٍ يوضع الإنسان في قبره ، ورد هكذا في الأثر، يُنادى : " أن رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا أموت " .

الآية الكريمة :

         طلب إنسان عالم أن يجد له مخرجاً في معصية الله ، فقال له : خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرُّك معصية .. شيء رائع جداً .. ما هي هذه الأشياء ؟ قال له : إن أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه ، قال له : وأين أسكن إذاً ؟ قال له : أتسكن أرضه وتعصيه ؟!! أ معقول هذا ؟!  إذا أدخلك إنسان إلى بيته وأنت ضيفه ، أمعقول أن تضرب له ابنه وأنت في بيته ؟ معقول أن تضع السم في الطعام وأنت في بيته ؟ تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له : هات الثانية ، قال : إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه ؟ قال له : وماذا آكل إذاً ؟ قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟! أمعقول؟! قال له : هات الثالثة ، قال له : إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه ، قال :

 

( سورة الحديد )

قال تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟

أما تستحي منا ويكفيك ما جرى            أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا

أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً           وتنظر ما به جاء وعدنــــا

قال له : هات الرابعة ، قال : إن أردت أن تعصيه وجاءك ملك الموت فلا تذهب معه ، قال له : لا أستطيع . قال : وتسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت ؟ قال له : هات الخامسة ، قال له : إن أردت أن تعصيه وجاء الملكان بك إلى النار فلا تذهب معهما ، قال له : لا أستطيع ، قال : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت ولا ملائكة العذاب ؟ قال له : كُفيت ؟.

وجودك من الله ، سمعك ، بصرك ، نُطقك ، ذكاؤك ، عضلاتك، أمعاؤك ، جهاز الهضم ، جهاز الدوران ، جهاز التصفية ، العظام ، العضلات ، الأعصاب ، كل هذه بيد الله ، أيعقل أن تعصيه بِنِعَمِهِ ؟ أيعقل أن تعصيه بالأعضاء التي منحك الله إياها ؟ كيف ؟ هذا استفهام إنكاري ، واستفهام توبيخي ، واستفهام تعجُّبي في آن واحد .

      لم أر أشد غباءً من الذي يتجاهل وجود الله ، ويفعل ما يشاء ، والله عزَّ وجلٍ يمكن أن ينهيه  في أي ثانية ، هذا الذي يتجاهل القوة الوحيدة في الكون ، الحقيقة الوحيدة في الكون ، إنسان أحمق وهناك آلاف القصص ، إنسان مشى في طريق العدوان فدمَّره الله عزَّ وجل ، مشى في طريق المعصية فدمره الله عزَّ وجل ، ولكن الله يمهل ولا يهمل ، بعد ذلك :

             يجب أن يغلب على يقينك أن كل حركةٍ وكل سكنةٍ ، وكل كلمةٍ ، وكل ابتسامةٍ وكل عبوسٍ ، وكل وصلٍ وكل قطعٍ ، وكل عطاءٍ وكل منعٍ ، مسجلٌ عليك وسوف تسأل لماذا فعلت هذا ؟ قال تعالى :

 ( سورة الحجر )

             ما دام في العمر بقية فالصلحة بلمحة ، ما دام في بالعمر بقية الصلح مع الله سهلٌ جداً لأنه ينتظرك ، " لله أفرح بتوبة عبده التائب من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد " . 

             ومرةً ثانية أقول لكم : هذا الأعرابي الذي ركب ناقته وعليها زاده ، وشرابه جلس ليستريح أفاق فلم يجد الناقة أيقن بالهلاك المُحَتَّم ، فجلس يبكي إلى أن أدركه النعاس فنام ، ثم أفاق فرأى الناقة أمامه ، فمن شدة فرحه ، الفرح الذي لا يُحتمل ، الفرح الذي ردَّ إليه روحه ، الفرح الذي أفقده توازنه ، من شدة فرحه قال : " يا رب أنا ربُّك ، وأنت عبدي " ،أصاب قلبه ، وأخطأ لسانه ، فقال عليه الصلاة والسلام : لله أفرح بعبده التائب من هذا البدوي بناقته " ، فهل الصورة واضحة ؟ هذا كلام النبي في الصحاح لله أفرح بعبده التائب من هذا البدوي بناقته، ماذا تنتظر ؟

( سورة الزمر )

          إذا قال العبد : يا رب وهو راكع ، قال الله : لبَّيك يا عبدي ، فإذا قال العبد : يا رب وهو ساجد ، قال الله له : لبَّيك لبيّك عبدي ، فإذا قال العبد : يا رب وهو عاصٍ ، قال الله له : لبيك ثم لبيك ثم لبيك .

