English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :33/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات " 83 ـ 86 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد غازي سليمان قدسي والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثالثة والثمانين وهي قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       ذكرت في درسٍ سابقٍ أيها الإخوة أن كلمة إذ تعني اذكروا حين..

      أي اذكروا حين أخذنا منكم الميثاق الغليظ ..

     والميثاق هو العهد ، والبشريَّة جمعاء حينما خُلِقوا في عالَم الذَر قال لهم الله سبحانه وتعالى : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى

 ( سورة الأعراف : من آية " 172 " )

       أخذ الله على خلقه العهد أن يأتوا إلى الدنيا ليطيعوه ، وليتعرَّفوا إليه، وليتعرَّفوا إلى منهجه ، وليعملوا الصالحات لتكون الصالحات ثمناً لجنَّةٍ أبديَّة ، هذا هو العهد ، نحن في الدنيا من أجل أن نعرفه ، ومن أجل أن نطيعه فنسلم ، ومن أجل أن نعمل الصالحات فنسعد ، ومن أجل أن تكون هذه المعرفة وتلك الطاعة وهذا العمل الصالح ثمن الجنَّة ، خُلِقْنا لجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ..

أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"

( الجامع الصغير : عن " أبي هريرة " )

       العهد أن نأتي إلى الدنيا فنتعرف إلى الله من خلال الكون ، والكون كلُّه ينطق بأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، أن نأتي إلى الدنيا وأن نستخدم العقل الذي أودعه الله فينا ، وأن نصغي إلى صوت الفطرة التي فُطرنا عليها ، وأن نستخدم حريَّة الاختيار في اختيار الخير ، وأن نستخدم الشهوات كقوَّى محرِّكة لا قوى مدمِّرة ، وأن نجعل من الشرع منهجاً لنا ، من أجل هذا جئنا إلى الدنيا ، وهذا هو العهد الذي عاهدنا ربنا عليه ، وهذا مضمون قوله تعالى :

إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ

( سورة الأحزاب : من آية " 72 " )


       
كلمةٌ جامعةٌ مانعةٌ هي الـدين كلُّه ، لا تـعبدوا إلا الله ، يجب أن نؤمن به إلهاً واحداً موجوداً كاملاً وأن نعبده ، وأن نعبده وفق ما أمر لا وفق أمزجتنا ، تسألك إحداهن : هل من الممكن أن نعمل عقد زواج صوري ليكون هذا الزوج الصوري محرم لي في الحج ؟ عجيب، تريدين أن تعبدي الله وفق مزاجك ، ليس هناك محرم فأنتِ لستِ مستطيعةً ، استطاعت المرأة أن يكون لها محرم تحجُّ معه ، طبعاً ضربت هذا المثل عَرَضَاً ، يريد أُناسٌ كثيرون أن يعبدوا الله وفق أمزجهتم ، لا يُعبد الله عزَّ وجل إلا بما شَرَّع ..

      الطاعة لله وحده ، والعبادة كما أقول دائماً وأعيد هذا كثيراً : طاعةٌ طوعيَّةٌ ، ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّةٍ ، أساسها معرفةٌ يقينيَّةٌ ، تفضي إلى سعادة أبديَّة ، معرفة ، طاعة ، سعادة ..

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)

( سورة الأنبياء )

       فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ..أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ

( سورة المؤمنون : من آية " 32 " )

       وردت هذه الآية عشرات المرَّات ـ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ـ

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56)

( سورة الذاريات )

        لا يُعْبَد إلا الله ، وحينما تعبد الله تعبده وفق ما شرَّع ..

        الوالدان هما سبب وجودك ..

     قَرَنَ الله الإحسان إلى الوالدين بعبادته تعظيماً لقدر الوالدين ، ولو أن في اللغة كلمةً أقلَّ من أفَّ لقالها الله عزَّ وجل ..

   طبعاً هذه الآية افعل ، والآية التي بعدها لا تفعل ..

     لقد تضمّنت هذه الآية العديد من العبادات بالإضافة إلى العبادة الاعتقادية في مطلبها ، عبادات شعائريَّة ..

      عبادات قوليَّة ..

      عبادات تعامليَّة ..

     عبادة اعتقاديَّة ..

       هذا مضمون منهج الله عزَّ وجل : عبادة اعتقاديَّة ، وعبادة شعائريَّة ، وعبادة تعامليَّة ، وعبادة قوليَّة .

       الذي حصل أن هناك تولِّي ، هناك تقصير ، هناك إعراض ، أنت مخيَّر ، كل الخَلق عدا الإنس والجن مسيَّرون ، الشر لا وجود له إلا في عالَم الإنس والجن لأنه مخيَّر ، الأمر التكليفي غير التكويني ، هناك أمرٌ تكليفيٌّ وهناك أمرٌ تكويني ، الأمر التكليفي طريق سالك ؛ لكن في أوله لوحةٌ كُتِبَ عليها ممنوع المرور ، فأنت إما أن تسير وتخالف وتدفع الثمن الباهظ، وإما أن تأتمر فتسلم وتسعد ، فالأمر تكليفي لك أن تطيع ، ولك ألا تطيع ، أما الأمر التكويني ليس لك خيار ، الله عزَّ وجل له أمر تكليفي وله أمر تكويني ، خلقك من فلان وفلانة هذا تكويني ، خلقك بشكل معيَّن تكويني ، خلقك بعصر معيَّن تكويني ، بزمنٍ معيَّن ، بمكان معيَّن ، بقدراتٍ معيَّنة كلَّه تكويني ، قال لك : صلِّ ، هذا تكليفي ، اصدق تكليفي ، كن أميناً تكليفي ، اعدل تكليفي ، غضَّ البصر تكليفي ، هناك أمر تكويني هو فعل الله ، وهناك أمر تكليفي هو أمر الله ، فهذا أمرٌ تكليفي ..

      أيمكن أن تعبد غير الله ؟ ممكن لأن الأمر تكليفي ..

      أيمكن أن يكون الإنسان ابناً عاقاً ؟ ممكن ..

      أيمكن أن يبني مجده على نهب أموال هؤلاء ..؟ ممكن

       أيمكن أن تقول سوءاً للناس ؟ أمر تكليفي تفعل أو لا تفعل ..

      يمكن أن لا تصلي ، أنت مخيَّر ، فالتخيير يثمِّن العمل ، لو لا الاختيار ما كانت هناك جنّة في الأساس ، الجنة لأنَّك مخير ، يقدم الإنسان فحصاً فينجح ، يقام له احتفال تكريمي ، لماذا التكريم ؟ لأنه درس وطالب آخر ما درس ، الأول لأنه اجتهد ، والطالب الآخر ما اجتهد، الأول لأنه نجح والآخر ما نجح ، هو مخيَّر يدرس أو لا يدرس ، فالذي درس واجتهد ونجح يُقام له حفل تكريمي ، والذي رسب يوبَّخ ، فأنت مخيَّر ، لا تنس أن مقوِّمات التكليف ؛ الكون، والعقل ، والفطرة ، والشهوة ، والاختيار ، والشرع ..

   هذه الآية افعل ، أما لا تفعل .. فإليك الآية :

   مما يلفت النظر في هذه الآية :

      مجتمع المؤمنين مجتمع واحد ، وحدة ، مجتمع المؤمنين في الأصل كما أراد الله عزَّ وجل كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى ، أنت حينما تأخذ مال أخيك ضَعَّفته ، وإذا ضعَّفته ضعَّفت المؤمنين ، وإذا صُنْتَ مال أخيك قوَّيته ، وإذا قويته قويت المؤمنين ، وأنت من المؤمنين ، فأنت حينما تأكل مال أخيك ضعَّفت نفسك.

      هذا مثلٌ أوضح : الآن لو أن أسرة مؤلَّفة من خمسة شباب ، عاونوا أخاهم حتى صار طبيباً ، وصار دخله كبيراً ، هذا الدخل عاد على أخوته ، أما لو جعلوا العصي في العجلات ، منعوه من الدراسة ، لبقي فقيراً ، وصار عبئاً عليهم ـ الفكرة واضحة ـ هذا الأخ له خمسة إخوة ، إذا دعموه وساعدوه وصار ذا مهنة دخلها كبير ، دخلها الكبير عاد إليهم ، أما إن أخذوا ماله ، ومنعوه من الدراسة ، بقي فقيراً ، وصار عبئاً عليهم  ، فعلى مستوى خمسة إخوة ، أنت إن أخذت مال أخيك فقد أخذت من مالك ، وأنت لا تدري ، إن أضعفتَه أضعفت نفسك ، وإن قويَّته قوَّيت نفسك ، إذا دللته على القواعد الصحيَّة وعاش صحيح البدن فأنت ارتحت ، إذا كان أخوك بخير فأنت بخير ، إذا أهملت توجيهه الصحي فارتكب أخطاء صحيَّة كبيرة وأصابه مرض عضال فأنت المسؤول ، أنت مكلَّف بمعالجته ، هذا شيء واضح جداً في الأسرة .

       إذا أهمل الإنسان صحة أولاده ، سيتكلَّف أموالاً طائلة في معالجتهم ، لأنه نفسه مسؤول عنهم ، لو انتبه لصحة أولاده لارتاح ، فكأن الله عزَّ وجل يقول لنا : أنتم بمثابة الجسد الواحد، فإن أكلتم أموالكم ضعَّفتم أنفسكم، إن سفكتم دماءكم ضَعَّفتم أنفسكم ، إن أخرجتم إخوانكم من بيوتهم ضعَّفتم أنفسكم ، أي أن الله عزَّ وجل أرادنا أن نكون جماعة ، وأرادنا أن نكون متعاونين ، متباذلين ، متناصرين ، متضامنين ، متناصحين ، ولا يحبُّنا الله عزَّ وجل إلا بهذا، النظام ، والتعاون ، قال تعالى :وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

( سورة المائدة : من آية " 2 " )

        إخواننا الكرام ... الإنسان له طبعٌ وله تكليف ، طبعه فردي ، والتكليف تعاوني ، أمرك الله أن تتعاون مع أخيك ، فأنت بقدر إيمانك بالله، وقدر طاعتك له تتعاون ، وبقدر ضعف إيمانك ، وبقدر تفلُّتك تتنافس ، فالمتعاون مؤمن والمتنافس عاصٍ ، لأن التعاون تكليف والفرديَّة طبع ، والتناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنَّة ، مثل هذه الآيات في القرآن ..وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ

( سورة البقرة : من آية " 188 " )

       طبعاً ليس معنى الآية أن تأخذ من جيبك الأيمن مبلغاً من المال تضعه في جيبك الأيسر  لا ليس هذا هو المعنى ، هذا المال مال أخيك هو مالك من زاويةٍ واحدة ، من زاوية ضرورة الحفاظ عليه ، فلأن تمتنع من أكله من باب أولى ، إذا أعارك أخوك  سيَّارته ، فهي سيارتك بمعنى أنه يجب أن تقودها بعنايةٍ فائقة ، وكأنها سيارتك ، هي ليست لك بل هي له ، ولكن سنقول موقتاً هي سيارتك ، أي عامِلْها كأنها سيارتك ، اعتنِ بها ، قُدها بلطف ، بعناية فائقة ، فإذا قلنا : هذه السيارة سيارتك ليس المعنى أنها سيارتك ، المعنى أنه ينبغي أن تقودها وكأنَّها سيارتك ، من زاوية العناية بها ، فإذا قال الله عزَّ وجل :وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ

( سورة البقرة : من آية " 188 " )

       أي لا تأكلوا مال إخوانكم ، ولكن سُمِّيَ مال أخيك مالك من زاوية وجوب العناية به ، والحفاظ عليه وكأنَّه مالك ، هذه نقطة دقيقة جداً ، إذا كان الشيء ليس لك فقد تكسِّره ، تهمله، تتلفه ، تحطِّمه ، هذا سلوك الكفَّار ؛ أما المؤمن مال أخيه هو ماله ، من زاوية الحفاظ عليه ، يعتني بحاجات إخوانه ، يعتني بآلاتهم ، ببيوتهم ، لو أسكَّنوك في بيت وكأنه بيتك ،ولو أعاروك مركبة وكأنَّها مركبتك ، أعطاك مالاً كي تستثمره وكأنَّه مالك ، لا تجعل مالك دون ماله ـ الفكرة دقيقة ـ فلو أن تاجراً أتاه مال للاستثمار ، وكان صنف البضاعة غير معروف، فوضعه في هذا الصنف المجهول ، فهل يربح ؟ أم لا يربح ؟ يقول لك : إذا ربح أُدْخِل رأس مالي الشخصي ،  أما إذا لم يربح فيمسك ماله لنفسه ويقول : ما في نصيب ، يقول لك : لم أشارك بمالي لأنه ما في نصيب ،  وهذا ترتيب الله سبحانه وسيدنا ، أشار النبي  إلى هذه الناحية فقال :" ولا تجعل مالك دون ماله " .

        لا تجعل مال هذا الإنسان اليتيم وسيلةً تجسُّ بها نبض السوق ، لا ، بل يجب أن تتعامل مع مال إخوانك ، وكأنه مالك ، وذلك من زاوية وجوب الحِفاظ عليه وصونه ، طبعاً فلأن تمتنع عن أكله من باب أولى ، من باب أولى ألف مرَّة .. فاحذر

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ

( سورة البقرة : من آية " 188 " )

وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ

( سورة الحجرات : من آية " 11 " )

       لن تجد إنساناً يحتقر نفسه ، لكنه يحتقر أخاه ، يطعن بأخيه ، فإن طعنت بأخيك طعنت بنفسك ، أنا أضرب أمثلة للتوضيح ـ لو أن إنساناً يجلس في لقاء يحوي خمسين أو ستين شخصاً ، وقال : أبي فعل كذا ، أمراً قبيحاً ، وأبي خالٍ من الأخلاق ، وأبي قليل الدين مثلاً ، فقد طعن بنفسه من دون أن يشعر ، إذا كان هذا حال أبيك فأنت على هذه الشاكلة ، فإذا ذمَّ الإنسان أقرب الناس له كأنه ذمَّ نفسه وهو لا يشعر ..

وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ

       لم يقل : ولا تلمزوا إخوانكم ، ولكنه قال : هذا أخوك سمعته من سمعتك ، لذلك :

"من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه "

( كنز العمال : عن " عائشة " )

        و ..

"من أكرم أخاه المؤمن فإنما يكرم الله تعالى "

( تخريج أحاديث الإحياء )

        الله عزَّ وجل يحب السَتر ، يحب التعاون ، يحب التضامن ، التكاتف ، التناصر ، التسامح ، يحب التزاور ، هذا الذي يحبُّه الله عزَّ وجل ، أنا آتيكم بأمثلة ..

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ

( سورة البقرة : من آية " 188 ")

وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ

( سورة الحجرات : من آية " 11 " )

      أربع آيات أو خمس آيات في القرآن الكريم ، فيها استفهام كبير ، بالظاهر لأنه لا يوجد إنسان يقتل نفسه ، أما إذا قتلت أخاك تُساق إلى المحكمة فيُحْكَم عليك بالإعدام ، معنى هذا أنت قتلت نفسك وأنت لا تدري ، وقد قيل : " القتل أنفى للقتل " .

       عندما نقتل القاتل فقد ردعنا ألف إنسان مجرم ، كان كل منهم ينوي أن يقتل ، فالمعاني دقيقة جداً ، أول آية افعلوا ، الآية الثانية لا تفعلوا ..

      اذكروا أيضاً ..

    يقول النبيُّ عليه الصلاة والسلام : " يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً " .

       أي إذا عاش الإنسان حياة مديدة ولم يصدر عنه أذى لإنسان ، هذا وسام شرف كبير ، طبعاً القتل فما دون ،  تجريح ، أو غيبة ، أو نميمة أو ابتزاز أموال ، أو طعن بالأعراض ، أو بالأنساب ، أي أن تكون بعيداً عن إيذاء الخلق ، وقد ورد في الحديث : " اثنان لا تقربهما الإشراك بالله والإضرار بالناس " .

        تصوَّر أباً له أولاد ، فالذي يعتدي على أحد أولاده كأنه اعتدى على الأب ، أن تعتدي على ابن هو عداون على الأب ، لذلك  ينطلق المؤمن من حقيقة كُبرى ، كل هؤلاء الخلق عيال الله ، فبقدر محبَّتك لله تنفع عياله ، بقدر محبَّتك لله تُحسن إليهم ، بقدر محبَّتك لله تلقي في قلوبهم الأمن والسكينة ، بقدر محبَّتك لله تسعدهم ، بقدر محبَّتك لله تعطيهم .

       والإنسان الآخر ـ الطرف الآخر ـ بقدر بعده عن الله يبتزُّ أموالهم ، بقدر بعده عن الله يُرْعِبُهم ، بقدر بعده عن الله يخوِّفهم ، بقدر بعده عن الله يطعن بهم .

       خدمة الخلق قربى إلى الرب ، وإيذاء الخلق بعدٌ عن الله عزَّ وجل ، إنني أعتقد أن إنساناً يرى طفلاً في الطريق فيصفعه صفعاً شديداً ثمَّ يلتقي بأبيه في البيت التالي فإنه سيعروه خجلٌ شديدٌ ، وخاصة إذا كان الطفل لم يفعل شيئاً ، إنك لا تستطيع أن تتصل بالله إذا آذيت خلق الله عزَّ وجل ، والحقيقة فالإنسان يحجب عن رب العباد عندما يؤذي العباد ، وذلك أكبر عقاب  من الله يعاقب له الإنسان ، أكبر عقاب على الإطلاق ..

كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(15)

( سورة المطففين )

       أنت حينما تؤذي عباد الله ، حينما تبتزُّ أموالهم ، حينما تحتال عليهم ، حينما تنتهك أعراضهم ، حينما تلقي في قلوبهم الخوف ، حينما تحمِّر وجوههم ، حينما تسحقهم ، حينما تبني ثروتك على إفقارهم ، حينما تبني مجدك على أنقاضهم ، حينما تبني عزَّك على إذلالهم ، أنت عندئذٍ أخذت أكبر عقاب من الله وهو أن الله عزَّ وجل حجبك عنه ، وطردك من رحمته، فكن عبد الله المظلوم ، إذا كان الطريق إلى الله سالكاً ؛ ولا تكن عبد الله الظالم إذا كان الطريق إلى الله مقطوعاً ، أيهما أفضل أن يكون الطريق إلى الله سالكاً ولك حقٌ عند أخيك ؛ أم أن تأخذ ما ليس لك والطريق إلى الله مسدود ؟ الإيمان يحل هذه المشكلة ، المؤمن يعد للمليون قبل أن يأخذ ما ليس له، قبل أن يحتال على إنسان آخر ، قبل أن يخيف إنساناً ما ، قبل أن يسبِّب الأذى لإنسان ، قبل أن يُحرج إنساناً ، قبل أن يفضح إنساناً ، قبل أن يكون سبباً في هلاك إنسان ..

      أخذ ربنا عزَّ وجل العهد على بني إسرائيل أن يعبدوه ، وأن يحسنوا إلى الوالدين ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، وأن يقولوا للناس حسنا ، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وأخذ عليهم العهد أيضاً ألا يسفك بعضهم دماء بعض ، ورد في بعض الأحاديث أنه من علامات قيام الساعة .." موتٌ كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ولا يدري المقتول فيما قُتِل " .

       ما معنى أن يخرج ربع مليون إنسان من بلدهم خوفاً على دمائهم ؟ هذا الذي يجري في العالم الآن .. " يأتي أخي عيسى فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجورا " .

     تقوم القيامة ولا تقعد ،  من أجل جندي أو جنديين  ، ومن أجل مئات بل ألوف بل بضعة ملايين يُقْتلون ، يموتون جوعاً ، يُطردون من ديارهم لا يحرِّك أحد ساكناً أبداً ..

 قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر   وقتل شعبٍ مسلمٍ مسألةٌ فيها نظر

*  *  *

       هكذا تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً ، هنيئاً أيها الإخوة ، هنيئاً لمن كان مفتاحاً للخير ، هنيئاً لمن كان مفتاحاً للبر ؛ والويل لمن كان مفتاحاً للشر ، هذا الذي ينام وفي رقبته جرائم القتل والتشريد والجوع كما يفعل أعداؤنا ، ينامون والشعوب تئنُّ من الجوع ، والشعوب تئنُّ من الظلم ، والشعوب تئنُّ من ضيق ذات اليد وهم ينفقون على كلابهم ألوف الملايين ، يطعمون كلابهم من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها ، لذلك :وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42)

( سورة إبراهيم )

       لكن يجب أن أقول هذه الآية شفاءً للصدور :وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)

( سورة إبراهيم )

       الله يُبَيِّنُ عِظَم مكرهم ، أعطاك سلاحاً في مواجهة كيدهم ، فقال : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا

( سورة آل عمران : من آية " 120 " )

       هذا قرآن ، كلام الواحد الديَّان ، كلام خالق الأكوان ..

وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا

       متى وصل إلينا مكرهم ؟ وصل لأننا لم نتقِ ولم نصبر ، لم نتقِ الله ولم نطعه ، ولم نصبر على ترك منتجاتهم أبداً ، نحن متعلِّقون بمنتجاتهم ، لو امتنعنا عن شراء حاجاتهم ، لو صبرنا ، واتقينا الله عزَّ وجل لكفَّ الله عنا كيدهم .. وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا .. آية قرآنيَّة .

      إخواننا الكرام ... هناك مقولة أتمنَّى أن تكون واضحة عندكم : " كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله " ، فالحياة تنتهي بالموت ، هنيئاً لمن مات طائعاً لله ، والويل ثمَّ الويل ثمَّ الويل لمن مات عاصياً لله .

       ذكرت لكم من قبل : أن رجلاً من الناس كان يطوف حول الكعبة وهو يقول: ربي اغفر لي ذنبي ، ولا أظنُّك تفعل ، وكان وراءه رجل فقال له : يا هذا ما أشدَّ يأسك من رحمة الله ، قال له : ذنبي كبير ، لو أنك تعرف ذنبي ، قال له : ما ذنبك ؟ قال له : كنت في حملة قمع فتنة ـ هذه القصَّة قديمة وقعت في العصور العبَّاسيَّة ـ فلمَّا قُمِعَت أبيحت لنا المدينة ، قال : فدخلت أحد البيوت ، فرأيت فيه رجلاً وامرأةً وولدين ، فقتلت الرجل ، وقلت لامرأته : اعطني كل ما عندكِ ، فأعطته كل ما عندها ، فقتل غلامها الأول ، قال : فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة ، من الذهب ، أعجبتني ، ودهشت بها ، فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما ، فوقعت مغشياً عليّ ، مكتوب على هذه الدرع المذهبة :

إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي  ...الأرضِ أسرف في القضاءِ

فويلٌ ثمَّ ويلٌ ثم ويلٌ لقاضي ...   ...الأرض من قاضي السماءِ

*  *  *

       يقول لك : تطهير عرقي ، تقتل إنساناً بلا سبب فقط لأنه مسلم !! هذا الإنسان ميِّت ، ضميره ميت ، قال :وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)

( سورة التكوير )

       روى رجل في الجاهليَّة للنبي الكريم قصَّة عندما كان جاهلياً ، وصف له ابنته الجميلة جداً في ريعان الصِبا ، أخذها بيده إلى مكان بعيد ثم دفنها وهي حية ..وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)

( سورة التكوير )

      فإذا كان الإنسان قادراً على إيذاء الناس ، هؤلاء الذين يُقَتِّلون المسلمين ، والله لا تجد مسلماً إلا وهو يتألَّم ألماً شديداً ، مستحيل أن تجد مسلماً ولا يتألَّم ، بل يتألَّم ألماً لا يحتمل وهو يسمع الأخبار ، هؤلاء الذين يهجِّرونهم ، يشرِّدونهم ، يجيعونهم ، يقتلونهم غدراً ، فلذلك :وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42)

( سورة إبراهيم )    

فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47)

( سورة إبراهيم )

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)

( سورة آل عمران )

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)

( سورة الطارق )

