English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :51/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  تتمة الآية " 155 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : الأستاذ ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الواحد والخمسين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والخمسين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

       أول نقطة : مطلق الألم ، أيُّ شيءٍ يؤلمك ؛ نقصٌ في المال ، نقصٌ في الصحة ، ذريةٌ ليست كما ترضى ، زوجةٌ ليست كما ترضى ، دخلٌ قليل ، وضعٌ مهين ، أي شيءٍ يؤلمك ، أي شيءٍ يتعبك ، أي شيءٍ تتحسَّر من أجله ؟ لمَ هذه الآلام ؟ لمَ لا تكون الحياة كلها أموالاً ، وكلها جمالاً ، وكلها راحة ، وكلها أمناً ؟ لمَ الخوف ؟ لمَ الفقر ؟ لمَ المرض ؟ لمَ الموت ؟ لمَ الهم ؟ لمَ الحزن ؟ سؤال كبير في العقيدة سأوضحه قليلاً :

       السيارة لمَ صُنِعَتْ ؟ من أجل أن تسير ، أليس فيها مكابح ؟ مكابحها تتناقض مع سبب صنعها  ، صُنعت لتسير وفيها مكابح تمنع سيرها ، هل المكابح شرٌ أم خير ؟ هي خير ، المكابح من أجل سلامتها، وسلامة أصحابها ، واستمرار عملها .

       فإذا فهمنا أنّ الألم ، مطلق الألم ، أي شيءٍ يؤلمك ، أية مصيبةٍ تزعجك ، أي همٍ يسيطر على قلبك ، أي خوفٍ ، أي فقرٍ ، أي فقد حريةٍ ، أي بيتٍ مُتْعِب ، أية زوجةٍ متعبة ؟ أي ولدٍ متعب ، أي خوفٍ ممن هو أعلى منك ، مُجمل الآلام التي يعاني منها الإنسان هي بمثابة مكابح في مركبة ، لولا هذه المكابح ما سَلمت لا هي ولا صاحبها ، هذا معنى قوله تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَةً

( سورة لقمان : من آية " 20 " )

      ومكابح السيارة ، من أجل سلامتها . مثل آخر :

      طفلٌ صغير ، كل سعادته مع أمه ، كل شبعه مع أمه ، كل ريِّه مع أمه ، كل أمنه مع أمه ، كل نظافته مع أمه ، كل ثيابه النظيفة مع أمه ، كل شعوره بالسعادة إذا كان مع أمه ، فإذا ترك يد أمه وشرد عنها، لابدَّ من كلبٍ ينبح عليه حتى يعيده إلى أمه ، هذه حالة ثانية ، هذه فلسفة المصائب .

      فقضية المصيبة جزء أساسي من العقيدة ، إن لم تفهمها كما أرادها الله ، أسأت الظن بالله عزَّ وجل ، وسوء الظن بالله من الكبائر ، وقد تحدثت في الخطبة اليوم أن الكبائر نوعان ؛ كبائر ظاهرة ، وكبائر باطنة ، الكبائر الظاهرة مثلاً كشرب الخمر ، السرقة ، التولي من الزحف ، الغيبة ، النميمة ، هذه كبائر ظاهرة ، لكن كونها ظاهرة يمكن أن تتخلَّص منها ، فهي واضحة . أما الكبائر الباطنة كسوء الظن بالله ، الأمن من مكر الله ، اليأس من روح الله ، هذه كبائر باطنة ، خطيرة جداً ، فسوء الظن بالله سببه أن لا تفهم المصيبة على ما أرادها الله ..

وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ

( سورة السجدة : من آية " 21 " )

     العذاب الأكبر في جهنم ، والعذاب الأدنى في الدنيا ، السجن عذاب أدنى ، الضرب عذاب أدنى ، الذل عذاب أدنى .

     صحابي سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو له أن يذهب عنه النوم، قال : " إني نؤوم " ، فسيدنا عمر قال : " ويحك يا رجل فضحت نفسك ". قال له : " دعه يا عمر فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة " .

     فالعذاب الأكبر في جهنم ، والعذاب الأدنى في الدنيا ، العذاب الأدنى ، ملطَّف ، مخفَّف ، قال الله عزَّ وجل : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ

( سورة الأنعام : من آية " 17 " )

       ماذا تفعل حينما تريد أن تمتحن حرارة المكواة ؟ تضع لعاباً على أصبعك ، وتضع أصبعك على المكواة لأقل وقت ، أقل من ثانية وبأقل مساحة ، أقل مساحة ، وأقل وقت ، ومع لعاب ، هذا المَس ..وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ

      تأتي آلام ، يقول لك : (كريزة) ، الآلام ليست مستمرة ولكنها متقطِّعة ، فالعذاب الأدنى هو في الدنيا ، أما العذاب الأكبر فهو في الآخرة .. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)

( سورة السجدة )

      العذاب الأدنى من أجل أن يرجعوا ، من أجل أن يسعدوا ، من أجل أن يَسْلَموا ، من أجل أن يدخلوا جنةً عرضها السماوات والأرض..

" وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شدَّدت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه " .

       مثل ثالث :

       طفل في الصف الرابع ، قال لأبيه مرةً واحدة : لا أحب المدرسة ، قال : دعها يا بني ، لأول كلمة ترك المدرسة ، نام إلى الظهر ، وارتاح ، لا وظائف ، ولا دوام ، ولا أي شيء ، لعب مع رفاقه ، كل يوم من محل إلى محل ، من مسبح إلى مسبح ، من سينما إلى سينما ، كبر ، فوجد نفسه متخلف عن أصدقائه ؛ لا عمل ، ولا حرفة ، ولا مهنة ، ولا زواج ، ولا بيت ، شريد في الطرقات ، فقير ، جائع ، قليل الشأن . نقم على والده وقال له : يا أبت لمَ وافقتني حينما طلبت منك أن أدع الدراسة  ؟ لمَ لمْ تضربني ؟ لمَ لم تشدِّد علي ؟ لمَ لم تزجرني ؟

       لو ترك الله عزَّ وجل الناس على هواهم بلا مصائب !! يقول لك : لا توجد مياه ، صحيح ، المكاسب قليلة ، والمطالب كثيرة ، صحيح ، هناك في حياة المؤمن أحياناً مليون مشكلة ، لو لم تحدث ولا مشكلة ، واسترسل في الدنيا ، ونسي الله ، وغفل عنه ، إلى أن قادته غفلته إلى جهنم ، هذا أفضل أم أن يسوق الله للإنسان بعض المصائب ؟

     فأنا أضرب بعض الأمثلة ، وعندي قصص كثيرة جداً وكلها واقعيَّة ، من هذه القصص ، رجل له وظيفة ، وآتاه الله عزَّ وجل شكلاً جميلاً ، وله زوجة تروق له ، ودخل كافٍ ، وهو في ريعان الشباب ، ولكنه بعيد عن الدين بُعد الأرض عن السماء ، له فتاةٌ ـ بنتٌ ـ يكاد عقله يذهبا من شدة تعلُّقه بها ، كان بعيداً عن الدين بعداً غير معقول ، كان يسخر أحياناً من أحاديث رسول الله ـ أصيبت ابنته بمرضٍ خبيث في دمها ، ما ترك طبيباً إلا وقابله ، وعرض عليه ابنته ، قال لي : فحصها ستة وثلاثون طبيباً ، ثم باع بيته ، وسافر بها إلى بريطانيا ، لا يوجد أمل ، بذل من أجلها كل ما يملك ـ ورم خبيث في الدم ـ ثم قال لي : خطر في بالي خاطر لعلَّه ملائكي ، لو أنك تبت إلى الله أنت وزوجتك ، وحجَّبت زوجتك وصليتما معاً ، لعل الله يشفيها ـ خاطر ملائكي ـ قال لي : استجبت لهذا الخاطر ، وتبت إلى الله ، واصطلحت معه ، وحجَّبت زوجتي ، وسرت في طريقٍ آخر ـ طريق الرحمن ـ تراجع هذا المرض شيئاً فشيئاً .

      بعد حين زارني في المكتب وقال لي : أدعوك لعقد قِران ابنتي ، لم أنتبه أية ابنة له ، لبَّيت هذه الدعوة وألقيت كلمة ، وأنا أخرج من مكان الحفل سألته : هي هي ؟ قال لي : هي هي ، شفاها الله وزوَّجها ، ماذا فعل هذا المرض ؟ ضيف جاء ، حمل الأب والأم على الطاعة ، والتوبة ، والصلح مع الله ثم غادر ..

أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلا يَسْتَثْنُونَ(18)فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20)

( سورة القلم )

      عنده بساتين ، يقول لك : أنا لا أضمّنها بثلاثة ملايين . ثمار يانعة، وحان قِطافها ، أسعارها غالية جداً ، لكن .. أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلا يَسْتَثْنُونَ(18) لا يعطون أحداً من الفقراء شيئاً ، لو تركهم ربنا على ما هم عليه لاستحقوا النار .. فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19) صقيع ، أحياناً يكون الصقيع لمدة دقيقة ، أعرف صقيعاً استمر أقل من دقيقة ، نصف دقيقة فقط ، أتلف كل المحاصيل.. فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ(21)أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ(22) فلما رأوها صعقوا .. قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ(26) هذا ليس بستاننا ، فلما تأكدوا أنه بستانهم قالوا : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(27)قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ(28)قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(29)

       الآن دقِّق ، دقِّق في هاتين الكلمتين : كَذَلِكَ الْعَذَابُ

( سورة القلم : من آية " 33 " )

      أي أن أي عذابٍ أسوقه لعبادي من أي نوعٍ ؛ عذاب مادي ، عذاب معنوي ، فقر ، قهر ، مرض ، حرب أهليَّة ، اجتياح ، أي عذابٍ أسوقه لعبادي ؛ من أي نوع ، من أي جنس ، في أي مكان ، في أي زمان كهذا العذاب ، قال : كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمـــُونَ(33).

      أيها الإخوة ... المصيبة رحمةٌ من الله ، لكنها رحمةٌ مبطَّنة ، أما النعم الظاهرة فهي الصحة ، والمال ، والجمال ، والزوجة ، والأولاد ، والمسكن الواسع ، والمركب الوطيء ، والرزق في بلدك ، هكذا قال النبي :" من سعادة المرء في الدنيا أن تكون زوجته صالحةً ، وأولاده أبراراً ، ومسكنه واسعاً ، ومركبه وطيئاً ، ورزقه في بلده " .

      هذه هي النعم الظاهرة ، أما النعم الباطنة ؛ مرض قد يقودك إلى باب الله ، فقر قد يقودك إلى باب الله ، حجز حرية قد تقودك إلى باب الله ، مرض ابن قد يقودك إلى باب الله ، هكذا ، يجب أن نفهم حكمة المصائب .

      مثل خامس :

      أنت مدير مؤسسة ، وأردت أن تضع ابنك في المؤسَّسة ، لو عيَّنت إنساناً غريباً تقول له : عندك انتداب لمدة ستة أشهر ، فإما أن أقول لك : استمر ، أو ليس لنا مصلحة أن تكون بيننا . فهذا الغريب كلما أخطأ سجل الخطأ خطأ ، كلَّما أخطأ سجَّل ، إلى أن تراكمت هذه الأخطاء فصرفه ، لا يناسبنا ، لو أن لهذا المدير ابنًا ، وكان معه في العمل ، كلَّما أخطأ خطأ يسجله عليه أم يحاسبه عليه ؟  يحاسبه ، هذا غلط افعل كذا ، يسبب وجود رحمة ، رحمة الأب تقتضي ألا يدع ابنه بلا توجيه ، كلما أخطأ يوجِّهه إلى الصواب .

      الله عزَّ وجل نصب الكون ليدل عليه ، وأرسل النبي ليبلغنا الرسالة ، وأنزل كتاباً منهجاً لنا ، وانتهى الأمر ، فافعل ما تشاء ، لو أن الناس شردوا عن الله واستحقوا النار ، أهذا أفضل ، أم أن يعاقبهم الله عزَّ وجل كلَّما أخطؤوا ؟ كلَّما أخطؤوا ساق لهم بعض المصائب كي يتوبوا ، أيهما أفضل ؟ .

      أيها الإخوة ... هناك معانٍ كثيرة في المصائب ، على كلٍ الله عزَّ وجل رب ، والرب هو الذي يحيط المربَّى بالعناية والتربية ، فالله عزَّ وجل كما أنه يربي أجسامنا ؛ يسوق لنا الأمطار ، يسوق لنا الخيرات ، يُنبت الزرع ، يمدَّنا بالهواء ، بالماء ، بالطعام ، بالشراب ، هذه تربية أجسام ، وهو أيضاً يربي نفوسنا .

       أحد إخواننا يملك معملاً بسيطاً متواضعاً ، زاره شخص من المسجد قال له : أريد أربع قطع ألبسة داخلية ، وهو يبيع بالجملة ، قال لي : أنا أبيع أربعمئة قطعة ، فهل أبيع أربع قطع ؟! فقال له : أنا لا أبيع مفرَّقًا ، قال له : لا تؤاخذني ، أقسم لي أنه في خلال ثلاثة وثلاثين يوماً ما دخل محله مشتر ، أدَّبه الله ، الآن يبيع قطعة واحدة ، هذا تأديب نفسي ، عن طريق تأمين الطعام والشراب ، أو تقليل الطعام والشراب ، الآن الناس تشكون قلة المطر ، تشكوا شح المياه ، الآبار نشفت ، قال لي أخ : حفرت بئراً منذ عشر سنوات على طريق المطار ، ستة أمتار وجدت الماء ، قال لي : حفرت ستين متراً احتياطاً ، وأنزلت المضخة خمسين مترًا ، قال لي : بعد حين جفت كلياً ، حفرت مئة وثلاثين متراً ، حفر من ستة أمتار إلى مئة وثلاثين متراً ، أي أن منسوب المياه الجوفية غار ، وإذا ما أنزل الله عزَّ وجل أمطاراً فإن هذه البلاد ستجف ، الله عزَّ وجل حرَّك الأمطار ، وحرَّك الأرزاق كي يؤدبنا ، وإذا قنَّن فهو تقنين تأديب لا تقنين عجز ، تقنين تربية لا تقنين بُخل.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ

( سورة الحجر : من آية " 21 " )

      قرأت مقالة علميَّة : اكتشف علماء في أوروبا من خلال مراصد عملاقة تعمل بالأشعَّة تحت الحمراء ، اكتشفوا سُحُب في الفضاء الخارجي ، إحدى هذه السحب ـ دقِّقوا ـ تملأ محيطات الأرض كلَّها ستين مرَّة  بالمياه العذبة ، يقول لك : حرب مياه ، أزمة مياه في العالَم ، هو تقنين تأديب لا تقنين عجز ، سحابةٌ واحدة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرَّة في اليوم الواحد ..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ

       لذلك قال العلماء : لا يجوز أن تقول : الله ضار ، مع أن الضار من أسمائه الحسنى ، فماذا أقول ؟ تقول : ضارٌ نافع ، إنه يضر لينفع ، لا يجوز أن تقول : الله قابض ، مع أنه قابض ، والقابض من أسماء الله الحسنى ، يجب أن تقول : قابضٌ وباسط ، يقبض ليبسط ، لا ينبغي أن تقول : الله خافض ، مع أن خافض من أسماء الله الحسنى ، يجب أن تقول : خافضٌ رافع . يخفض ليرفع ، يضر لينفع ، يذل ليعز ، يضعك في موقف صعب فتبكي من شدة القهر ، حينما تبكي ترجع إلى الله وتصطلح معه ، فيعزَّك ، أذلَّك ليعزَّك ، منعك ليعطيك ، خفضك ليرفعك، ضرَّك لينفعك ، هكذا فعل الله عزَّ وجل .

      شيءٌ آخر : هناك الآن فساد في البر والبحر وفي الجو أيضاً يوجد فساد ، تدار الخمور في الطائرات ، وتُعرض أفلامٌ لا ترضي الله في الطائرات ، فظهر الفساد في البر والبحر ، فساد في البواخر ، فساد في البر ، اصعد على جبل قاسيون ، وانظر ما على السطوح ، تعلم حجم الفساد في بلدنا .. ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

( سورة الروم : من آية " 41 " )

      هناك من يقول : لكي يشاهد الصلاة بمكَّة فقط . الله أعلم ، لكن قد يظهر الفساد في البر والبحر ، ولا يحدث شيء ، ممكن ..ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ

     ليس في الكون فساد إلا من قِبَل الإنس والجِن ، ما هو الفساد ؟ الفساد كائن مخيَّر فيه شهوات ، هناك منهج ، تحرَّك بدافعٍ من شهواته بلا منهج لأنه حر ، هذه كل القصة ، السكر مثلاً مادة مهمة جداً ، والملح مادة مهمة جداً ، والمساحيق البيضاء ـ المنظِّفات ـ مهمَّة جداً ، اطبخ طبخةً غالية جداً وضع لها مسحوق غسيل ، هل تؤكل ؟ انتهت ، علماً أن المواد كلها مفيدة ، هذا سوء استخدام ، ضع السكر مع الطبخ لا تأكله ، ضع الملح في الحلويات لا تأكلها ، ضع كيلو سكر في محرَّك يكلِّف إصلاحه  ثلاثين ألفاً ، ما هو الشر ؟ الشر سوء استخدام ، ما هو المنهج ؟ ضع السكر في الشاي، والملح في الطبخ ، ومسحوق الغسيل لتنظيف الصحون ، هذا التوجيه ، كل شيء له استعمال ، فالإنسان إذا كان أعمى يضع شيئاً مكان شيء ، يضع السكر في الطبخ ، والملح في الحلويات ، فيفسد الطعام والحلويات معاً ..ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ

      هذه الباء باء السبب ، أي بسبب الناس ظهر الفساد ، ما هو الفساد ؟ أن تخرج الشيء عن طبيعته ؛ هذا الماء لا لون له ، ولا طعم له، ولا رائحة ـ هذا الماء ـ إفساده أن يكون ملوثاً ، أو أن يكون كريه الرائحة ، أو أن يكون عكراً ، هذا هو الفساد ، إخراج الشيء عن طبيعته .. ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا .. كان من الممكن أن يذيقهم ومن الممكن أن لا يذيقهم .. لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)

( سورة الروم )

     السبب أن يرجعوا إلى الله عزَّ وجل ، إذاً الإنسان أودعت فيه الشهوات ، أعطي حرية الاختيار ، أعطي منهجاً ، فتحرَّك وفق شهوته بلا منهج ، قال تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ

( سورة القصص : من آية " 50 " )

      فالفساد هو اتباع الهوى بغير هدىً من الله .. ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)

( سورة الروم )

       كل المصائب ، مُطلق المصائب ، مطلق الألم ، كل شيء سلبي في الحياة ..لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)

     أحدهم أحبَّ أن يداعبني فقال لي : ما ملخَّص دعوتك في هذا المسجد ـ عمرها ثلاثون سنةـ ؟ قلت له كلمتين سأذكرها باللغة الدارجة : إما أن تأتي لله عز وجل ركضاً ، أو أن يأتي بك ركضاً ، هو يعرف كيف يأتي بك ، فانتبه ، يمكن أن يقبل الإنسان على الله باختياره ، فإن لم يفعل فهناك مصائب تسوقه إلى باب الله عزَّ وجل .

       موسم طيِّب ، أرباح طائلة ، أخذ خمسمئة ألف ، وسافر إلى بلد غربي لكي يتمتع ـ هكذا قال لي من فمه ـ ذهب ، شعر بآلام في ظهره ، زار الطبيب فقال له : سرطان بالنخاع الشوكي ، أصيب بانهيار ، ورجع ، لم يكمل ، كان لديه خطة طويلة ، رجع ، وصار يتردد من جامع إلى جامع حتى تاب ، تاب بسبب خطأ ، ثم ظهر أن التشخيص خطأ . يمكن أن يبعث الله عزَّ وجل مصيبة وهميَّة أو حقيقيَّة ، كل شيء بيده .

       فهذا الدرس عن حكمة المصيبة ، يجب ألا تنزعج من المصيبة ، المصيبة باب إلى الله ، سوق الله عزَّ وجل إليك ، هناك آية واضحة جداً :إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ

( سورة التوبة : من آية " 39 " )

     أي إذا أخذت موقفاً غير جيد ، ولم تكن مع رسول الله ، الله عزَّ وجل يحبك ، فسوف يسوق الله لك من الشدائد ما يردعك عن هذا الموقف لأن الله يحبك ..

إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ

      أول الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

( سورة التوبة )

      وإذا أصررتم ..وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ

     هذه سنة الله في خلقه ، إذا ارتكب الإنسان موقفاً غلطاً ، ساق الله الشدائد ، وهو ما أن يرتدع؛ وإما أن يتمادى في غيِّه ، عندئذٍ .. وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا .

     شيء آخر عن المصيبة والله أعلم ، هناك مصائب الكفار ، ومصائب المؤمنين ، ومصائب الأنبياء ، مصائب المعصومين كشف ، يوجد من نفسه كمال لا يبدو إلا بحالات نادرة جداً ، فإذا شخص مثلاً ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ قال لزوجته : أحبك حباً لا حدود له ، فمرضت ، ثم تغيرت أخلاقه ، تبرَّم ، تكلَّم كلاماً قاسٍ ، غاب عن البيت ، معنى هذا أنه لا يحبها ، هو كان يحب نفسه ، فلما كانت في خدمته عبَّر لها عن محبته ، فلما أصبحت عبئاً عليه تبرَّم منها .

      لو أنها مرضت مرضاً شديداً ، وقام بخدمتها أياماً طويلة دون أن يتكلَّم كلمةً قاسية ، هذا المرض الذي أصاب زوجته كشف عن كماله ، معنى هذا أن كان صادق في كلامه .

     سيارة قوة محركها سبعون حصاناً ، لا تظهر لك حقيقتها في طريق سوي ، لابدَّ من طريق صاعد وهي محمَّلة بالركاب والمتاع ، وتنطلق بسرعة مئة وثمانين ـ لأن قوة محركها سبعون حصاناً ـ فالأنبياء مصائبهم مصائب كشف  ، هذا سيد الخلق وحبيب الحق يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه ـ ثمانين كيلو متراً ـ إلى أن وصل إليهم ، دعاهم إلى الله بالحسنى ، فكذَّبوه ، وسخروا منه ، وأغروا صبيانهم أن يؤذوه ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا أن قال : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الكريم ، الذي أضاءت له السماوات ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك ، ولك العتبى حتى ترضى " .

( من كنز العمال : عن " عبد الله بن جعفر " )

      مصائب كشف ، عندك إمكانيات عالية جداً لا تظهر إلا بظرف استثنائي ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : " أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " .

( من الجامع الصغير : عن " سعد " )

     أما مصائب المؤمنين ، هي مصائب دفع ، كانت سرعته بطيئة ، لاح له شبح مصيبة فركض ، فهي تسريع ، ودفع له ، وإذا كان مسرعاً رفعته ، فمثلاً : سيارة تسير على الخمسين ، وبإمكانها أن تسير على المئة ، وبذلك توفر الوقت ، ويمكن استثمارها لطلب ثان ، فأول نوع من المصائب رفع سرعة ، هي الآن تحمل طناً واحداً ، وبإمكانها حمل خمسة أطنان ، وأجرة حمل كل طن أجرة كبيرة جداً ، فحملناها بدلاً من الطن خمسة أطنان ، هذه مصائب رفع ، دفع ورفع ، تسريع ورفع الأجرة ، وصلت بوقت مبكر وكسبت أجر أكبر ، مصائب دفعٍ ورفعٍ .

      مصائب الأنبياء مصائب كشفٍ ، مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع .

     ومصائب العصاة والمذنبين قصم وردع ، إذا كان فيه بقية خير يردع بها ، إذا لم يكن فيه خير يقصم .. وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)

( سورة هود )

     وأرجو أن يكون واضحاً لديكم ، أن حياة المؤمن لا تخلو من تأديبٍ وابتلاءٍ وتكريم ، هناك مرحلة تؤدَّب فيها إذا حدث تقصير ، وفي مرحلة تمتحن الاستقامة التامة ، وفي مرحلة تكرَّم ، ويغلب على الظن أن حياة المؤمن تستقر على التكريم ، يعتورها تأديب ، ويعتورها ابتلاء ، ولكنها تستقر على التكريم ..

      ذكرت في الدرس الماضي أن الابتلاء هو الامتحان ، والامتحان حيادي ؛ لا خير ولا شر ، الشر الرسوب في الامتحان ، والخير النجاح في الامتحان ، وبيَّنت لكم أنه لو أن إنساناً حقَّق شهادة عُليا وأغدقت عليه أموالاً طائلة ، فساعات الامتحان الصعبة ذكريات طيبة أم سيئة ؟ طيبة ، بعد الدخل الكبير بسبب الشهادة ، والشهادة بسبب الامتحان ، والامتحان كان صعباً ، لكنه نجح به ، فلما نجح انقلب هذا الامتحان الصعب إلى خبرة مسعدة لأنه نجح ، فلو رسب انقلب إلى خبرةٍ مؤلمة ، فالابتلاء لا هو خير ولا هو شر ، هو حيادي ، النجاح بالابتلاء خير ، والرسوب شر ..

سمَّاها الله عزَّ وجل مصيبة . إذا كانت كلية الإنسان متوقفة عن العمل ، والطبيب فتح البطن ، واستأصل الكلية الواقفة ، يكون قد أصاب ، أما إذا استأصل التي تعمل وترك الواقفة ، يكون قد أخطأ الهدف ، فالله عزَّ وجل سمَّى هذه الشدة التي يسوقها لنا مصيبةً ، لأنها تصيب الهدف .

      المتكبر يحتاج إلى عذاب مهين ، والمسرف يحتاج إلى نقص مال ، هذا يحتاج إلى مرض ، هذا يحتاج إلى ولد عاق ، هذا يحتاج إلى زوجة لا ترحم ، هذا يحتاج إلى إنسان أعلى منه يسومه سوء العذاب ، كل إنسان له مفتاح ، هناك إنسان يُقبل على الله بالفقر ، وإنسان يقبل بالإهانة ، فكل واحد له مفتاح وأينما ذهبت في العالَم ، قد يتوهم إنسان أن المشاكل إذا كان في دولة من العالم الثالث فقط  . لا ، فمن الممكن أن تكون بأرقى دولة من حيث الحياة العامة ، ومع ذلك فإن الله عنده أدوية من نوع ثان ، حوادث سير ، ينقطع عموده الفقري فيصير مشلولاً ، له عند الدولة كرامة عالية جداً ، وله حقوق ، ولكن ماذا فعل فيه الحادث  ؟ يعطونه تأميناً ولكنه عطب ، يوجد عند الله صيدلية في أي مكان في العالم ، بكل مكان لدى الله أدوية فعَّالة ، أينما ذهبت .

     قال لي شخص : كنت أركب مع صديق ببلد غربي ، نزلت السيارة في حفرة منخفضة تحوي سنتيمترين فقط من الماء ، أصاب رذاذُ هذا الماء إنساناً ، فنظر نظرة  باشمئزاز ، قدَّم السائق شكوى للبلدية ، فحواها أن هناك حفرة عمقها سنتيمترين ، فيها ماء ، والماء أصاب ماراً ، فهذا الراكب قال لصديقه : ماذا تستفيد من هذه الشكوى ؟ فقال : غداً ترى ، جاء اعتذار من البلدية ، وصيانة للسيارة كاملة على حساب البلديَّة ، ورمَّموا الحفرة.

     فإذا كنت في بلد تحترم فيها حقوق الإنسان إلى هذه الدرجة ، والإنسان استحق التأديب ، يوجد عند الله دواء هناك ، أدوية مخيفة ، مثل هذه الأمراض الوبيلة التي ليس لها حل ، الذين يموتون في العالم بأمراض الأورام الخبيثة وأمراض القلب عدد فلكي ، فالإنسان مهما كان في مَنَعَة لابدَّ من أن يغادر الدنيا ، الله عنده أدوية ؛ أدوية بالصحَّة ، أدوية بالمال ، أدوية بالزوجة ، أدوية بالأولاد ، أحياناً مرض عضال بطفل يجعلك تنفق كل ما تملك من أجله ولا تستفيد .

      إذاً المصائب في أي مكان ..

انظر كلمة (شيء) فيها لطف إلهي  ، هناك مع المصيبة لطف ..

أي نقص الأموال ..

       الإنسان ممكن يفقد ابنه ، ولكنه إذا كان مؤمناً بالله فهو يعلم علم اليقين أن له أجلاً لا يزيد ولا ينقص ، يرى أن هذا قضاء وقدر ، وهو راضٍ عن الله عزَّ وجل ..

       أحياناً تأتي جوائح على الثمرات ، ذبابة بيضاء ، يذهب المحصول كله ذلك لحكمةٍ يريدها الله عزَّ وجل ..

       إذا قنط الناس من رحمة الله تأتي أمطار غزيرة جداً ، تغلب على الناس تفسيرات سوداوية أن خطوط المطر انتقلت ، ونحن منطقة جافة ، ولن تعود الأيام إلى ما كانت عليه ، والجفاف مستمر ، ومتنامٍ . فالناس بعد أن يئسوا تأتي أمطارٌ لا يعلمها إلا الله .

     والله ذكر لي مرَّة أحد أصدقائي ، وهو عضو بلجنة حوض دمشق ، معلومات عن انخفاض المياه في حوض دمشق ، شيء مخيف ، والله لم أستطع أن أقف من شدة المعلومات المزعجة ، أي أن الشام انتهت ، لابدَّ أن نغادرها جميعاً ، فلا يوجد أمل ، في العام الثاني ـ أذكر هذا ، ولا أنساه والله ـ نسبة الأمطار كانت ثلاثمئة وخمسين ميليمتراً في دمشق ، زيادة عن المعدل السنوي تقريباً بمئة وأربعين ميليمتراً ، مياه عين منين وصلت إلى الشام ، مياه عين الصاحب تفجَّرت ، وثلاثون نبعاً في الغوطة تفجَّرت بعد أن غابت عنا ثلاثين سنة ، الله عزَّ وجل قادر بكل لحظة أن يرسل أمطار غزيرة .

      مرَّة قرأت خبراً عن أن بإمارة رأس الخيمة ، هطلت أمطار في ليلة واحدة تساوي أمطار دمشق في العام كله ـ في ليلة واحدة ـ الله إذا أعطى أدهش ، لا توجد قاعدة ، القاعدة أن الله عزَّ وجل حرَّك الأمطار وحرَّك الأرزاق تأديباً للعباد ..وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ

( سورة الجن )

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ

( سورة الأعراف : من آية " 96 " )

       يوجد في منطقة من مناطق دمشق تقريباً ثلاثين مزرعة ، كل مزرعة فيها بئر ، هناك رجل صالح عنده مزرعة وفيها ماء ، كلما دخل أصحاب الأغنام ـ الرعاة ـ إلى مزرعة ليسقوا الغنم طُرِدوا منها ، هذا الرجل الصالح بنى للغنم مشرباً ليشربوا منه براحة تامة ، بنى مشرباً طويلاً ، صار الرعاة يدخلون مع أغنامهم ويشربون ، يقسم لي بالله العظيم : أن ثلاثاً وثلاثين مزرعةً حوله جفَّت آبارها إلا بئره ، ما نضب أبداً . أي أن الله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش ، وهذا كله بمقياس..

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ

( سورة الأعراف : من آية " 96 " )

      ف ..

       إن الصابر إنسان يعرف الله ، الصابر إنسان يشبه مريضاً عند طبيب أسنان ، قال له : والله لا أتمكن أن أعطيك مخدراً ، لأن قلبك لا يتحمل، يجب أن تتحمَّل الألم  ، فطبيب محترم ، وشهادته عالية ، وهو خبير ونصح المريض ، فلما أراد أن يقلع السن ، تمسَّك المريض بالكرسي تماماً ، وتحمَّل الألم وشكر الطبيب ، أما لو كان طفلاً لشتم الطبيب ، أما كون هذا الإنسان راشد فصبر ، فكل إنسان يعرف الله تجده صابراً ، يعرف أنه توجد حكمة بالغة ، والله عزَّ وجل ساقها له برحمته ، فالصابر يعرف الله، والذي لا يصبر لا يعرف الله ، أنت بين يدي طبيبٍ ماهرٍ رحيم يجب أن تتحمَّل بعض الألم ، إن كنت تعرفه طبيباً ناجحاً . فلذلك :

       نحن مِلْكُ الله عزَّ وجل ، يعطينا أو يمنعنا ، يرفعنا أو يخفضنا ، يعزُّنا أو يذلُّنا ، أنا عليَّ أن أطيعه وهو عليه الباقي ، أنا كعبد علي أن أطيعه ..

بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66)

( سورة الزمر )

       وليس عليَّ أيُّ شيءٍ آخر ، هو بحكمته يعطيني أو يمنعني ، يرفعني أو يخفضني ، يقرِّبني أو يبعدني ، هو يفعل ما يشاء ، أنا عليَّ أن أطيعه وكفى..

       إذا باع الإنسان بيته ـ كلام دقيق ـ بالسعر المُقابل تماماً ، وقبض ثمنه عداً ونقداً ، ورغب الذي اشتراه أن يزيل حائطاً بين غرفتين ، هل يحق للبائع أن يتدخَّل ؟ ألم تبعه أنت ؟ هل لك علاقة ؟ إذا أراد أن يُنشِئ غرفة إضافية هل للبائع علاقة ؟ هل يستطيع أن يتدخَّل ؟ لا ، يقول له : هذا صار مالي ، بيتي ، ألم تقبض ثمنه كامل ؟ فاسمع هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ

( سورة التوبة : من آية " 111 " )

      ألم تبع ؟ بعد ما بعت الله عزَّ وجل نفسك ومالك هو حر ، يقربك ، يبعدك ، يغنيك يجعل دخلك محدوداً لا يكفيك أربعة أيام ، فأنت تتلوى من الضائقة المالية ، أو يجعلك ذا دخل غير محدود هو يعرف ..

" إن من عبادي لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو بسطت له لأفسده ذلك..."

( من كنز العمال : عن " أنس " )

     مستقيم على دخل محدود ، إذا كثر دخله يغير ، الله عزَّ وجل يعرفه ، العوام لهم كلمــة : ( عارفه وناتفه ) هناك إنسان على الفقر يلج، ويعصي ، هناك حكمة إلهيَّة ..

المصيبة بمكانها الصحيح ، بحجمها المُناسب ، بالوقت المناسب ، بالقدر المناسب ، بالعيار المناسب ، عيارات دقيقة جداً عند الله عزَّ وجل..

       فنحن لله ، ما دامتَ بعت وفوَّضت ، سهم وأموالهم بأن لهم الجنة، قبضك الثمن ، لك الجنة ، دعني أفعل بنفسك ما أشاء ، فأنت عليك أن تستسلم لله عزَّ وجلّ ، قالوا :

راجعون إلى الله  بهذه المصيبة ، لذلك قالوا : " من لم ُتحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر " .

     الإنسان حينما لا يتَّعظ بالمصيبة صار هو المصيبة ، هو نفسه مصيبة ، المصيبة من أجل أن يرتدع ، وأن يتَّعظ ، فإن لم يتعظ ، ولم يرتدع فقد صار هو مصيبة ..

       نحن مِلْكٌ لله ، لذلك النبي سنَّ عليه الصلاة والسلام  لنا في التعزية أن نقول : " إن لله ما أعطى وله ما أخذ " ، أنت ليس لك شيء، مرَّة سألوا أعرابياً معه قطيع إبل : لمن هذه الإبل ؟ قال : " لله في يدي " هي لله بيدي ، الله وكلني بها أما هي لله . الله عزَّ وجل رزقه قبل ، مرض فقيل صابراً ، هذا فعل الله عزَّ وجل ، هو الحكيم ، هو الخبير ، أنا ليس لي شيء ..

بهذه المصيبة ..

 

هؤلاء الذين يصابون بمصيبةٍ ويرونها من الله عزَّ وجل ، ويرضون عن الله بها ، هؤلاء :

       كان أحدهم  يطوف حول الكعبة ويقول : " يا رب هل أنت راضٍ عني؟ " وكان وراءه الإمام الشافعي فقال : " يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ " قال : " يا سبحان الله! من أنت يرحمك الله ؟ " قال له : " أنا محمد بن إدريس " ، قال له : " كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ " ، قال : " إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .

      البطولة بالصعود ، وليست بالنزول ، كل إنسان على الرخاء يقول لك : الله مفوضها ، نحن شاكرون  الله . لكن إذا ضق الله عليك فماذا ستفعل ؟ يا رب لك الحمد ، لذلك آية قرآنية إذا قرأتها يقشعر جلدك : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا

( سورة ص : من آية " 44 " )

      الله ناظر إليك ، إذا ساق لك مصيبة وصبرت فقلت : يا رب لك الحمد ، يا رب أنا راضٍ عن فعلك ..

 

       أيها الإخوة ... هذه الآية تتحدَّث عن مصائب المؤمنين ، مصائب الدفع والرفع ، والمصيبة لها حكمةٌ بالغة ، ولها هدفٌ نبيل ، وتنتهي بالمؤمن إلى الله عزَّ وجل ، فنرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون عند حسن ظن ربنا بنا وإذا ساق لنا مصيبةً فنسأله أن نتقبَّلها بالرضا ، والقبول ، والتسليم ، والتفويض .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi