English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :48/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات " 142 ـ 147 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثامن والأربعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثانية والأربعين بعد المائة وهي قوله تعالى :

       أيها الإخوة الكرام ... في هذه الآية نقاطٌ كثيرة ، من أبرز هذه النقاط ، أن الله سبحانه وتعالى حينما كلَّف الإنسان حمل الأمانة جعله مخيراً ..

( سورة البقرة : من آية " 148 " )

 

 

فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ

( سورة الكهف : من آية " 29 " )

لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ

( سورة الأنعام : من آية " 148 " )

        تؤكد هذه الآيات كله أن الإنسان مخيَّر ، وإذا سعد الإنسان بهذا الاختيار فلأن الله شاء له أن يختار ، إذا اختار طاعة الله عز وجل والتقرب منه استحق دخول الجنة ، لولا أن الله سمح له ، أو أذن له أن يكون مختاراً لما اختار ، وهذا معنى قوله تعالى :

وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ

( سورة التكوير : من آية " 29 " )

       لولا أن الله شاء الله لكم أن تكونوا أصحاب مشيئةً حرة لما شئتم، إذاً لأن الإنسان حمل الأمانة ، وكلف طاعة الله عز وجل ، كان مخيراً من أجل أن يثمن عمله ، ولكن الله طليق الإرادة ، أي شيءٍ يعطيك إيَّاه  يأخذه منك في أية لحظةٍ ، فالإنسان في الأساس مسير حينما يولد ، مسير في أمه وأبيه ، وعصره وزمانه ، ومكانه وقدراته ، وما إلى ذلك مما ليس له اختيارٌ فيه ، وهذه الأشياء التي سُيِّرت فيها ، هي أكمل شيءٍ إليك ، ليس في إمكانك أبدعُ مما أعطاك ، ثم أنت مخيَّر في حدود ما كُلِّفت .

      أنت مخير في دائرة التكليف افعل ولا تفعل ، أمرك أن تصلي ، بإمكانك أن تصلي وأن لا تصلي ، أمرك أن تكون صادقاً ، بإمكانك أن تصدق أو أن تكذب ، أمرك أن تغض البصر، بإمكانك أن تغض وأن تطلق ، أنت مخير في حدود ما كلفت ، ولكن ولأن الله رب العالمين ، من أجل أن يربيك تربيةً تقيك دخول النار ، لو أنك اخترت اختياراً غير صحيح ، لأدبك الله عز وجل .

       كيف يؤدبك ، يأخذ من كل ذي لبٍ لبَّه ، ثم يسوقه إلى مصيبة ، أنت الآن مسيرٌ ، مسيرٌ بدفع ثمن اختيارك ، فكنت مسيراً حينما ولدت ، من قبل أمك وأبيك ، فكونك ابن فلانة وابن فلان ، أنت فيهما مسيراً ، وولدت في دمشق مثلاً ، وفي عام كذا ، أنت فيه مسير ، وقدراتك كذا وكذا أنت فيه مسير ، ثم حُمِّلْتَ الأمانة ، وحملت أن تكون مخيراً فيما كلفت ، حينما تستخدم هذا الاختيار بشكلٍ غير صحيح يأتي التأديب رحمةً بك ، مع التأديب يُسْلَب الإنسان اختياره ليؤدَّب أو ليكافأ ، وهذا هو معنى قول النبي الكريم :" إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه " .

( من الجامع الصغير : عن " ابن عباس " )

       لماذا حولت القبلة الآن من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ؟ لأن قريش قالت : هذه الكعبة ليست بيت الله إنها بيتنا وبيت آبائنا وأجدادنا . والأصنام من حول الكعبة ، فلحكمةٍ أرادها الله عز وجل أمر بتحول القبلة من مكة المكرمة إلى بيت المقدس .

      وقال اليهود : يعارض ديننا ويتَّجه إلى قبلتنا . أراد الله عز وجل أن يكون الإسلام شاملاً لكل الأديان ، فتوجه إلى بيت الله الحرام ..

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96)

( سورة آل عمران )

       ثم أمر بالتوجه إلى بيت المقدس ، المكان الذي جاءت فيه نبَّوات سيدنا موسى وعيسى ، ثم حولت القبلة إلى مكة المكرمة ثانيةً ، فهؤلاء الذين رأوا أن القبلة حولت من مكان إلى مكان ، هم عند الله سُفَهاء ، علم الله عز وجل أنهم سيقولون ، قال :

حينما نزلت هذه الآية هل قالوا ؟ لم يقولوا ، السين للاستقبال ..

وهؤلاء الذين سيقولون وصفهم الله عز وجل بأنهم سفهاء ، من هو السفيه ؟ السفيه هو الذي يبدد ماله أو قدراته بلا جدوى .

       أوضح مثل لو أن إنساناً أمسك ألف ليرة وأحرقها أمامك بلا سبب، وبلا هدف هو سفيه، وأنا مضطر أن أسوق الموضوع إلى فرع ثم أعود إلى أصل الموضوع ، مُرَكَّب في الإنسان أن الوقت أثمن من المال، بدليل أن الذي ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يصاب بمرضٍ عضال ، وهناك عملية جراحيةٌ في بلدٍ بعيد ، ربما أمدت في عمره بحسب قول الأطباء سنواتٍ معدودات ، يبيع بيته وكل ما يملك ليجري هذه العملية التي يأمل أن يعيش من خلالها سنواتٍ معدودات ، ما معنى ذلك ؟ أن الوقت أثمن من المال ، فالذي يُبدد المال يُتَّهم بالسفه ، والذي يبدد الوقت هو أشد سفاهةً .

      هذا الذي يجلس يُمضي ساعاتٍ وساعات وراء المسلسلات التي لا طائل منها ، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في حديثٍ فارغٍ لا جدوى منه ، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في لعب النَرد ، هذا يُعَدُّ أشد سفهاً من الذي يبدد المال لأنه يبدد الوقت الذي هو أثمن من المال ، السفيه إنسان غير عاقل ، إنسان يتلف الجوهر ، ويبحث عن الفحم ، يُهمل اللؤلؤ ويأخذ الأصداف ، السفيه لا يلتفت إلى النفيس ويتَّجه إلى الخسيس ، هذا هو السفيه .

       ثم إن الإنسان حينما يرفض شيئاً يعبِّر عن احتقاره له ، إن رفض بيتاً فلأنه صغير ، أو لأنه في منطقةٍ ليست مناسبة ، أو لأن اتجاهه نحو الشمال ، إن رفضت عملاً فلأن دخله قليل، إن رفضت فتاةً لأن أخلاقها لا تُعجبك ، إنك حينما ترفض تحتقر هذا المرفوض ، إلا في شيءٍ واحد حينما ترفض الدين فإنك تحتقر نفسك ..

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ

( سورة البقرة : من آية " 130 " )

       فالسفيه هو الذي يردُّ النفيس ليأخذ الخسيس ، هو الذي يرد الثمين ليأخذ الرخيص ، هو الذي يزهد في الآخرة ليأخذ الدنيا الفانية ، هذا سفيه، وكل إنسانٍ ما عرف الله سفيه ، ولو كان أذكى الأذكياء ، ولو حمل أعلى الدرجات ، السفاهةُ أن تعرض عن النفيس وتتبع الخسيس .

       فهؤلاء الذي أشركوا والذين ابتعدوا عن الله ، والذين شردوا عنه، والذين غرقوا في المعاصي والآثام ، هؤلاء عند الله سفهاء ، والسفيه دائماً يعترض ، وينتقد ، ويطعن . اجلس في أي مجلس تجد أن همّ الناس الوحيد أن يطعنوا في الدعاة إلى الله ، أن يطعنوا بالمؤمنين ، ليس له هم إلا الطعن ، لأنه حينما يطعن يتوهم أنه يستعيد توازنه ، هو حينما خرج عن منهج الله ، وحينما عصى الله عز وجل وخالف قوانين فطرته، اختل توازنه الداخلي ، فحينما يتَّهم المؤمنين الصادقين باتهاماتٍ باطلةٍ لا أصل لها هو يستعيد توازنه . فهؤلاء السفهاء رأوا أن القبلة تحوَّلت من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ، ثم إلى مكة المكرمة ..

لماذا رجعوا إلى مكة المكرَّمة ؟ بربكم لو أن هؤلاء الناس الذين وصفوا بأنهم سفهاء ، وأنهم سيقولون كذا وكذا ، لو أنهم سكتوا ماذا فعلوا ؟ لو سكتوا لأبطلوا القرآن ، من أجل أن تعلم أن إرادة الله طليقة ، يفعل ما يشاء ، وصفهم الله مُسبقاً بأنهم سفهاء ، وأنهم سوف يقولون كذا وكذا ، وبالفعل هكذا قالوا :

إذا كان الإنسان مع الشيطان يكون همُّه الانتقاد ، لسانه لا يفتر ، ينتقد دائماً ، يجد متعةً في النقد ، عمل تخريبي ، عمل شيطاني ، عمل فيه أذى ، ليس له هم ثاني إلا أن ينتقد زيداً وعبيداً وفلاناً وعلاناً ، هو لا يقدم شيئاً ولا يفعل شيئاً ، هذا النموذج قذر ، مُنحط ، نموذج يكرهه الله عز وجل ، ماذا قدَّمت ؟ لا يقدِّم شيئاً ، ينتقد كل شيء ، من هذا القبيل :

ليس هناك مكان مقدَّس لذاته ـ هذه نقطة مهمة جداً ـ ليس هناك مكان مقدس لذاته إلا أن يقدَّسه الله عز وجل ، فالله عز وجل أمر الإنسان وهو سيِّد المخلوقات أن يقبِّل الحجر الأسود ، والتسلسل كما تعلمون ؛ جماد، نبات ، حيوان ، إنسان . أمر الله أشرف مخلوق أن يقبل أقل مخلوقٍ رتبةً ، وفي منسكٍ آخر أمره أن يرجم حجراً في الجمرات التي هي رمزٌ لإبليس ، لا يوجد مكان مقدس ، الله عز وجل يقدس الشيء ، أو يهدر كرامة الشيء ، ولذلك سواء توجَّه المسلمون إلى بيت المقدس ، أم إلى مكة المكرمة ، هم يتوجَّهون إلى الله عز وجل ، وليس هناك مكان مقدس في ذاته .

يهديه الله عز وجل إلى طريقٍ مختصر ، المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين ، يهدي من يشاء مرضاة الله عز وجل ، من يشاء رحمة الله ، من يشاء محبة الله ، من يشاء الفوز بالجنة، والنجاة من النار .

أيها الإخوة ... لو أن الله عز وجل قال : تحوَّلوا عن مكة المكرمة للعلة الفلانية ، وتوجهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية ، هذا الأمر فقد قيمته التعبُّدية ، حينما أعطيك أمراً لمصلحتك الواضحة الصارخة أقول لك : افعل كذا من أجل كذا . أنت تقبل على تنفيذ هذا الأمر ، لا حباً بالآمر ، ولكن حباً بذاتك ، فقد الأمر قيمته المعنوية ، وقيمته التعبُّدية . يقول لك أحدهم : أنا أصلي لأنني قرأت مقالة أن الصلاة فيها رياضة . ليس له أجر فيها ، ولا قيمة لهذه الصلاة إطلاقاً ، أو أن يقول : أنا أصوم لأنني شعرت أن الصيام أريح لجسمي ، أحس براحة ، أحس بخفة ، وأجد أمعائي تحسنت ، ونشاطي ازداد ، فأنا أصوم والحمد لله . هذا ليس صيام تعبُّد ، هذا صيام رجيم ، هذا صيام مصلحة .

     لو أن الأمر الإلهي جاء معللاً لفقد قيمته التعبُّدية ، توجَّهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية، توجهوا إلى مكة المكرمة للعلة الفلانية ، إلهٌ عظيم يحب أن يرى انصياعنا لأمره ، لذلك قال علماء الأصول : علة كل أمرٍ أنه أمر .

      لا أنسى هذا الموقف الذي وقفه إنسان غربي أسلم بعمق ، حين التقى بعالمٍ من علماء دمشق ، وطرح موضوع لحم الخنزير ، وهذا العالم أفَاض ، وأفاضَ ، وشرح وأطال وأطنب في مضار لحم الخنزير ، فابتسم هذا الإنسان الغربي المسلم وقال : كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي إن الله حرمه . يكفي، كلام الله ، إلهٌ عظيم هو العلم ، والخبرة ، والرحمة ، والحكمة ، هو الخالق ، يقول لـك : لا تفعل هذا . انتهى الأمر .

ليس للأمكنة قداسةٌ بذاتها ، إلا أن يأمرك الله أن تشد الرحال إليها، أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحيٌ يوحى ، أن نشُدَّ الرحال إلى مكة المكرمة  وإلى بيت المقدس، وإلى المدينة المنورة :" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى "*

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " ) 

       ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في القريب العاجل أن نزور المسجد الأقصى . لذلك لا يوجد مكان مقدس في ذاته أمرنا الله عز وجل أن نشُد الرحال إليه ، فالتقديس هو لأمر الله ، أمر الله هو المقدس ، قال الله عز وجل : دعوا مكة لأن قريشاً يقولون إنها بيتنا وليست بيت الله ، إنه بيتنا وبيت آبائنا وأجدادنا . وفيها ما لا يحصى من الأصنام ، لذلك قال الله عزَّ وجل : دعوا مكة المكرمة واتجهوا إلى بيت المقدس .

      ولعل في هذا الاتجاه الجديد حكمةً بالغة ذلك أن الإسلام هو خاتم الأديان ، أو خاتم الشرائع إن صح التعبير ، وأن هذا الدين يستوعب كل الشرائع السابقة ، فلذلك نحن نقدس بيت الله الحرام ، ونقدس بيت المقدس الذي هو مهبط الرسالات السماوية ، ومسرى نبينا عليه الصلاة والسلام .

      لكن هذه الآية فيها إعجاز ، أي أن الله عز وجل طليق الإرادة ، وفي أية لحظةٍ يسلب ما أعطاك إياه ، فلو فكر هؤلاء الناس السفهاء لحظةٍ ، هم وصفوا بأنهم سفهاء ، وسوف يقولون هكذا وكذا ، لو سكتوا، لأبطلوا القرآن ، ولكنهم لا يستطيعون .

يخاطب الله الأمة العربية :

هذا الموضوع يحتاج إلى بعض التفصيل ، أمةً وسطاً أي وسطاء بين الله وخلقه ، وهذا تكريمٌ عظيم ..

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)

( سورة آل عمران )

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

( سورة آل عمران : من آية " 110 " )

       من أدق معاني كلمة كنتم في هذه الآية ، أي أن كلمة " كنتم " في هذه الآية تعني أصبحتم ، أي عندما جاءتكم هذه الرسالة على رسول منكم من هذه الأمة العربية :كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

( سورة آل عمران : من آية " 110 " )

       عِلَّة الخيرية أنكم :تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

( سورة آل عمران : من آية " 110 " )  

       فلو أن هذه الأمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لعادت بشراً ممن خلق الله عز وجل :وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ

( سورة المائدة : من آية " 18 " )

       حينما نعصي ، وحينما يهون أمر الله علينا ، نهون على الله ، وهذا ما ترونه وكأن الله تخلَّى علينا ، لأن أمر الله هان علينا ، فهنا على الله..

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)

( سورة مريم )

أي أنتم وسطاء بين الله وبين خلقه ..

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

( سورة البقرة )

 

       فَاذْكُرُونِي أي أنتم وسطاء ، أي كما هديتكم كونوا هداةً للخلق ، وهذا أشرف مرتبة تنالها الأمة العربية ، أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه بلسانٍ عربيٍ مبين ، وجعل هذه الأمة وسطاً، أو وسطاء بين الله وبين خلقه ، لـذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا سلمان الفارسي:

" يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ قَالَ تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي"*

( من سنن الترمذي : عن " سلمان " )

      يجب أن لا يسترسل الإنسان في تعداد مثالب هذه الأمة ، مقبولاً ليس هذا عند الله ، نرجو الله أن يصلح الناس جميعاً ، وأن نكون وسطاء لله بين الله وبين خلقه ، وأن نعيد لهذه الأمة مجدها ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء في الجاهلية إلى أمة كانت تأكل الميتة ، وتعبد الأصنام ، وتسيء الجوار، وتقطع الرحم ، وتكذب ، وهي غارقة في الخمور والربا ، وغارقة في الزنا ، كانت عشر أنواع من الانحرافات في الزواج متفشية فيها ، كما قال سيدنا جعفر :

 " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء " .

      إذاً أمةً وسطاً ، أي وسطاء بين الله وببن خلقه . تحدثت في خطبةٍ قديمة عن الوسطية في الإسلام ، وهو موضوع دقيق جديد جدَّاً ، ومفصَّل ، ومبوَّب ، أرجو أن تعودوا إليه الوسطية في الإسلام .

هناك أممٌ آمنت بآلهةٍ متعددة ، وهناك أممٌ أنكرت وجود الله ، ونحن المسلمون آمنا بلا إله إلا الله ..

هناك أممٌ غرِقت في المادة إلى قمة رأسها ، وهناك أممٌ عاشت مثاليةً خياليةً غير واقعية ، هؤلاء تطرَّفوا ، وهؤلاء تطرَّفوا ، أما نحن والحمد لله فديننا دين الواقع ، ودين الفطرة ، بل إن ديننا يأمرنا أن نعيش الواقع بقيَمٍ مثالية ، قال عليه الصلاة والسلام :" أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي "*

( من صحيح البخاري : عن " أنس بن مالك " ) 

       نحن ديننا دين الفطرة ، دين الوسطية ، الإنسان مأمور أن يعبد الله وأن يسعى لرزق يومه ، ما من شهوةٍ أودعها الله فينا إلا فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها ، دين وسطي ، الأمة التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغط من الواقع ، عادت شعوب الإسلام الآن مُكرهةً . الأمةٌ التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغطٍ من الواقع السيئ الذي نتج عن هذا التطرُّف ، لا عن تعبُّدٍ ولكن عن رجوعٍ إلى مصالحها .

      فمثلاً الاتحاد السوفيتي حرم الخمر قبل أن ينهار ، كثير من القوانين الآن تصدر مطابقة لتعليمات الشرع ، مثلاً منعت بعض الجامعات في أمريكا الاختلاط ، لأنهم وجدوا أن عدد اللقطاء في الحدائق أصبح لا حدود له ، فحرمت الاختلاط ، سمعت أن بعض البلاد في أوروبا حرَّمت الخمر ، الخمر مثلاً محرم في السويد ، لا يستطيع الإنسان هناك أن يشرب الخمر إطلاقاً إلى أن يذهب إلى الدانمارك ، فالآن الشعوب المتطرفة يميناً أو يساراً عادت إلى الإسلام لا عن تعبُّدٍ ، ولا عن طاعةٍ لله ولكن عن مصلحةٍ ، فديننا دين وسطي بين تعدد الآلهة وبين إنكار الآلهة ، بين إنكار النبوة ، أو بين أن يتهم الأنبياء كما في العهد القديم ، بالفسق والفجور والزنا وما إلى ذلك ، أنبياؤنا عبادٌ مكرَّمون ..

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)

 سورة آل عمران ) )

       هناك من لا يعمل وهو زاهدٌ في الدنيا ، وهناك من يعمل وينسى كل شيء ، نحن أُمرنا أن نعمل وأن نعبد الله وأن نصلي خمس صلواتٍ كل يوم في أي موضوع وصفه الإسلام كان وسطياً ، إذا ضربك إنسان على خدك الأيمن ، في بعض الأديان يجب أن تدير له خدك الأيسر ليضربك عليه صفعةً ثانية ، ولكن الله عز وجل قال :

وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ

 

( سورة الشورى )

       هناك وسطية ، لو عدتم إلى هذه الخطبة الوسطية في الإسلام لوجدتم فيها كل شيء ، بحث مطوَّل جداً ..

 

وسطاء من جهة ، والوسط دائماً مركز دائرة ، المركز في الوسط، والمحيط يساوي الأطراف، فالإسلام في الوسط ، مكان تقاطع الأفكار ، لا يوجد تقاطع في التطرف ، أما الوسط فيه تقاطع ، هذا المعنى رياضي أيضاً ، الشمس لا تكون في أشد سطوعٍ إلا وهي في وسط النهار ، فالوسط اعتدال ، والوسط قوة ، والوسط عَدْل ، والوسط توسط بين شيئين متطرفين ، هذه كلها من معاني الوسطية ..

 

ديننا متوازن ، بين عدم الزواج كلياً ، وبين

 الزنا من دون قيد أو شرط ، لدينا زواج ، وفي حالات خاصة مسموح بثانية وثالثة ورابعة ..

ترك العمل تطرُّف ، والانغماس بالعمل تطرف ..

رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ

( سورة النور : من آية " 37 " )

تشهدون لهم الحق ..

أرسل الله عز وجل هذا النبي الكريم الذي هو سيِّد الأنبياء والمرسلين لهذه الأمة المباركة ، وكلَّف هذه الأمة كما أن النبي شهد لها بالحق أن تشهد للناس بالحق . الذي يرى ويتكلم عما رأته عينه يكون كلامه بليغاً جداً ، أما إذا سمع فقط !! إذا واحد لم يذهب إلى بيروت إطلاقاً ، وقلنا له : صف لنا بيروت ، يقول : والله قرأت عنها أنها على الساحل ، قرأت عنها أنها محاطة بجبال خضراء ، ما أدري مبلغ هذا الكلام من الصحة .

      أما لو عاش إنسان في بيروت وقلت له : صف لنا بيروت . يتكلم بطلاقة ، وبوضوح ، وبقوة تأثير عجيبة ، ينقل لك خبراته ، فلذلك إذا أراد الإنسان أن يدعو عن الله ، يجب أن لا تتكلم بشيءٍ لست قانعاً به ، لا تتكلم بشيءٍ لست واثقاً منه ، لا تتكلم بشيءٍ لا تراه رأي العين، حينما تشهد اشهد للناس ، لذلك أعظم داعية هو الذي يتكلم من خبرات يعيشها ، من حقائق يلمَسها ، من أفكار هو قانعٍ بها ، هذه هي الدعوة .

فهذه الأمة العربية التي شرفها الله وكرَّمها ، ونقلها من رعاة الغنم إلى قادة الأمم ، وأمرها أن تكون وسطاً بين الله وبين خَلقه ، ماذا حل بها ؟.

       مرة كنت في أمريكا ، وسمعت خطبةٍ لإنسانٍ باكستاني ، قال في هذه الخطبة شيئاً لطيفاً، وهو يخاطب المصلين وأكثرهم من الأمة العربية ـ توجد جالية عربية كبيرة جداً في مدينة هناك ـ قال : أنتم سادتنا نحن بكم هدانا الله عز وجل ، لولاكم لكنا عباداً للأصنام ، عُباداً للنيران ـ ذكر من فضل هذه الأمة على بقية الشعوب ما يشعر الإنسان بأن هذه الأمة أعلى الأمم ـ قال : ما لكم نسيتم هذه المُهمة ، ما لكم نسيتم هذا الشرف العظيم الذي منحكم الله إياه، أنت في بلاد تبيعون الخمر ، أهكذا كان آباءكم وأجدادكم ؟!

       بعد أن أثنى على هذه الأمة الثناء العاطر ، ذكر مثالبهم في بلاد الغرب ، فأنت يجب أن تفتخر أنك تنتمي إلى أعظم أمة ، إلى أمةٍ أنزل الله القرآن الكريم بلسانها ..

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3)

( سورة الزخرف )

بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)

( سورة الشعراء )

       تنتمي إلى أمةٍ هي الوسيطة بين الله وبين خلقه ، وسيطة ، ومتوسطة ، ومعتدلة ، وقوية، ونيِّرة ، وعادلة ، هذه معاني الوسطية كلَّها.

       إنك حين ترى واقع الأمة المؤلم ، لماذا تتألم ؟ أين كنا وأين أصبحنا ؟ فبعض المسلمين أو أكثرهم فتنوا بالغرب ، فعاشوا حياة الغرب، ونسوا دينهم ، والأمانة التي حملهم الله إيَّاها ، وعاشوا في انفصامٍ في شخصيتهم ، يعتزون بدينهم وبماضيهم ، ويضربون في هذه الحضارة المتوهِّجة التي نسوا فيها أوامر ربهم ، هذه حالة صراع ، وحالة انفصام شخصية ، تصيب كل إنسان لم يقو إيمانه بحيث يتجاوز كل هذه العقبات والصوارف ، بل جعله إيماناً وسطاً ، إيماناً ضعيفاً جذبته هذه القوى من يمينٍ أو من شمال .

فالتحول للقبلة امتحان عبودية ، إذا كان الأب جالساً على المائدة ، والطعام نفيس ، وابنه جائع، ولهذا الأب يدٌ طويلة في تربية ابنه وفي إكرامه ، قال له : يا بني لا تأكل . فإذا كان هذا الابن يعرف قدر أبيه ، وحكمة أبيه ، ومحبة أبيه ، ورحمة أبيه ينصاع للأمر ولو لم يفهم الحكمة . بطولتك أن تنصاع للأمر ولو لم تفهم الحكمة ، لماذا ؟ لأن الحكمة إذا  توضَّحت تماماً فقد الأمر قيمته التعبُّدية ، وأقبلت عليه طمعاً بمصلحتك الشخصية ، لكن الله يُريدك عبداً له ، لذلك من حين لآخر تأتي أوامر قد لا تفهمها أنت ..

الإنسان غير المهتدي ، المتعلق بالتقاليد والعادات لا يحتمل ، فيقول لك مثلاً : هذه الكعبة بيت الله ، لماذا انصرف عنها المسلمون إلى قبلة اليهود ؟!

أي أن الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، وخلقنا لنصل إليه ، وخلقنا كي نعرفه ، فهل يعقل أن يكون من أفعال الله ما يبعدنا عنه ؟ مستحيل ، أب همه الأول أن يكون ابنه متعلماً ، فهل من المعقول أن يمنعه يوم الامتحان من تقديم الامتحان ؟ هذا يتناقض مع هدف الأب كلياً .

والله أيها الأخوة ، والله الذي لا إله إلا الله ، هذه عبارة أستخدمها كثيراً : زوال الكون أهون على الله من أن تتودد إلى الله ثم يضيّعك ، من أن تؤثر جانب الله على مصالحك ثم يضيعك ، زوال الكون أهون عند الله من أن تدع شيئاً للـه ، دون أن تأخذ شـيئاً أثمن منه..

" ما ترك عبد لله أمرا لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه"

( من الجامع الصغير : عن " ابن عمر " )

       هذا كلام مستحيل ، مستحيل أن تخاف من الله وأن يخيفك من أحد، مستحيل وألف مستحيل أن تقلق على مصيرك في الآخرة وأن تضيّع الآخرة ..

هذه وما كان الله أيها الأخوة أشد أنواع النفي في القرآن ، أنا مثلاً أسأل إنساناً : هل سرقت هذا المبلغ ؟ إذا قال لك : لا . هو قد يكون سارقاً ، ولكنه لم يسرق هذا المبلغ ، أما إذا قال لك : ما كان لي أن أسرق . إذ قلت له : هل أنت جائع ؟ يقول لك : لا . الجوع ليس عاراً ، أما إذا قلت له : هل أنت سارق ؟ يقول لك : كلا . أداة ردعٍ ونفي ، أو ما كان لي أن أسرق  أي هذا ليس من شأني ، ولا من طبيعتي ، ولا من مكانتي، ولا من رغبتي ، ولا أرضاه ، ولا أفعله ، ولا أفكر فيه ، ولا أقر عليه ، هناك تقريباً عشر أفعال منطوية في كلمة: ومـا كان الله ..

لا تخف ، ما دمت تطلب الحقيقة ، ما دمت تخطب ود الله عز وجل لن يضيعك الله عز وجل، وهناك آلاف القصص التي لا تنتهي عن إنسان آثر جانب الله فكسب الدنيا والآخرة ، ولا تنسوا هذه العبارة أرددها كثيراً : من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرتهما خسرهما معاً .

تقبل عليه ، تخطب وده ، تصطلح معه ، تطيعه ، تخدم له عباده، تخاف من سخطه ، تخاف أن تعصيه ، ويعاملك مثل الناس ؟!! والله هذا يتناقض مع وجود الله ..

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ

( سورة الجاثية : من آية " 21 " )

       أتكون حياتك كحيات الشارد عن الله ؟! مستحيل ، حياتك ، عملك، صحتك ، زواجك ، سمعتك ، مستقبلك ، مكانتك ، مستحيل أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء هذا يتناقض مع وجود الله

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

( سورة الجاثية : من آية " 21 " )

       قد يقول قائل : المعاملة بالآخرة فقط ، لا ، لا ، بالدنيا أيضاً ، والدليل :

سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)

سورة الجاثية ) )

       هذه الآية وحدها أيها الأخوة والله تملأ قلبكم أمناً وطمأنينة ، تملأ قلبكم ثقةً بالله عز وجل، من سابع المستحيلات ، مستحيل وألف مستحيل أن يعامَل المؤمن كالكافر ، المستقيم كالمنحرف ، الصادق كالكاذب ، الأمين كالخائن ، المحسن كالمسيء ، مستحيل .

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)

( سورة الجاثية )

       أيها الإخوة الكرام ...

أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18)

( سورة السجدة )

أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)

( سورة القلم )

أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)

( سورة القصص )

شخص يسكن بأطراف المدينة ، ركب أول سيارة ، وثاني سيارة، وأمضى ساعة على الطريق وبقي ساعة جالساً على ركبتيه في المسجد ، لا يوجد كأس من الشاي ، ولا يوجد ضيافة ، ولا أي شيء ، ثم يعود إلى البيت ، استهلك من وقته ثلاثة ساعات ، هل يستوي مع إنسان يجلس وراء جهاز اللهو يتابع المسلسلات ، أهذا كهذا ؟! هل يستوي من يأتي مجلس علم مع لاعب النرد حتى الساعة الثانية مساءً معقول ؟ واحد يجلس في بيت الله ، يستوي مع إنسان جالس جلسة مختلطة ؛ نساء كاسيات عاريات وغمز ولمز هذا مع هذا ؟ إنسان يخشى المال الحرام ، يركل بقدمه مئات الألوف لشبة