        هنيئاً لمن كان مفتاحاً للخير ، أيها الإخوة طيبوا نفساً ، إذا نمت مساءً وما من إنسان متعلِّق بك ، لست متسبِّباً بإيذاء إنسان ، ولا بقتل إنسان ، ولا بإفقار إنسان ، ولا بإذلال إنسان، ولا بفقد حريَّة إنسان ، لست متسبِّباً بالأذى لأحد ، فإنك لو أكلت أخشن الطعام فأنت أسعد الناس ، لو سكنت في أضيق بيت فأنت أسعد الناس ، لو عانيت لا سمح الله كل الأمراض أنت أسعد الناس بشرط ألا تكون متسبِّباً بإيذاء مخلوق ، ولا بإفقار مخلوق ، ولا بإخافة مخلوق ، ولا بالإساءة لمخلوق .

       واقع اليهود قاتلهم الله ..

 

 

      اليـهود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، وهم بنو قينقاع ، وبنو النضير ، وبنو قريظة ، فريقٌ منهم عاهدوا الأوس ، وفريق كانوا مع الخزرج ، لخطَّةٍ رسموها ، من أجل أن تكون العداوة دائمة بين الفريقين ، ومن أجل أن يعيـشوا على عـداوة الفريقين ، انحاز بعضهم إلى الأوس ، وبعضهم إلى الخـزرج ، وكانوا في الوقت نفـسه يثيرون الأوس عـلى الخزرج ، والـخزرج على الأوس ، يعيشون على أنقاض الأوس والخزرج، مكر شديد جداً ، فريق من اليـهود مع الأوس ، وفريق مع الخزرج ، وكل فريق يُحَمِّس الطرف الآخر لقتال صاحبه ، فإذا نشبت حربٌ بين الأوس والخزرج مع حلفائهم من اليهود ، ووقع بعض اليهود أسرى ، يعمدون إلى فدائهم ، حيلة ماكرة جداً .. في محاولة إفناء الفريقين الأوس ، والخزرج وبسط سيطرتهم على محيطهم .

      إنهم متفقون اتفاقاً ، نصفهم مع  ( الأوس ) ونصفهم مع  (الخزرج ) ، ويبثون الحراس بين هؤلاء لقتال هؤلاء وبين هؤلاء لقتال هؤلاء ، فإن نشب القتال ، طبعاً الأوس قاتلوا مع أنصارهم اليهود ، والخزرج قاتلوا مع حلفائهم اليهود ، فإذا نشب قتال بين اليهود قتلوا أنفسهم، قتلوا أبناء جلدتهم ، فمن لم يُقْتَل أخذوه أسيراً ثمَّ افتدوه..بعد أن يكونوا قد وصلوا إلى مآربهم في الوقيعة بين الفريقين العربيين .

  بالمعركة القذرة التي أججتموها أنتم بين الأوس والخزرج ..

      يقول لك : تكتيك ، خطَّة ذكيَّة ، الخطَّة الذكيَّة تسمَّى ذكيَّة إذا كانت وفق منهج الله ، فإن لم تكن وفق منهج الله فهي خطَّة قذرة ..

      هذا من أخطر أمراض اليهود ، وأنا أؤكِّد لكم أن المسلمين وقعوا في هذا المرض ، يعجبهم من الدين ما هو يسير ، الشيء الجميل ، مثلاً السفر ، الحفلات ، الاحتفال بذكرى المولد ، الشيء السهل ، أما الانضباط ؛ ضبط الشهوات فلا يعجبهم ، كسب المال الحلال فلا يعجبهم ، يريد كسب مال كبير ولو من طريق مشبوه ، فالذي يعجبه يأخذ منه ، أحياناً يصوم في يوم عاشوراء ، أو الخامس عشر من شعبان يطنطن الدنيا بهذا الصيام ، وهو تارك لأشياء مهمَّة جداً في الدين ، ومرتكب مخالفات كبيرة جداً في الدين ، فقضية صيام يوم في السنة سهل جداً ، قضية سفر إلى العمرة سهل أيضاً ، مع أن العمرة واجبة مرة في العمر، لكن إذا لم يكن منضبطاً إطلاقاً لا قبل ولا بعد في جدوى العمرة ، أما ركوب طائرة ، وطواف سبع أشواط فقضية سهلة جداً ، فإذا أخذ الإنسان من الدين ما يعجبه ، وأخذ الشيء اللطيف المريح، ذكرى مولد يا أخي ، يقول لك : كم كان هناك من التجلي في المولد يا أخي ، لكن البيت عنده ليس منضبطاً إسلامياً ، ولا الدخل منضبط ، ولا العلاقات منضبطة ، ولا يوجد التزام إطلاقاً يقول لك : صار هناك تجلِّ كثير ، أي تجلٍّ هذا ؟

      تأخذ من الدين ما يعجبك وتدع ما لا يعجبك ، يقول لك : الزواج سُنَّة يا أخي ، أعجبه الزواج من الدين كله ، أنا أقبلت على الزواج ، لأنه سُنَّة يا أخي ، الشيء المريح الذي يعجبه أخذه ، وبالغ به ، وأثنى عليه ؛ أما إذا قلت له : غض بصرك ، فإنه يقول لك : أين أذهب بعيوني ؟وإن  قلت له : هذا الدخل فيه شبهة اتركه ، فإنه يقول لك : هذا الدخل كبير ـ وصعب تركه قال لي واحد عنده مطعم يبيع فيه الخمر ـ قال لي : إن شاء الله الإثم والوزر برقبة شريكي و ما ذنبي أنا ؟ أنا لا أقعد في المحل ، ولكن شريكي هو الذي يقعد فيه ويديره ـ يعجبه دخل كبير من مطعم يبيع خمراً مع أنه يصلي في المسجد ـ وأنا أضرب أمثلة وهي ليست على سبيل الحصر وقد يكون هناك آلاف من الأمثلة الأخرى ، هذا الذي يأخذ من الدين ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه ، هذا وقع في مرض من أمراض اليهود ..

       وقع المسلمون في هذا المرض ، مليار ومئتا مليون مسلم ليست كلمتهم هي العُليا ، وليس أمرهم بيدهم ، وأعداؤهم لهم عليهم ألف سبيلٍ وسبيل ، هذا هو السبب ..

    

      إذا لم يُقِم المسلم الإسلام في بيته ، ولم يضبط بناته ، ولم يضبط أولاده ، وإذا لم يحرَّر دخله ، وإذا لم يكن عمله صحيحاً مشروعاً ، ومهنته شريفة منطبقة على الشرع والمنهج ، فكيف يسمي نفسه مسلماً ؟! أعجبه من الدين الصلاة ، الصلاة سهلة جداً ، أعجبه من الدين الصيام ، طبق الأمور الشعائريَّة بحذافيرها ، صلَّى وصام وحجَّ وزكَّى ؛ لكن حياته غير إسلاميَّة ، بيته غير إسلامي ، عمله غير إسلامي ، دخله غير إسلامي ، إنفاقه غير إسلامي ، بيته غير منضبط ، بناته غير منضبطات ، فما قيمة هذا الذي أخذه مما هو هينٌ عليه ، والذي تركه مما هو شاقٌ عليه ؟

هؤلاء الذين كُلِّفوا ولكنهم لم يفعلوا ما كلِّفوا به ، ونُهوا لكنهم فعلوا ما نهوا عنه ..

     الآخرة تعني الأبد ، والحياة الدنيا تعني سنوات معدودة ، اشترى هذه الحياة الدنيا بملاذِّها وشهواتها بالآخرة الأبديَّة ..

       فأفضل كلمة تقال لمن كسب الدنيا فقط : كسب الدنيا الفانية وضيَّع الآخرة الباقية ، الآن أعداء المسلمين في العالَم كله كسبوا الدنيا ، أقوياء جداً ، أغنياء جداً ، الأمور كلها بأيديهم ، كسبوا الدنيا تماماً ؛ لكنَّهم ضيَّعوا الآخرة ، فما دامت الآخرة حقاً ، فالمؤمن على ما يعاني أفضل عند الله ألف مرَّة من هؤلاء الذين كسبوا الدنيا وخسروا الآخرة ..إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

( سورة الزمر : من آية " 15 " )

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi