English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :49/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات " 148 ـ 153 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس التاسع والأربعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثامنة والأربعين بعد المائة وهي قوله تعالى :

أيها الأخوة الكرام ... منح الله الإنسان والجانُّ من بين كل المخلوقات حرية الاختيار ، لأن الله سبحانه وتعالى عرض ..

الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72)

( سورة الأحزاب )

      كان الإنسان ظلوماً جهولاً إذا خان الأمانة ولم يحملها ، سخَّر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه لأنه قَبِلَ حمل الأمان ، ولأنه قبل حمل الأمانة، جعل الله الكون كله تجسيداً لأسماء الله الحسنى ، ومظهراً لصفاته الفُضلى ، ولأنه قبل حمل الأمانة منحه نعمة العقل أداة معرفة الله ، ولأنه قبل حمل الأمانة أعطاه شهوةً من أجل أن تدفعه صابراً أو شاكراً إلى الله عزَّ وجل ، فهي قوى محرِّكة ، ولأنه قبل حمل الأمانة منحه حرية الاختيار كي يُثَمَّن عمله ، ولأنه قبل حمل الأمانة فطره فطرة عالية تدلُّه على خطئِه ، ولأنه قبل حمل الأمانة  ، أنزل الله على رسوله كُتُبُاً هي منهجٌ تفصيليٌ لحياته .

      فما دام الإنسان قد قَبِلَ حمل الأمانة منحه الله الكون ، وسخَّره تسخيرين ؛ تسخير تعريفٍ، وتسخير تكريم ، ومنحه نعمة العقل ، ومنحه نعمة الفطرة ، ومنحه الشهوة التي تدفعه إلى الله عزَّ وجل ، ومنحه حرية الاختيار ليثمن عمله ، ومنحه أيضاً شرعاً حكيماً دقيقاً منهجاً تفصيلياً ، لكن أبرز ما في حياة الإنسان أنه مخيَّر ..

من بني البشر ..

لا ينبغي أن نفهم أبداً أن هو تعود على الله عزَّ وجل ، لأن سياق الآية ينفي هذا المعنى ..

لو أن الوجهة هي لله ، ليس هناك تناسب بين أول الآية وبين آخرها، الوجهة بيدكم ..

الإنسان مولِّيها ، أي أنك تتمتَّع في الدنيا بحرية الاختيار ، ولكن هذه الحرية تعد بشكلٍ أو بآخر سبب سعادتك الأبدية ، أنت حُر ، ما معنى حر؟ أي أن بإمكانك أن تؤمن أو أن لا تؤمن، بإمكانك أن تكون صادقاً أو كاذباً ، بإمكانك أن تكون مستقيماً أو منحرفاً ، بإمكانك أن تكون محسناً أو مسيئاً ، بإمكانك أن تكون مخلصاً أو خائناً ، بإمكانك أن تكون منصفاً أو جاحداً ، بإمكانك أن تصلي أو أن لا تصلي ، أن تأتي إلى المسجد أو أن تذهب إلى المَلهى ، أن تغضَّ بصرك أو أن تُطْلِقَ بصرك ، أن تأخذ ما ليس لك أو أن تكتفي بما هو لك ، أن تكون ولداً باراً أو أن تكون ولداً عاقاً ، أن تكون شريكاً مخلصاً أميناً أو أن تكون شريكاً خائناً خبيثاً ، أن تكون أباً منضبطاً مربياً لأولادك أو أن تكون أباً مسيِّباً لهم .

       فمعنى حرية الاختيار أنه بإمكانك أن تفعل أو أن لا تفعل ، أن تكون هكذا أو هكذا .

       متى يأمرك الله عزَّ وجل ؟ لا يأمرك إلا لأنه خيرك ، فمثلاً هل من الممكن أن نبني جدارين على عرض إنسان تماماً ، نأخذ عرضه تماماً ثمانية وستين سنتيمترا ، ثم نبني جدارين ونقول له : امشِ في هذا الطريق ، ثم خذ اليمين . يقول لك : أيُّ يمينٍ هذا ؟ أنا في ممر إجباري، لا أستطيع أن أحيد لا يمنةً ولا يسرةً . أما ما دام هناك أمر إلهي افعل ، ونهي إلهي لا تفعل ، إذاً أنت مخيَّر .

       فأثمن شيء في مقوِّمات التكليف هو حرية الاختيار ، بهذه الحريَّة يمكنك أن تختار طاعة الله ، يمكنك أن تختار كتاب الله ؛ تقرأه وتعلِّمه ، يمكنك أن تختار طريق الجنة ، يمكنك أن تكون في الجنة إلى أبد الآبدين، كل هذا بسبب أنك مخيَّر .

      إذا نال طالب الشهادة الثانوية وقلنا له : بإمكانك أن تذهب إلى أي مكان في العالم وتلتحق بأعلى جامعة ، وتعود في أعلى منصب ، وفي أبهج حياة ، بإمكانك فأنت مخير . لأن الإنسان مخيَّر فسُبُل السعادة الأبديَّة مفتَّحةٌ أمامه ..

دخلت إلى غرفة فيها مليون قطعة ذهبيَّة ، ومليون قطعة ذهبية من عيار أقل ، ومليون قطعة ذهبية من عيار أقل ، ومليون قطعة نحاسيَّة مُغَمَّسة بالذهب ، ومليون قطعة نحاسية بلا ذهب، ومليون قطعة من أخس المعادن ، قلنا لك : اختر ما شئت . أنت مخير ، فالذي أخذ قطعة الذهب ذات العيار العالي يكون ذكياً . هو مخيَّر ، كلمة مخير كلمة كبيرة جداً ، لك أن تختار ما تشاء ، لك أن تختار أطيب شيء ، وأثمن شيء ، وأدوم شيء ..

       أنت مخير ، بإمكانك أن تكون زوجاً كاملاً أو زوجاً ناقصاً ، أماً كاملةً أو أماً مهملةً ، معلماً مخلصاً أو معلماً مُسَيِّبَاً ، أبداً ..

فهل من الممكن أن تقول لراكب في السيارة بالمقعد الخلفي : احرف المركبة إلى اليمين رجاءً ؟ يقول لك : أبيدي المقود ؟! قل للسائق. لمن توجِّه الكلام كي تنحرف المركبة لليمين ؟ لمن بيده المقود . يقول الله عزَّ وجل :

على من تعود هو ، على الله أم على الإنسان ؟ تتمة الآية :

لو أن الوجهة بيد الله ، لما كان من معنى لقوله تعالى :

يمكن أن تصل إلى الجنان عن طريق حرية الاختيار ، إلى الأبد ، ولا تنسوا ـ وإن كان الشيء ذكرته سابقاً ـ أن هذا المصحف لو وضعنا واحداً في طرفه ، وكل ميليمتر صفر ، عندنا تقريباً أربعين صفراً ، أربعين ضرب عشرة أربعمائة صفر ، كم هذا الرقم ؟ واحد أمامه أربعمائة ، أول ثلاثة ألف ، ثاني ثلاثة مليون ، ثالث ثلاثة ألف مليون . فواحد هنا وكل ميليمتر صفر لآخر المسجد ، واحد هنا وكل ميليمتر صفر إلى حمص ، واحد هنا وكل ميليمتر صفر إلى حلب ، إلى أنقرة ، إلى موسكو ، إلى القطب الشمالي ، حول الأرض واحد وأمام كل ميليمتر صفر لأربعين ألف كيلو متر ، واحد في الأرض وكل ميليمتر صفر إلى الشمس ، مائة وستة وخمسين مليون كيلو متراً ، لو نُسِب أكبر رقم تتصوَّره إلى اللانهاية فهو صفر ، صفر ، الدنيا كلها صفر ..

" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ "*

(من سنن الترمذي : عن " سهل بن سعد " )

رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)

( سورة البقرة )

      فأنت مخيَّر ، ولأنك مخيَّر يمكن تكسب الأبد ، وأكبر خسارة يحققها الإنسان حينما يخسر الأبد . هذه الدنيا " عرضٌ زائل يأكل منه البر والفاجر ، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ عادل " . الغني يموت، والفقير يموت ، والقوي يموت ، والضعيف يموت ، والقوي يموت ، والضعيف يموت ، والوسيم يموت ، والدميم يموت ، والمستَغِل يموت ، والمستَغَل يموت ، وكل إنسان سيموت ، وكل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت ، والليل مهما طال فلابدَّ من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلابدَّ من دخول القبر ..

وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته    يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ

فإذا حمـلـت إلى الـقـبـور جنـازةً     فـاعلم بأنك بعـدهـا محـمـولُ

*  *  *

       هنا الدقَّة :

      أي يا عبادي استغلوا هذه الفرصة ، أنتم مخيَّرون ، وباختياركم يمكن أن تختاروا الأبد الجنة التي عرضها السماوات والأرض ، يمكن أن تسلموا وأن تسعدوا إلى أبد الآبدين عن طريق حرية الاختيار ؛ ولكن هذه الحرية الثمينة التي هي سبب سعادتكم الأبدية ليست مستمرَّة، ولكنها منقطعة .

      إذا أدخلناك لغرفة وقلنا لك : خذ ما تشاء من هذه القطع الذهبيَّة والألماسيَّة ، ولكن لربع ساعة فقط ، فإذا انشغلت بقراءة مقالة في مجلَّة، والذهب أمامك ، والألماس أمامك ، وكله بأسعار فكليَّة ، والوقت محدد لمدة ربع ساعة فقط ، فإذا انتهت هذه الدقائق الخمسة عشر تسحب من الغرفة إلى خارجها ، انتهت الفرصة ، الفرصة لسعادة أبديَّة ، ما دمت مخيراً فأنت في بحبوحة ،  فإذا جاء ملك الموت انتهى الاختيار ، وعدت مقهوراً ، لأن ربنا عزَّ وجل يقول :

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)

( سورة الفاتحة )

      أنت في الدنيا مخيَّر ، وتملك أن تختار هذا أو هذا ، أما حينما يأتي الموت ينتهي اختيارك

أي ( لحقوا حالكم ) يقول عليه الصلاة والسلام :" بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا ... " .

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

     إذا لم يرد الإنسان الآخرة ، ولا أن يكون عابداً لله ؛ بل أراد الدنيا، ماذا ينتظره ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

" ... هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ـ قد يأتي فقرٌ غير متوقَّع ـ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ " .

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

      بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا ، قد سمعت مرَّة بالعمرة طرفة وهي واقعيَّة، الذي رواها لي شهد وقائعها بنفسه ، إنسان ـ بدوي ـ تسكن بشمال جدَّة عندما توسَّعت جدَّة وصلت إلى قرب أرضه ، نزل وباعها إلى مكتب تجاري ، خدعه واشتراها بربع قيمتها ، وأنشأ بناءً ضخماً ، الشريك الأول وقع من أعلى طابق فنزل ميِّتاً ، والشريك الثاني دهسته سيارة ، فانتبه الشريك الثالث وعرف سر هذه المصائب ، لأنهم خدعوا صاحب الأرض ، وأخذوها بربع ثمنها ، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر إلى أن عثر عليه ، أعطاه ثلاثة أمثال ما كان قد دفعه له ، فقال له البدوي : " ترى أنت لحقت حالك " .

      وكل واحد منا يجب أن ( يلحق حاله ) الآن هناك فرصة ، القلب ينبض، كل شيء يصلح، يمكن أن ترد كل المظالم إلى أصحابها ، يمكن أن تستسمح من كل من اغتبته ، يمكن أن تفعل كل شيء ويعفو الله عنك، ما دمت مخيراً ، ما دمت في الحياة الدنيا ، ما لم تغرغر ..

      الإنسان مخير ، وهذا الاختيار موقَّت ، فرصةٌ ذهبيةٌ لا تعوُّض ، مثلاً إذا ظهر إعلان بالجريدة : أنه من يحب أن يشتري سيارة بمائة ألف ـ مر سيدس مثلاً ـ ومعكم أربعة أيام للاكتتاب . ستجد تقريباً مليون شخص ينتظرون فوق بعضهم ، لأنها فرصة لا تعوض ، بمائة ألف لا توجد مر سيدس ـ مثلاً ـ

الآن حينما يأتي الموت ، ينتهي الاختيار ..

في قلعة ، في بيت فخم ، في أعلى منصب ، في صحة ، في مَنَعَة، في قوة ، في أتْباع ..

لا تأمن الموتَ في طرفٍ ولا نفسِ    وإن تمنَّعت بالحجَّاب والحرس

فما تزال ســهام الموت نافـذةً فـي      جـنب مـدرعٍ مـنـها ومـتـرسِ

 أراك لسـت بوقَّافٍ ولا حذرٍ كالحا         طب الخابط الأعواد في الغلـــس

 ترجو النجاة ولم تسلك مسـالكهـا     إن السفينة لا تجري على اليبسِ 

*  *  *

     قبل العرس بيوم ..

 

     بعد نيل الدكتوراه ، قبل أن تعلنها للناس ، ولو بأصعب وضع ..

الآن في أي مكانٍ تكون ، وفي أية مكانةٍ تكون ، كل مخلوقٍ يموت؛ ملك يموت ، خفير يموت، غني يموت ، فقير يموت ، صحيح يموت ، حاكم يموت ، محكوم يموت ، نبي يموت، كافر يموت ، لا يستثنى من هذا الموت أحد ..

       وليس هناك حاجزٌ يمنع لك الموت من الدخول ، يروى أنه في عهد سيدنا سليمان كان يجلس عنده شخص ، فرأى أحدهم يحدِّق فيه تحديقاً غير طبيعي ، قال : يا سليمان من هذا الذي يحدق بيَّ ؟ قال : هو ملك الموت . فانخلع قلبه ، وقال له : خذني إلى طرف الدنيا الآخر. من شدة الخوف ـ هكذا تروي القصة الرمزية ـ أرسله إلى الهند على بساط الريح فقبضه ملك الموت بعد يوم هناك ، فلما التقى سليمان بملك الموت قال له : يا ملك الموت لماذا كنت تحدِّق فيه ؟ قال : لأنه معي أمر بقبض روحه في الهند ، ما الذي جاء به إلى هنا ؟

      الإنسان يذهب أحياناً وفي المطار يتوفى ، فرصة العمر ذهب إلى أمريكا ـ بنظر الناس طبعاً ، قد تكون جهنم وبئس المصير ـ ذهب إلى هناك جاءه ملك الموت في المطار ، قبل أن يدخل المدينة ..

          في الطائرة ؛ كان ذاهباً ليحضر احتفال هو ، وزوجته ، وأخت زوجته وقعوا في البحر ـ انتهوا ـ

       بطائرة ، بسيارة ، بباخرة ، بالبحر ، بالبر ، في مكتبه ، في غرفة نومه ، في الحرب ، بالسير ، باحتفال ، بالمسجد . قبل عدة أشهر بعدما انتهت الخطبة ، قال بعض الإخوة : رجل جالس في القاعة مات أثناء الخطبة . وهو في الجامع ..

     في أية مكانةٍ كنت ، وفي أي مكانٍ كنت ، لا يوجد مكان يستعصي على الله عزَّ وجل ..

  نحن الآن نتمتَّع بحرية الاختيار ، وهذه الحرية قد تكون سبباً لسعادة أبديَّة ، يجب أن نستغلَّها، يجب أن نعرف من نحن فالإنسان هو المخلوق الأول ، خُلِق لجنةٍ عرضها السماوات والأرض ..

" ابن آدم خلقتك لنفسي وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له " .

( من شرح الجامع الصغير )

" خلقت السماوات والأرض ولم أعيا بخلقهن أفيعيني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ، لي عليك فريضة ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخلفك في رزقك ، وعزَّتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البريَّة ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد " .

       قال الله عزَّ وجل :إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(183)

( سورة الأعراف )

     المتانة صفة تقاوم قِوى الشَد ، والقساوة صفة في العناصر تقاوم قِوى الضغط ، فالألماس قاسي ، أما الفولاذ متين ، حبل من الفولاذ قطره ميليمتر يحمل مئتي كيلو ، لذلك كل المصاعد الكهربائية والتلليفريكات كلها بحبال الفولاذ ، قال الله :

إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(183)

( سورة الأعراف )

      أي مهما ظننت أنك قوي ، وطليق ، وذكي ، تصبح بثانية واحدة في قبضة الله ، فالإنسان لو تجمَّدت قطرة صغيرة ، كمية من الدم لا تزيد عن رأس دبوس في بعض شرايين المخ لشلَّت قِواه ، أو لفقد بصره، أو فقد النُطق ، أو فقد الحركة .

حينما تؤمن بقدرة الله عزَّ وجل تقف عند حدوده ..

      فقضية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام ، تركت هَزَّةً في أوساط مكة ، ذلك لأن المكان لا يقدس بذاته ، بل يقدسه الله عزَّ وجل، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الله أمرنا أن نقبِّل الحجر الأسود ، لا لأنه عظيمٌ في ذاته ، بل لأن الله أمرنا أن نقبِّله فصار عظيماً ، وأمرنا أن نرجم حجراً آخر رمزاً لإبليس ، فالشيء لا يكون مقدساً في ذاته ، ولكن يقدس لأمر الله فيه ، نحن عندنا دائماً قواعد : في عندنا أمر مصلحي وأمر إيماني ، أحياناً تتحقَّق مصلحتك في هذا العمل فتفعله ، فأنت نفَّذت أمراً مَصلحياً ، أُمرت أن تشتري هذه العملة لأنها سوف ترتفع ـ مثلاًـ هذا أمر مصلحي .

       الأمر الإيماني لا علاقة له بمصلحتك إطلاقاً ، الله عزَّ وجل أمرك، وكل أمر إلهي علَّته أنه أمر إلهي ، أمر خالق الكون ، فكل ما تعرف عن الله عزَّ وجل من عظمةٍ ، وحكمةٍ ، وعدلٍ ، ورحمةٍ ، ورأفةٍ في هذا الأمر. فقريش كانت تقول : هذه الكعبة ليست بيت الله بل هي بيت آبائنا وأجدادنا . وكانت مزروعةً بالأصنام التي تُعبد من دون الله ، فربنا عزَّ وجل أراد أن يُهمل هذا البيت موقَّتاً ، وأن يصرف الناس عنه إلى بيت المقدس ، فلمَّا آن الأوان أن يعودوا إلى بيت الله الحرام ، جاء الأمر بتحويل القِبلة ، فهذا أمر إيماني ، أي يجب أن نطبِّقه بصرف النظر عن فهمنا له ..

    الحق ما يأمره الله عزَّ وجل . هذا أمر إلهي ، إلهي إذاً حق ، فمثلاً  أحب مريض أن يأكل أكلاً معيناً فقال له والده ، أو قريبه : الطبيب قال لك هكذا ؟ يقول : نعم . انتهى ، شيء بديهي ، أقال الطبيب لك هذا ؟ إذا كان الطبيب قال ، والطبيب موثوق ، وعلمه بدرجة عالية ، وهو الخبير بجسم الإنسان فالأمر انتهى ، هذا الشيء نفعله نحن مع بعضنا دون أن نشعر ، أسألت الخبير وقال هكذا ؟ نعم . أين أخذت الآلة ؟ للوكالة . أهكذا نصحوك أن تعمل ؟ نعم ـ انتهى الموضوع ـ فبتصليح الآلات ، بمعالجة الأجسام ، إذا كنت واثقاً من الخبير وأعطاك أمراً ، تنفذه طواعيةً وأنت مرتاح ، لأنه خبير ، قال تعالى :

وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)

( سورة فاطر )

أمر إيماني ، فما معنى قوله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا(70)

 ( سورة الأحزاب

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا

 ( سورة التحريم : من آية " 6 " ) 

 

     أي يا من آمنتم بي ، يا من آمنتم بعلمي ، يا من آمنتم بخبرتي ، يا من آمنتم بحكمتي ، يا من آمنتم برحمتي ، يا من آمنتم بعدلي ، يا من آمنتم بحبي لكم افعلوا كذا . هذا أمر إيماني ، أي كلَّ ما تعرف عن الله عزَّ وجل في هذا الأمر ، إذا الخبير قال انتهى الأمر، إذا الرحيم قال انتهى الأمر ، إذا العليم قال انتهى الأمر .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

     هذا الأمر الإيماني ، فتحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرَّمة أمر إيماني لحكمةٍ يراها الله عزَّ وجل ..

الله هو الحق ، وأمره حق ، كتابه حق ، ورسوله حق ، ووعده حق، ووعيده حق ، والجنة حق ، والنار حق . الحق الشيء المستقر الذي لا يتزعزع ، الشيء الهادف ، الشيء النبيل ..

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ

 ( سورة التغابن : من آية " 3 " ) 

     أي أن الحق لابس خلق السماوات والأرض ، فالحق الشيء الذي لا خذ يزول . حق الشيء استقر ، والأمور لا تستقر إلا على الصحيح . الآن طابة وضع بداخلها قطعة رصاص ودحرجها ، لا تستقر إلا وقطعة الرصاص في أسفلها ـ بحسب قانون الجاذبيَّة ـ قد تدور ، وقد تنطلق من مكان إلى مكان ، ولكنها حينما تستقر ، لا تستقر إلا وقطعة الرصاص نحو الأرض ..

     فهذه البلبلة ، وهذا الانتقاد ، وهذا الإرجاف في المدينة ، هذا كله بعلم الله عزَّ وجل . الكافر دائماً عدوٌ للحق ، يخلق الفِتن ، ويثير الضلالات ، ويثير الشهوات ، والشُبهات ، ويعترض ، وينتقد ، ويطعن، ويتساءل ، ويحرج ..

 توجُّه المسلمين في العالم كلِّه إلى القبلة هذا الشيء له معنى كبير ، وهو أن المسلمين لهم إلهٌ واحد ، وبيتٌ واحد يعبدون الله فيه ، ونبيٌ واحد ، وكتابٌ واحد ، وهم على قلبٍ واحد ، هذا هو الأصل أو هذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في العالم كله أما حينما يختلفون ، ويضعُفون ، وحينما يتنازعون ، فيفشلون ، هذا وضعٌ غير طبيعي .

أي إنكم حينما تنساقون لأمر الله ، وتذكرون أن الله يأمر وينهى ، وما المؤمن إلا خاضع لهذا الأمر ، ومحكوم به ، أسقطتم حُجة المعترضين بهذا .

أي أن هذا الذي يقحم نفسه في أن يكون في خندقٍ معادٍ للحق ، هذا ظالم كبير ، فأكبر ظلم أن تناوئ أهل الحق ، أو أن تعترض على حكم الله، أو أن تشكك الناس بكمال الله ، أو أن تشكك الناس بأحقِّية الدين ، أو أن تطعن برسول الله عليه الصلاة والسلام .

      سمعت أن هناك الآن أسئلة في الإنترنت : ما دام النبي كاملاً لمَ يقول الله له : فاستغفر لذنبك . إذاً هو مذنب ، استنباطات شيطانية ، مع أن الذنب الذي قال عنه العلماء في هذه الآية: أنه كلما أقبل على الله انكشفت له حقيقةٌ إلهيةٌ لم تكن معروفةٌ عنده ، فيستحي من رؤيته السابقة، وهذا هو ذنبه ، هو في رقيٍ مستمر ، فكلما كشف له حقيقةٌ عن الله عز وجل استحيا برؤيته السابقة ، هذا معنى ذنب رسول الله عليه الصلاة والسلام .

      فأشقى الناس هو الذي يضع نفسه مناوئاً للحق ، معادياً لأهل الحق، طاعناً في دين الله ، مفنِّداً لبعض مـا في كتاب الله ، هذا إنسان شيطان .

حينما نصبوا أنفسهم أعداء للحق ، هؤلاء ظلموا أنفسهم . جندي بسيط ، أو نفر بسيط يهاجم أقوى دولة ، وهي تنهيه بثانية ، تنهي وجوده كله ، عندما يطمح الإنسان أن يناوئ دولة قوية، وهو لا يملك أيّ سلاح، معناها أنه ينتحر ، فهذا إنسان ظالم ، ظلم نفسه أشد الظلم ، هذا فيما يتعلق بالبشر ، فكيف يكون الإنسان عدواً لله ، عدو خالق السماوات والأرض ، عدو أنبياء الله، عدو كتب الله ؟ فهذا ظالم فقال :

مهما بدوا لكم أقوياء هم ضعفاء ، هم : كن فيكون زل فيزول .

إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(29)

( سورة يس )

       إذا أراد أحدنا قتل حشرة صغيرة ، فهل يحتاج إلى استنفار ؟ كلها ضربة واحدة ، حشرة صغيرة ، لو أردت أن تقتلها ، فلا تحتاج منك إلا ضربة واحدة ، بالضبط هذا المعنى .

إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(29)

( سورة يس )

      تصور لعبة السيارات الكهربائية ، كل واحد يركب سيارة ويسوقها بقوة ، ويضرب رفيقه، وأنت معك قاطع الكهرباء ، لو أنزلته فقطعت الكهرباء ، ولجمد كل السائقين بمكانه ، حركة صغيرة أوقفت كل حركة، هكذا الأمر بيد الله عز وجل .

      في بعض معامل الحديد ، رافعات مغناطيسية كهربائية ، فمثلاً قطعة مسطحة فرضاً خمسة بخمسة ، محاطة بوشيعة كهربائية ، فحينما يسري تيار الكهرباء في الأسلاك ، يتشكل مغناطيس كهربائي يحمل مئة طن ، فينقل الحديد من مكان إلى مكان ، أما هذه المائة طن لو ضغط عامل الرافعة على الزر أقل من ربع مليمتر وقطع الكهرباء ، كله يقع .

      فتصور هذا المثل ، قول الله عز وجل كن فيكون زل فيزول ، فهذا الذي يعادي الله عز وجل ، يعادي الدين ، يقف له موقف المشكِّك ، يطعن بأهل الحق ، يصور الدين شيئاً قديماً متخلِّفاً ، يحاول أن يغري الناس بالدنيا ، أن يزهدهم بالآخرة ، هذا يتصدى للحق ، قال :

مهما بدوا أقوياء هم ضعفاء ، هم بكلمة ينتهون .

قال العلماء : تمام النعمة الهدى ؛ فالصحة نعمة ، والكفاية نعمة ، والزوجة نعمة ، والبيت نعمة ، والسمعة الطيبة نعمة ، ولكن هذه النعم كلها زائلة بالموت ، تمامها أن تهتدي إلى الله ، لأنك إن اهتديت إليه سعدت في الدنيا والآخرة .

إلى الجنة ، إن أتممت نعمتي عليكم وصلتم إلى الجنة ، ثم يقول الله عز وجل :

      منكم ، أولاً من بني البشر ، ثانياً من قبيلتكم ، تعرفون صِغَرَهُ ، يوم كان طفلاً صغيراً ، ثم شبابه ، ثم كهولته ، كيف كان أميناً ، وصادقاً، وكيف كان عفيفاً ، كل هذه المكارم الأخلاقية التي كان بها ، دليل أنه كان صادق مع الله .

       أولاً من بني البشر ، ثانياً من أمتكم ، عربي ، من بلدتكم ، تعرفون نسبه وحسبه .

الدالة على الله عز وجل :

يطهركم من الشرك ، من الشك ، من الشهوة ، من الكذب ، من الفجور ، من إساءة الجوار ، من انتهاك الأعراض ، من الحقد ، من الشُح ، يزكيكم ، أساس الدين التزكية .

الكتاب هو القرآن ، والحكمة هي الحديث ، صار هناك في الدعوة آيات كونية ، أو تكوينية ، هذه دالة على الله عز وجل ، وهناك اتصال بالله وتزكية ، وهناك منهج تفصيلي ؛ كتاب وسنة، هذا من أدق الآيات.

فأنتم ماذا ينبغي أن تفعلوا بعد هذا الفضل العظيم ؟ قال :

     أي كما جاء النبي وهداكم إلى الله ، ينبغي أن تشكروا الله عز وجل، وأن تدلوا الناس على الله .

لذلك :

" إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه " .

( من أحاديث الإحياء : عن " أبي هريرة " )