English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :19/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات : " 34 - 35 -36 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد أحمد الحمصي  والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس التاسع عشر من سورة البقرة ، ومع الآية الرابعة والثلاثين وهي قوله تعالى :

 

 ( سورة البقرة : آية " 34 " )

      الحقيقة أن السجود لله وحده ، ولكن تنفيذُ أمر الله سجودٌ لله ، لو أن آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له لما أمكن أن ينفَّذ هذا الأمر ، ولكن لأن الله عزَّ وجل أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم ، فَهُمْ حينما سجدوا فقد نَفَّذوا أمر الله عزَّ وجل ، ألا ترى أن الله يأمرك في الحج أن تُقَبِّلَ الحجر الأسود ، وبأمرك أن ترجُم حجراً آخر يمثِّل إبليس ، فأنت حينما تقبل هذا الحجر ، وتعظمه إنما تنفذ أمر الله ، وحينما أمرك أن ترجم هذا الحجر ، وتحقِّره إنما نفذت أمر الله عزَّ وجل ، وكل أمرٍ لله عزَّ وجل يقتضي الوجوب ، ولله حكمةٌ ما بعدها حكمة ، وعدل ما بعده عدل ، ورحمةٌ ما بعدها رحمة ، وعندما تقول : إنك مؤمن ، أي أنك مؤمن بحكمة الله المطلقة ، مؤمنٌ بعلمه المُطلق ، مؤمنٌ برحمته المطلقة ، فالسجود لله عزَّ وجل ، ولكن سجود الملائكة لآدم سجود اعتراف بالفضل ، حينما سجد أخوة يوسف :

( سورة يوسف )

    قال : هذا السجود سجود الخضوع ، سيكون هذا الطفل الذي ائتمر عليه إخوته سيكون عند الله في مكانٍ عَلِيّ ، فرأى في المنام أن هؤلاء الذين حوله خاضعون له ، وقال في نهاية القصة :

 

( سورة يوسف : آية " 100 " )

      فالسجود سجود الخضوع ، وحينما قال عليه الصلاة والسلام :" لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " .

هو سجود الخضوع ، والقبول ، وتلقي الأمر..

     " المرأة إذا صامت شهرها ، وصلت خمسها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها "

     الزوجية نظام ، مركبة لابدَّ لها من قائدٍ واحد ، لا يصلح الأمر عندما يكون قائدان لمركبة واحدة، عندئذٍ تفسد ، قال تعالى :

 

 ( سورة البقرة : آية " 228 " )

     درجة القيادة ، فزوجته شريكته ، لكن لهذه الأسرة قائدٌ واحد ، مسؤولٌ واحد في الأمور الحاسمة، صاحب القرار واحد وهكذا ، فالسجود سجود الخضوع ، أما سجود الملائكة لآدم فهو سجود الاعتراف بالفضل، قالوا :

( سورة البقرة )

       عَلَّمَهُ الأسماء ، على أي تفسير للأسماء ، علمه شيئاً ما عرفته الملائكة ، وهذا العلم متعلقٌ بالصدق في طلب الحقيقة ، فكان مقام آدم عليه السلام في معرفته بالله ، وطلبه للحقيقة أعلى من مقام الملائكة ، فأمرهم أن يسجدوا له أي أن يخضعوا له .

        وأنت حينما يأمرك الله أمراً إنما تطيع أمر الله ، قال لك : قَبِّل الحجر الأسود .. حجر لا ينفع ولا يضر .. تقبله تنفيذاً لأمر الله ، قال لك : ارجم هذا الحجر ، ترجمه تنفيذاً لأمر الله ، ولكن لو قال لك أبوك: أطع الله ، صلِّ يا بني ، وصليت ، هل تنفذ أمر أبيك ؟ لا أبداً إنك تنفذ أمر الله عزَّ وجل ، أي إنسان يدعو إلى الله لا يُنَفَّذُ أمره الشخصي ، إنما يُنَفَّذ أمر الله الذي نقله لك عن كلام الله ، وعن سنة رسول الله ، وحينما قال الله عزَّ وجل :

 

( سورة النساء : آية " 59 " )

         أولو الأمر هم العلماء والأمراء ، العلماء يعلمون الأمر ، والأمراء ينفِّذون الأمر ، واحد يعلم وآخر لديه سلطة فينفذ ، لكن الله عزَّ وجل قال :

أعاد كلمة أطيعوا :

         أي أنت مُلْزَم أن تطيع رسول الله من دون نظرٍ لمقياسٍ آخر ، كأن يقول لك : يا أخي أنا  أطيع الحديث بعد أن أتحقق وأجد له أصلاً في القرآن ، لا ، ليس لك هذا ، أنت مكلفٌ أن تطيع رسول الله استقلالاً ، بنص أمر الله عزَّ وجل :

 

 ( سورة الحشر : آية " 7 " )

        لأنَّه معصوم ولأنه لا ينطق عن الهوى ، لكن الله إذا أمرك  أن تطيع أولي الأمر ؛ العلماء ، والأمراء ، فإن طاعة أولي الأمر بالقياس إلى أمر الله ، قال:

        لا يوجد وأطيعوا أولي الأمر منكم ، وأولو الأمر منكم مرتبطون بطاعة رسول الله ، فلو أمرَكَ عالم بقطيعة رحم فلا ينفَّذ أمره ، لأنه يتناقض مع أمر النبي بصلة الرحم ، و لو أمرك إنسان أقوى منك بشرب الخمر ، لا يُطاع أمره لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فيجب أن تدقق بين:

         أطيعوا فعل كُرِّر ، أي عليك أن تطيعه استقلالاً ، دون أن ترجع إلى أي شيءٍ آخر ، لأنه معصوم ، ولأنه لا ينطق عن الهوى ، إلا أنه إذا أمرك عالمٌ أو أميرٌ بخلاف أمر الله عزَّ وجل فلا أمر النبي طاعة له إلا في طاعة الله .

           إنك حينما تِّنفذ أمر أبيك أو أمر داعيةٍ يقول لك : يا بني غض بصرك ، يا بني أقم الصلاة ، يا بني اتلُ القرآن ، إنك لا تطيع هذا الداعية ، إنما تطيع الله ، هو نقل لك هذا الأمر عن الله فقط ، ناقل نقل لك هذا الأمر عن الله ، نقل لك هذا الأمر عن رسول الله ، هذا كله حول قوله تعالى :

       قال العلماء : عِلَّةُ أية أمرٍ أنه أمر ، مثلاً عندك لا سمح الله آلام بالمعدة ، ودخلت إلى أعلى طبيب في البلد ، معه أعلى شهادة ، ومعه أعلى خبرة ، إذا قال لك: دع الحوامض ، لا يخطر في ببالك لحظة أن تفكر بأمره ، لأنك تثق بعلمه ، تنفذ لأنه أمرك ، أنا مرة قلت عن عالم من علماء هذه البلدة الطيبة كان بأمريكا ودخل بنقاش مع عالم كبير حديث العهد بالإسلام .. عالم بالفيزياء أو الكيمياء  .. طُرِح موضوع لحم الخنزير ، بدأ هذا العالم يتحدث عن مضار الخنزير، وعن الدودة الشريطية ، وعن تأثر طباع الإنسان بلحم الخنزير ، وطباع الخنزير ، وعن أن هذه الدودة لا تتأثر بالحرارة ، وتكلم كلاماً طيباً جداً .. سبحان الله .. فأجابه هذا المسلم الأمريكي قال له : يا أستاذ كان يكفيك أن تقول لي : إن الله حرمه ، فهذا يكفي ، يكفي إذا قال لك خالق الكون : لا تفعل هذا الشيء ، لذلك قال العلماء : علة أية أمرٍ أنه أمر .

تكلم النبي بالإسلام ، وجاء بآيات بينات ، وحدث الناس ، ثم فاجأهم عندما حدّثهم أنه في ليلةٍ واحدة ذهب إلى القدس ، ورجع منها ، وعرج إلى السماء ، لم يكن أهل مكة مصدقي رسول الله أساساً ، ومن دون هذا الخبر ، فوجدوا شيئاً يتاجرون به .. فجاؤوا إلى الصديق وقالوا : تعالَ اسمع ماذا يقول صاحبك ؟ إنه قال : إنه ذهب إلى بيت المقدس ، وعاد منه ، قال لهم : إن قال هذا فقد صدق ، إذا قال فقد صدق ، لأنه عندي صادق ، إذا كانت ثقة سيدنا أبي بكر برسول الله دعته ألا يفكر فيما قال ، لأنه قال فإنه صادق ، فكيف ثقتك بالله عزَّ وجل ؟!! لذلك علة أي أمرِ أنه أمر .

          بالمناسبة أيها الإخوة ...تتضح أحياناً حكمة الأمر الإلهي بشكلٍ جلي ، وأحياناً تختفي حكمته ، كلما اتضحت حكمة الأمر الإلهي ضعف فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل ، فإذا قال لك الله عزَّ وجل : تزوج :

 

( سورة النور : آية " 32 " )

        هذا أمر ، وأنت تزوجت ، لكنك إنسان تعيش في بيت أهلك ، وأهلك متقدمون في السن ، والبيت ضيِّق ، والمعيشة خشنة ، والظروف صعبة ، وأكلك غير مؤمَّن ، وثيابك غير منظَّفة ، فإذا أقبلت على أمر الله هذا إقبالا غير معقول ، تريد بيتاً مستقلاً وزوجة ، وطبخاً ، وهيئة حسنة، وراحة ، فأنت مقبل على هذا الأمر ، لك فائدته واضحة جداً ، وأنت بأمس الحاجة إلى هذا الشيء، ولذا يضعف عنصر العبودية في تطبيق هذا الأمر ، لكن حكمة الأمر تختفي كلياً ...

( سورة الصافات : آية " 102 " )

هو لا يذبح مجرماً  !! بل نبياً .

 

( سورة الصافات : آية " 102 " )

ابنه ..

( سورة الصافات : آية " 102 " )

          هذا الأمر غير واضح على الإطلاق ، صعب فهمه ، تذبح ابنك النبي ، فكلما اختفت حكمة الأمر ارتفع فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل، فلو قال أب لابنه : يا بني نظف أسنانك ، أسنانك ثمينة جداً ، لو أهملت تنظيفها تحدث معك متاعب لا تنتهي ، قلع الأسنان ، وتركيب أسنان صناعية ، شيء صعب كثيراً ، فالابن قال له : يا أبتِ كلامك طيب ، وأنا سأفعل هذا ، الحكمة واضحة ، أما إذا وضع الأب طعاماً ، والطعام نفيس ، وابنه مستقيم ، ومطيع له ، وبار ، قال له : يا بني لا تأكل ، لِمَ يأبتِ ؟ قال له : هكذا بلا سبب ، الأمر غير واضح ، فإذا قال الابن: سمعاً وطاعةً يا أبتِ ، هنا نفذ الأمر عبوديةً ، نفَّذه طاعةً لأبيه من دون أن يفهمه .

        فالله عزَّ وجل يمتحننا ، يعطينا أوامر واضحة جداً ، وهناك أوامر غير واضحة ، تجد شاباً مستقيماً دخله قليل ، وله صديق متفلِّت ، غارق بالملذات ، معه أموال لا تأكلها النيران ، هل تثق بحكمة الله ؟ يأتي مرض وأنت في أعلى درجات القرب من الله ، هذه امتحانات العبودية لله عزَّ وجل ، ماذا تقول وأنت مستقيم ، وأنت مطيع ، وهناك شيء أزعجك؟! من هنا قال الإمام علي كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " ، فالنقطة الدقيقة .

مادام الله أمر ، انتهى الأمر ، علة أي أمرٍ أنه أمر .

            يحدث أحياناً أن إنساناً تغلق أمامه كل الطرق المشروعة ، يفتح له باب واسع ، لكن فيه شبهة ، الكسب غير مشروع ، هذا امتحان صعب ، فحينما تقول : أنا لا أعصِ الله وليكن ما يكن ، امتحنك الله ونجحت ، يخضعك الآن لقانون العناية الإلهية المباشرة ، فيكسبك شيئين ؛ يكسبك أجر العابدين ، ثم يكشف لك عن الحكمة فتكون من العلماء ، تجمع بين العبودية والعلم ، إذا كشف لك حكمة الأمر قبل أن تفعله ضعف فيه عنصر العبودية لله ، أما إذا أقبلت عليه دون أن تفهم حكمته طاعةً لله عزَّ وجل ، فلما أقبلت عليه ونفذته ، كافأك الله فكشف حكمة هذا الأمر ، إذا كشف لك الحكمة بعد التنفيذ جمعت بين الشيئين ؛ بين العبودية لله ، وبين علم العلماء ، صرت عابداً عالماً بآن واحد ، لكن ضعوا في أذهانكم هذه الحقيقة ، علة أي أمرٍ أنه أمر ، قال له : كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي إن الله حرمه .

لكن من هو الآمر ؟ أنت حينما ترى الكون ، حينما ترى المجرَّات ، حينما ترى الأرض ، حينما ترى البحار ، حينما ترى النبات، حينما ترى الأسماك ، حينما ترى الأطيار ، حينما ترى الخلية بالمجهر ، حينما ترى الذرة ، حينما ترى المجرة ، حينما ترى العلم المطلق ، والحكمة المطلقة ، والرحمة المطلقة ، والعدل المطلق ، بعد أن يطوف فكرك في الكون وتعود من هذا الطواف معظماً لله عزَّ وجل عندئذٍ تعظم قيمة أمر الله عندك ، يكفي أن يقول الله لك : افعل ، فتفعل ، يكفي أن يقول لك : لا تفعل فلا تفعل ، كل الكون يشهد بعظمة الله عزَّ وجل ولذا لا يُسأل عما يفعل ، أمرك أن تفعل تنفذ أمر الله ، قال لك بالحج : قبِّل هذا الحجر ، هو يميني في الأرض سمعاً وطاعةً ، تقبله وتبكي، قال لك : ارجم هذا الحجر .. إبليس .. ترجمه ، وأنت مطيع لله عزَّ وجل، فأنت عبد ، العبد عبدٌ والرب رب .

 

          ليس متاحاً للملائكة أن يعصوا ، الملائكة غير مكلفين ، الملك غير مكلف ، الملك مسيَّر، اسجد يسجد ، لا يوجد في بالمخلوقات كلها إلا نوعان مخيَّران ، الإنس والجن ، الإنس يتلقَّى الأمر ، يطيع ، أو يعصي ، أو يرد ، ثلاثة مواقف ، إذا أطاع فهو طائع ، إن لم يطع فهو عاصٍ ، إن احتقر الأمر ورده فهو كافر ، مطيع ، عاصٍ ، كافر ، قال لك : صلِّ ، الذي صلى مطيع ، والذي لم يصلِّ تهاوناً وتكاسلاً .. الله يتوب علينا ، والله أنا مقصر ، إن شاء الله سوف أصلي.. هذا عاصٍ ، أما لماذا الصلاة ؟ فهذا كافر ، فرقٌ بين أن تطيع الله ، وبين أن تعصيه ، و بين أن ترد أمره ، هذا متاحٌ فقط للإنس والجن ، أن تطيع أو أن تعصي .. لا سمح الله .. أو أن يكفر ، هذا متاحٌ للإنس والجن فقط بينما الملائكة وبقية المخلوقات ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين، بقية المخلوقات مسيَّرة ليس لها خيار إطلاقاً في عدم الطاعة .

ما الذي مَكَّنه أن لا يسجد ؟ لأنه مخير ، لأنه من الجن قال تعالى:

 ( سورة الكهف : آية " 50 " )

        مكنه أن لا يطيع أنه كان من الجن ، إبليس لم يعص فقط ، بل جمع مع المعصية الكفر ، قال :

( سورة الإسراء )

( سورة ص : آية " 76 " )

أضاف إبليس إلى المعصية الكفر .

          قد يقول قائل : الملائكة سجدوا ، وإبليس مستثنٍ منهم ، هل المعنى أنه مَلَك ؟ لا ، الاستثناء نوعان ؛ هناك استثناء متصل ، واستثناء منقطع ، إذا قلنا : دَخَلَ الطلاب إلا خالداً ، هذا استثناء متصل ، خالد طالب ، أما إذا قلنا: دخل الطلاب إلا المدرس ، هذا استثناء منقطع ، المدرس ليس من جنس الطُلاَّب ، لكن دخول الصف يشمل الجميع ، الطلاب والمدرس ، فهذا الاستثناء لا يعني أن إبليس مَلَك ، لا أبداً ‍! إبليس كان من الجن ، ولو كان مَلَكَاً لما عصى أبداً ، لما عصى ، لأنه مسيّر لا يستطيع أن يعصي .

هناك ألف معصية سببها الغَلَبَة ، يُغلَب الإنسان ، وفي معصية سببها الكبر ، معصية الكبر عند الله كبيرةٌ جداً  .

 

( سورة النساء )

        الاستكبار في الطاعة مشكلة ، لذلك ما الكبر ؟ قال : " بطر الحق وغمس الناس " ، الكبر أن ترفض الحق ، ألا تقبله ، ألا تعبأ بالصلاة ، ألا تعبأ بالزكاة ، ألا تعبأ بالحج ، أن ترى نفسك فوق الشرع ، مرة كان عندنا أستاذ في الجامعة متمكن من العلم تمكُّناً كبيراً جداً ، لا يغيب ولا طالب عن محاضرة له ، رأيته مرة في رمضان يفطر ، وكأنه يشعر أن مرتبته ، وعلمه ، ومكانته ، وسمعته في الشرق الأوسط ومؤلَّفاته ، أكبر من أن يصوم رمضان ، معصية الاستكبار كبيرة جداً ، إبليس استكبر .

 

( سورة ص : آية " 76 " )

         لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل : " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي " .

         أنت عبد وكلما ازددت تواضعاً لله زادك الله عزاً ، كلما مرغت وجهك في أعتاب الله زادك الله رفعةً ، كلما عزوت الأمر إلى الله زادك الله قوةً ، كلما عزوت علمك إلى الله زادك الله علماً ، كلما افتقرت إلى الله زادك الله غنىً ، لذلك عندنا حالتان ؛ حالة الافتقار والاعتداد ، الافتقار أن تقول : الله ، الاعتداد أن تقول : أنا ، هناك تولّي مع الافتقار ، هناك تخلّي مع الاعتداد في تخلِّي، مع كل مؤمن ، تقول : أنا خبرات متراكمة ، أنا معي أعلى شهادة ، أنا متكلِّم، أنا مُتَعَمِّق ، حينما تعزو ما عندك إلى ذاتك ، هذا كلام فيه جهل ، يؤدبك الله عزَّ وجل بأن يتخلى عنك .

           خطبة رائعة جداً ، نزل لكي يصلي فقال : الله أكبر ، وبدأ بالآية رأساً ، ونسي الفاتحة كلّها ، صار عنده إعجاب ، دائماً تواضع لله ، دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة مطأطئ الرأس ، حتى كادت ذُؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل ، إن أتيت الله من باب الانكسار رفعك ، ببدر :

( سورة آل عمران )

في حنين :

( سورة التوبة )

       اعتقد اعتقاداً جازماً أن عندك يومياً عشرات الدروس من بدر وحنين ، في كل قضية تعزو هذا الفضل إليك ، هذه حنين.. ( تخلي) .. تعزو هذا الفضل إلى الله هذه بدر .. (تولي)..، أنت بين التخلي والتولي ، وإذا كان أصحاب النبي وهم على ما هم عليه من رفعة الشأن ، تخلى الله عنهم في حنين - موقتاً طبعاً - تأديباً لهم ، فمن نحن ؟ إذاً :

       ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها ، (انغلب )، أما ذنوب الكبر يصعب التوبة منها ، المعاصي بسبب الكبر يصعب التوبة منها ، المعاصي بسبب الغَلَبَة ، والضعف يسهل التوبة منها ، انتهت العملية ، العملية أنه صار هناك اعتراض من الملائكة ، فربنا عزَّ وجل بين لهم أن الله يعلم ، والملائكة لا يعلمون ..

       فبيَّن للملائكة أن علم آدم بسبب صدقه ، بسبب رفعة قدره ، والملائكة لا يعلمون ، إذاً : اسجدوا لآدم ، اخضعوا له ، هو سيد المخلوقات وانتهى الأمر .

       الآن : هذا علم نظري ، أي أن آدم يقع في الدرجة الأولى ، مخلوق أودعت فيه الشهوات، منح الاختيار ، سُخِّرَ له الكون ، الآن آدم بحاجة ، وذريته إلى تطبيق عملي ، لأن آدم لم يتلقَ تربية من والديه ، آدم أبو البشرية هناك الآن تجربة عملية :

فالأرجح ، والأقوى ، والأكثر رجحاً أن هذه الجنة ليست جنة الآخرة ، لأن جنة الآخرة :

( سورة الحجر )

وفي آياتٍ كثيرة سَمَّى الله البساتين جنة :

  

( سورة القلم : آية " 17 " )

 

( سورة الكهف : آية " 35 " )

        آيات ثلاثة في القرآن وصفت جنات الأرض بالجنة ، فالله هَيَّأ له مكاناً فيه كل حاجاته ، فيه كل متطلباته .

 

        قال الله عزَّ وجل : اسكن ، وهذا فعل أمر ، لم يقل : اسكني ، علماً أن المقصود أنت وزوجك وذلك حسب التغليب ، لأن كل أمر موجهٌ إلى الذكور هو حكماً موجهٌ إلى الإناث .

       هذه جنةٌ في الأرض ، جعلت لآدم عليه السلام ولزوجته ، ليكون الدرس العملي فيها ، قد يقول قائل : لولا أن آدم أكل من هذه التفاحة لما خرجنا من الجنة ، كلا ، والدليل قوله تعالى :

 

( سورة البقرة : آية " 30 " )

        آدم مخلوق في الأصل للأرض هذا درس عملي ، تَعْرِض عليها  الإنسان أحياناً  قضية نظرية يقبلها ، فإذا جاء التطبيق العملي لم يتحملها ، ولذا يجب أن يحاول الإنسان أن يجرب كل شيء قبل أن يوافق عليه ، قد تفتقرالموافقة النظرية إلى الخبرة العملية ، فأروع شيء أن هناك موافقة نظرية وهناك خبرة عملية ، الآن درسٍ عمليٍ من الله عزَّ وجل :

كل حاجاته فيها ؛ الطعام ، والشراب ، والمأوى ، كل شيء يتمنَّاه أمامه .

هناك إشارات ، هو الآن في الجنة في طور التكليف ، ما هو التكليف ؟ قال :

مسموح أن يأكل مليار نوع ...

         لا يوجد تكليف من دون نهي ، لم يعد تكليفاً ، أي قرار لا يوجد فيه منع لم يعد هذا قراراً ، قانون السير : ممنوع أن تقف في المكان الفلاني ، ممنوع أن تقود مركبة من دون شهادة، لولا المنع لما كان تكليف ، ولما كان هناك أمر ، ولم يعد للأمر أي معنى ، فمن لوازم التكليف الأمر والنهي ، لكن من رحمة الله ..

          عُدَّ لي كم شرابًا يمكنك شربه ؟ يمكن أن يبلغوا ألفاً ، كم فاكهة تستطيع أن تأكلها ؟ كم طعامًا مسموح لك أن تأكل ؟ الخمر والخنزير محرمان فقط ، المباح والحلال يفوق المنهي عنه بآلاف ، بل بمئات ألوف المرات ..

         فمن لوازم العبودية لله ، من لوازم التكليف ، من لوازم حَمْل الأمانة أن يكون هناك أمرٌ، وهناك نهيٌ ، ولكن رحمة الله تقتضي أن الأشياء المباحة لا تعدُّ ولا تُحصى ، وأن يكون الشيء المحرم قليلاً جداً .

من لوازم العبودية وجود أمر ونهي لديك ، وأنت مخير، قال :

        الشيطان كذب طبعاً على آدم ، قال له : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ، علّم الله عزَّ وجل آدم وذريته من بعده درساً لا ينسى.

( سورة فاطر : آية " 6 " )

         هو يكذب ، يخوِّف أولياءَه ، يوقع بين المرء وزوجته ، يعدكم الفقر ، فالشيطان يخوفك بهذا الدين ، إياك إياَّك ، ستنتهي إذا عملت هذا العمل ، يخوفك ، إيَّاك أن تنفق مالك وإلا ستصبح شحاذاً ، امسك يدك ، يمنعك أن تنفق ، يمنعك أن تحضر مجلس علم ، يمنعك أن تلتزم في جامع، يمنعك أن تظهر بمظهر ديني ، ويفرِّق بين المرء وأهله ، هذه مهمته.

      هو درس عملي ، الشيطان لم يفعل شيئاً لم يرده الله ، لكن ربنا عزَّ وجل علَّم آدم  من بعده درساً لا ينسى.

     هناك تحليل بسيط يبدو أن جنة آدم كانت مريحة جداً ، له فيها ما يشاء ، فلما أكل من هذه الشجرة انعكست الآية ، كانت نفسه محيطة بجسمه ، فالنفس طليقة ، إذا نظر الشخص إلى شجرة تفَّاح يمكن أن يأكل مليون تفاحة ، إذا كانت قضية اتصال فهو يأكل هذه التفاحات ويستمتع بطعمها الطيب دون أن تدخل جوفه ، أما إذا كان دخول للجوف فتكفيك واحدة ، لا تستطيع أن تكمل ، الآن هناك أغنياء معهم ألوف الملايين ، إذا أراد أحدهم أن يتغدى هل يقدر على أن يأكل جملاً وحده ؟ مهما ما كان غنياً لا يستطيع أن يأكل أكثر من أوقية لحمة ، أو أوقيتين ، لأنها ستدخل للبطن ، أما إذا كانت قضية نظر فكلما ألقى نظرة على تفاحة أخذ كل طعمها ، وأساساً  كيف يكون الإحساس بطعم الفاكهة ؟ يلامس اللسان سقف الحلق في أثناء البلع ، يدفع هذا الطعام، أعصاب الحس ، إذا أكل الواحد أفخر طعام ، والثاني أكل أخشن طعام ، فتلامس الأمر سواء بعد دخول  الطعام إلى الجوف  ، الفرق في الطعام أثناء البلع والاتصال فقط ، فإذا سمح الله عزَّ وجل لنا بالجنة أن نتصل بكل شيء ، ونأخذ كل ما فيه من لذة دون أن يدخل جوفنا ، لم يعد هناك أمراض ، ولا تعب ، لم يعد هناك كبر بالسن ، يوجد هناك استمتاع فقط ، فيبدو أن جنة آدم كانت من هذا القبيل فلما أكل التفاحة انعكست هذه الآية ، صار هناك جهاز هضم ، صار هناك تُخمة ، وصار جهاز طرح للفضلات ، صار هناك تعب و نوم ، صار هناك سعي وعمل ، وكدح .

 

( سورة الانشقاق )

أيها الإخوة ، هناك فكرة تأتيه إتماماً للفائدة ، قال الشيطان في آياتٍ أخرى  :

 

( سورة الأعراف )

        ما دام المرء بالمعاصي والآثام ، ترك الصلاة ، ما دام ماله حراماً ، ما دام يرتاد الملاهي، تجده مرتاحاً و لا يوجد عنده مشكلة ، عندما يلتزم بجامع يقول له الشيطان أول شيء : من خلق الله ؟ أو : قد يكون هذا القرآن ليس من عند الله ، بل هو كلام محمد ؟ متى بدأ الشيطان يوسوس لهذا الإنسان ؟ بعد أن التزم ، وطريق الفجور لا يوجد فيه شيطان ، الطريق سالك ، ونازل ، وبعد أن التزم المرء قعد الشيطان على طريق الصلاح .

      فشيء طبيعي جداً إذا تاب الإنسان إلى الله واصطلح معه ، شيء طبيعي جداً أن تأتيه الوساوس من الشيطان ، لأنه حسب الآية ، متى يبدأ الشيطان فعله ؟ بعد أن يلتزم هذا الإنسان مع الله .

( سورة الأعراف )

إلى الآن لا يوجد عندك صحن فضائي ؟ هذه حضارة ، رُقي ، يعيش مع العالم كله .

تقدم ، عصرنة ، علم ، أجهزة ، المرأة نصف المجتمع ، أحضر للعمل في مؤسستك الموظفات ، أكثر راحة ، وأمتع ، ومعاشهن أقل ، تقدُّم ، عصرنة ، جِدّة ، حداثة .

هذه تقاليد يا أخي ، وعادات ، وتراث ، إذا كان الضلال يأتي من الماضي يحضر لك الماضي ، يتجاوزون الإسلام إلى الجاهلية ، فنعتز بالماضي المنحرف ، أو نبحث عما في المستقبل من ضلالات ، أما إذا كان المؤمن واعي ..

( سورة الأعراف : الآية " 17 " )

           لم تضبط صلاتك ، تحوي الفاتحة أربع عشرة شدة ، تركت منهم واحدة ، الصلاة كلها باطلة ، مثلاً ، يدخله في الوسوسة ، لا تتعب نفسك ، لأن الله كتب عليك من الأزل أنك شقي ، يأتيه من القضاء والقدر ، يأتيه من العقيدة ، يأتيه من النبوة ، يأتيه من الوسوسة ، إذا كان صادقاً لم تصح، لماذا تصلي ؟ هذه ليست صلاة ، معنى ذلك أنك لا تصلي ، أتى وقت الدرس ، فيقول له : أنت معكَّر ، الدرس لشخص صافٍ ، ليس لك ، ابق جالساً في البيت .

( سورة الأعراف : الآية " 17 " )

يهيئ له المعصية ، والزنا ، والخمر .

 

 ( سورة الأعراف )

         تكون ساكناً ببيتاً ، عندك طعامك وشرابك و كل شيء يقول لك سوق مسموم ، لا يوجد شغل ، الحياة متعذرة في هذا البلد، أنت ماذا ينقصك ؟ ما هذا الذي ينقصك قل لي ؟ دائماً يشكي ، الشكوى ، والتذمُّر ، ينسى كل الإيجابيات ، ويبحث عن السلبيات ، يكبرها ، فهذا هو سلوك الشيطان .

         عندما يلتزم الإنسان يأتي الشيطان ! فالأهل في بعض الأيام يأتي ابنهم الساعة الثانية ليلاً ، له خمسون صاحبة ، تليفونات على البيت ، ممتاز ، عندما تاب ، والتزم بمسجد أكثروا له التأنيب والتوبيخ ‍! مرة قال لي أحد الشباب : كنت أحضر معي إلى البيت نساء ، فلا يتكلم والدي، ووالدتي معي شيئاً ، بعد أن تبت ، والتزمت بمسجد اختلف الأمر !! صرت محاسباً على الحركة وعلى السكنة ، معقول إلى هذه الدرجة ؟ هذا سلوك شيطاني ، عندما كان غير منضبط كنت أنت ساكتاً عنه ، بعد أن التزم صرت تدقق عليه ، ألا تريد أن ترحمه بواحدة ؟ إذا لم تعمل هكذا لا أعطيك ؟ إذا لم تفعل هذا العمل لن أزوجك ، إذا لم تفعل هذا لن أسكنك بيتي ، إذا لم تكشف زوجتك لكل إخواتك فلا أسمح لك ، لماذا هكذا تفعل ؟ كنت راضياً عنه عندما كان متفلتاً ، ولمّا التزم لم تعد راضياً عنه ؟ هذا سلوك شيطاني ، شيطان موجود بالأب .

هذا فعل الشيطان ، والله عزَّ وجل بدأ حياة سيدنا آدم بتجربة عملية غير النظرية ، طبعاً مع الملائكة نظرية ، أما مع إبليس عملية .

( سورة فاطر )

           مهمة الشيطان الأولى أنه يكرهك بزوجتك ، ويكرها بزوجها ، المهمة الثانية يخوفك من الفقر ، لا تنفق ، الثالثة يخوفك من أي جهة قوية ، إياك أن تصلي ، إياك أن تدخل الجامع ، كله كلام الشيطان ، من فضل الله علينا المساجد عامرة بهذه البلدة ، والأمور مستقرة والحمد لله فلا توجد مشكلة أبداً ، كله مرخص ، فهذا الشيطان يخوِّفك زيادة ، يخوفك ، ويعدك بالفقر ، ويأمرك بالفحشاء ، ويفرق بينك وبين أهلك هذه مهمته ، بعد ذلك يكفرك ..

هذا الدرس أيها الإخوة ، درس متعلِّق بتجربة آدم مع الشيطان ، قال تعالى عن سيدنا آدم  :

 ( سورة طه )

على المعصية ..

 

 ( سورة البقرة )

أي لابدَّ أن يخرجا ..

            هذه كلمة إلى حين إذا فهمها الإنسان ترتعد مفاصِلُه .. إلى حين.. عدة سنوات ، اعمل ما شئت لابدَّ من الموت ، إذا شيَّع  الواحد جنازة ، ووقف على القبر وضع هذا الميت في القبر ، هذه الحادثة الرهيبة كلنا سوف نصل إليها ، كلنا ، مهما كان حجمك المالي ، مهما كان بيتك فخماً ، مهما كان لك هيمنة على الناس ، مهما كان لك أذواق رفيعة جداً في الاستمتاع ، مهما كنت أنيقاً عندك أذواق عالية ، مهما كان رصيدك كبيراً ، هذه اللحظة لابدَّ منها ، لذلك العاقل هو الذي يعد لهذه اللحظة التي لابدَّ منها عدتها ، اعملوا ما شئتم ، " عش ما شئت فإنك ميت ، أحبب ما شئت فإنك مفارق ، اعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به " ، فهذه الساعة ، من يضحك أخيراً يضحك كثيراً..

( سورة المؤمنون )

إذاً ضحكوا أولاً وليس آخراً ، في آية ثانية :

( سورة المطففين )

          من الذي ضحك أخيراً ؟ المؤمنون ، ما دام ضحكوا أخيراً ضحوا كثيراً إلى الأبد ، والذي ضحك أولاً بكى كثيراً ، والإنسان يولد كل من حوله يضحك ، وهو يبكي وحده ، فإذا جاء الأجل كل من حوله يبكي ، فإذا كان بطلاً يضحك وحده ، هذا ملخص الملخص .

( سورة البقرة : آية " 36 " )

           اهبطوا من هذه الحالة العالية ، إذا كان الواحد مرتاحاً لا يوجد عنده ولا مشكلة ، اطلب تعطى :

 ( سورة النحل : آية " 31 " )

         هكذا الجنة ، نزل إلى مستوى متعب ، هناك كدح ، و سعي ، الآن الواحد منا إذا أراد أن يعمل صحناً من السلطة يحتاج ساعة ، يقول لك : بعد ثلاثين سنة سكنت في بيت مساحته مائة متر تحت الأرض في القبو ، ما هذه الحياة ؟ تعمل عملاً يهد الجبال ، لتشتري بيتاً صغيراً ، إلى أن يتزوج ويكون له زوجة ، يقول لك : أصبح عمري أربعين سنة ولم أتمكن من الزواج بعد ، هكذا الحياة ، الحياة مبنية على الكدح .

 

( سورة الانشقاق : آية " 6 " )

 الجنة ليس هكذا ، لأنها على الطلب ، اطلب تُعطَ ، تقول : أعطوني ، أعطوني ، وأنت ماكث؟ كله جاهز .

( سورة النحل : آية " 31 " )

في الدنيا سعي ، في الدنيا عمل ، وفي الآخرة أخذٌ ..

            انتهت الآن الحالة المريحة ، انتهى الدرس ، اهبطوا ، مثل تقريبي : عندك طلاب ، أريتهم مزرعة جميلة ، تجعلهم يسبحون ، تطعمهم أكلاً طيباً ، تجدهم يحبونها ، الآن الذهاب إلى المزرعة بالعمل ، بالاجتهاد ، أول مرة يهمك أن تجعلهم يطمعون ، تريهم ما هي الجنة ، فهذه يسمونها تربية عالية جداً ، هذه الجنة ، وأنتم مخلوقون لهذه الجنة ، الآن اهبطوا  منها ، الآن الجنة بالعمل فاعملوا ، واشتغلوا ، أعطاك نموذجاً عالياً جداً .

الآن :

( سورة البقرة : آية " 38 " )

الآن اشتغلوا .

        إنها عدة أيام ، كل إنسان أيام معدودة ، كل مجتمع له عشرة أيام ، انتهت العشرة أيام ، تجد أحياناً رفاهاً مذهلاً بعد ذلك تجد الأسعار غالية ، وانتهى الرفاه ، أصبح هناك تعب شديد ، فلك في الدنيا مستقر ، ومتاعٌ إلى حين ، فقر ، فقر إلى حين ، امشِ في الطريق تجد خمسين نعوة تقريباً ، يجب أن تعلم علم اليقين أن هناك يوماً سوف يقرأ الناس نعيَك ، وأنا معكم ، وكل واحد منا ، لن تجد بعد مائة سنة ، ولا واحداً بالمسجد ، إما بمقابر الجبل ، وإما بمقابر الباب الصغير .

هذه جملة :

تخوف الإنسان ، أي أنك بضعة أيام ، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك ، هذا الإنسان .

" ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد ، فتزوَّد* مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".

إن شاء الله في الدرس القادم نتابع تفسيرَ هذه الآيات .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi