English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :18/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات : " 31  -  32 - 33 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد أحمد الحمصي  والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

بسم الله الرحمن الرحيم

 

                الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

             أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثامن عشر من سورة البقرة ، ومع الآية الواحدة والثلاثين وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة الكرام ... محور هذه الآيات أن آدم عليه السلام ، وذُرِّيّته مخلوقاتٌ متميِّزة قبلت حمل الأمانة ، وحينما قبلت حمل الأمانة فُتِحت لها أبواب المعارف ، فسيدنا آدم علَّمه الله ، وحينما يعلّم الله الإنسان فإن هذا الشيء يصعب تصوره ، الله عزَّ وجل علَّم النبي ، قال تعالى :

( سورة النجم )

      ففضل علم النبي على علم أعلم علماء الأرض كفضل الله على خلقه ، يتباهى الطالب أحياناً أنَّه تلميذ فلان ، علَّمني فلان ، علَّمني هذا الأستاذ الكبير ، فكلَّما كان قدر المُعَلِّم كبيراً كان افتخار الطالب بمعلِّمه أكثر ، فإذا كان المعلّم هو الله ، فهذا الشيء يكاد لا يُصدَّق ، لأن الله يعلَّم الإنسان بطريقةٍ تعطيه كل شيء في أقلّ زمن ، الطالب الآن يأتي ببعض الأحاديث الشريفة ، يضبطها ، ويشرحها ، ويستنبط منها بعض الأحكام ، ويقدِّم هذا البحث رسالة دكتوراه ، تُناقش هذه الرسالة ويُعطى لقب دكتور ، لماذا ؟ لأنه فهم بعض أحاديث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فأين مقام النبي عليه الصلاة والسلام ؟

يا أيها الأمي حسبك رتبةٌ     في العلم أن دانت لك العلماء

أقف عند كلمة :

          كما أن الله علَّم آدم الأسماء علَّم النبي عليه الصلاة والسلام كل شيء ، لماذا جعله أُمِّياً؟ لأنه لو استقى من ثقافات عصره ، ثم جاءه وحيّ السماء لتداخلَ علم الأرض مع علم السماء ، ولو كان الأمر كذلك .. لسأله أصحابه كل دقيقة ، هل هذا الكلام من ثقافتك أم من وحي السماء ؟ فالله سبحانه وتعالى جعل وعاء النبي خالياً من كل ثقافةٍ أرضية ، وجعله ..

( سورة النجم )

علّم الله آدم عليه السلام ، كما أن الله عزَّ وجل علَّم نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام ..

        اختلف العلماء في هذه الكلمة ، أولاً اختلفوا في آدم ، لمَ سمِّي آدمُ آدماً ؟ قال : لأنه أُخِذَ من أديم الأرض .. من تراب الأرض .. وصنعه الله بيده ، ونَفَخَ فيه من روحه ، فهو المخلوق الأول ..

( سورة الإسراء )

           فالإنسان كما تعلمون رُكِّب من عقلٍ وشهوة ، فيه قبضةٌ من تراب الأرض ، وفيه نفخةٌ من روح الله ، فإذا سَمَتْ نفخة الروح على تراب الأرض كان فوق الملائكة ، وإذا سَمَتْ قبضة التراب على نفخة الله عزَّ وجل كان دون الحيوان ، هو وحده يتذبذب بين أن يكون فوق الملائكة ..

 

 ( سورة البينة )

وبين أن يكون شَرَّ البرية ..

( سورة البينة )

            وضع الإنسان يتذبذب بين أن يكون فوق الملائكة المقرَّبين ، وبين أن يكون في أسفل سافلين ، فيه قبضةٌ من تراب الأرض ؛ يأكل ويشرب ، ويشتهي النساء ، ويشتهي أن يستريح ، وأن يستمْتِع ، هذا الخلود إلى الأرض ، ويتمنى أن يعرف الله ، وأن يكون مستقيماً على أمره ، وأن يكون محبَّاً له ، وأن ينشر الخير بين الخلائق ، هذه نفخة الروح التي في كيانه ، فيه نفخةٌ من روح الله ، وفيه قبضةٌ من تراب الأرض ، لذلك  حينما قبِل الإنسان حمل الأمانة كان المخلوق الأول .

( سورة الأحزاب : آية " 72 " )

         وهو المخلوق الأول لمجرد أنه قبِل حمل الأمانة ، لأنه المخلوق الأول سُخِّرت له السماوات والأرض جميعاً .

        في هذه الآيات إشاراتٌ لطيفة إلى أن مقام آدم هو المقام الأول ، عرَّفه الله عزَّ وجل ، إذاً آدم من أديم الأرض ..

           وتعليم الله عزَّ وجل متميّزٌ عن تعليم البشر ، فحينما يعلّمك الله عزَّ وجل تغدو أعلم علماء الأرض، علَّم الله أنبياءه ، علَّمهم بالوحيّ ، أو كلَّمهم ، أو قرَّبهم إليه ، أما بنو البشر فيتعلَّمون من علم الأنبياء ، نحن الأمية فينا صفة نقصٍ ، لأنه لا سبيل لنا للتعلُّم إلا عن طريق علم الأنبياء ، لابدًّ أن نقرأ أحاديث رسول الله ، لابدَّ أن نقرأ القرآن ، لابدَّ أن نفهم تفسيره ، فنحن نتعلَّم بالتعلُّم ، يقول عليه الصلاة والسلام : " إنما العلم بالتعلُّم " ، الأنبياء يتعلَّمون بالوحيّ ، لكن المؤمنين يتعلَّمون بالقراءة والكتابة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :" إنما العلم بالتعلُّم ، وإنما الحِلم بالتحلَّم ، وإنما الكرم بالتكرُّم " .

بينما الأنبياء :


         أما الأسماء التي وردت في هذه الآية فهناك اختلافٌ كبير بين المفسرين ، يوجد عندنا اسم ومسمَّى ، هذا منديل ، فإن هذا مسمَّى ، ومنديل اسم ، ولا اسم بلا مسمّى ، قال بعض المفسرين : حينما خلق الله عز وجل المسميات كلَّها علَّم آدم أسماءها ، وكأن الله أراد من هذه الآية أن يبين أن لآدم طريقاً إلى الله يعلِّمه كلّ شيء ، والإنسان - وهو ابن آدم - حينما يصدق في طلب شيء فالله عزَّ وجل يعطيه إيَّاه ..

           وبعضهم قال : " علَّمه أسماء ذرِّيته جميعاً لأن كل ذرِّيته في ظهره " . وبعضهم قال: " علَّمه أسماء الملائكة " . وبعضهم قال : " علَّمه أسماء الله الحُسنى " ، فلك أن تختار من بين هذه التفسيرات  ، إما أنه علَّمه أسماءه الحسنى وصفاته الفُضلى ، أو علَّمه أسماء الملائكة ، أو علَّمه أسماء ذرٍّيته جميعاً ، أو علًّمه حقائق الكون ، علَّمه المُسَمَّيات و أسماءها ، هذه التأويلات المحتملة لهذه الكلمة ..

الملائكة مما أشفقوا ولم يحملوا الأمانة ؟

        الملائكة مخلوقاتٌ عابدةٌ ، منيبةٌ ، متَّصلةٌ بالله عزَّ وجل ، تسبح الله دائماً ، ولكنّها ليست مُكَلَّفة - ليس عندها تكليف - ليس عندها نجاح أو رسوب ، فلاح أو سقوط ، جنَّةٌ أو نار ، مستقبلها مضمون لأنها لم تخاطر ، لكن الإنسان قال : أنا لها وحملها الإنسان ، فالذي قَبِلَ المغامرة يفوق الذي أَشْفَقَ من هذه المغامرة فيما لو نجح ، لذلك يتّضح من خلال هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى كرَّم الإنسان وجعله المخلوق الأول ، وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً ، بل إن العلماء يقولون : " المؤمن إذا عرف الله عزَّ وجل وأدَّى الأمانة التي أُنيطت به ، وحقق الهدف الذي من أجله خُلِق فهو فوق الملائكة المقرَّبين " ، وعند بعض العلماء بعض المقولات ، الرسل من بني البشر أعظم من رسل الملائكة ، والأولياء من بني البشر أعظم من أولياء الملائكة، ولكن  إذا وازنَّا الملَك بمخلوقٍ شاردٍ عن الله عزَّ وجل فإن ذرَّةً من هذا المَلَك أفضل من مليار إنسان عاصٍ ، أما حينما يرشد الإنسان ، ويتَّصل بالله عزَّ وجل فهو فوق الملائكة المقرَّبين..

ماذا قالت الملائكة ؟ ..

( سورة البقرة : آية " 30 " )

     إنَّ هذا المخلوق البشري إذا عرف الله وصل إلى مرتبةٍ لا تصل الملائكة إليها ، مقامه يتذبذب بين أن يسبق الملائكة ، وبين أن يكون من أَحَط المخلوقات ، رجل خان جاره في زوجته أثناء سفره  في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، فبلغ النبي ذلك ، وقد قتله كلبٌ ، فقال عليه الصلاة والسلام : " خان صاحبه ، وقتله الكلب ، والكلب خيرٌ منه" .

       شيء دقيق ، أنت حينما تعرف الله ، وتستقيم على أمره ، وتسمو إليه فأنت في المرتبة الأولى من مخلوقات الأرض ؛ وحينما تخلد إلى الأرض وتتبع هواك ، وتُغلب فأنت دون كل المخلوقات ، فهذه المرتبة التي تتلوّن ، وتتذبذب بين قمَّة المجد ، وبين حضيض السقوط ، هكذا الإنسان، إما أنه خير البرية ، وإما أنه شَرُّ البرية ، ومتاحٌ لك أن تكون من خير البرية ، لأن هذه الشهوات التي غُلِبت بها رُسِمت لها قنواتٌ نظيفة تسري خلالها ، فليس في الإسلام حِرْمان ، ولكن في الإسلام انضباط ، عملية ضبط ، فأية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها ، بل إنني أقول لكم : إن استمتاع المؤمن بالحلال فيه متعةٌ ، وطمأنينةٌ وسعادةٌ تفوق بكثير متعة المنحرف العاصي بالحرام ، شَتَّان بين الزواج والزنا ، وشتَّان بين كسب المال الحلال وبين كسب المال الحرام، وشتَّان بين أن تعلو في الأرض بعملٍ صالح ، أو بجريمةٍ فظيعة.

       أيها الإخوة الكرام ... نحن أمام خيار مصيري ، إما أن تكون المخلوق الأول ، وإما أن يهبط الإنسان فيكون في أسفل سافلين ، في الدرجة الدنيا ..

          أنتم يا ملائكتي الذين قلتم في أنفسكم : لعل هذا المخلوق يُفسِد ، ويسفِكُ الدماء ، ونحن نسبح الله عزَّ وجل ، فقال الله عزَّ وجل :

          ذكرت لكم في الدرس الماضي .. أن الكمال في الجامعة لا أن ينجح كل الطُلاَّب ، بل أن تأتي النتائج وفق المقدِّمات ، حيث ينجح المتفوِّق ، ويرسب الكسول ، وهكذا الإنسان مخيّر ، فإما أن تختار الحقيقة ، وإما أن تختار الشهوة ، إما أن تختار المصلحة ، وإما أن تختار المبدأ ، إما أن تختار الآخرة ، وإما أن تختار الدنيا ، أنت مخيّر ، ولأنك مخيّر فالنتائج متباينة ، إذا أَعْطَينا للطلاب حرية الاختيار في الدراسة أو عدمها ، ورسب مجموعة من الطلاب ، هذا لا يعني أن نغلق الجامعة ، بل بالعكس ، نتابع افتتاح الجامعات ونقول : كلٌ يلقى نتائج عمله ، فالطالب المجتهد يلقى نتائج عمله ، والطالب الكسول يلقى نتائج عمله ..أعطى الله عزَّ وجل الملائكة درساً لا يُنسَى ، أنتم الذين قلتم :

          وهذا آدم ، وقد ورد : " أن آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" ،  استنبط بعض العلماء من هذا الحديث أن هذا النبي الكريم .. أبو البشر .. يأتي في مقامه بعد مقام محمدٍ عليه الصلاة والسلام آدم ومن دونه .

         وذكرت قبل قليل أنه لك أن تفهم الأسماء أنها أسماء ذريّته جميعاً ، أو أسماء الملائكة كلَّهم ، أو أسماء المُسميات جميعاً ، إما أنه علَّمه حقائق الوجود ، أو علَّمه أسماء الملائكة ، أو علَّمه أسماء ذريّته ، أو علَّمه أسماءه الحسنى ، على كلٍ هذا الإنسان لتميّزه بقبول حمل الأمانة استحق أن يُكشَف له الغطاء ، فيعلم من الله ما لم يعلم غيره من الله ..

هذا الذي خلقته ، وهذا الذي جعلته خليفتي في الأرض ، هل عندكم شيء من علمه ؟

            ماذا تعرفون من هذه الأسماء ؟ وهذا ينقلنا إلى موضوعٍ دقيق ، الله عزَّ وجل قد يعطي الأدنى ما يفوق الأعلى ، سيدنا موسى نبيٌّ كريم سئِل : من أعلم من في الأرض ؟ قال : أنا ، فلفـت ربنا عزَّ وجل نظره إلى شيءٍ لم يكن في الحُسبان ، أعطى الله سيدنا الخضِر سرَّ الأمر التكليفي، فلمَّا ترافق سيدنا موسى مع سيدنا الخضر اعترض عليه ، وإذا بالخضر عليه السلام يعطيه حقائق الأمور ويعطيه حِكَم أفعال الله عزَّ وجل ، فإذا كان الله تعالى قد خصَّ موسى بالأمر التكليفي فقد خصَّ الخضر عليه السلام بالأمر التكويني ، بسرِّ الأمر التكويني ، يعطي الله عزَّ وجل الأدنى ما يفوق به الأعلى ، وكلفت نظرٍ قال الهدهد - هدهد سليمان - :

( سورة النمل : آية " 22 " )

         سيدنا سليمان الذي آتاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده ، سيدنا سليمان الذي سخَّر الله له الريح ، سيدنا سليمان الذي علَّمه الله لغة الطير ..

( سورة النمل )

فقال له الهدهد :

         أي أنَّ هذا درس فلا تقل : أنا أعلم من في الأرض ،  لا تقل : أنا متفوق في كذا ، الله يغيِّر في لحظة .. الله عزَّ وجل طليق الإرادة .. يعطي من هو أدنى منك شيئاً يفوقك به ، قيل : إن الإمام أبا حنيفة رأى مرة طفلاً يمشي في الطريق وأمامه حفرة فقال له : احذر يا غلام أن تسقط ، فقال له الغلام : بل احذر أنت يا إمام أن تسقط ، إني إن سقطت سقطت وحدي ، وإنك إن سقطت سقط معك العالم .

      كان سيدنا عبد الله بن الزبير في المدينة مع بعض الغلمان ، فمرَّ سيدنا عمر ، تفرَّق الأولاد إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً في مكانه فقال له سيدنا عمر : يا غلام لمَ لمْ تهرب مع من هرب؟ فقال له : " أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني ويسعك " .. فدائماً لا تقل : أنا ، هناك دروس بليغة جداً في الحياة .

أيها الإخوة ...

  ( سورة البقرة : آية " 32 " )

           أي أنَّ هذا الذي اعترضتم عليه ، ظننتم أنكم أفضل منه ، هذا الذي توهَّمتهم أنه سيسفك الدماء ، ويُفسِد في الأرض علمه أعلى من علمكم ، لكن هناك سؤال : إنك أنت الذي علَّمته ، فأنت الذي ميزته علينا ؟ الجواب : أن علم الإنسان بحسب صدقه ، فكلَّما كان أكثر صدقاً في طلب الحقيقة كان علمه من الله عزَّ وجل أعمق وأشمل ، فحجم علم الإنسان بحجم صدقه في طلب الحقيقة ، لذلك يُعَدُّ النبي عليه الصلاة والسلام أعلمنا بالله عزَّ وجل ، قال عن نفسه صلى الله عليه وسلَّم :

"أشدُّكم لله خشيةً أنا ، وأنا أعلمكم بالله " .

       أي أن العلم متعلق بالصدق ، فكلَّما كنت أكثر صدقاً في طلب الحقيقة ، كلَّما كنت أكثر صدقاً في معرفة الله كلَّما كنت أكثر علماً ، فيبدو أن هذا النبي الكريم أبو البشر .. سيدنا آدم .. كان طلبه للمعرفة عالياً جداً ، فعلَّمه الله ما لم يعلِّم الملائكة ، أما حينما نفهم الآية فهماً ساذجاً أن الله علَّمه ، ثم قال :

         لا تعلمون ، إذاً هو أفضل منكم ، هذا الشيء بهذا الشكل غير مقبول ، أما علمه الذي فاق به الملائكة بسبب محبَّته لله ، وصدقه في طلب الحقيقة ، وإقباله على الله ، فهناك شيء منه ، تجد أخّوين ، أحدهما تابع دراسته حتى الدكتوراه ، والآخر قنع بابتدائية ، أو بإعدادية ، والأب واحد ، والأم واحدة ، هذا اختيار ، فيبدو أن هذا النبي العظيم أبو الأنبياء أراد أن يكون في أعلى مرتبة ، منحه الله إياها ، فلمَّا اعترضت الملائكة قال :

         لنا هنا وقفة متأنّية ، إخواننا الكرام ... كما قال الإمام الشافعي : " كلّما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " ، والإنسان المتعلّم أو طالب العلم الشرعي يجب أن يكون متواضعاً جداً ، وأن يُجْري على لسانه كلمة لا أدري ، لا أدري نصف العلم ، جاء وفد من المغرب إلى المشرق معهم أسئلة عديدة جداً ، فالتقوا الإمام مالك .. إمام دار الهجرة .. عرضوا عليه مجموعة أسئلة فأجاب عن ثلثها ، وأما الأسئلة الباقية فقال منها : لا أدري ، قالوا : يا الله الإمام مالك ؟- إمام دار الهجرة .. لا يدري ؟! قال لهم : قولوا لأهل المغرب الإمام مالك لا يدري .

       عوّد نفسك أن تقول عن شيء لا تعلمه : واللهِ لا أعلم ، إن قلت : لا أعلم فأنت عالم ، أما هذا الذي يعلم كل شيء فهو لا يعلم شيئاً إنه كذَّاب ، عَوِّد تلاميذك ، عود إخوانك كلمة لا أعلم طبيعية جداً، وأنت في مكانك العلي لا تستحي أن تقول : لا أعلم ، لأنك إذا قلت ما لا تعلم فقد اقترفت إثماً مبيناً ، وردت المعاصي في كتاب الله بشكل تصاعدي ؛ الفحشاء ، والمنكر ، الإثم ، والعدوان ، والشرك ، والكفر ، وأعلى معصية هي :

( سورة البقرة )

        يقول الإمام الغزالي : " العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون " . وَطِّن نفسك أن تقول ..إذا سئلت هذه الآية ما معناها ؟ أن تقول : والله لا أدري أراجعها إن شاء الله .. ما معنى هذا الحديث ؟ والله لا أدري أراجعه إن شاء الله ، فأنت عالم ، هذه الموضوعية ، وهذا التواضع العلمي ، أما أن تجيب عن كل شيء بسرعة وبلا تريّث ، وبلا تَرَوّي ..فهذا من الجهل ، ومن القول على الله ما لا تعلم !

( سورة البقرة : آية " 32 " )

          نحن لا نعلم يا رب إلا أن تعلّمنا ، توجد في السيرة النبوية أشياء مخيفة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام على علوّ قدره ، وعِظَم شأنه ، وقربه من الله ، واستنارة قلبه ، والوحيّ يتنزَّل عليه جاءه أناسٌ من إحدى القبائل وطلبوا منه قُرَّاء للقرآن الكريم كي يعلّموا قومهم ، أرسل معهم سبعين قارئاً فذبحوهم في الطريق ، لِمَ لم يعلم ؟ معنى ذلك أن النبي لا يعلم إلا أن يُعلِمَه الله ، أي مخلوقٍ لا يعلم بذاته أبداً إلا أن يُعلِمك الله عزَّ وجل ، مع أن الوحي جاءه في موضوعاتٍ كثيرةٍ جداً وهي أقل شأناً من هذا ، ولكن هذا درس هو لا يعلم - على علوّ قدرة - إلا أن يُعلِمه الله ، فقد يلقي الله في قلبك العلم وقد لا يُلقي فلا تعلم ، فهذا الموقف الأديب :

       كن طبيعياً ، سؤال فقهي ، والله سأُراجعه ، فُتيا ، دعني أُفكِّر فيها ، هل تعلم ما معنى هذه الآية ؟ لا والله لا أعلم ، لا أعلم أنت عالم، أما كلَّما سئِلت أجبت إجابة طائشة ، فمعنى ذلك أنك لا تعلم ، عوّد نفسك أن تقول :

      أذكر أن النبي اللهمَّ صلِّ عليه سُئِل : أي البلاد شر ؟ قال : سأسأل جبريل لأنني لا أعلم .. فلما جاءه جبريل قال : خير البلاد مساجدها ، وشرّها أسواقها .

خيرها مساجدها ، ففيها علم ، ومعرفة ، ووجهة إلى الله عزَّ وجل ، وشرُّها أسواقها ، النبي سيد الخلق وُضِع في ظروف يقول : لا أعلم ، تُرِك له هامش اجتهادي طفيف جداً ، فإذا أصاب فالوحي يؤيِّدُهُ ، وإذا جانب الأولى يأتي الوحي ويصوِّب له ، هذا الهامش الاجتهادي ليكون هناك فرقٌ بين مقام الألوهية ومقام النبوّة  ..

        علم الله مطلق ، وحكمته مطلقة ، وعدله مطلق ، ورحمته مطلقة، وإرادته مطلقة ، فالاعتراض أو التساؤل في أفعال الله ، وفي علمه يحتاج إلى معالجة ، وها قد عُولِج الملائكة بهذه القصَّة .

      يمكن أن نستنبط من هذه الآيات الثلاث أن علم الإنسان بقدر صدقه في معرفة الحقيقة ، ومن زادك في العلم زادك في القُرب ، والعلم المقصود هو الذي أراده الله عزَّ وجل ، وليس العلم المُطْلَق.

      ذكرت لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في المسجد ، فرأى رجلاً تحلَّق الناس حوله ، فسأل سؤال العارف : من هذا ؟ قالوا : هذا نسَّابة ...

     اللهمَّ إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع ، العلم الذي أراده الله ، هو العلم بالله ، والعلم بأسمائه الحسنى، والعلم بصفاته الفضلى ، والعلم بأمره ونهيه ، حجم الإنسان من هذا العلم بحجم صدقه في طلب الحقيقة ، لذلك فاق سيدنا آدم الملائكة ؛ والدليل أن الله عزَّ وجل قال :

أيها الإخوة ...  العلم هو الذي يرفعك عند الله ، والدليل :

( سورة الزمر : آية " 9 " )

تطبيقاً لهذا الدرس .. الذي يرفعك عند الله هو العلم ، الآية الأولى :

        هذا استفهام إنكاري ، أي لا يستوون .. فالناس رجلان ؛ يعلم ، ولا يعلم ، وشتَّان بين من يعلم ، وبين من لا يعلم  .. " الناس رجلان ؛ عالمٌ ، ومتعلم ، ولا خير في من سواهما " .

يقول سيدنا علي : الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربَّاني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاع ، أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركنه الوثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم" ، ويقول سيدنا علي : " العلم خيرٌ من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق " .

وإذا كنت طموحاً فاقرأ هذه الآية :

 

( سورة طه )

لم يقل : زدني مالاً ، لم يقل : زدني جاهاً ..

الشيء الثالث : يتفاوت العلماء في علمهم ..

 

( سورة المجادلة )

         الشيء الرابع : " من سلك طريقاً يريد به علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة " ، حينما يأتي الإنسان من بيته ليتعلَّم كتاب الله ، ليفهم تفسير آيات الله ، هذا الطريق من بيتك إلى المسجد هو الطريق إلى الجنة ، وطالب العلم يؤْثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، " والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً " ، و" يظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهِل " ، وحينما تتعلم اقرأ قوله تعالى :

 

( سورة يوسف )

وحينما تتوسَّع في معرفة اختصاصٍ ما فاقرأ قوله تعالى :

 

( سورة الإسراء : آية " 85 " )

      أبيّن من حين لآخر عظمة الله عزَّ وجل من خلال خلقه ، أقول : طول لسان لهيب الشمس ستمائة ألف كيلو متر إلى مليون ، مليون كيلو متر لسان اللهب ؟ ثم اطلعت على بحثٍ في الفلك فإذا هناك شمسٌ تزيد بحجمها عن شمسنا اثنين واثنين بالعشرة بليون مرَّة ، ولسان لهبها مائة وخمسون سنة ضوئية ..

 

      اجتمع الناس حول عالم شاب مرة ، وانتفعوا بعلمه ، فجاء رجل ليُصَغِّرَهُ ، قال له : يا هذا هذا الذي تقوله ما سمعناه ، فقال له : وهل حصَّلت العلم كلَّه ؟ فأسقط في يده ، قال له : لا ، قال له : كم حصَّلت منه ؟ قال : بعض العلم ، قال : هذا من الشطر الذي لا تعرفه .. " كلَّما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " .. العالم الحقيقي متواضع ، لأنه كلَّما ازداد علماً ازداد شعوراً بعظمة الله عزَّ وجل ، فتضاءل في نفسه .

فيا أيها الإخوة ، هذا درس لنا ..

وفي درسٍ قادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi