English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :40/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيتان " 105 ـ 106 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الأربعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

       أيها الإخوة الكرام ... يتضح في هذه الآية أن الشارد عن الله عزَّ وجل لا يتمنَّى الخير للمؤمن ، بينما المؤمن يتمنَّى الخير لغيره ، وذلك لأن المؤمن منضبطٌ بمنهج الله ، وقد سَمَت نفسه باتصالها بالله فصار يحب الخير لكل الخلق ، المؤمن يتمنَّى الخير لكل الخلق حقيقةً .

       وفي قصة سيدنا عمر مع عمير بن وهب شاهد على ذلك : " كان عمير من ألدِّ أعداء النبي أراد قتل النبي ، فلمَّا وصل إلى المدينة وقد توشَّح سيفه ، أخذه عمر وقيَّده بحمَّالة سيفه وساقه إلى النبي ، فقال : " يا رسول الله هذا عمير جاء يريد شرَّاً " ، والقصَّة معروفة عندكم، قال : " دعه يا عمر ، أطلقه ، اقترب مني يا عمير ، ما الذي جاء بك إلينا يا عمير ؟ " ، قال له : " جئت لأفدي ابني " ، فقال له : " وما هذه السيف التي على عاتقك ؟ " قال : "قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ؟ " ، قال له : " ألم تقل لصفوان : لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها ، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت ، وقتلت محمداً ، وأرحتكم منه ؟ " فوقف عمير وقال : " أشهد أنَّك رسول الله ، لأن هذا الذي قلتُه لصفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله وأنت رسوله " . وآمن ،.

       تعليقي على القصة أن سيدنا عمر قال : " دخل عميرٌ على النبي الكريم والخنزير أحبَّ إليَّ منه ، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليَّ من بعض أولادي " ، المؤمن يتمنى الخير لكل الخلق ، وإذا كره الكافر يكره عمله ، لا يكره ذاته بل يكره عمله ، بينما الكافر ـ كما ترون، وكما تسمعون ـ لا يتمنَّى الخير للمؤمن ..

 

من في اللغة تفيد استغراق أفراد النوع ، جُزئيات النوع ، أي لو قلت لي : ألك رغبةٌ أن تشاركني في تجارةٍ عريضة ؟ أقول لك : لا مال عندي ، ما عندي هذا المال ، تطلب مني ملايين لا مال عندي ، أما إذا قلت لك : ما عندي من مالٍ أي ولا ليرةٍ واحدة ، من تفيد استغراق أفراد النوع ..

 

الحقيقة لك أن تصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله ، وقد ورد في الأثر :

" اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهلُه " .

       لك أن تفعل الخير مع كل الناس ، ولكنك لا تود إلا من تحب ، الود متعلِّق بمن تحب ، فـالمؤمن يتمنَّى الخير لكل الخلق ، بينما غير المؤمن لا يتمنى ولا يحب الخير للمؤمن مهما قَلَّ ..

لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

 ( سورة المجادلة : من آية " 22 " )

       كلامي دقيق ، قلت : المؤمن يتمنى الخير لكل الخلق ، ولكن المؤمن ما يكون له أن يتودَّد لغير المؤمن . التودُّد أساسه الحب ، فإذا كان الله لا يحب الكافرين ، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الظالمين فكيف تحبُّ من لا يحبُّه الله ؟ يقول الله عزَّ وجل :

لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

 ( سورة المجادلة : من آية " 22 " )

       النقطة الثانية :

لا يتمنَّون الخير لكم ، ولا يحبونكم . بل إنهم لا يحبونكم في الأصل، مع أن المؤمن يتمنى الخير لغير المؤمن ، وبغضه له بغضٌ لعمله لا لذاته ، وبمجرَّد أن يعود الشارد عن الله إلى الله يحبه المؤمن ، لمجرَّد أن يؤمن غير المؤمن يصبح له ما للمؤمنين وعليه ما على المؤمنين.

       هناك لفتةٌ في الآية دقيقةٌ :

الخير من الله ، لا من الغرب ولا من الشرق ، وحينما توقَّعنا الخير من الشرق خاب ظنُّنا ، وإذا توقَّعنا الخير من الغرب سيخيب ظنُّنا ، الخير من الله وحده ، هذه حقيقة ، أما الساذج يفرح .

       أيها الأخوة ... الخير الذي من عند الله وحده لا يخضع لرغبة أحد، فأنت إذا تمنيت الخير لفلان أو لم تتمن له الخير ، لا تمنِّيك يعطيه الخير ، ولا عدم تمنيك يمنع عنه الخير .

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

 ( سورة فاطر : من آية " 2 " )

      أي إذا أراد الله أن يكرمك وأراد أهل الأرض مجتمعين عكس ذلك ما استطاعوا ، وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مردَّ له لو أن معك أهل الأرض جميعاً ما انتفعت بهم ، الله وحده هو الذي يعطي وهو الذي يمنع ، هو الذي يرفع وهو الذي يخفض ، وهذا هو التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، الخير لا يخضع لرغبة الخلق ، الخير بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب ..

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ

 ( (سورة الزخرف : من آية " 32 " )

كلامٌ دقيقٌ أيها الأخوة ، رحمة الله من الله وحده ، والخير وهو رحمة الله يختص به من يشاء. قال تعالى في آياتٍ كثيرة :

إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6)

( سورة المنافقون )

إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)

( سورة القصص )

إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)

( سورة المائدة )

الشيء الثاني : رحمة الله لمن طلبها ..

أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ

 ( سورة البقرة : من آية " 218 " )

       ورحمة الله لمن قدَّم موجباتها ، رحمة الله محجوبةٌ عن الكافرين ، ومحجوبةٌ عن الظالمين ، ومحجوبةٌ عن الفاسقين ، ورحمة الله لمن طلبها..

أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ

       رحمة الله للمحسنين ..

إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)

( سورة الأعراف )

      رحمة الله للطائعين ، رحمة الله للمُصَّلين ، رحمة الله للعابدين ، رحمة الله للمُخلصين ، رحمة الله للتائبين ، فربنا عزَّ وجل قال :

هذه آيةٌ محكمة جاءت تفصيلاتها في آياتٍ كثيرة ، إنه لا يهدي القوم الفاسقين ولا الكافرين ولا الظالمين ، بل يُعطي رحمته لمن يطلبها ، ويعطيها لمن دفع موجباتها ، كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب وهو يقول :" اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ " *

( من الأذكار النوويَّة : عن " أم سلمة " )

يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر "*

( من صحيح مسلم : عن " أبي ذر " )

       أي لو أن البشر جميعاً من لدن آدم إلى يوم القيامة ، كل هؤلاء البشر وقفوا على صعيدٍ واحد ، وسألني كل واحدٍ منكم مسألته ؛ واحد يريد خمسة أطنان من الذهب ، خذ ، ألف قصر خذ ، مليون سيارة خذ .

 " مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ  ".

       وإذا كان يبدو لكم أن في الأرض تقنيناً ؛ الأمطار قليلة ، المكاسب قليلة ، المطالب كثيرة، هناك فقر ، نقص مياه ، ونقص مواد غذائيَّة ، لا يمكن أن يكون تقنين من الله عزَّ وجل إلا تقنين تأديب ، أما أن يكون تقنين الله عزَّ وجل تقنين عجزٍ ، أو تقنين بُخْلٍ هذا لا يليق بحضرة الله عزَّ وجل ..

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ

 ( سورة الشورى : من آية " 27 " )

       هذه حقيقة في التوحيد ، قرأت في مجلَّةٍ علميَّة أنه تمَّ اكتشاف سحابةٍ عن طريق مراصد تعمل بالأشعَّة تحت الحمراء ، هذه السحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض كلَّها ستين مرَّةً في الأربع والعشرين ساعة ، أي أن كل أربعة وعشرين ساعة هذه السحابة فيها مخزون من الماء ما يملأ محيطات الأرض مجتمعةً ، ستين مرَّة في اليوم ..

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)

( سورة الحجر )

      اعتقد هذا ، تقنين الله تقنين تأديبٍ وتربيةٍ لا تقنين عجزٍ وبخلٍ ، إذاً:

يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر "*

      لهذا الحديث روايات عدَّة : " ذلك لأن عطائي كلام ـ كن فيكون ـ وأخذي كلام فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه".

       أيها الأخوة الكرام ... الآية أصبحت :

    

 

المؤمن يتمنى الخير لكل الخلق ، وإيمانه يقيِّده عن أن يفتك بأحد..

" الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ " *

( من سنن أبي داود : عن " أبي هريرة " )

        لا يحب غير المؤمن الخير مهما كان قليلاً للمؤمنين ، وهم يفتكون بهم ـ كما ترون ـ هذه حقيقة ، لكن رحمة الله لا يمكن أن تكون بمشيئة أحد من خلقه ، أي أن الله عزَّ وجل أجل وأعظم من أن يكلك إلى مخلوقٍ مثلك، ولو أنه وكلك إلى مخلوقٍ مثلك كيف يأمرك أن تعبده ؟ قال تعالى :

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ

 ( سورة هود : من آية " 123 " )

      ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كلَّه بيده ..

رحمته تابعةٌ لمشيئته ، والخير من الله وحده ، لا يوجد خير في الأرض إلا من الله ، وكل مسلم يعقد الآمال على غير الله سيخيب ظنُّه ، وكل مسلم يتوجَّه إلى غير الله لينال منه الخير سيخيب ظنه ، وهذا نوعٌ من الشرك ..

هذه المشيئة مفصَّلة في آيات أخرى ، رحمة الله عزَّ وجل محجوبةٌ عن الفاسقين ، محجوبةٌ عن الكافرين ، محجوبةٌ عن الظالمين ، محجوبةٌ عن المتكبِّرين ، محجوبةٌ عن المشركين ، لمن هي مبذولة ؟ لمن يطلبها ، لمن يقدِّم موجباتها ، لمن يكون صادقاً ، لمن يكون مخلصاً ، لمن يكون تائباً ، لمن يكون متطهِّراً ..

أيها الإخوة ... الآية التي بعدها :

النسخ في اللغة أن تنقُل النص لنسخةٍ ثانية ، استنسخت هذا الكتاب أي كتبت نسخةً ثانيةً عنه ، هذا المعنى الأول ، هذا المعنى هنا غير وارد..

إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(29)

( سورة الجاثية )

       نستنسخ أي كل أعمالكم مسطَّرة عندنا ..

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ

 ( سورة إبراهيم : من آية " 46 " )

       الاستنساخ بمعنى أن كل أعمال الإنسان محفوظةٌ عند الله عزَّ وجل، سوف تُعرض عليه يوم القيامة عرضاً تفصيلياً ..

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)

( سورة الإسراء )

       سمعت أن أحدث وسائل التحقيق مع المتهم توفيراً للوقت ، وإقامةً للحُجَّة أن تعرض عليه فيلماً يصوِّر انحرافه وجريمته ، يسكت ، هل كنت في هذا الطريق مخالفاً لنظام السير ؟ لا لم أكن ، خذ هذه الصورة ، الصورة مسكتة ، هذه صورة مركبتك ، وهذا رقمها وهذا التاريخ ، فربنا عزَّ وجل يعرض على الإنسان كتاب أعماله ..

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)

( سورة الإسراء )

مَالِ هَذَا الْكِتَابِ

      كتاب الأعمال ..

لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا

  ( سورة الكهف : من آية " 49 " )

        يوجد في بعض البلاد المتقدِّمة صفحة بالكمبيوتر لكل مواطن ،   تسجَّل عليه مخالفة السير ، ويسجل عليه تخلفه عن دفع دين ، شيء محيِّر، فكل حركاته وسكناته ، وأعماله ، ومخالفاته مسجَّلة عليه ، إذاً أراد أن يسافر لا يسافر حتى يسدد ، إن أراد أن يتوظَّف حتى يسدِّد . صار عند الإنسان بحكم التقدُّم التكنولوجي ـ إن صحَّ التعبير ـ تسجيل لكل شيء . فكيف بالواحد الديَّان ؟

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)

( سورة الإسراء )

مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا

( سورة الكهف : من آية " 49 " )

      الاستنساخ أي أخذ صورة عن كتاب ، كتابة نسخة ثانية . هذا المعنى ليس مطلوباً في هذه الآية .

       بالمناسبة قيل للإمام الغزالي رحمه الله تعالى : إن فلاناً حفظ كتاب الأم ـ كتاب دقيق جداً بالفقه ـ  تبسَّم الإمام الغزالي وقال : " زادت نسخة " ، كونوا للعلم وعاةً ، لا تكن وعاءً للعلم بل كن واعياً له ، فرقٌ بين أن تكون واعياً وبين أن تكون وعاءً ، إذا كنت وعاءً زادت نسخة ، والنسخة الأصلية أدق منك بكثير ، إذا حفظت الكتاب بصماً فالكتاب الأصلي أدق منك، ولكن المطلوب أن تكون واعياً أحكامه ، وعلى كل هذه المعاني ليست مطلوبةً في هذه الآية .

      النسخ بالمعنى الثاني إلغاء الحكم ، ضوء الشمس ينسخ الظلام ، ألغى الظلام ، الظلام ينسخ ضوء الشمس ، الإلغاء ، آيةٌ منسوخة أي  توقَّف حُكمها .

      بادئ ذي بدء اعترض اليهود على المسلمين كيف أن القبلة تحوَّلت من مكَّة إلى بيت المقدس ، ثم رجعت إلى مكَّة ، ما هذا التبديل ؟

       بالمناسبة هناك موضوع دقيق جداً هو : أن الاختلاف بين الناس على أنواعٍ ثلاثة : اختلافٌ طبيعي ، سببه نقص المعلومات ..

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ...

 ( سورة يونس : من آية " 19 " )

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ

 ( سورة البقرة : من آية " 213 " )

       هذا الخلاف طبيعي ، لا يُمدح ولا يُذَم ، خلاف نقص المعلومات حلُّه المعلومات ، فنحن بيوم وقفة سمعنا صوت مدفع ، يا ترى صوت مدفع أم هو تدمير بالجبل ؟ طريق فيه صخرة ففجَّروها أم مدفع العيد ؟ وقعنا في اختلاف ، اختلفنا ، سمعنا في الأخبار أن غداً العيد ، هذا الخبر الصادق حسم الخلاف ..

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ...

 ( سورة يونس : من آية " 19 " )

.... فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ

 ( سورة البقرة : من آية " 213 " )

       بهذه البعثة ـ ببعثة النبيين ـ حُسِمَ الخلاف . الآن بعد أن جاء النبيون، وأُنزلت عليهم الكتب اختلف الناس ، هذا اختلاف قذر ، اختلاف الحسد والبغي ..

وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ

 ( سورة آل عمران : من آية " 19 " )

       دقِّق . قد نختلف لنقص المعلومات ، ونحن صادقون ، ونحن مخلصون ، ونحن أحباب ، لكنا اختلفنا في هذا الموضوع لنقصٍ في معلوماتنا .

       ولكن قد نختلف ونحن آثمون ، ونحن بعيدون عن الله عزَّ وجل ، قد نختلف بسبب الحسـد، والبغي ، وجلب المكاسب ، وتحطيم الخصوم ، هذا اختلافٌ قذر لا يحبه الله عزَّ وجل ..

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ

 ( سورة الأنعام : من آية " 159 " )

       وهذا دليل عدم الإخلاص ، حينما تختلف مع أخيك والكتاب واحد ، والسُنَّة واحدة ، والمنهج واحد ، والإله واحد فهذا اختلاف بغيٍ وعدوانٍ وحسد ، وهذا خلافٌ يبغضه الله عزَّ وجل ، قال تعالى :

فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ

 ( سورة البقرة : من آية " 213 " )

       الخلاف الثالث خلاف محمود ، خلاف التنافُس ، هذا يعتقد أن أفضل شيء تعليم العلم ، هذا يعتقد أن أفضل شيء تأليف الكتب ، هذا يعتقد أن أفضل شيء الدعوة إلى الله ، هذا يعتقد أن أفضل شيء بناء المساجد ، هذا اختلاف محمود ، قال تعالى :

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)

( سورة المطففين )

لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)

( سورة الصافات )

       هذا اختصَّ في التفسير ، وهذا في الفقه ، وهذا في الحديث ، وهذا في العقائد ، وهذا في خدمة الخلق ، وهذا في إطعام الجائعين ، وهذا في تأسيس الجمعيات الخيريَّة ، هذا كلَّه مقبول، اختلاف التنافس محمود ، اختلاف الحسد مبغوض ، الاختلاف الطبيعي اختلاف لا محمود ولا مبغوض .

       يبدو أن أهل الكتاب اختلفوا مع المسلمين ، السبب أنهم رأوا أن الذي جاء للمسلمين من خيرٍ عن طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس عندهم مثله ، هم تمسَّكوا بما عندهم وحسدوا المؤمنين فاختلفوا معهم ، بدؤوا يترصَّدون لهم ، ويطعنون بدينهم ، ويشكِّكون في مصداقية نبيِّهم عليه الصلاة والسلام ، قال ربنا عزَّ وجل :

هناك موضوع دقيق ، قال بعضهم : لا نسخ في القرآن ، انطلاقاً من أنه ينفي البداءة عن الله عزَّ وجل ، ما البداء ؟ طبيب وصف دواء لمريض، بعد أن وصف له الدواء ، واشترى المريض هذا الدواء ، وبدأ يأخذ منه بعض الحَبَّات بدا للطبيب أن هذا الدواء لا يصلح له ، ولابدَّ من دواءٍ آخر ، فأمره أن يلغي الدواء الأول وأن يأخذ الدواء الثاني . إذا كان النسخ بهذا المعنى فلا وجود له في القرآن ، لأنه لا يمكن أن يبدو لله شيءٌ لم يكن بادياً له من قبل ، هذه صفات البشر وليست صفات خالق البشر .

       أما أن يأمر الطبيب المريض أن يأخذ حبَّات أسبرين لتمييع الدم ، بعد هذا قرَّر الطبيب إجراء عملية قلب مفتوح لهذا المريض ، يعطيه أمراً بإلغاء تناول الأسبرين . حدَّثني طبيب قلب جرَّاح فقال لي : حدث خطأً من مريض أنه أخذ الأسبرين ولم يبلِّغ . نجحت العمليَّة نجاحاً باهراً ، ولكن أثناء الخياطة ـ خياطة القلب ـ كان الدم يخرج من الجُرح بشكلٍ غير معقول أثناء النبض ، مما أدى لموت المريض ، لأن الدم مائع . فالطبيب الذي يأمرك بأن تأخذ حبَّات الأسبرين من أجل تمييع الدم ، ثم يقرِّر أن يجري عملية قلبٍ مفتوح ، يعطي أمراً معاكساً ، يجب أن توقف الأسبرين. في مرحلةٍ من المرض لابدَّ من تمييع الدم ، فلمَّا أردنا إجراء عمليَّة لابدَّ من إلغاء التمييع وإلا يموت المريض ، فهذا الطبيب أمر ثم نسخ الأمر أي ألغاه ، وقد يعود إليه مرَّة ثانية بعد العمليَّة .

       هذا المعنى هو نفسه المقصود في القرآن ، يقول الله عزَّ وجل :

 

هناك ثلاث حالات ، آيةٌ يلغى حكمها ، وآية يأتي مكانها حكم آخر من مثلها ، وآيةٌ يلغى حكمها ويأتي حكمٌ آخر خيرٌ من الأول ، ما تفصيل ذلك ؟

       لماذا أمر الله عزَّ وجل المسلمين بالتوجُّه لبيت المقدس ، ونُسِخَ التوجُّه إلى الكعبة ، طبعاً إذا توجَّه المصلي إلى بيت المقدس ليس هناك جُهد إضافي ، وبالمقابل لا يخفَّف عنه بجهدٍ آخر ، العمليَّة هكذا أو هكذا ، نحو مكَّة أو نحو بيت المقدس ، ولكن الله أراد من هذا النسخ ـ نسخ التوجُّه إلى بيت الله الحرام ، وأن يحل محله التوجُّه إلى بيت المقدس ـ هذا الأمر من أجل أن يعلم الخلق جميعاً أن الدين الإسلامي هو دين أهل الأرض ، وهو خاتم الأديان ، لذلك الأديان السماويَّة مركزها في بيت المقدس . والمسلمون توجَّهوا لبيت المقدس . أولاً هذا الدين يستوعب كل الأديان ، وثانياً بعدئذٍ ينبغي أن تتبعه الأديان كلها .

        هذا النسخ لعلَّةٍ إيمانيَّةٍ محضة ، ليس هناك مكان مقدَّس ولكن هناك أمرٌ إلهيٌ مقدَّس ، القدسيَّة لا في المكان ولكن في الأمر الإلهي ، وأراد الله أن يمتحن المؤمنين ، هناك من يتعلَّق بالمكان وهناك من يتعلَّق بخالق المكان ، فهذا امتحان ، أنت مع المكان أم مع خالق الأكوان ؟ فالمؤمنون الصادقون أُمروا بالتوجُّه إلى بيت المقدس فتوجَّهوا له ، ثم أُمروا أن يعودوا إلى الكعبة المشرَّفة فعادوا إليها ، انتهى الأمر ، أنا مع خالق الأكوان ولست مع المكان .

      لعلَّةٍ إيمانية ولحقيقة قرآنية وهي أن القدسية في الأمر وليست في المكان ، وهم لم يتكلَّفوا شيئاً إضافياً ، ولا وضع عنهم تكليفٌ معيَّن .      

       نغفل نسخها ..

       كيف تكون خيراً منها ؟ فالصحابة في أول إقبالهم على هذا الدين الجديد ..

إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ

 ( سورة الأنفال : من آية " 65 " )

      أي واحد لعشرة ، إذا كان الصحابي تولَّى من ساحة المعركة والعدد كان تسعة يحاسب بأكبر معصية وهي التولي في الزحف . ثم قال الله عزَّ وجل :

الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ

 ( سورة الأنفال : من آية " 66 " )

       كان الواحد لعشرة صار واحد لاثنين ، فعندما دخل الناس في دين الله أفواجاً ، هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام ليسوا في مستوى الصحابة الأوَل ، فالصحابة الأوَل كان مقياسهم واحد لعشرة ، أما الداخلين في الدين بعد حين واحد لاثنين ، فالخير المُطلق للصحابة واحد لعشرة ، والخير المطلق لمن جاء بعدهم واحد لاثنين ، صار هناك نسخ ، الأول خير والثاني خير ، الأول خير لهؤلاء النخبة المتفوِّقين السابقين ، والحكم الثاني خير للاحقين .

       وهناك معنى ثانٍ : قال الله عزَّ وجل :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ

 ( سورة آل عمران : من آية " 102 " )

       وفي آية أخرى :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

 ( سورة التغابن : من آية " 16 " )

       حقَّ تقاته أي أن تبذل كل ما في وسعك ، " يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ " قال : " الله ورسوله " ، بعد هذا ..

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

       البذل والعطاء بقدر ما تستطيع ، ما كلَّفك الله عزَّ وجل ما لا تطيق، فالحالة الأولى للأوائل خير ـ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ـ أي ابذل كل شيءٍ في سبيل الله . الحالة الثانية بقدر ما تستطيع .

       وهناك نقطة دقيقة : مسيلمة الكذَّاب الذي ادَّعى النبوَّة ، كانت دعوته في وقتٍ مبكِّر ، قبض على صحابيين وقال للأول : " أتشهد أني رسول الله؟ " قال : " ما أسمع شيئاً " . فقتله . وقال للثاني : " أتشهد أني رسول الله ؟ " قال : " أشهد أنك رسول الله " . ماذا كان تعليق النبي عليه الصلاة والسلام ؟ تعليقٌ رائع ، فقال عليه الصلاة والسلام :

" أما الأول فقد أعزَّ دين الله فأعزَّه الله ، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله " .

       الأول أعزَّ دين الله والثاني مقبول ، الثاني قَبِلَ هذه الرخصة ، (لكن واحد قبض بالدولار والثاني بالتركي ، الاثنان لهم أجر ) ، " أما الأول فقد أعزَّ دين الله فأعزَّه الله ، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله عزَّ وجل " . 

       أيها الإخوة ... الشيء الدقيق علَّة الأمر أنه أمرٌ صادرٌ عن الله ، علَّة أي أمرٍ أنه أمر . سمعت أن أحد علماء هذه البلدة الطيِّبة كان في أمريكا ، وجرى نقاشٌ وحوارٌ بينه وبين عالمٍ قد أسلم حديثاً ، وطُرِح موضوع لحم الخنزير ، فهذا العالِم أجاد وأطال وأحسن في شرح حكمة تحريم لحم الخنزير ، وبعد أن انتهى قال له ـ لهذا العالِم الذي أسلم حديثاً كلمة رائعةـ قال له : " يا أستاذ كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرَّمه " ، يكفي هذا ، إذا كان خالق السماوات والأرض قد حرَّم شيئاً ، كل الشر فيه من دون تفاصيل ـ " يكفيك أن تقول لي : إن الله حرَّمه " .

       سألوا امرأة تعمل في الجامعة في مصر ـ اختصاصها أعتقد علم نفس ـ سألوها : ما قولك في تعدُّد الزواج ؟ فقالت : " كيف أُدلي برأيٍ وقد سمح الله به ؟ " ، هذا هو المؤمن ..

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

 ( سورة الأحزاب : من آية " 36 " )

        فعلَّة أي أمرٍ أنه أمر من الله عزَّ وجل .

       السجود لآدم ، التعظيم لأن الله أمر أن يسجد الملائكة له ، التعظيم لورود الأمر بالسجود، وأنت حينما تعظِّم الحجر الأسود لأن الله أمرنا أن نعظِّمه عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام ، فدائماً التقديس لأمر الله في السجود لا لآدم بالذات ، لا يوجد مكان مقدَّس ، ولا  زمان مقدس ، ولا شخص مقدَّس لكن أمر الله هو المقدَّس ، وأنت تنصاع لأمر الله فقط .

      وهناك حكمة ثانية : أن البيوت ـ بيوت الله عزَّ وجل في بقاع الأرض ـ قد أُنشئت باختيار الخلق ، مثلاً ، الذين بنوا هذا المسجد ـ جزاهم الله خيراً ـ اختاروا هذا المكان ، والذين بنوا المسجد الأول اختاروا هذا المكان ، فكل المساجد في الأرض باختيار الخلق ، لكن البيت الحرام باختيار الرب ..

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا

 (