English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :26/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات : " 55-61 " .وسؤال هام عن المصائب

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق  والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السادس والعشرين من دروس تفسير سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والخمسين ، وهي قوله تعالى :

       قال المفسِّرون : هؤلاء هم السبعون الذين اختارهم موسى معه في المناجاة ، حينما رأوا بعض المعجزات طلبوا من موسى عليه السلام أن يروا الله جهرةً ، والشيء الثابت هو أن الله سبحانه وتعالى هذه سُنَنَه لا تدركه الأبصار في الدنيا ، في الدنيا لا يستطيع الإنسان أن يرى الله جهرةً ، ما رآه لا رسولٌ ، ولا نبي ، ولا صديقٌ ولا ولي ، لأن طاقة الإنسان لا تحتمل رؤية الله عزَّ وجل ، عندما قال سيدنا موسى :

( سورة الأعراف : " 143 " )

       إذا كان تجلِّي الله عزَّ وجل للجبل جعله دكَّا فهل يحتمل الإنسان ؟ لا تحتمل طبيعة الإنسان أن ترى الله ، لكن في الآخرة :

( سورة القيامة )

" كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا " *

( من سنن البخاري : عن " جرير بن عبد الله " ) 

       هناك أحاديث كثيرة جداً عن أن الإنسان إذا رأى الله عزَّ وجل يوم القيامة وهو في الجنة يبقى في نشوة الرؤية خمسين ألف عام ، ورؤية وجه الله الكريم هي المعنيَّة بقوله تعالى :لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ

( سورة يونس : " 26 " )

       زيادة على الجنَّة يسمح الله لهم أن يروا وجهه الكريم ، فعند أهل السُنَّة والجماعة لا يرى الله جل جلاله في الدنيا ؛ ولكن النصوص الثابتة ، وعلى رأسها القرآن ، ومن بعدها السنة تؤكِّد أن المؤمن يرى ربَّه جهاراً وعياناً يوم القيامة كما يرى الإنسان البدر في الدنيا ، والجزاء الذي ينتظر المؤمن يفوق حدَّ الخيال ..

( سورة السجدة )

" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

      يروي بعض المفسِّرين : أنَّهم صعقوا ، ولكن الله امتنَّ عليهم أنه أحياهم من جديد بعد أن صعقوا ليتابعوا مسيرتهم مع سيدنا موسى ..

     فلو أردنا أن نتوسَّع قليلاً ، الاتصال بالله عزَّ وجل هو قمَّة السعادة في الدنيا ، ولكنه اتصال على نحوٍ أراده الله ، اتصال إقبال ، اتصال توجُّه، اتصال مناجاة ، اتصال استغفار ، اتصال استعانة ، اتصال إنابة ، اتصال دعاء ، هذا الاتصال المسموح في الدنيا ، ولكن يوم القيامة هناك اتصال مباشر ، هناك رؤية ، فإذا كنت تستمتع أيها الأخ الكريم في الدنيا برؤية جبلٍ أخضر فيه مَسْحَةٌ من جمال الله ، أو رؤية جنَّةٍ خضراء ، أو رؤية بحرٍ ساكن بزرقةٍ تُحَيِّر الألباب ، أو رؤية وجه طفلٍ صبوح فيه من الجاذبيَّة والتألُّق ما لا يوصَف ، هذه كلُّها مخلوقاتٌ أخذت من جمال الله مسحات ، فكيف لو أتيح للإنسان المؤمن يوم القيامة أن يرى أصل الجمال؟ أنت ترى في الدنيا آثار اسم الجَميل في مخلوقاته ، ألم تر في باقة وردٍ  ، تناسب الألوان ، الروائح الشذيَّة، الأزهار تمثِّل جانباً من جمال الله ، المناظر الطبيعيَّة الخلاَّبة تمثِّل منظراً من جمال الله عزَّ وجل، الوجوه الصَبوحة تمثِّل مظهراً من جمال الله عزَّ وجل ، هذا الجمال الذي أودعه الله في الدنيا لحكمةٍ تربويَّة ، لأنه إذا حدَّثنا عن جمال الآخرة ، وعن الجنَّات التي تجري من تحتها الأنهار ، وعن الحور العين ، والأولاد المُخَلَّدين ، وعن الطعام الطيِّب ، وعن الفواكه التي بين أيديهم ، وعن هذا اللقاء الطيِّب بين المؤمنين على سررٍ متقابلين ، وعن رؤية وجه الله الكريم ، إذا حدَّثنا ربنا عن هذا الجمال وعن هذا الكمال ، وعن هذا النعيم المُقيم في الجنَّة ، فلولا هذه المرتكزات الجماليَّة في الدنيا لما فهم الإنسان معنى الجمال ، ما فهم الإنسان معنى جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار ، فالجمال في الدنيا جمال ابتلاء ، يعطي الله إنساناً جمالاً ، وقد يعطيه جمالاً أقل ، وقد يعطيه دمامة أحياناً ، فالدنيا دار ابتلاء ، قد تجد إنساناً في قمِّة الصلة بالله وليس له وجهٌ صَبوح ، هذا شيء موجود ، قد تجد إنساناً في أعلى درجة من الكمال وليس له شكلٌ يلفت النظر .

       تروي كتب التاريخ عن أحد التابعين الكبار وهو الأحنف بن قيس أنه كان قصير القامة ، أسمر اللون ، غائر العَيْنَين ، ناتئ الوجنتين ، أحنف الرِجل ، مائل الذقن ، ليس شيءٌ من قبح المَنْظَر إلا هو آخذٌ منه بنصيب ، وكان مع ذلك سيد قومه ، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب .

       الجمال في الدنيا موزَّع توزيع ابتلاء ، قد تجد امرأةً صالحةً مؤمنةً تقيَّةً طاهرةً عفيفةً بوضع جمالي دون الوَسَط ، وقد يكون هذه المرأة في الجنَّة في أعلى عليين ، هذه نقطة مهمَّة جداً : " أن الله سبحانه وتعالى وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء .. والدنيا موقَّتة .. وسوف توزَّع هذه الحظوظ في الآخرة توزيع جزاء " ، دقِّق في قوله تعالى :

( سورة الإسراء : "21 " )

      إنسان يعمل أستاذ في الجامعة ، وإنسان يعمل أستاذًا في التعليم الابتدائي في قرية ، مسافةٌ كبيرةٌ جداً بين الوظيفتين ، إنسان يعمل رئيس أركان الجيش ، وجندي في خدمةٍ إلزاميَّةٍ في مكانٍ صعبٍ باردٍ موحش ، طبيب جراَّح ، وممرِّض ناشئ مثلاً ، مدير مؤسَّسة وحاجب ، ورئيس غرفة تجارة ، وبائع متجوِّل ..انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

       لكن ..

 

( سورة الإسراء )

  

    مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً ، وقد تعني العكس ، لأن المترفين في ثماني آيات كُفَّار .

( سورة المؤمنون : " 33 " )

       فالدنيا لها وضع خاص ، قد تجد ..

" كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ "*

 ( من سنن الترمذي : عن " أنس بن مالك " )

 

( سورة التوبة : " 55 " )

       فالدنيا دار ابتلاء ليست دار استقرار ، ليست دار جزاء ، الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء ، هناك غني و فقير ، هناك جميل و دميم ، وهناك ذكي و أقل ذكاء ، هناك صحيح ومريض ، هذه الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء ، العبرة أن تنجح في مادَّة امتحانك مع الله ، هذه هي العبرة.

       فالفتاة التي وهبها الله مسحةً من الجمال ، نجاحها في أن تكون لزوجها فقط ، وأن تكون متواضعةً لزوجها ، وأن تكون ذات تَبَعُلٍ جيدٍ لزوجها وأولادها ، أما إذا مْنَحْت المرأة بعض الجمال وتطلعت إلى عملٍ في الحقل الفني كي يستمتع بجمالها كل الناس ، هذه رسبت وتلك نجحت ، وقد تكون امرأةٌ ذات جمالٍ متوسِّط ، أو أقلَّ من وسط ؛ لكنَّها صائمةٌ مصليَّةٌ ، تائبةٌ عابدةٌ ، راكعةٌ ساجدةٌ ، تحسن تبعُّل زوجها وأولادها ، هذه نجحت في امتحان الجمال المتوسِّط ، هذا من حيث الجمال .

        من حيث المال ، الغني له امتحان مع الله ، والفقير له امتحان ، القوي له امتحان ، والضعيف له امتحان ، والصحيح له امتحان ، والمريض له امتحان ، مادَّة امتحانك مع الله وما أنت فيه ، مادَّة امتحانك مع الله ما أنت فيه من إيجابيَّات ، من حظوظ مُنِحْتَ إيَّاها ، وما حُرِمْتَ منه مادَّة امتحانك مع الله ..

( سورة الدخان )

       حقيقة الحياة الدنيا أن الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، الرخاء موقَّت والشقاء موقَّت ، كان سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كلما دخل دار الخلافة يتلو دائماً آية من كتاب الله وكأنها [آية الشِعَار إن صح التعبير] ، وهي قوله تعالى :

( سورة الشعراء )

       قد تملك ، قد تصل إلى أعلى منصب في العالَم ، وتستمتع به أشدَّ الاستمتاع ، الدنيا كلُّها بين يديك ، كل مالها ، ونسائها ، وطعامها ، وشرابها ، وقصورها ، ومُتَعِها بين يديك ، ولكن قد تأتي ساعةٌ تخفق جميع العمليَّات ولابدَّ من لقاء الله عزَّ وجل ، فبما تلقى الله عزَّ وجل ؟ ..

" يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبم تلقى الله إذاً ؟ "

       هذا الموت الذي قُهِرَ الإنسان به .. سبحان من قهر عباده بالموت.. كل مخلوقٍ يموت ؛ صحيح مريض ، قوي ضعيف ، ملك نبي ، مُجرم ، فقير غني ، كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت ، و ..

  الليل مهما طال فلا   .. بدَّ من طلوع الفجر

  والعمر مهما طال فلا    بدَّ من نزول القبر.

*  *  *

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته    يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ

فإذا حملت إلى القبور جنازةً ..    .. فاعلم بأنَّك بعدها محمولُ

*  *  *

       أيها الإخوة ... كلام دقيق ، الإنسان حينما يُدْهَش ، أو حينما يندم يكون قد استعمل عقله استعمالاً غير صحيح ، هل الموت مفاجأة ؟ أبداً ، الموت مصير كل حي ، ما الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ؟ المؤمن يستعدُّ له طوال حياته ، طوال حياته يستعد له فإذا جاء الموت لا يُفاجأ ، ولا يندم على ما فعل ، يقول سيدنا علي  : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي " ، وصل إلى أعلى درجة ، فأنت حينما تفاجأ بشيء ، أو حينما تندم على شيء ، معنى ذلك أن العقل لم يستعمل بشكل جيِّد ، أهل الدنيا في غفلة ، أكبر مرض يصيب الناس الغفلة عن الله ، يعيش وقته ، إذاً مال الناس إلى الشهوات يميل معهم ، مال الناس إلى متعٍ رخيصة يميل معهم ، وضعوا الصحون يضعها ، ألبسوا نساءهم هذه الأزياء يفعل كما يفعلون ، هذا الإنسان الذي يعيش لحظته بلا تفكير ويغفل عن هذه الساعة التي لابدَّ منها .. ساعة المصير .. هذا إنسانٌ أحمق ، إنسان غافل ..

( سورة الأعراف )

       الغفلة وطول الأمل من أشدِّ الأمراض خطورةً على المؤمن ، الغفلة وطول الأمل .

       إذاً وصلنا في موضوع الحظوظ إلى أنها موزَّعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء ..

       يعد الله عزَّ وجل لبني إسرائيل النِعَمَ التي أنعم بها عليهم ، وبذكرهم بها من هذه النِعَم ، النعمة الأولى .. في هذا الدرس طبعاً ،، أنه بعثهم من بعد موتهم ، فكل إنسان إذا أخطأ تسع خطأه رحمة الله ، الله عزَّ وجل لا يدمِّر من أول خطأ ، لا يُهلك من أول خطأ ، إنه يعفو ..

( سورة الزمر : " 53 " )

       الإنسان قد لا يغفر ، قد يُخطئ الإنسان مع ملك فيقطع رأسه ، هذا شأن ملوك الأرض ، ولكن شأن ملك الملوك ليس كذلك ..

( سورة البقرة : " 52 " )

       يُروى أن رجلاً سيق إلى سيدنا عمر متلبّساً بسرقة فقال : " والله يا أمير المؤمنين إنها أول مرَّةٍ أفعلها في حياتي " ، قال له : " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرَّة " ، فكانت المرَّة الثامنة ، فالله عزَّ وجل يعطي مهلة ، هناك خطأ ، هناك معصية ، هناك تقصير يعطي مهلة إلى أن يُصِر على ذنبه .

        حدَّثني رجل فقال لي : لي أبٌ باعه طويل في تجارة المواشي ، والأغنام ، والسمن ، والصوف ، فلمَّا أراد أن يتقاعد من عمله باختياره وكَّلني أن أكون مكانه في هذا العمل ، وكنت شاباً جاهلاً ، ركبت السيارة ، وذهبت إلى البادية لأشتري الصوف ، ومعي ميزان ضخم ، أردت أن أحتال على هذا الإنسان البدوي الساذج ، كان كلَّما وزن جَزَّة أقول له رقماً فيه كسور ، ثلاثة وعشرين كيلو وثمانمئة غرام ، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق علماً أنه حذف عشرة كيلو ، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق ، لكنه شعر بِحِسِّه العام عندما انتهى الوزن ، أن هذه الكميَّة ثمنها أربعون ألفاً ، فوجد أن ثمنها خمسة وعشرين ألفاً ، فقال له باللغة البدوية : " ترى برقبتك إذا لعبت عليَّ " ، قال لي : بعدما غادرت هذا المكان شعرت بخوف ، بخطأ ، هل أرجع لأستسمح منه ، أمضي ، ماذا أفعل ؟ قال لي : بقيت في صراع مع نفسي من مكان شراء الصوف إلى مكان بعد الضُمير تقريباً ، قال لي : خطر في نفسي ، خاطر داخلي ، بالتعبير الدارج : " حط بالخرج " ، قال لي : ما أتممت هذا الخاطر إلا رأيت نفسي وسط بركةٍ من الدماء، انقلبت السيارة ، وتناثرت البضاعة ، وسال السمن من أوعيته ، وأنا وسط الدماء ‍‍!! هذا معنى قوله تعالى :

( سورة الزخرف )

       ما دام الإنسان  بين الخوف ، والرجاء ، والاستغفار ، والتردُّد ، في بحبوحة ، أما إذا اتخذ قراراً قطعياً يأتي الرد الإلهي .

       فالمعنى الذي نستنبطه من هذا أن ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم ، يعفو ، ويسامح ، ويعطي فرصة للاستغفار ، ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي ، هذا معنى قوله تعالى :

      من النِعَم التي امتنَّ الله بها على بني إسرائيل :

        شمس  الصحراء لا تُحتمل ، كانت تسير معهم غيمة أينما ساروا ، يقال أحياناً : " إذا أحبَّ الله قوماً أمطرهم ليلاً وأطلع عليهم الشمس نهاراً  "تأتي أحياناً نسمات لطيفة في الصيف تلغي مكيِّفات ثمنها ألف مليون يقول : كم متراً غرفتك ؟ أنت تحسبها ، أربعة بثلاثة باثنين ونصف ، يقول لك : إذاً تحتاج لاثنين طن ليتم التكييف الجيد ،  ثمن الطن مئة ألف ، وهذه الغرفة لا يتم تكيفها بطن واحد ، تأتي نسمات لطيفة من عند الله عزَّ وجل تلغي عمل المُكَيِّفات كلها ، أحياناً نستورد أعلافاً بألوف الملايين ، موسم مطير واحد يغني عن كل هذا الاستيراد ، قد نستورد بألوف الملايين قمحاً لنأكله ، موسم مطير واحد يُغني عن كل هذا الاستيراد، فالله إذا أعطى أدهش، وهو على كل شيء قدير .

       كلام دقيق جداً ، إذا قننّ الله لا عن عجز ، ولا عن تعذيب ، ولا عن بُخل ؛ ولكن عن تأديب فقط ، قرأت مرَّة بالأخبار أنه : في ليلة مطيرة واحدة نزل في رأس الخيمة مئتان وخمسة وعشرون ميليمتراً ، أي تعادل أمطار دمشق طول العام ، يوجد للآن أربعون ميليمتراً ، من أصل مئة وعشرة في السنة الماضية ، الموسم مئتان واثنا عشر ، أربعون ميليمتراً ، وإذا لم يكرمنا الله عزَّ وجل بأمطار قد تجد الينابيع كلُّها جافَّة ، ونضطر أن نشتري الماء شراء ..

( سورة الملك )

       هو الله عزَّ وجل ، هذا أول درس .

       الدرس الثاني :

      من نعم الله أن تجد الهواء تستنشقه ، أن تجد الهواء غير الملوَّث تستنشقه ، وأن تجد الماء العَذْبَ الفُرات تشربه ، استوردت دولة مجاورة  ماءً من العدو ، فباعها ماء المجاري .. الماء المالح .. وحدثت تسمُّمات ، وامتلأت المستشفيات بالمصابين ، وبيعت قارورة الماء الصالح للشرب بمئةٍ وخمسين ليرة ، فأنت حينما تفتح الصنبور في البيت ، وتشرب كأس ماء صافٍ ، هذه نعمةٌ لا تُقدَّر بثمن ، لكن الإنسان لا يعبأ بالشيء المتوافر ، استعاذ النبي من هذه الحالة ، كان عليه الصلاة والسلام يقول :" يا رب أرني نعمك بكثرتها لا بزوالها " .

      تذكر نعمة الله حينما تفتح صنبور الماء ، وتشرب ماءً عذباً فراتاً ، سكنت في الحج  في بيت في مكَّة المكرَّمة ، وفي أثناء دخولي إلى البيت وجدت مستودعاً للمياه في مدخل البناء ، لم يعجبني وضع الماء ، قيل لي: هذا للاستعمال المنزلي فقط ، ولكن لابدَّ أن تشتري ماءً للشرب ، ثمن القارورة ثلاثة ريالات ، أي حوالي ثلاثين ليرة ، يشربها العطشان مرَّة واحدة ، إنك تفتح الصنبور ، فتشرب أول كأس ، وثاني كأس ، وثالث كأس ، ورابع كأس ، يجب أن نعرف نعمة الله علينا ، هذا الماء له ثمن باهظ وحينما تتعطَّل محطَّات التَحْلِيَة يُحْمَل الماء إلى البيوت حَمْلاً ، هذه من نعم الله العُظمى ، هناك ماء ، و هواء ، وطعام ، ومعك قوت يومك .

       يا إخواننا الكرام ... كلمةٌ من القلب : حينما يمتنُّ الله على الإنسان بالهدى ، حينما يعبد الإنسان الله ويعرف أن هناك جنَّةً ، وأن هناك ناراً ، وأن هناك حساباً ، وأنه هو المخلوق الأول ، حينما يعرف ربَّه ، ويعرف نفسه ، ويعرف سرَّ وجوده ، وغاية وجوده ، ويمتِّعه الله بالصحَّة ، هو في نعمة لا تقدر بثمن  ، فلو أن إنساناً يملك البلاد كلها ، وأصابه مرض عُضال تراه يتمنَّى أن يعود مواطناً عادياًِ بأجر زهيد على أن يعافى من المرض ، أليس كذلك ؟ فكل إنسان معافى هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن ، فنعمة الهدى ، ونعمة الصحَّة ، ونعمة الكفاية ، هذه نعمٌ إذا توافرت فقد حيزت لك الدنيا بحذافيرها .

       هناك قصَّة قلتها على المنبر اليوم وهي تروى عن سيدنا عمر بن عبد العزيز ، وتروى لملكٍ آخر ، ملك سأل وزيره : " من الملك ؟ " ، قال له : " أنت " ، قال له : " لا ، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه ، لأنه إن عرفنا جَهِدَ في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه " .

       فكل إنسان عنده قوت يومه ، وله مأوى ، وله بيت ، وله زوجة ، وهو راضٍ عن الله هو ملكٌ من ملوك الدنيا ، وأسعد أهل الأرض ، والله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش ، قد يعطيك سكينةً يتمنَّاها الملوك .

       هناك كلمة لا أنساها : ملك اسمه إبراهيم بن الأدهم ، ترك الملك زُهداً به وصار عارفاً بالله، لأنه كان ملكاً وصار عارفاً بالله أنا أصدِّقه وَحْدَهُ ، قال : " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، لأنه يعرف ما هم عليه الملوك ، كان ملكاً ، وصار عارفاً بالله ، فأي واحد مؤمن يعرف الله ، يعرف منهجه ، يعرف أن الله قد وعده الجنَّة ، يعرف ما يجب وما لا يجب ، ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، مُنضبط ، وَقَّافٌ عند حدود الله ، له عملٌ طيِّب، أجرى الله عزَّ وجل على يده عملاً طيباً ، هذا الإنسان أسعد أهل الدنيا ؛ ولو كان في التعتيم ، ولو كان في الظلال، ولو لم يعرفه أحد ، إذا دخل إلى مجلس هؤلاء الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يُعْرَفوا ، وإذا غابوا لم يُفْتَقَدوا ، أتقياء أخفياء هم عند الله في أعلى مرتبة .

       امتن الله عزَّ وجل على بني إسرائيل بأن ظلل عليهم الغمام ..

      المعنى : هذه النِعَم التي أنعم الله بها عليهم ، المَن والسلوى طعام نفيس جداً ، لا مجال للحديث عنه لأنه لا يوجد منه الآن ، طعام نفيس امتنَّ الله به على بني إسرائيل ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ..

       إذا استمتع الإنسان بهذه النعم دون أن يشكر الله عليها لا يُعدُّ ظالماً لله ولكنه يظلم نفسه ، قس على ذلك ، أي إنسان الله أعطاه ، تمتَّع بهذا العطاء ، تمتَّع بصحَّة ، تمتَّع بمال ، تمتَّع بزوجة، تمتَّع بأولاد، تمتَّع بكل شيء ، وعدَّ نفسه شاطراً وذكياً أنه وصل إلى شيء نفيس في الحياة ونسي الله ، فهو أكبر ظالم لنفسه لأنه لم يشكر ، النبي عليه الصلاة والسلام كانت تَعْظُم عنده النعمة مهما دقَّت ، إذا شرب كأس ماء ، تعظم عنده النعمة مهما دقَّت ، إذا أفرغ هذا الكأس، الطرق كلها سالكة، والأجهزة تعمل بانتظام ، هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن ، إذا أكل هذه نعمةٌ لا تقدر بثمن ، إذا خرج هذا الطعام نعمةٌ لا تقدَّر بثمن ، إذا كانت الأجهزة تعمل بانتظام نعمة لا تقدر بثمن ..

       لا زالت النِعَم تترى على بني إسرائيل ..

      متواضعين ، باب بيت المَقْدِس ..

       أي يا رب اغفر لنا ذنوبنا ، حُطَّ عنَّا خطايانا ..

       للمذنبين ..

      إحساناً ، فكل واشرب ، وتزوَّج ، وأسِّس عملاً ، ونَل شهادة عُليا، وأنجب أولاداً وربهم ، افعل ما تشاء من المباحات على شرط أن تعبد الله ، أن تقف عند حدوده ، أن تأتمر بأمره ، أن تنتهي عما عنه نهى ، أن تحبَّ الله ورسوله ، لا يوجد في الدنيا حرمان ولكن يوجد تنظيم ، كل الشهوات التي أودعها الله بالإنسان لها قنوات نظيفة ، أية شهوةٍ أودِعَت في الإنسان لها قناةٌ نظيفةٌ تسري خلالها ، فأنت حينما تعرف الله تفعل كل شيء لكن وَفْقَ منهجه .

       وردد آية بهذا المعنى ، عن اتباع الهوى بغير هدىً من الله :

( سورة القصص )

       الكافر يتبع هوى نفسه من غير هدىً من الله ، أما المؤمن فهو يتبع هوى نفسه وفق منهج الله ، فالشهوات التي أودعها الله في الإنسان لها قنوات نظيفة ..

       القرية هي بيت المقدس في أرجح الأقوال ..

 

      خضوعاً لله ، عندما فتح النبي الكريم مكَّة المكرَّمة دخلها خافض الرأس ، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل..

      يا رب حُطَّ عنا ذنوبنا ..

      للمذنبين ..

       عندما يصير الدين شكلاً ، فُلكلوراً ، تقاليد ، ورقصاً ، أو يصير الدين دوراناً ومع ارتداء ثوب كبير ، أو غناء ، أو طرباً ، أو احتفالات ، أو إلقاء كلمات ، أو مؤتمرات دون أن يُطَبَّق المنهج الإلهي ، إذا أصبح الدين كذلك فهذه أمَّةٌ تودِّعَ منها ..

     أهكذا ذَكَرَ أصحاب رسول الله ربَّهم وهم يرقصون ؟ أهكذا كانت ثيابهم ؟ قد يبلغ قطر ثوبه ثلاثة أمتار ، أفَعَلوا هذا تطبيقاً لمنهج الله عزَّ وجل ؟ ..

       تكاد تجد أكثر المعاصي مُغَطَّاة بفتاوى ، لم يبقى شيء من الدين بقي فقط فلكلور ، تُراث ، يقول لك : التراث الإسلامي ، الدين أقواس ، تيجان، زخرفة إسلاميَّة ، لوحات إسلاميَّة ، قرآن مُزَخرف ، مسجد مزخرف ، شكل بدون مضمون ، لا يوجد منهج مُطبَّق ، المنهج غربي ، التقاليد والعادات كلها غربيَّة ؛ في الطعام والشراب ، والاختلاط، والفنون والغناء ، والأفلام ، كله غربي ، ولا يوجد شيء إسلامي إلا المسجد والزخارف ، وبعض الثياب ، هذا لا يجوز ..

 

        وما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل ، علماً أن الدين توقيفي ، والشرائع منتهية ، قال تعالى :

( سورة المائدة : " 3 " )

       الدين لا يقبل الزيادة ، لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص ، والدين لا يقبل الحذف ، فأيُّ حذفٍ منه اتهامٌ له بالزيادة ، هو دين الله عزَّ وجل ، كمال مُطْلَق ..

     أقول لكم كلمة : والله الذي لا إله إلا هو لو خرج أهل بلدةٍ إلى مكانٍ فسيح متذلِّلين خاضعين ، يسألون الله السُقْيَا ، والله الذي لا إله إلا هو من الثابت أن الله يُمْطِرُهم مطراً يملأ آبارهم ، ليعرّفهم ربُّهم أن الذي تدعونه بيده المطر ، هذا الشيء يحصل في العالم الإسلامي ، الاستسقاء  عبادة ، صلاة الاستسقاء عبادة ولكنها لا تنجح بشكل فردي إلا أن تكون جماعيَّةً ، يجب أن يخلع الناس كِبْرَهُم ، يخلعوا عنجهيَّتهم ، أن يخضعوا لله عزَّ وجل ، أن يسألوه السقيا ، فإذا سألوه السقيا بتواضعٍ ، وتذلُّل ، وتَخَشُّع أمدَّهم الله بالأمطار الغزيرة التي تملأ آبارهم ، وتحيي أراضيهم ، وتنقذ نباتاتهم من الجفاف ..

       كل واشرب من غير كِبْر ، من غير غطرسة ، من دون معاصي، من دون آثام ، تزوج من دون اختلاط ، تزوج وحجِّب زوجتك ، اجعل القرآن في بيتك ، افعل الطاعات ، الذي حصل :

      أفخر أنواع الطعام ، توجد هنا لفتة دقيقة جداً ، الإنسان إذا استهدف الدنيا يَمَلُّ منها ، إذا استهدفها ، ونسي رسالته ، لم يعد له هدف ، يعيش ليأكل ، ليستمتع ، يمل كل شيء ، والدليل أن هؤلاء الشاردين في أوروبا وأمريكا ملّوا كل شيء ، لذلك يوجد انحرافاتٌ خطيرة سببها المَلَل والسَأَم، ملوا المرأة فتوجَّهوا إلى الجنس المثلي ، مُدن بأكملها ، أكبر مدينة أو من المدن الجميلة جداً خمسة وسبعين بالمئة من بيوتها شاذُون ، ذكور ذكور ، إناث إناث ، السبب هو الملل ، أنت عندما تستهدف الدنيا وليس لك رسالة في الحياة تملُّ كل شيء ، تبحث عن الجديد ولو كان قذراً ، تبحث عن التجديد ولو كان انحطاطاً ، تبحث عن التغيير ولو كان نحو الأسوأ ، هذا شأن الإنسان؛ أما المؤمن هدفه الله عزَّ وجل ، لا يمل النعم التي بين يديه  لأنها وسائل ، وليست غاية ، النعم التي بين يديك تملُّها إن أصبحت غايات ، وترتاح لها ، وتستعين بها ، ولا تَمَلُّها إذا جعلتها وسائل، فلذلك المَن والسلوى ، قال :

      فهؤلاء الذين ضُرِبَت عليهم الذِلَّة والمسكنة وباءوا بغضبٍ من الله ، كيف بهم إذا أصبحوا مستكبرين ؟ معنى ذلك أن هؤلاء الذين استكبروا عليهم أقل منهم ، هؤلاء الذين ضُرِبَت عليهم الذلَّة والمسكنة ، وباءوا بغضبٍ من الله يتجبَّرون على من هم أضعف منهم ، هذا معنى مزعج جداً .

       هذه صفاتهم ؛ يعصون الله ، يعتدون على حقوق الآخرين ، يقتلون الأنبياء بغير حق ، طبعاً لا يوجد قتل بالحق ، هذا ليس قيداً احترازياً بل هذا قيد وصفي ، يعني دائماً وأبداً الذين يقتلون الأنبياء ، بغير حق ، لأن الأنبياء دعاة إلى الله عزَّ وجل ، هذه صفاتهم التي أنبأنا الله بها في القرآن الكريم.

       وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

سؤال هام عن المصائب :

       سائل يقول : تذكر في أحاديثك أن هناك مرضاً عُضالاً يُعَدُّ عقوبةً من الله ؟

الجواب :

      أيها الإخوة إن كلامي دقيق جداً ، المرض نفسه ، مرض عضال يصيب إنساناً غير مؤمن فيكون عقاباً ، ويصيب إنساناً مؤمناً فيكون ترقيةً إلى الله عزَّ وجل ، هذا الشي ثابت ، المؤمنون لهم مصائب ، والكفَّار لهم مصائب ، مصائب الكفَّارِ ردعٌ وقصمٌ ، لكن مصائب المؤمنين دفعٌ ورفعٌ .

      حدَّثنا أخ طبيب كان بمستشفى ، جاء مريض مصاب بورم خبيث ، يشهدُ الله أنه مؤمن ، قال لي : شيء يحيِّر العقول ، كلما دخل إنسان لعيادته ، الكلمة الأولى له : اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا ربِّ لك الحمد .

      أقسم هذا الطبيب وهو من إخواننا الكرام وهو حيٌ يرزق : أنك إذا دخلت إلى غرفته وجدت وجهه كالنور ، روائح طيِّبة ، إذا قرع الجرس ، يتهافت كل من الأطبَّاء والممرضين على خدمته، وبعد أربع أو خمس أيام توفّي بأجمل حالة ، بطيب ورضى .

      ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة أرادها الله ، عَقب هذا المريض جاء مريضٌ آخر مصاب بنفس المرض ، لم يترك نبياً إلا وسبَّه ، طباع شرسة ، روائح نتنه، ثم مات .

      فإذا قلت لكم : مرض ، فإني أقصد إنساناً متفَلِّتاً ، عاصياً ، يبيح الزنا والخمر ، أنا أقصد هذا المرض لهذا الإنسان عقاب ، والله لا تجد ولا شخصاً منا وعنده ضمانة أن لا يصاب بهذا المرض ، وقد يصاب ويكون بأعلى درجة عند الله عزَّ وجل ، لي صديق أصيب بنفس المرض ، تقول زوجته عنه : سنتان ولم تسمع منه إلا كلمة الحمد لله ، اشتهت أن تسمع كلمة أنين منه ، فلعل هذا المرض يكون سبباً لدخول الجنة .

      فالمصائب أيها الإخوة أنواع ؛ مصيبة ردع ، مصيبة قصم ، هذا لغير المؤمن ، أما المؤمن رفع ودفع ، فبعض الصحابة فقدوا أبصارهم ، وبعض الصحابة جُرِحوا ، النبي شُجَّت وجنته ، كُسرت ثناياه ، فإذا حكيت لكم عن مرض .[ والله هذا السؤال مهم جداً] .. فأنا ما قصدت أن المرض وحده مشكلة ، لا ، بل المشكلة أن يكون الإنسان شارداً عن الله، شارداً ، غارقاً.

      تحدَّثت مرة عن إنسان يملك محلاً ضخماً جداً ، يمارس الفحشاء فيه ، ويعلق لافتة على باب المحل كتب فيها : نحن في الصلاة ، احترق المحل ، جدده ، وعاد إلى معصيته ووقاحته ، احترق مرة ثانية ؛ إذا احترق محل المؤمن ، فليست هناك أي مشكلة أبداً ، فهناك حكمة بالغة من ذلك ، هناك صحابي سُرِقَ ماله ، فقال : " يا رب إن كان هذا الذي أخذه عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه ".

       هل من الممكن أن يسرق مال المؤمن ويحترق محلّه ؟ ممكن ، فهناك حكمة نحن لا نعرفها، يمرض مرضاً شديداً ، والله هناك أمراض تصيب المؤمنين يرقون بها إلى أعلى عليين ، أعرف أُناساً والله لا تؤثِّر فيه ولا مليون خطبة ، أصابه مرض عضال وكان سبباً لعودته إلى الله عزَّ وجل ، فأنا عندما أقول : مرض عضال ، فلا أقصد أن كل واحد أصيب بمرض عضال معاقب ، لا والله ، فلا أحد منا يخلو من مرض، لا يوجد ضمانه عند إنسان أن لا يصاب بمرض ، و المرض صار مشكلة كبيرة هذه الأيام ، فأتمنى عليكم أن تنتبهوا للطعام ، فهناك مواد بلاستيكيَّة ، و مواد مسرطنة ، ومبيدات ، وأشياء كثيرة ، فانتبه للطعام ، نسبة المرض  مرتفعة عشرين ضعفاً عن السابق ، لا تمر جمعة إلا وأسمع عن عدة أشخاص ممن حولي أصيبوا بالأمراض .

       فأنا لا أقصد أن كل إنسان أصيب بهذا المرض إذاً هو معاقب ، لا ، فأنا أتحدَّث عن إنسان متفلِّت ، ليس له منهج ، يفعل الزنا جهاراً ، يشرب الخمر ، يتحدِّى الإله ، هذا الإنسان مرضه بالطبع عقاب ، أما إنسان مؤمن.. فاسمعوا هذه الآية وهي خاصة بالمؤمنين :

( سورة البقرة )

      النبي سيد الخلق قال :" أوذيت وما أوذي أحدٌ مثلي ، وخِفت وما خاف أحدٌ مثلي ، ومضى عليَّ ثلاثون لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبْطُ بلال "

      دائماً أيها الأخوة الكلام له سياق ، ولِحاق ، وسِباق ، ذكرت مرة قصة عن امرأة اعتدت على أخيها ، اشترى معها بيتاً بالتمام والكمال والتساوي ، ودفع كامل المبلغ ، وكانت قويةً جداً  ، فأخرجته من البيت ظلماً وعتوّاً ، ولديه من الأولاد أربعة عشر ولداً ، نصفهم يبيتون في بيت جدهم ، والنصف الآخر عند بيت جدتهم ، قال لي ابن أخيها : أصيبت عمتي بمرض خبيث ، فقلت : والله هذا عقاب إلهي ، وتوفيت بعد شهر ، وورثها أخوها الوحيد ، عاد إلى البيت مع أولاده .

       فهناك حالات واضحة ، فهذه الحالة عقاب إلهي مثل الشمس ، فهل كل مؤمن صار معه مرض كان عقاباً  ؟ .. أعوذ بالله أن أقول هذا الكلام .. فلا يوجد إنسان خال من مشكلة في حياته، الحديث الشريف :" إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " *

( مسند أحمد : عَنْ " أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ")

      أنا حينما أذكر إنساناً يعصي الله جهاراً ، ينتهك حرمات الله ، يتحدَّى الإله ويأتيه مرضٌ عضال ، هذا المرض في الأعم الأغلب هو عقاب من الله ، أما المؤمن له حساب آخر ، وهذان المريضان اللذان دخلا المستشفى بنفس المرض ، واحد ارتقى بمرضه إلى أن أصبح في أعلى عليين ؛ والثاني هوى به إلى أسفل السافلين ، فالعبرة حالتك مع الله عزَّ وجل .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi