English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :43/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات " 121 ـ  124 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد هشام قدسي والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

            الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث والأربعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الواحدة والعشرين بعد المائة وهي قوله تعالى :

               أي إن هؤلاء الذين آتيناهم الكتاب إذا تلوه حق تلاوته ، إذا تلوه كما أُنزل عليهم من دون تحريفٍ أو تغيير ، إذا تلوه حق تلاوته يؤمنون بمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم ، لأن هذه الرسالات متتالية ، وكل رسالةٍ تنسخ الرسالة السابقة ، والذي آمن بالله عزَّ وجل ينصاع إلى أمره وإلى الإيمان بما جاءه مجدَّداً عن الله عزَّ وجل .

       طبعاً قد تُفهم الآية وحدها بمعنىً آخر ، تلاوة الكتاب حق تلاوته أن تحسن قراءته ، وأن تحسن فهمه ، وأن تحسن تدبُّره ، وأن تحسن العمل به، فإن قرأته وفهمته وتدبَّرته ، فقد أحسنت تلاوته ومعنى التدبر أي أين أنت من هذه الآية ؟ هل أنت مطبقٌ لها ، قد تفهمها ولكن يجب أن تقول : ما علاقتي بها ، هل أنا مطبقٌ لها ؟ هل أنا مقصرٌ في تطبيقها ؟ هل أنا مغطَّى بهذه الآية؟ هل هذه الآية تعنيني ؟ التدبر أن تنظر ما علاقتك بهذه الآية من أجل أن تأخذ موقفاً . القرآن الكريم من دقة نظمه أن الآية إذا نُزِعَت من سياقها لها معنى مستقل ، فإذا وضعت في سياقها لها معنىً آخر ، مثلاً حينما قال الله عزَّ وجل :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)

( سورة الطلاق )

       جاءت هذه الآية في سورة الطلاق ، أي من يتقِ الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً في إرجاعها ، طلَّقها طلاقاً سنياً ، طلقها طلقةً واحدة ، وطلقها في طهرٍ ما مسها فيه ، ولم يطلِّقها في حيض ، ولم يطلقها في موضوعٍ لا علاقة لها به ، وأبقاها عنده ، هذه المشكلة بعد أيام تلاشت، فراجعها وحُلَّت المشكلة ، فمن اتقى الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها . وهذا هو المعنى السياقي .

       أما لو نزعت هذه الآية من سياقها فهي قانون ، من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلافه ، ومن يتقِ الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاق الزوجي ، ومن يتقِ الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوق الأولاد ، ومن يتقِ الله في التوحيد يجعل الله له مخرجاً من الشرك ، من يتقِ الله في الإيمان يجعل الله له مخرجاً من الكفر ، فهذه الآية يمكن أن تُكتب عليها مجلَّدات ، إذا نُزعت من سياقها قوانين ، وإذا وضعت في سياقها لها معنى سياقي ـ هذا مثل طبعاً ـ فربنا عزَّ وجل قال :

كيف نتلو هذا القرآن حق تلاوته ؟ حينما نحسن قراءته ، وبعد أن نحسن قراءته نبحث عن معناه، ويمكن أن يكون حضور درس في تفسير كتاب الله نوعاً من أنواع تلاوته حق التلاوة ، فهل هناك كتابٌ في حياتك يعلو على هذا الكتاب ؟ وهل هناك كتابٌ يحدِّد مصيرك الأبدي كهذا الكتاب؟ هو كلام الله عزَّ وجل ، ولا شيء يعلو على أن تفهمه كما أراده الله عزَّ وجل  فطلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ، فمن تلاوته حق التلاوة أن تعرف معانيه ، ثم من تلاوته حق التلاوة أن تنظر أين أنت من هذه الآيات ؟ فهل تنطبق عليَّ آيات الذي يظلم نفسه ، أم آيات المُقتصد ، أم آيات السابق للخيرات ؟ قال الله عزَّ وجل :فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ

( سورة فاطر : من آية " 32 " )

       إن الذي يفعل ما أُمر وقد يقصِّر ، ويدع ما نُهي عنه وقد يقع هذا ظالم لنفسه ، والذي يفعل ما أُمر ولا يقصر ، والذي يدع ما نهي عنه ولا يقع فهذا مقتصد ، والذي يدع المحرَّمات ثم ينتقل إلى ترك الشبهات ، يدع المحرمات الكبيرة ، ثم يدع المعاصي الصغيرة ، ثم يدع الشُبهات استبراءً لدينه وعرضه ، ثم يدع المكروهات التنزيهية ، ثم يدع الحلال إذا أفضى به إلى الحرام ، ثم يفعل النوافل هذا سابقٌ بالخيرات ، فإذا قرأ الإنسان هذه الآية فلينظر أين هو من هذه الآية ؟ لا سمح الله ولا قدَّر هل أنت مع الذي ظلم نفسه ، أم أنت مع المقتصد ، أم أنت مع السابق بالخيرات؟

      هذه نقطةٌ دقيقةٌ أيها الإخوة ، دائماً اسأل نفسك هذا السؤال : أين أنا من هذه الآية ؟ هل تنطبق عليَّ هذه الآية ؟ اقرأ فواتح سورة البقرة ، ففيها وصفٌ للمؤمنين الصادقين ، وفيها وصفٌ للكافرين ، وفيها وصفٌ للمنافقين، إن استبعدنا آيات الكافرين ، يا ترى هل تنطبق عليَّ بعض صفات المنافقين ؟ هذا هو التدبُّر ، قرأت الآية ولكن ما الذي ينبغي أن تفعله حينما تنتهي من قراءتها ؟ هو أن ترى ما إذا كنت مطبقاً لها أو لست كذلك .

يقرؤونه قراءةً صحيحة ، ويفهمون معانيه كما أراد الله عزَّ وجل وفق علم الأصول ـ المعنى الدقيق ـ ثم ينظرون ما علاقتهم بهذه الآية ؟ هذا هو التدبر ، وبعدئذٍ يطبقون هذا القرآن ، والذي لا يطبق هذا القرآن لعلَّ الحديث الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام ينطبقٌ عليه :" ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه " .

       و .." مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ "*

( من سنن الترمذي : عن " صهيب "   )

       أما هنا المعنى السياقي في هذه الآية  أن فئةً من الذين أوتوا الكتاب يتلونه حق تلاوته ، فحينما تلوه حق تلاوته آمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم ..

يؤمنون بمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم ، وهناك نفرٌ من اليهود آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم وكانوا من أصحابه الكبار كعبد الله بن سلام ، وكانت أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ..

أي من يكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم ، أي من يكفر برسالته التي جاءته من عند الله عزَّ وجل ..

 

       يا أيها الإخوة الكرام ... الإنسان مخيَّر ، والإنسان حينما يرفض شيئاً من الدنيا يرفضه احتقاراً له ، قد يُعرض عليك بيتٌ لا يعجبك فترفض شراءه ، وقد تُعرض عليك شراكةٌ لا تغنيك فترفض قَبولها ، طبعاً فأنت ترفض هذه التجارة لأنها لا تغنيك ، وترفض شراء هذا البيت لأنه صغيرٌ في نظرك ، حقير ، لكن إذا عُرض عليك الحق ورفضت دعوة الله عزَّ وجل فأنت محتقرٌ لنفسك ، تحتقر نفسك ..

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ

( سورة البقرة : من آية " 130 " )

      الدين وحده إذا رفضته فأنت محتقرٌ لنفسك ، ما عرفت قيمة نفسك ، ولا عرفت حقها ، ولا عرفت أنك المخلوق الأول الذي كرَّمه الله بهذا الدين..

طبعاً حق التلاوة هكذا ..

برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ..

برسول الله ..

هذا المعنى السياقي ..

النعمة التي يقتضيها المعنى السياقي ، هذه النعمة أن الله عزَّ وجل ذكر لهم في التوراة والإنجيل أنه سيأتي نبيٌ من بعد سيدنا موسى وعيسى اسمه محمد ..

وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ

( سورة الصف : من آية " 6 " )

       هو أحمد الخلق كافةً ، فهذه نعمة أن الله طمأنهم بكتبهم أنه سيأتي نبيٌ عظيم من بعد أنبيائهم ، إذا آمنوا به فسيرقون إلى أعلى عليين ..

أيها الإخوة ... آيةٌ نستأنس بها في هذا الموضوع ، يقول الله عزَّ وجل :

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا ..

       دقِّق ..

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ

       بهذا النبي الأمي ..

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(157)

( سورة الأعراف )

       آياتٌ دقيقةٌ جداً ، إن آمنت برسول الله ، برسالته ، بهذا القرآن الذي جاء به ، بسُنته المبينة لهذا الكتاب ، واتبعته ، ووقَّرته ، ونصرته ، وعزَّرته فأنت من الفالحين .

       يا أيها الأخوة ... ثم يقول الله عزَّ وجل :

أيها الإخوة ... هذا هو اليوم الذي تسوَّى فيه الحسابات ، هذا هو يوم الدين ، هذا هو يوم الفصل، هذا يوم القارعة ، هذا يوم الحاقَّة ، هذا يوم الطامَّة الكبرى ، هذا يوم النبأ العظيم ، الناس في الدنيا مختلفون ؛ أقوياء وضعفاء ، أغنياء وفقراء ، طلبوا العلم وزهدوا في العلم ، استقاموا وانحرفوا ، صدقوا وكذبوا ، أكلوا المال الحلال أو أكلوا المال الحرام ، عفوا أو اعتدوا على أعراض بعضهم بعضاً ، هؤلاء الناس بعجزهم وبجرهم ، وبانحرافهم واستقامتهم لابدَّ من أن يقفوا يوماً بين يدي الله عزَّ وجل ليحاسبوا عن أعمالهم كلها ، صغيرها وكبيرها ..

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)

( سورة الزلزلة )

      العاقل كل العاقل ، والذكي كل الذكي ، والفالح كل الفالح ، والفائز كل الفائز ، والمتفوِّق كل المتفوِّق هو الذي يُعد لهذا اليوم عدته ، هو الذي يدخل هذا اليوم في حساباته اليوميَّة ، ويجب عليه قبل أن ينطق بكلمة ، وأن يعطي ، وأن يمنع ، وأن يعادي ، وأن يقطع ، وأن يصل ، وأن يبتسم ، وأن يعبس ، وأن يغضب ، وأن يرضى يجب أن يقول : ماذا سأجيب الله يوم القيامة ؟

       ولذلك فالأبوَّة مسؤوليَّة ، والعمل مسؤوليَّة ، والحرفة مسؤوليَّة ، والله عزَّ وجل سيسألنا عن كل أعمالنا صغيرها وكبيرها ..

يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا

       كتاب أعمال الإنسان ..

وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)

( سورة الكهف )

      ونحن الآن في بحبوحة ، في الدنيا ، لك أن تحسن ولك أن تسئ، لك أن تصدق ولك أن تكذب ، لك أن تبالغ ولك أن تقلِّل من أهمية الشيء ، هذا لا ينفعك عند الله شيئاً ، لابدَّ من أن تُسأل لماذا فعلت ؟ ولماذا قُلت ؟ ولماذا ضخَّمت ؟ ولماذا قلَّلت ؟ ولماذا اتهمت ؟ ولماذا اغتبت ؟ ولماذا أعطيت ؟ ولماذا منعت ؟..

يوجد في الدنيا تكتُّلات ، فهناك جماعات ، وهناك إنسان له أتباع وله مكانة ، وسيطرة ، وغني كبير ، وقوي يحتل منصباً رفيعاً ، بإمكانه أن يفعل كل شيء ، هذا في الدنيا ؛ ولكن في الآخرة ..

يقول الله عزَّ وجل :

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أفأنت

       يا محمد يا سيد الخلق ..

أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)

( سورة الزمر )

" يا فاطمة بنت محمد ، يا عبَّاس عمَّ رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه " .

      لو أنك استطعت أن تستخلص ، أو أن تأخذ من فم رسول الله وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق فتوى لصالحك ، أو حكماً ، ولم تكن محقاً فإنك لا تنجو من عذاب الله ..

" لعلَّ أحدكم ألحن بحجَّته من الآخر فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعةٍ من النار " .

( من الجامع لأحكام القرآن : عن " أم سلمة " ) 

 

       أيها الإخوة ... هذه الآية دقيقة  :

هذه الآية رقمها ثلاثة وعشرون بعد المائة من سورة البقرة ، واضحة، ولنا وقفة معها بعد قليل ، لكن هناك آية رقمها ثمانية وأربعون في البقرة نفسها ، يقول الله :

وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا

       تماماً كهذه ..

وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ(48)

( سورة البقرة )

      هناك فرقٌ بين الآيتين ، الآية التي نحن بصددها :

الآية الأولى :

وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ(48)

( سورة البقرة )

       فلو أن ملكاً غضب على رجل ـ ولله المثل الأعلى ـ غضباً شديداً ، وجاء إنسان ليشفع له، هذا الإنسان الذي أراد أن يشفع له عند هذا الملك قال : لا يقبل منه شفاعة ، شفاعته مرفوضة . فإذا أردنا أن نقدِّم الجزاء النقدي وهذا الجزاء لا يُقبل ، ترفض في هذا اليوم شفاعة الشفيع ، والبديل الذي هو الجزاء النقدي غير مقبول . أما في هذه الآية فهذه النفس الظالمة لا يقبل منها عدلٌ ، أي لو أنها أيضاً عادت إلى الدنيا واستقامت ..

رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ .. قال .. كَلا

( سورة المؤمنون )

       هذا هو العدل ، لو بحثت عن شفيع لا تجد ، آية تشير إلى النفس الجازية ، والآية الثانية تشير إلى النفس المجزية عنها ، النفس الظالمة لو بحثت عن عدلٍ ينجيها من عذاب هذا اليوم فقالت :

رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا

       أمامها بديل آخر ، لو بحثت عن شفيع ليس هناك من شفيع ، أما النفس التي أرادت أن توسَّط ،وأن تشفع شفاعتها غير مقبولة ، ولو طالبنا بالجزاء النقدي فالجزاء النقدي مرفوض ، هذا هو اليوم الصعب ، هذا ..

فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10)

( سورة المدثر )

       قد تقف البنت أمام ربها يوم القيامة تقول : يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي . فالإنسان قبل أن يفعل شيئاً ، وقبل أن يتجاوز ، وقبل أن يطغى ، وقبل أن يبغي على أخيه المؤمن ، وأن يكذب ، وأن يغتاب،  قبل أن يطعن ، وأن يتهم ، قبل أن يقلِّل من قيمة إنسان ، وأن يضخِّم إنساناً آخر يجب أن يسأل نفسه : ماذا سأجيب الله يوم القيامة لو سُئلت لمَ فعلت هذا ؟ ..

       نكرة ، أي أية نفسٍ كائنةً من كانت ..

أي نفسٍ كائنةً من كانت ولو كانت نفس رسول الله ..

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)

(سورة الزمر (

وهذه النفس التي استحقَّت العذاب مهما كانت مكانتها في الدنيا كبيرة..

إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)

( سورة الواقعة )

       كل المقاييس تُبدَّل ، وسائل التقييم كلها تتبدَّل ، الناس في الدنيا يعظمون الغني ، ويعظِّمون القوي ، أما في الآخرة فالذي استقام على أمر الله ، والذي أحسن إلى خلق الله هو الذي يحتل مكانةً رفيعةً عند الله يوم القيامة ..

      هذه الآية أيها الأخوة من أدق آيات العَدل :

 

مهما كنت ، ومهما توسَّطت ، لا تستطيع نفسٌ أن تفعل نفعاً مع نفسٍ أُخرى ، أي كما قال الله عزَّ وجل :

قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا(21)

( سورة الجن )

       الأبلغ من ذلك ..

قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا

( سورة الأعراف : من آية " 188 " )

       لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة :" إنهم مني فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقاً ".

( من الجامع لأحكام القرآن : عن " سهل بن سعد " )

هناك مخالفات في الدنيا تسوَّى بمبلغ من المال ، هذه المخالفة ثمنها فرضاً مائة ألف ، أو مليون ، ولكن لو أن إنساناً ارتكب خيانة عظمى لابدَّ من أن يُعدم ـ مثلاً ـ فهذه مخالفة لا ينفع فيها الجزاء النقدي ، فالإنسان حينما يقف أمام ربنا عزَّ وجل ، مهما كان شأنه كبيراً في الدنيا ، ومهماً كان الشفيع كبيراً ، لا الشفيع ينفعه ولا التعويض المالي ينفعه ..

       أيها الأخوة ، أحد أكبر أركان الإيمان : الإيمان باليوم الآخر ، والله الذي لا إله إلا هو حينما تؤمن بهذا اليوم إيماناً حقيقياً تنعكس الموازين كلها أمامك ، قبل الإيمان بهذا اليوم ترى ذكاءك في الأخذ، أما إذا آمنت بهذا اليوم ترى الذكاء في العطاء ، قبل الإيمان بهذا اليوم ترى مكسباً كبيراً إذا استفدت من جهود الآخرين هذا ، أما بعد أن تؤمن بهذا اليوم فترى الفوز عندما تبذل جهدك من أجل الآخرين ، فالناس الآن يفرحون بمكسب حرام ، وبمال حرام ، يعد نفسه ذكياً وشاطراً حينما يأخذ ما ليس له ، وحينما يوهم الناس أنه على شيء وهو ليس على شيء ، هذا نوعٌ من ضعف التوحيد وضعف الإيمان بالله ، اتقوا هذا اليوم ، هذا اليوم :يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)

( سورة الحاقة )

    يعرض كل شيء ، وكل شيء له حساب ..فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)

( سورة الزلزلة )

      المؤمن دائماً عنده هاجس مستمر ، هل هذا العمل شرعي ؟ وهل يرضى الله به عني ؟ وهل موقفي صحيح ؟ هل أنا مؤاخذ ؟ هل أُعد ظالماً؟ هل أعد متجاوزاً لحدودي ؟ هذا الصراع اليومي، الساعي ، بين المؤمن ونفسه دليل قوة إيمانه ، ولذلك يتقلَّب المؤمن باليوم الواحد على أربعين حالاً ، بينما المنافق يستقر بأربعين سنة على حال واحد ، المؤمن يتقلَّب باليوم الواحد بأربعين حال من شدة خوفه من الله ، والمنافق يستقر على حال واحد أربعين سنة ..

       أي لا يوجد شيء يكافئ ، لو أراد الإنسان أن ينقذ نفسه من النار بملء الأرض ذهباً ، ولو أن الأرض كلها ذهب وكانت بيد إنسان استحق النار ، لو أنفقها كلها لا ينجو من عذاب الله ..

ولا يوجد أي شيء يكافئ دخول النار ..

لو أنه ابن نبي ..

فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(46)

( سورة هود )

عمُّ سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام عمه أبو لهب ..

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)

( سورة المسد )

يجب أن تؤمن بعدل الله المُطلق ، وأن الخلق كلهم عند الله سواسية ، قال سيدنا عمر كلمات بليغات لسيدنا سعد ، من هو سيدنا سعد ؟ هو من أقرب أصحاب رسول الله إلى قلبه ، النبي عليه الصلاة والسلام ما فدَّى أحداً من أصحابه إلا سعداً ، فقال له :" ارم فداك أبي وأمي " .

( من مسند الإمام أحمد : عن " أنس بن مالك " )

       أن يقول نبيٌ عظيم لصحابيٍ جليل : فداك أبي وأمي ـ " ارم سعد فداك أبي وأمي " وكان إذا دخل على النبي عليه الصلاة والسلام ، يداعبه من شدة محبَّته له ، ويقول :

" هذا خالي فليرني امرؤ خاله "

( " من الجامع الصغير : عن" جابر)

       ماذا قال له عمر بعد وفاة رسول الله ؟ قال له : " يا سعد ـ دقِّقوا ـ لا يغرَّنك أنه قد قيل خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له " . أي أن لا يوجد بينك وبين الله إلا طاعتك له  فبطاعتك له ترقى إلى أعلى عليين مهما يكن نسبك ، ومهما تكن مكانتك ، ومهما تكن شهادتك ، ومهما يكن حجمك الاجتماعي أما إن عصيت الله عزَّ وجل فإنك تهوي إلى أسفل سافلين ..

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

( سورة الحجرات : من آية " 13 " )

       هذا مقياس ربنا عزَّ وجل ..

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

 

" سلمان منا آل البيت " .

[أخرجه الحاكم 3/598 وقال الذهبي: سنده ضعيف، وقال العجلوني: رواه الطبراني والحاكم عن عمرو بن عوف، وسنده ضعيف انتهى. قال الهيثمي: فيه عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات]

 

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)

( سورة المسد )

       أين النسب ؟ انتهى النسب ، سلمان الفارسي منا آل البيت ، عم النبي القرشي الهاشمي ..

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)

      هذا هو المقياس الدقيق ، يوجد عندنا مقياس واحد العلم والعمل ..

يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ

( سورة المجادلة : من آية " 11 " )

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا

( سورة الأحقاف : من آية " 19 " )

       وليس في القرآن من قيمة معتمدة في الترجيح بين خلقه إلا العلم والعمل ، ترقى بعلمك ، فرتبة العلم أعلى الرُتب ، وترقى بعملك ، ما سوى ذلك ؛ من نسب ، أو مكانة ، وسامة ، وذكاء هذه مقاييس الدنيا ..

لدينا كلمة إذا وكلمة إذ ، إذ ظرف فقط ، أي واذكر حين فقط ، وإذ ابتلى أي واذكر حين ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ، أما إذا ظرف متضمنٌ معنى الشرط ..

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)

( سورة النصر )

       إذا تعني إن ، وتعني حين ، وتعني سوف ، إعرابها التفصيلي ظرفٌ لما يستقبل من الزمن ، خافضٌ لشرطه ، منصوبٌ بجوابه مبني على السكون ، في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان . إذا فيها معنى الشرط ومعنى الظرف ، ومعنى الاستقبال ، الفرق بين إذا وبين إن ، إن لشيءٍ محتمل الوقوع ..

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا

( سورة الحجرات : من آية " 6 " )

       هذا الفاسق قد يأتي وقد لا يأتي ، أما إذا لتحقق الوقوع ..

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)

( سورة النصر )

     أي لابدَّ من أن يأتي نصر الله ، وأدوات اللغة دقيقة جداً ، إذا لتحقق الوقوع ، إن لاحتمال الوقوع ، إذ غير إذا ، إذ حين ، أي واذكر يا محمد حين ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ، طبعاً ابتلى من الابتلاء والابتلاء ليس شراً، الابتلاء امتحان ، كمثل إنسان دارس دخل الامتحان ، فنال الدرجة العُليا ، وصار طبيباً كبيراً أو مهندساً كبيراً ، أو له مكانة اجتماعيَّة عالية ، فكلمة ابتلاء لا تعني أنها مصيبة ، ابتلاء امتحان ، أي مطلق الامتحان ، قد تنجح وقد لا تنجح ..