English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :44/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات " 125 ـ  128 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد هشام قدسي والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع والأربعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والعشرين بعد المائة وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة الكرام ... ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها اتخذ بيتاً له هو البيت الحرام ، ومن قصد هذا البيت ابتغاء وجه الله ، يلقى فيه شعوراً لا يعرفه إلا من ذاقه ، هذا الشعور المُسعد يجعله يتمنَّى أن يعود إليه ، ما معنى ثاب ؟ أي رجع ، ما من إنسانٍ زار بيت الله الحرام حاجاً أو معتمراً، لأنه قصد وجه الله ، وزار بيت الله ، وأراد أن يلبِّي دعوة الله ، لأنه آثر أن يلبي دعوة الله على البقاء في بلده ، وعلى مصالحه ، وعلى بيته، وعلى زوجته ، وعلى أولاده ، لأنه آثر أن يلبي دعوة الله على دنياه فقصد البيت الحرام حاجاً أو معتمراً ، لأنه تفرَّغ لهذه العبادة البدنية ، المالية ، الشعائرية التي لا تؤدَّى إلا في مكانٍ خاص ، وفي زمانٍ خاص ، وبمناسك خاصة ، لذلك ربنا عزَّ وجل بشكلٍ استثنائي يلقي في قلب الحاج أو المعتمر سعادةً وسكينةً وأمناً ورضاً لا يعرفه إلا من ذاقه وإلا من زار هذا البيت مخلصاً .

وإذا أراد الإنسان أن يحج بيت الله الحرام ولم يكن مستقيماً وكان ماله حراماً وقال : لبيك اللهم لبيك . يناديه منادٍ : أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردودٌ عليك . ولكن من يلبي هذه الدعوة مخلصاً لا يبتغي الرياء ولا السمعة ، يبتغي وجه الله الكريم ، يلقي الله في قلبه من السعادة ما يحمله على أن يعود إليه مرة ثانية .

        إذا زار الإنسان مكاناً جميلاً جداً وسعد في هذا المكان أيَّما سعادة يقول : إن شاء الله نعيد الكرَّة في العام القادم . وهذه قاعدة ، فكلمة مثابةً أي أن هذا البيت لما يلقي الله في قلب حاجِّه ومعتمره من السعادة يتمنى أن يعود إليه دائماً ، والإنسان دائماً يصلي في بلده ويصوم ، وفي البلد متاعب وأعمال ومشاغل ومشكلات ، أما حينما يترك بيته ، ومكتبه ، وعمله ، وتجارته ، ويدفع الأموال ، ويمشي في الطرقات ، ويركب السيارات ، ويتحمل المشاق ووعثاء السفر  يبتغي وجه الله ، فلا يعقل إلا أن يكرمه الله إكراماً لا يعرفه إلا من ذاقه .

" إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر "

 

       إذا زار الإنسان بيت الله في بلده يلقي الله في قلبه من الطمأنينة والسكينة والشعور بالأمن ما لا يعلمه إلا الله .

       ولذلك التجلي الإلهي في بيت الله الحرام تجلٍ مركَّز جداً ، فعندما فرَّغ الإنسان نفسه لهذه العبادة يتولى الله تفريغ قلبه ـ نقطة دقيقة ـ هو فرَّغ قلبه مادياً ؛ ترك بيته ، ووطنه ، ومكتبه ، وتجارته ، وزوجته ، وأولاده. أنت حينما تفرِّغ جسمك ونفسك من متاعب الدنيا يتولى الله تفريغ قلبك من سواه ، واسأل أي حاجٍ أو معتمر كان مخلصاً في حجَّته أو عمرته يقول لك : والله وأنا هناك ما ذكرت شيئاً من هموم دنياي كلها لأنها نُزعت مني . أنت فرَّغت نفسك لطاعتنا ونحن نفرغ قلبك لمشاهدة كمالنا .

        وهذا معنى قول الحاج : لبيك اللهم لبيك . كأن الله يقول له : تعال يا عبدي ، تعال كي تذوق طعم القُرب ، تعال كي تذوق طعم الأمن ، تعالى كي تذوق جمال المُناجاة . فالإنسان ذاق الدنيا ، ذاق طعامها وشرابها ونساءها ، وعزَّها وسلطانها ، والمناظر الجميلة ، والحدائق الغناء والبيوت الفارهة ، والمركبات الأنيقة ، وكأنه يُقال له : تعالَ ذق شيئاً آخر ، تعالَ اتصل بأصل الجمال ، تعال اتصل بأصل الكمال ، تعالى اتصل بأصل النوال . ففي بيت الله الحرام ، وهذا الكلام الذي أقوله وأنا أعني ما أقول الذي سعد بحجةٍ مقبولةٍ أو عمرة مقبولةٍ يعرف معنى هذا الكلام ، أنت هناك في عالم آخر ..

كيف أن الله عزَّ وجل جعل بين الزوجين المودة والرحمة ؟ وكيف أن الله عزَّ وجل جعل بين المؤمنين هذا الود ..

لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ

 (سورة الأنفال : من آية " 63 " )

       هذا الود بين المؤمنين ، وتلك المودة بين الزوجين من خلق الله عزَّ وجل ، وهذه السعادة التي تعمر قلب الحاج والمعتمر ، من خلق الله عزَّ وجل ، أما حينما يحج الناس للسمعة والرياء والتجارة والمصالح ، والتباهي والتسوّق فقط ، فهذا لا يذوق طعم الحج ، لذلك الحج دعوة من الله وأنت تلبي هذه الدعوة ، والعمرة زيارة ، الله عزَّ وجل في الحج دعاك وأنت في العمرة زرته .

هذا الأمن أيها الأخوة قد يفقده أغنى الأغنياء وقد يفقده أقوى الأقوياء ولكنه عطاءٌ إلهي خاصٌ بالمؤمن .

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)

( سورة الأنعام )

       وبالمناسبة فالله عزَّ وجل قادر أن يخلق الأمن في أخطر الظروف ؛ وقادر أن يخلق الخوف في آمن الظروف ، فالأمن من خلق الله يلقيه في قلب المؤمن .

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا

      وحدهم ..

وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)

سورة الأنعام ) )

       وقد ضربت مرة مثلاً للتوضيح : قد تسافر إلى بلد مضطراً في وقت مبكر ، والعجلة الاحتياطية معطوبة ، تسير ساعتين وأنت في أشد حالات القلق ، لأنه لو عطبت عجلة من إحدى العجلات الأربع لوقفت السيارة ، فلو أن ابنك أصلح هذه العجلة المعطوبة ولم تدرِ أنت ، لا يوجد حينئذ عندك مبرر للقلق ولكنك تقلق ، إذن لا يوجد علاقة للقلق مع الوضع المادي  العجلة جيدة وجاهزة ولكنك لم تعلم أنها جاهزة ، فكنت قلقاً جداً ، والعكس صحيح لو أن العجلة معطوبة وأنت لا تدري فأنت في راحة كبيرة ، فمن الممكن أن يخلق الله أمناً في ظرف يدعو للقلق ، ويمكن أن يخلق القلق في ظرف يدعو للأمن ، ومعنى هذا أن الأمن بيد الله عزَّ وجل ، إنك عندما تكون معه، قد يكون هناك أخبار سيئة جداً ، وقد تكون كل الطرق مغلقة  وأخطار تهدد الإنسان ، وتجد أحياناً خمسين سيفاً مسلَّطاً على رقبة الإنسان  رغم هذه الظروف الصعبة جداً يخلق الله عزَّ وجل أمناً في قلبك تسعد به  وأحياناً تكون قوياً جداً ومعك ملايين مملينة ، وقوياً جداً من نواحٍ أخرى وصحتك بأعلى درجة ، والقلب فارغ من الأمن ..

وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ(43)

( سورة إبراهيم )

        فالله يخلق الأمن ..

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ

( سورة آل عمران  : من آية " 154 " )

       وأحياناً يلقي الله في قلب الإنسان الخوف ، أما القانون : أنه لمجرد أن يشرك الإنسان بالله يلقي الله في قلبه الخوف ، يقذف الله الرعب في كل قلبٍ أشرك به . فالمشرك من شأنه الخوف والقلق ؛ والمؤمن من شأنه الأمن والاطمئنان .

        في الجسم جهاز مناعة ـ أي جهاز المناعة المكتسب وهو أخطر جهاز في الجسم ، مع أنه ليس له مركز قيادي ـ فجهاز الدوران قائده القلب ، وجهاز الأعصاب قائده الدماغ ، وجهاز التصفية قائده الكلية ، بينما جهاز المناعة المكتسب ليس له قيادةٌ داخل الجسم ، له رعايا أي عناصر فقط الكريات البيض ، فهذه الكريات ، بعضها استطلاعي ، وبعضها تصنيعي ، وبعضها قتالي ، وبعضها خدمي ، مهمة بعض هذه الكريات البيض أن تستطلع بنية الجرثومة الداخلة ، تأخذ شفرتها الكيماوية ، وتعود بها إلى مركز العُقَد الليمفاوية كي يصنع المصل المضاد ـ لهذه الجرثومة ـ وبعضها يحمل هذا السلاح ويقاتل ، وبعضها ينظِّف أرض العركة من الجثث .

      إذن هناك عنصر استطلاعي ، وعنصر تصنيعي ـ معامل الدفاع ـ وعنصر قتالي ، وعنصر خدمات ـ وسلاح الهندسة ، الهندسة خدمات ـ القيادة ليست في داخل الجسم ، هذا كتاب أُلِّف عن هذا الجهاز الخطير وذكر المؤلف هذه الحقيقة لكن ماذا يقول المؤمن ؟ قيادة هذا الجهاز بيد الله . أي إذا  أراد الله أن يشفيك من مرضٍ ما قوى هذا الجهاز ، وإذا أراد أن يصاب الإنسان بمرض ضعَّف هذا الجهاز ، ما لذي يقوي هذا الجهاز ؟ الأمن ، والطمأنينة ، والاستقرار، والتوازن ، والسعادة . وما الذي يحمل على الأمن والاستقرار والتوازن والسعادة ؟ التوحيد .

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)

( سورة الشعراء )

       أتحب أن تكون معذباً ؟ أتحب أن يكون قلبك منخلعاً من الخوف ؟ وأن تكون متشائماً سوداوي المزاج ، تخاف من كل شيء ؟ سبيله الشرك  أتحب أن تكون آمناً ، مطمئناً ، واثقاً بالمستقبل ، واثقاً من عطاء الله ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ، فإذا كان عليك فمن معك ؟

      إخواننا الكرام ... كلمة لعلها خطيرة : هذا الذي تعبده إن لم تره قادراً على أن يحميك من كل شيء لا تعبده . يجب أن تعبد من يقدر أن يحميك من كل شيء ، وهذه حقيقة العبادة ، تعبد الله وتخاف غيره ؟! تعبد الله وينخلع قلبك لتهديد إنسانٍ لا يقوى على نصرة نفسه ، ولا على نفع نفسه ولا ضرها ؟! هذا الذي تعبده ينبغي أن تثق أنه يحميك ، الآمر ضامن ..

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)

( سورة الأنعام )

       وأنت حينما تؤمن أن الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ، فما من شيء مخيف يتحرك إلا بأمر الله ، ولا يوجد شيء يخيفك وهو طليق ، ما معنى التوحيد ؟ ما معنى عندها لا بها ؟ كلمةٌ جامعةٌ مانعة قالها علماء التوحيد ، أي لا يقع شيء إلا عند إرادة الله لا عند الشيء الفعَّال في الشيء . فالنار لا تحرق بذاتها ، بل تحرق إذا أراد الله أن تحرق ، والأفعى لا تلدغ بذاتها ، تلدغ إذا أراد الله لها أن تلدغ ، وكل شيءٍ ولو توهَّمت أن فيه قوةً فاعلة ، فهذه القوة الفاعلة لا تفعل شيئاً إلا إذا أراد الله عزَّ وجل ، أي لا يليق بالله عزَّ وجل وأن يقع في ملكه ما لا يريد . والكافر يجب أن يعلم علم اليقين أنه لن يسبق الله ، فما معنى :

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4)

( سورة العنكبوت)

       وما معنى يسبقونا ؟ أي لا يمكن أن يفعل الكافر شيئاً ما أراداه الله  ولا يمكن أن يتفلَّت الكافر من عقاب الله ، ولا يستطيع الكافر أن يسبق الله، لا بفعل شيءٍ ما أراده ، ولا بالتفلَّت من عقاب الله ، فإذا وجدت كافراً يقصف ويدمِّر ، فكيف تفسِّر ذلك ؟ يجب أن تقول : إن خطة الله عزَّ وجل استوعبت خطة هذا الكافر ، أي أن الله عزَّ وجل سمح له أن يفعل شيئاً لحكمةٍ أرادها ، فقط ، إن رأيت كافراً يفعل كما يتوهِّم هو ما يريد ، هو يفعل ما يريد الله ، فالله عزَّ وجل وظف له جريمته ، ووظف له شره ، وقسوة قلبه في الخير المُطلق ، لذلك الآية الكريمة :

وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)

( سورة الأنعام )

 " الظالم عدل الله في الأرض ، ينتقم به ثم ينتقم منه " .

( من كشف الخفاء : عن " جابر " )

      والإنسان مخيَّر أن يفعل ما يشاء لكن لا على من يشاء ، على من يشاؤه الله ، فالإنسان حينما يريد أن يأخذ مالاً بغير حق ، يُسَلَّط على إنسانٍ يأخذ ماله لحكمةٍ أرادها الله .

       مثل يوضح ذلك : أرادت امرأة غير ملتزمة أن تتوظف ، فطلب منها شهادة صحية ، فذهبت كي تصور صدرها ، فإذا بالنتيجة أنها مصابةٌ بمرض السُل ، بكت وأبكت ، ويئست ، إلى أن تابت إلى الله وتحجَّبت وصلَّت ، ثم ذهب أخوها إلى المستشفى كي يتأكد من هذه النتيجة فإذا هي قد أعطيت خطأً لها ، فخطأ الموظف وظَّفه الله لتوبة هذه المرأة .

      وقد سمعت عن امرأة مختصة بالرياضيات ، ألزمتها مديرة مدرسةٍ في إحدى دول الخليج أن تدرِّس مادة التربية الإسلامية لعدم وجود شواغر وهي لا تفقه من الدين شيئاً ، وهذه المديرة ألزمتها إلزاماً فإن لم تستجب ألغت عقدها ، فاستجابت ، فتحت كتاب التربية الدينية أول صفحة آيات الحجاب ، فلما قرأتها بكت ، وكانت توبتها عن طريق هذه الآيات التي ألزمتها بها المديرة التي لا تعرف من أمر التربية شيئاً ، أيعقل أن تكلِّف مديرة امرأة تحمل ليسانس رياضيات لتدريس التربية الدينية ؟‍‍! هكذا كان .

       فأنت مخير أن تفعل ما تشاء لكن لا على من تشاء ، بل على من يشاؤه الله عزَّ وجل ، اطمئن ، فهذا أكبر باعث للطمأنينة والأمن ، ولا يوجد أحد متفلت ، بل كل مخلوقٍ بيد الله ..

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)

( سورة الزمر )

لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ

( سورة الأعراف : من آية " 54 " )

مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)

( سورة الكهف)

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)

( سورة فاطر )

       يجب أن ترى أن يد الله تعمل وحدها في الخفاء ، فحينما ترى أن كل شيءٍ تسمعه هو من فعل الله عزَّ وجل ..

وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)

( سورة الكهف )

       من الصعب أن تصل إلى إثبات عدالة الله بعقلك إلا في حالة واحدةً مستحيلة أن يكون لك علمٌ كعلم الله ، وهذا مستحيل ، أما حينما لا تملك علماً كعلم الله ينبغي أن تعلم أن الله عادل .

       ففي قصة سيدنا موسى مع الخضر شواهد على ذلك ، فهذه السفينة التي خُرقت ظلماً ، خرقت لتنجو من المُصادرة ، وهذا الجدار الذي بُني مجاناً بما يبدو أنه حُمق ، لكنه بني ليحفظ ثروة طفل يتيمٍ كان أبوه صالحاً ، وهذا الطفل الذي قُتل مبكِّراً قتل ليرحم الله أبويه لأنه سيكون شقياً ، فالأب يشقى بشقاء ابنه ، الله عزَّ وجل علمك أن هناك شيئاً ظاهرا وشيئاً باطناً ، ونعم الله عزَّ وجل طائفتان ؛ طائفةٌ من النعم الظاهرة ، وطائفةٌ من النعم الباطنة وهي المصائب .

طبعاً هذه الآية تفهم فهماً بسيطاً أن سيدنا إبراهيم صلى في هذا المكان فصلوا أنتم في هذا المكان، تجد في الحج ازدحاماً غير معقول، أثناء الطواف المنسجم ، لأن أُناساً يصرون على أن يصلوا في مقام سيدنا إبراهيم مما يعرقل السير ويؤذي المسلمين إيذاءً شديداً ، مع أن كل مسلمٍ يحج بيت الله الحرام أو يعتمر فهذا البيت ، بإمكانه أن يصلي هاتين الركعتين في أي مكانٍ من الحرم ، ولكن عدم التفقُّه في الدين جعله يزعج هؤلاء المسلمين .

المعنى الأبعد

 

 

 

     بماذا قام إبراهيم ؟ قام بالإخلاص ، اجعل من الإخلاص سبباً لاتصالك بالله ، ماذا فعل سيدنا إبراهيم ؟ بنى البيت ، اجعل من عملك ..

وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا

( سورة الأنعام : من آية " 79 "  )

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي

( سورة الأنعام : من آية " 162 "  )

      فهذا الإخلاص هو أحد خصائص هذا النبي الكريم ، تتخذ من

الإخلاص سبب اتصالٍ لك بالله عزَّ وجل ، بنى البيت ، فبناؤه للبيت عمل شاق يبتغي به وجه الله، فاجعل من عملك الصالح سبباً لاتصالك بالله عزَّ وجل ، سيدنا إبراهيم عبد الله عبادة مطلقة ، فأكثر الأوامر معقولة ، إذا قال لك الله عزَّ وجل : فالصدق لمصلحتك ، وكن أميناً ، وعفيفاً ، ومتقناً ، فكل أمر إلهي يعود نفعه عليك بشكلٍ واضح ، إلا أن يقول الله لإنسان : اذبح ابنك وابنه نبي . وهذه غير واضحة ، وغير مقبولة ، ولا تنسجم لا مع الرحمة ، ولا مع العدل ، ولا مع المنطق ، لكن هذا النبي الكريم تلقى هذا الأمر بالانقياد لثقته المطلقة بحكمة الله ..

يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ

( سورة الصافات : من آية " 102 " )

       ما يدعو إلى الإعجاب بهذا الأب العظيم النبي الكريم ، أبو الأنبياء ، المستسلم لأمر الله ، والذي لا يقل عن هذا إعجاباً قول ابنه :

يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102)

( سورة الصافات )

       والله عزَّ وجل يقول لك : اصدق . فلا تصدق ، كن أميناً . لا تكون كذلك ، صل. أمره بذبح ابنه وهذه أعلى درجة في العبودية .

       بالمناسبة أيها الأخوة كلما اتضح الأمر ضعفت فيه قيمة العبودية ، وكلما غمُض الأمر ارتقت فيه قيمة العبودية ، فإذا قال أب لابنه : نظف أسنانك ، إنها قوام وجهك وابتسامتك ، وأسنانك الطبيعية لا يعدلها شيء . فهذا الأمر واضح جداً ، يا بني لا تتأخر عن عملك يصغر حجمك ، تُلام . وتوبخ ، أعطى الأب ابنه آلاف الأوامر كلها منطقية ومعقولة ، لكن قال أب لابنه مرة : لا تأكل معنا . والابن جائع ، والطعام لذيذ ، وطعام والده ، طعام طيب ، والطعام لوالده والابن ابن ، وهو جائع ، فلثقة هذا الابن بأبيه المطلقة قال له : سمعاً وطاعةً يا أبي ، حاضر . هذا دليل الثقة .

         ألا يحق لله عزَّ وجل ـ في التعبير الدارج ـ  أن يسوق لك شيئاً أو أن يعطيك أمراً وأنت لا تفهم حكمته ؟ أنت مستقيم وطاهر ولكن حصلت مشكلة ، اقبلها من الله ، فهذه المصيبة مصيبة العبودية لله عزَّ وجل أيعقل أن يُعذب النبي في الطائف ، وأن يُسخر منه ، ويُكذَّب ، وقيل أنه ضُرب  قال :

" أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل علي غضبك ، أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى  ".

( من كنز العمال : عن " عبد الله بن جعفر " )

      فأنت لا تكون عبداً لله عزَّ وجل إلا إذا رضيت بقضاء الله وقدره  وقد كان رجل يطوف حول الكعبة وهو يدعو : يا رب هل أنت راضٍ عني؟. كان وراءه الإمام الشافعي فقال له : يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك. قال :  يا سبحان الله ! كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه . قال : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .

       أي أن  بطولتك أن ترضى عن الله وأنت بالفقر ، أو بالمرض لا سمح الله ، وقد حدث مشكلة ، فهذه المشكلة هي امتحان ، فإنسان يحضر مجالس علم من عشرين سنة مات ابنه فترك الصلاة ، لم يرض عن الله  لكن العظمة أن تكون في المصيبة وأنت راضٍ عن الله : يا رب لك الحمد.

       لي صديق توفي رحمه الله ، أصيب بمرض عضال سنتين ، تقول زوجته : والله ما سمعت منه إلا يا رب لك الحمد ، على ما ابتليت . وتوفي على هذا الحال ، فمرتبة الصبر لا تعدِلها مرتبة .

إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10)

( سورة الزمر )

       هنا :

       المعنى العميق : اتخذ من هذا النبي قدوةً لك ، واجعله قدوةً لك بإخلاصه وتوحيده ..

وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا

( سورة الأنعام : من آية " 81 " )

       هذا كلام سيدنا إبراهيم ، كان موحداً ، وكان مخلصاً ، وكان له عمل طيب وشاق ، بنى البيت الحرام ، وصبر على حكم الله..

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ

( من سورة الطور : من آية " 48 " )

       توكل سيدنا إبراهيم توكلاً مطلقاً ، عندما يسافر الإنسان يهيئ بالبيت كل شيء ، وكل ما لذ وطاب موجود ، والهاتف موجود ، والأعوان موجودون ، ويقول : يا رب توكلت عليك . هذا جيِّد ولكن سيدنا إبراهيم أُمر أن يضع زوجته وابنه في وادٍ غير ذي زرع . قالت : يا إبراهيم إلى من تدعنا ؟ آالله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذاً فلن ينسانا . هل لديك إمكانية أن تضع زوجة وابناً في العراء لا ماء ولا طعام ولا شراب ، ولا نبات ولا ظل ، وتمشي ؟ إلى أين أنت ذاهب ، توكل إبراهيم عليه الصلاة والسلام التوكل المطلق ، وعبد الله العبادة المطلقة ، فإن أردت أن تصل إلى الله فاجعل من هذا النبي الكريم ، ومن إخلاصه ، وأعماله ، وتوكله ، وتعبُّده ، وصدقه طريقاً إليه .

       فكر سيدنا إبراهيم في الكون ، فرأى النجم أولاً فلما أفل قال : لا أحب الآفلين . ورأى القمر بازغاً فقال : هذا ربي . ورأى الشمس ، ثم قال :

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(79)

( سورة الأنعام )

       مقام إبراهيم تعبُّده لله عزَّ وجل ، ومقام إبراهيم توكُّله ، وتفكُّره وعمله الصالح ، فإن أردت أن تصل إلى الله فاجعل من خصائص هذا النبي سبباً إلى الله عزَّ وجل .

الطائفين الإنسان يطوف ، فعندما يصل إلى بغيته يعكف ، فلما عرف عظمة الله عزَّ وجل ركع له وسجد ، فالطواف ثم العكوف ثم الركوع والسجود هذه أحوال السالكين إلى الله عزَّ وجل ، يطوف حول كماليات الله، ثم يستقر على تعظيم الله وعبادته ، ثم يرى في النهاية أنه يجب أن يخضع وأن يستعين به إياك نعبد وإياك نستعين ، والقرآن كله جُمع في الفاتحة ، والفاتحة جُمعت في إياك نعبد وإياك نستعين ، بالنهاية يجب أن تعبده ويجب أن نستعين به على عبادته .

      قصة جانبية .. عن أحد الأخوة الذين يخدمون بيوت الله ـ توفي رحمه الله من عشر سنوات ـ ما رأيت في الشام كلها مسجداً بنظافة المسجد الذي يقوم عليه .. أتحدَّى أن يكون في بيوت الشام كلها بيت أنظف من هذا المسجد ، شيء عجيب ؛ نظافة السجاد ، المرافق ، الرخام كأنه قد رُكِّبَ حديثاً ، قال لي هذا الإنسان الذي يخدم هذا البيت بيت الله عزَّ وجل : أنا شعاري هذه الآية

       فهؤلاء الذين يقومون على خدمة بيوت الله هذا عمل عظيم ، أنتم قد لا تنتبهون ترون السجاد نظيفاً ، الأرض نظيفة ، الجدران نظيفة ، البلور ممسوحاً ، المرافق العامة جميلة ، هناك جنود مجهولون يخدمون هذا البيت، خدمة من أعلى مستوى لوجه الله تعالى ، هؤلاء من قدوتهم ؟ هذا النبي الكريم ..

إنسان قدم للمسجد شيئاً ، إنسان قدَّم مظلة ، إنسان قدم مرفقاً عاماً قدم برَّاداً ماء ، قدم تكبير صوت ، قدم مصلى مثلاً ، إذا جاء إنسان لبيت الله ورأى نفسه مرتاحاً ، والأمور جيدة ، والمسجد مريحاً ، والصوت واضحاً ، التدفئة جيِّدة ، التكييف جيداً ، وفيه تهوية أحياناً ، هذه أشياء ـ وإن كنت قد دخلت في التفاصيل ـ لها عند الله أجر كبير جداً ، والدليل هذه الآية:

      وهناك أُناسٌ لهم شأن عند الله كبير قد لا تعلمونهم أنتم ، يعملون ساعاتٍ طويلة في خدمة بيوت الله ، في تنظيفها ، وفي ترتيبها ، وفي العناية بها ، فهؤلاء قدوتهم في هذا العمل هذا النبي الكريم .

                                                                                                         

أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه تميم الداري كان في الشام فرأى قناديل جميلة جداً ، فاشتراها لمسجد رسول الله ، لم يعلم النبي بذلك ، ركب هذه القناديل في وقت بين الصلاتين، ثم شدها بحبال وأشعلها ، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام فرأى المسجد متألقاً فقال :

" من فعل هذا ؟ قالوا : تميم الداري ، قال : نور الله قلبك يا تميم كما نوَّرت الإسلام ـ عَدَّ النبي الكريم بيت الله هو الإسلام ـ لو أن لي بنتاً لزوجتكما ، فقال أحد أصحابه : أنا عندي بنت . قال له : زوجها إياه

      ماذا فعل فهذا الإنسان ؟ قام بخدمة لهذا المسجد ، فأنا أريد من هذا الكلام أن يتحمَّس كل الناس لخدمة بيوت الله ، جعلها في أعلى درجة من الراحة كي تجذب الناس إليها .

      كنت مرة عند طبيب فقال لي : والله أنا أحب سماع دروسك إلى أعلى درجة ، ولكنني مرة سجدت وراء إنسان له جوارب رائحتها لا تحتمل  فتركت الدروس من أجل هذا . أنا تألمت أشد الألم ، إذا لم يكن الإنسان نظيفاً ، وكان معطراً ، أنت تقطع إنساناً عن الله عزَّ وجل ، فكل إنسان يأتي إلى بيتٍ من بيوت الله ، يجب أن يكون بأعلى درجة كي يجذب الناس إليه ، حتى الأطفال يجب أن يكونوا مكرَّمين في بيوت الله حتى ينشأ عنده محبة للمسجد ، هذا الكلام تعليق على قول الله عزَّ وجل :

هذا البيت نُسب إلى الله عزَّ وجل إلى ذات الله ، بيتي ..

طاف ، وعكف ، وركع ، وسجد ، مراحل السلوك إلى الله عزَّ وجل .

هنا يوجد نقطة دقيقة قال تعالى :

وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا

( سورة آل عمران : من آية " 97 " )

       قال العلماء كلاماً رائعاً : هذه الآية ليست أمراً تكوينياً ، بل هي أمرٌ تكليفي ، أي أن الله عزَّ وجل أمرنا أن نجعله آمناً ، قال : ينبغي أن يكون آمناً . اجعلوه آمناً يا عبادي ، أوكل أمنه إلينا . فماذا يستنبط من هذا الحكم ؟ أي أن هذا بيتٌ من بيوت الله فإياك أن تفعل شيئاً تجر لهذا البيت شبهة ، أو استفهام ، أو مشكلة ، لأن هذا البيت ..

وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)

( سورة الجن )

       لا تعمل عملاً تسبب إشكالاً لرواد المسجد ، لا تثر شبهة ، ولا تعمل فيه عملاً لا يرضي الله عزَّ وجل ، ادخله وأنت مخلص لربك ، لذلك :

أي مكة المكرَّمة ..

هذه دعوة سيدنا إبراهيم ، إذا ذهب أحدنا إلى مكة لزيارة بيت الله الحرام ورأى ما يعرض في المحلات من أنواع الفواكه يصدِّق هذه الآية ..

هناك أنواع من الفواكه لا تعلم اسمها ، فواكه العالم كله تساق إلى بيت الله، حتى أن هذه الثروات التي أوجدها الله في بلادهم هي من إكرام الله لحجاج بيت الله الحرام ، جعلهم أغنياء ليعتنوا بالحجاج ، هي مجيَّرة لصالح الحجاج ، أما إذا نقض المؤمنون عهد الله وعهد رسوله ، عندئذٍ يسلط الله عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم ، وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا نقضنا عهدنا مع الله ورسوله سلط علينا عدوٌ يأخذ ما في أيدينا ، أما هذه الثروات التي أكرمنا الله بها ، فهي من أجل أن نعتني بالحجاج .

 

أعظم دعاء أن يكون البلد آمناً ، الحروب مدمرة ، والحروب الأهلية مُهلكة ، وجود بلد آمن من نعم الله الكبرى ، ولا يجوز أن تقيم في بلدٍ لا أمن فيه ، هذا حكم شرعي .

       وكلمة أقولها لكم والله لا ابتغي بها شيئاً : لي صديق جاء بطائرة إلى دمشق ، قال لي : سمعت رسالة في الطائرة باللغة الإنكليزية موجهة للركاب تقول : إنكم قدمتم إلى آمن بلد في العالم ـ عن بلدنا ـ بإمكانك أن تتجول أنت وزوجتك إلى ساعةٍ متأخرة من الليل دون أن تخشى شيئاً . هذه النعمة نعرفها جميعاً بلدنا آمن والحمد لله ، ونرجوا الله أن يديم علينا هذا الأمن .

       لكن سيدنا إبراهيم : يا رب هؤلاء عبادك المؤمنون ، هم يستحقون هذا الإكرام ..

المؤمنون فقط . قال الله عزَّ وجل :

أي أنك إذا وجدت كافراً غنياً جداً ، قوياً جداً ، ويتمتع بصحة من أعلى درجة وهو يعصي الله ، وينتهك حرمات الله ويؤذي الناس فلا يختل توازنك ، هذا هو الجواب :

أمتعه قليلاً ؛ ساعات ، سنوات ، بضع سنوات ، أمتَّعه بها ثم أقصمه، فالله عزَّ وجل يعطي كل إنسان ، لكنه لا يُقبل على قلب كل إنسان، يعطي كل إنسان ولكن الله يحب المؤمنين ، ويرزق كل إنسان لكنه يتجلى على الصادقين ، ويعطي المال لكل إنسان ولكنه يقرِّب الطائعين ، فالعطاء ليس مقياساً ، وأعطى الله المُلك لمن لا يحب أعطاه لفرعون ، أعطى المال لمن لا يحب أعطاه لقارون، وحتى أكون دقيق : أعطاه لمن لا يحب ولمن يحب ، سيدنا عثمان ، وسيدنا عبد الرحمن، من أغنياء الصحابة ، يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب ، ويعطي الملك لمن يحب سيدنا سليمان ، ولمن لا يحب فرعون ، إذاً ليس الملك مقياساً ولا المال مقياساً ، المقياس أن تكون طائعاً لله ، وإن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين .

أمتِّعه أيضاً ، خالق الكون يقول : قليل ..

قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ

( سورة النساء )

      ألا يوجد ملوك مثل ملوك الحديد والصلب بأمريكا ، ملوك البترول ، ملوك ماتوا وتركوا كل شيء ، هذا المتاع القليل ..

قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)

( سورة النساء )

       خالق الكون يقول لك : يا عبدي متاع الدنيا قليل .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ـ دقق الآن ـ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)

( سورة التوبة )

       أتقبل ؟ أترضى أن تأخذ من ملك الملوك درهماً واحداً ؟

قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ

( سورة النساء )

       لا تعبأ بالدنيا ، والله إن أسعد الناس بها أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ، والله الذي لا إله إلا هو ، الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر ، هي دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له . وقفت دابة ـ حمار ـ في أيام الحر الشديد في مكان فجلس إنسان لم يحتمل الحر ولا أشعة الشمس المحرقة في ظل هذا الحمار يستمتع بظله ، قام ليشرب فجاء رجل فجلس مكانه ، فتنازع معه قال له : هذا محلي ، فأجابه الآخر : لا ليس محلك ، تلاسنا ، وبعد ذلك تشادّا ، ثم تضاربا ، ثم سار الحمار ، يختصمان على ظل الحمار !.