فيا خجلي منه إذا هو قال لـي        أيا عبدنا ما قرأت كتابنــا ؟

أما تستحي منا ويكفيك ما جرى     أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا

أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً    .......  وتنظر ما به جاء وعدنا

* * *

إلى متى أنت باللذات مشغول ؟    ... وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ...    ...... ذاك لعمر في المقال شنيع

لو كان حبك صادقاً لأطعته .....   ........ إن المحب لمن يحب يطيع

* * *

كيف ؟ خالق الكون يعجب ؟ خالق الكون يعجب ؟!

           أنت حي ، هذه الحياة منحةٌ من الله عزَّ وجل ، وبعد الحياة موت، ويعد الموت حسابٌ دقيق ، فكيف ؟ من هنا قال سيدنا علي كرَّم الله وجهه : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " يكون الغني غنياً والفقير فقيراً ،  بعد العرض على الله ، والغنى غنى العمل الصالح .

         فخالق الكون يعجب كيف ؟ منحتُ نعمة الهدى نعمة الإيجاد ، نعمة الهدى والرشاد ، نعمة الإمداد، التقيت رجلاً ، قلت له : ألا ترى أن الله خالق السماوات والأرض إلهٌ عظيم ؟ قال : لا ، قلت له : هل في جسمك شيءٌ غير مُتقن ؟ قال لي : نعم ، الزائدة الدودية ، قلت له : ما رأيت من جسمك إلا الزائدة الدودية ؟ اسمها الذائدة المدافعة هي خط دفاعٍ كاللوزتين ، قال : اللوزتان متعبتان أيضاً .

 

            كيف يعرف الإنسان الله ؟ من صنعته ، من نعمته ، من عقابه ، ورد في الأثر القدسي :" أن يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبني وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟! قال : ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي " ..  ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني .

             القلب السليم فيه تعظيم وخوف وحب معاً ، التعظيم من خلال الآيات الكونية ، مجرة تبعد عنا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية  ، وتحتاج أربع سنوات ضوئية إلى خمسين مليون عام كي نصل إليها بمركبة أرضية ، الأربع السنوات الضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام فثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية كم نحتاج كي نصل إليها ؟ وأين هي؟

( سورة الواقعة )

هذا الإله العظيم أيعصى ؟ لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت .

          إذاً الموت الأول موت العدم ، الإحياء الأول إحياء الدخول في الحياة الدنيا ، الموت الثاني الموت عقب انتهاء العمر في الحياة الدنيا ، والإحياء الثاني هو إحياء يوم القيامة للحساب والجزاء ، ثم يقول الله عزَّ وجل :

 ( سورة البقرة : آية " 29 " )

          دقق .. خلق لكم .. فأنت أحياناً تقيم مأدبة أو وليمة ، هناك ضيف شرف هو الأساس ، تدعو معه صديقه ، جاره ، ابنه ، الأساس هذا الضيف الأول ، صُنِع هذا الطعام خصيصاً لهذا الضيف ، وهو يأكل الطعام يُطرق الباب ، يأتي طارق ، تقول له : أدخل وكل معنا ، هذا دخل وأكل ، لكن هذا الطعام صنع خصيصاً للضيف الأول ، وليس للطارق هذا المعنى مستفاد من كلمة لكم .

          كم معدن موجود في الأرض ؟ معادن تصدأ تصبح أملاحاً ، معادن لا تصدأ ، معادن ثمينة تصلح لأن تكون قِيَماً كالذهب والفضة ، معادن مُشِعَّة ، معادن خفيفة ، الفلذات والمعادن لا يعلم خصائصها ودقائقها وأنواعها وعددها إلا الله ، وأشباه المعادن ، والمواد العضوية ، وأنواع النباتات ، يوجد في البحر مليون نوع من السمك ، من حوتٍ يزيد وزنه عن مائة وخمسين طناً ، إلى سمكةٍ تزينية في أحواض السمك لا يزد طولها عن سنتيمتر واحد ، فسفورية سوداء ، تكون شفافة أحياناً ، تُرى أحشاؤها ، شيء لا يصدق ، هناك أسماك تزينية ، حيتان كبيرة جداً ، مليون نوع من السمك ، كم نوع من الطيور ؟ كم نوع من النباتات ؟ أذكر أنني اطلعت على كتاب مؤلف من ثمانية عشر جزءاً .. كل جزء سماكته هكذا .. كل صفحة فيها نوع من الأبصال، هذه الكتاب كله أبصال فقط غير الورود ، والكتاب تحت يدي ، والورود والنباتات ، وأزهار الزينة ، شيء لا يصدق ، هذه كلها ليست للأكل وإنما لمتعة العين فقط .

       أنواع النباتات ، والحيوانات ، والأطيار ، والأسماك ، والخضراوات ، والفواكه ، وأشجار الزينة لا تعَدُّ ولا تحصى .

      النبات .. فهناك نباتٌ صنع خصيصاً من أجل أثاث بيتك ، كخشب الخيرزان ، هناك خشب للأغراض الصناعية ، تزيد أنواع الأخشاب عن مائة نوع ، هناك آلات للأغراض الصناعية ، لا تعمل إلا على قاعدة من خشب التوت لأن ألياف هذا الخشب مرنة ومتينة ، فحركة المكوك تمتصها القاعدة ، هناك أخشاب تصلح أساساً للأبنية الضخمة ، هناك بناء في ساحة المرجة أساسه من الخشب ، يزداد حجمه  مع الماء ، هناك خشب لا يتأثر بالماء ، والهواء ، والحر ، والبرد إطلاقاً ، وهو خشب النوافذ ، وكأنه مصمم للنوافذ ، لا يتغير مع الأمطار ، والرياح ، والبرد ، والحر ، والتبدلات ، ولا ميليمتر ، ولا يصلح الخشب الأغلى منه لو وضعته للنوافذ ، الخشب الزان .. الزان لأثاث البيوت .. هناك خشب طري كخشب الكبريت ، للأعمال الصناعية سهل التعامل معه جداً ، هذه الأشجار التي صممت لتكون خشباً لك ، هذه باب قائم بذاته ، وهناك أشجار زينة هدفها أن تمتع عينك بها ، أشجار مَظَلاَّت ، وأشجار حدودية ، هناك أشجار تعطيك الكاوشوك ، أشجار تعطيك الفلِّين ، نباتات تعطيك الأدوية ، نباتات تعطيك الأصبغة ، نباتات تأكل منها ، نباتات تعطيك أواني ، نباتات تعطيك حبات المسبحة .. كرة مثقوبة ، جاهزة .. نباتات لتنظِّف أسنانك بها ، نباتات لتنظف ما بين الأسنان .. الخُلَّة ..  نباتات لتكون ورقاً كورق البُردى، قال الله عزَّ وجل :

( سورة الأنعام : آية " 99 " )

هناك نبات ورق ،  نبات سواك ، نبات نكَّاشة أسنان ،  نبات ليفة ، وجه ناعم ووجه خشن .. الخشن على الخشن ، والناعم على الناعم .. أنواع النباتات لا تعد ولا تحصى ، كلها مخلوقةٌ من أجلك ، تكريماً لك .

       الجبال ، الوديان ، الصحارى ، السهول ، البحار ، الأنهار ، البحيرات ، الينابيع ، الجبال العالية، أنواع الحيوانات ، كم غنمة يستهلك البشر في اليوم الواحد ؟ أعداد فلكية ، من خلقها ؟ كم دابة تستخدم لطعام الإنسان في اليوم الواحد ؟ أرقام فلكية .

      تقول القاعدة : إن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به .. الممكن أن تنتفع بمكيِّف دون أن تفقه شيئاً عن تركيبه ، ولا عن آلية عمله ، وهذه من نعم الله العظمى ، تنتفع بكل ما في الأرض دون أن يكون هذا الانتفاع مبنياً على معرفةٍ به ، إذاً هو مُذلل لك ، هناك أجهزة معقَّدة جداً لا تستفيد منها ، إن لم تعلم طريقة تشغيلها وكأن الجهاز ليس له قيمة ، أما كل شيء  خلقه الله جعله مذللاً لك ، ولكن أحياناً تصبح الرياح المذللة أعاصيرَ مدمرة ، والأمطار المنعشة تصبح فيضانات مدمرة ، والأرض المستقرة تصبح زلازَل مدمرة ، ما حكمة الزلازل والفيضانات والعواصف ؟ قال : إذا توهَّم الإنسان أنها تعمل بأمره أو تعمل بإرادته ، أو أنه هو الذي استغلها و سيَّرها فهو واهم ، هو لا يملكها ، تأتيه أحياناً فتنفعه وأحياناً تدمِّره ، إذاً الله عزَّ وجل هو الذي ذللها ، راقب إنساناً يقترب من البقرة ، منظرها مؤنس .. أحد إخواننا قال لي : جنَّت بقرة في الغوطة فقتلت رجلين ، وجرحت الثالث ، ما كان من صاحبها إلا أن أطلق عليها النار فقتلها ، لأنها جنَّت ، علماً أن ثمنها سبعون ألف ليرة ! .. من جعلها مذلَّلة ؟ الجمل لا تخاف منه ، أما العقرب فإنك تخاف منه ، لأنه غير مذلَّل ، الأفعى غير مذلَّلة ، الضبع غير مذلَّل ، أما الجمل فمذلَّل ، الحصان مذلّل ، الدواب مذلَّلة ، قال تعالى :

 

( سورة يس )

أيها الإخوة الكرام ... استنبط العلماء من هذه الآية :

           أن الأصل في الأشياء الإباحة ، لمن خلقت ؟ خلقت للإنسان فهي مباحة ، إلا ما ورد فيه نص تحريمي ، الأصل في الأشياء ، والأفعال الإباحة ، ولا يُحرَّم شيءٌ منها إلا بنصٍّ صحيحٍ قطعي الدلالة ، دينُنا منهجي ، الأصل في الأشياء الإباحة ، والتحريم يحتاج إلى نص صحيح قطعي الدلالة ، أما في العبادات فالعكس ، الأصل فيها الحظر ، ولا تُشرع عبادةٌ إلا بنصٍ صحيح قطعي الدلالة ، فالأشياء أصلها مُباحة ، والعبادات أصلها محظورة ، لذلك الذي يُحرِّم ما خلق الله للإنسان هو إنسان جانب الصواب ..

         قد تقول : الله عزَّ وجل يعلم ، والإنسان يعلم ، تقول : الله عزَّ وجل قدير ، والإنسان .. تقول : رجل قدير .. فهل يُعقل أن تكون قدرة الإنسان كقدرة الله ؟ وأن يكون علم الإنسان كعلم الله ؟ واستواء الإنسان كاستواء الله ؟ الله عزَّ وجل ليس كمثله شيء ، كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك ، لذلك أكمل شيء أن نوكل إلى الله المعنى الدقيق للآيات القليلة جداً المتعلقة بذات الله، كيف استوى الله إلى السماء ؟ الله أعلم بهذا الاستواء ، الاستواء معلوم والكيفُ مجهول والسؤال عنه بدعة ، والإيمان به واجب ، الاستواء معلوم لكن الكيفَ مجهول ، استواء الله غير استواء الإنسان ، استوى زيدٌ على بلاد الشام أي ملكها ، إذا قلنا : ملكها ، فبيد من كانت قبله ؟ هذا المعنى لا يليق بحضرة الله عزَّ وجل ، فالاستواء إذا نسب إلى الله فهناك معنى لا يمكن أن يكون كالمعنى البشري ، لأن الله ليس كمثله شيء ، لذلك قال الإمام مالك  : " الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب " ، هذا متعلقٌ بذات الله ، الأكمل أن نَكِلَ إلى الله المعنى الدقيق للأشياء المتعلقة بذات الله ، أو أن نُؤوِّلها تأويلاً وفق ما يليق بكمال الله ..

( سورة الفجر : آية " 22 " )

أي جاء أمره ..

 

( سورة الأنفال )

أي علمه .. وهكذا ..

        هناك تفسير دقيق ، وجيد ، ومقنع ، وراجح ، هو أن هذه السماوات السبع سبعٌ بشكلٌ دقيق ، أحصى .. علماء التفسير .. خلال ألف ومائتي عام  الكواكب فوجدوا أنها :خمسة وهي : عطارد ، والزهرة ، والمريخ، والمشتري ، وزحل .. والآية سبعة ، أضافوا الشمس والقمر فصار العدد سبعة ، لكن الله عزَّ وجل يقول :

( سورة نوح )

          في هذه الآية لا علاقة للشمس والقمر بالسماوات السبع ، اكتُشف بعد ألف ومائتي عام أنه يوجد نجم سادس وهو .. أورانس ، ونجم سابع وهو نبتون .. فكأن هذه الآية تشير إلى المجموعة الشمسية ، والشمس مركز هذه المجموعة ، والقمر تابع للأرض ، فكواكب المجموعة الشمسية كما اتضح بعد ألف ومائتي عام هي سبعة نجوم : عطارد والزهرة ، والمريخ ، والمشتري ، وزحل ، وأورانس ، ونبتون  ..

         أيها الإخوة الكرام ... وثمة تفسير آخر : كلمة سبعة تفيد التكثير في اللغة العربية ، والقرآن حمَّال أوجه ، لك أن تَعُد أن هناك سماوات كثيرة ، ولك أن تقول : هناك سبع سماوات ، هي سبعة نجوم سيّارة حول الشمس ..

             على كلٍ هذه الأشياء مسخَّرةٌ لنا ، ونحن لم نفعل شيئاً إلا أننا انتفعنا بها ، كل شيء ظن الإنسان أنه قدَّمه هو موجود في الأرض هو كشفه فقط ، هل هناك إنسان صنع معدناً ؟ إنه اكتشف المعدن ، ولكن عندنا وهم كبير أن الإنسان حقق معجزات ، لم يفعل الإنسان شيئاً إلا أنه اكتشف واستفاد ، أما الأشياء فهي موجودة ، المعادن موجودة ، البترول موجود ، كل شيء يزهو الإنسان به موجود في الأرض ، ومسخَّر ، ومذلل ، والدليل :

           الشيء نفسه أحياناً يستعصي ، الأرض مذللة فإذا اهتزت انتهى كل شيء ، والرياح مذللة ، فإذا هاجت دمَّرت كل شيء ، والماء مذلل ، فإذا زاد عن حدِّه المعقول دمَّر كل شيء ، معنى هذا أن فيضان الأنهار ، وانتشار العواصف المدمِّرة ، وزلزال الأرض هذا يؤكِّد أن الإنسان ضعيف ، وأنَ هذه الأشياء المذللة له أرادها الله مذللة ، فماذا إذا أخرجها عن طبيعتها .. تملك  بريطانيا أكبر قطيع بقر في العالم ، وهي الدولة الأولى المصدّرة للحوم البقر ، وتوابع هذه اللحوم ، أطعمت البقر طحين لحم الجِيَف ، علماً أنه البقر مصمم ليكون غذاؤه نباتياً ، فأطعموه طحين اللحم ، فجنَّ البقر، هذا الجنون اسمه الاعتلال الإسفنجي الدماغي ، اضطرهم هذا الجنون إلى حرق ثلاثة عشر مليون بقرة ، ثمنها ثلاثة وثلاثون مليار جنيه إسترليني .. حينما جنَّت لم تعد مذللة ، ومرضها قد ينتقل إلى الإنسان ، هذا شيء خطير جداً ، توقفت كل هذه التجارة ، فالأشياء مذللة وإذا ظنّ الإنسان أنه سخَّر الطبيعة ، وسيطر عليها ، واستغلَّها ، وهي تعمل بإمرته، فإن هذا كلام فيه جهل كبير جداً ،  الشيء المذلل يستعصي بلحظة من اللحظات على أن يكون مذللاً لك ، وهذا الشيء نراه كل يوم ، إنسان يمشي ، ولكنه يصبح مشلولاً بلحظة ، يرى بلحظة يفقد بصره ، يسمع بلحظة يفقد سمعه ، يفكر بلحظة يفقد عقله ، بلحظة يموت  .

        كنَّا في تعزية البارحة ، شابٌ في الثانية والثلاثين عاماً ، في ريعان الشباب ، حافظٌ لكتاب الله ، متقنٌ للقراءات العشر ، توفَّاه الله عزَّ وجل بسبب صغيرٍ جداً ، أصابه سعال شديد ، وارتفع ضغطه ، فسبب له سكتة دماغية ، وعمره اثنان وثلاثون سنة ، من منَّا يضمن أن يعيش ثانيةً واحدة ؟ الله عزَّ وجل هو الذي خلق حياة الإنسان ، وهو يخلق الموت ، فهو :

( سورة الملك )

            فما بين الحياة والموت ينبغي أن يكون لله عزَّ وجل ، القوس الأول للحياة ، والقوس الثاني هو الموت ، وأنت بين قوسين ، وخالق الحياة هو الله ، وخالق الموت هو الله ، وهو معك دائماً فكيف تعصيه ؟ هذا شيء مستحيل .

فاليوم درسنا أيها الإخوة ...

استفهام تعجُّبي ، استفهام إنكاري ، استفهام توبيخي ..

         والله أيها الإخوة الموت وحده أكبر درس ، كل شيء تملكه تفقده بثانية ، يكون الميت درج خاصّ فيه بعض التحف ، يُفتح هذا الدرج وتؤخذ مقتنياته ، يؤخذ مفتاح سيّارته ، لا يوجد شيء في حياته حريص عليه إلا بعد موته ويفقده ، يُصبح جثةً هامدةً ، يكون معه مئات الملايين، الخام أسمر ، وليس مقصوراً ، لأنه يحرم استعمال المقصور .. الكفن خام أسمر ، والقبر .. لا يوجد قبر خمس نجوم ، ولا نجمة ، توجد نجوم الظهر ، هذا هو القبر .. فالقبر هو المثوى الأخير ، مهما اعتنيت ببيتك القبر هو المثوى الأخير .. " كفى بالموت واعظاً يا عمر .. هذا الحدث الذي لا بدَّ منه ، العاقل ، والذكي ، والموفَّق الذي يُعِد لهذه الساعة التي لا بدَّ منها ، هذا الحدث .. حدث الموت .. ينبغي أن لا تفاجأ به ، ينبغي أن تسعى ليلاً نهاراً إعداداً له ، لأن القبر سيكون روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران .. فآل فرعون ..

 ( سورة غافر: آية " 46 " )

منذ ستة آلاف سنة ..

       هذا القبر ، والقبر مصير كل حيّ ، فنحن في هذا المسجد كم أخ كان معنا ثم فقدناه ؟ والله مئات ، كان ملء السمع والبصر توفاه الله عزَّ وجل ، وأصبح رهين عمله ، وكلنا على هذا الطريق سائرون ، والموت مصير كل حيّ ..

( سورة البقرة : آية " 28 " )

       كنا في طور العدم أحيانا الله ، ثم أماتنا ، ثم يحينا للحساب والجزاء ، وكل ما في الكون خُلِق لنا ، خُلِق لنا تكريماً ، وخلق لنا تعريفاً ، خلق لنا تكريماً ، وتعريفاً ، ويمكن أن تنتفع بهذه الأشياء دون أن تعلم عنها شيئاً .

      نعمة واحدة ، إنسان ينام ، ويتنفَّس طوال الليل ، يوجد مركز في البصلة السيسائية مسؤول عن تنبيه الرئة النومي ، لو تعطَّل هذا المركز تصبح حياة الإنسان جحيماً ، ينام فيموت ، إنه يحتاج إلى التنفُّس الإرادي ، يُقَلِّص ويضغط ، هذا المرض يصيب بعض الأشخاص ، طبعاً من يصابون به يموتون على الفور ، لأن الذي ينام يموت ، حيث أن مركز التنفس المركز معطَّل ، فيتوقف التنفس ، فيموت الإنسان ، وجد له دواء الآن ، ولكنه غالٍ جداً ، ويجب أن تأخذه كل ساعة بالليل ، يضع المريض عدة منبهات ، فهل تعرفون نعمة التنفُّس الآلي ؟ نعمة الهضم الآلي يحتاج الطعام خمس ساعات ليُهضم ، وبآلية معقدة جداً ؛ حمض كلور الماء ، والبنكرياس ، والصفراء ، والكبد ، أنت كل وامشِ فقط ، كل واذهب إلى النوم ، لو كان الهضم بأيدينا .. عندي هضم لا أقدر !! لا أقدر أن أذهب عندي هضم ، الهضم كل وارتح ، يعمل القلب آلياً ، لو كان القلب بيدك ، فالانتحار وشيك ، فكلْ وارتح ، ليس القلب بيدك  ... والرئتان كذلك ، ملايين النعم نعيشها ، ولا نعرف عنها شيئاً ، أنت تمشي كتوازناً على قدمين ، لو اختل جهاز التوازن .

هذا فضل الله علينا ، ما علينا إلا أن نطيعه ، وأن نحبَّه ، وأن نعظَِّمه ، وأن نخافه ، وأن نُخلص إليه ، وأن نشتاق إليه ، وأن نجعل إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi