English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :54/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات "165 ـ 167 " .

تفريغ         : المهندس عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع والخمسين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والستين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

       أولاً كلمة : (ومن الناس) هذه (مِن) للتبعيض ، عوِّد نفسك أن تتخلَّق بآداب القرآن ؛ لا تُعَمِّم ، لا تُطْلِق ، لا تقل : كل أهل هذه البلدة شاردون ، قل : بعضهم ، بعضٌ منهم ، به كن موضوعياً في أي حكم تدلي ، النقطة التي يلتقي بها العلم بالأخلاق هي الموضوعيَّة ، الموضوعية قيمةٌ علمية ، وهي في الوقت نفسه قيمةٌ أخلاقيَّة ، العلم يلتقي مع الأخلاق بهذه القيمة ، إن سُئلت عن إنسان اذكر ما له وما عليه ، لا تذكر ما عليه فقط إن كنت خصماً له ، ولا تذكر ما له إن كنت محباً له ، اذكر ما له وما عليه .

     رأى النبي عليه الصلاة والسلام صهره مع الأسرى ، حين أُسِرَ يوم بدر ، لماذا جاء ؟ جاء ليحارب النبي ، ولو تمكَّن لقتل النبي ، قُبض عليه أسيراً، فلما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه قال كلمةً منصفةً ، قال : " واللهِ ما ذممناه صهراً " .

     هو صهر ممتاز . أرأيت إلى هذه الموضوعية ، تعلَّم من القرآن الكريم كيف تكون أحكامك دقيقة ، لا تنظر بمنظارٍ واحد ، لا تنظر من زاويةٍ واحدة ، ورد في الأثر : أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما .

      دائماً لا تعمم ؛ التعميم من العمى ، والفرق بين المثقف عن غير المثقف في هذه الناحية ، أحكامه دقيقة ، موضوعية ، ليس فيها مبالغات ، كل إنسان يبالغ بعيد عن الإنصاف .

" أمرت أن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً " .

" أمرت أن أصل من قطعني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأعطي من حرمني".

 

من الذين هادوا يفعلون كذا وكذا ، من للتبعيض ، لو اهتدى واحد منهم إلى الإسلام ، ورأى هذه الدقة في القرآن ، ترتاح نفسه ، تأدَّب بآداب القرآن ، لا تعمم ولا تطلق ، ولا تبالغ ولا تقلل ؛ بل إن الحق أكبر من أن يحتاج إلى مبالغة ، هو أكبر من ذلك ، الحق أكبر من أن تكذب له، الحق أكبر من أن تستحي به ، الحق أكبر من أن يخشى البحث ، الحق لا يخشى البحث ، ولا يُستحيا به، والحق لا يحتاج إلى أن تكذب له ، ولا أن تصغِّر من خصومه ، ولا أن تُبالغ ، الحق هو الله ، وهو قويٌ بذاته .

      لذلك أنت كمسلم ادعُ إلى الله فقط ، الحق قوة من دون أي شيء آخر ، كن منضبطاً بكل القوانين والأنظمة تكن كلمتك هي القوية ، الحق غذاء للنفوس ، قال تعالى :

أما كلمة الناس .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ

 ( سورة البقرة : من آية " 21 " )

   خاطب الله عزَّ وجل الناس تارةً ، وخاطب المؤمنين تارةً أخرى ، حتى إن بعض العلماء قال : إن الله خاطب الناس بأصول الدين ، وخاطب المؤمنين بفروع الدين ، كيف ؟

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)

( سورة التوبة )

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

 ( سورة النور : من آية " 30 " )

      أي يا من آمنت بالله ؛ خالقاً ورباً ومسيراً ، يا من آمنت به موجوداً وواحداً وكاملاً ، يا من آمنت أن الأمر كله بيده ، يا من آمنت أن منهجه هو المنهج الصحيح ، يا من آمنت أن طاعته هي المُسعدة ، إذا قال لك الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

( سورة التوبة : من آية " 119 "  )

     أي أن كل حجم إيمانك ، وكل تفاصيل إيمانك ، وكل مرتكزات إيمانك يجب أن تذكرها حينما تؤمر بكذا ، أي يا من آمنت بحكمتي ، يا من آمنت بعلمي ، يا من آمنت بقدرتي ، يا من آمنت بأن المصير إلي ، يا من آمنت بجنةٍ عرضها السماوات والأرض ، افعل كذا ولا تفعل كذا.

      إذا خاطب الله عزَّ وجل المؤمنين يخاطبهم بتفاصيل الشريعة ، لأن  الإنسان بعد أن يؤمن الإيمان الذي يحمله على طاعة الله يجب أن يبحث عن شيءٍ واحد فقط هو أوامر الله ونواهيه ، أما الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله فهو إيمانٌ لا قيمة له ، لأنه إيمان لا ينجِّي ، الإيمان الذي له قيمة والذي ينجيك هو الذي يحملك على طاعة الله .

     فمثلاً : معرفتك بأضرار الدخان لا قيمة لها إن لم تحملك على ترك الدخان ، أما معرفتك بأضرار الدخان إن حملتك على ترك التدخين هذه معلومات جيدة ومنجية ، وهكذا .

     فكل إيمانٍ لا يؤدي بك إلى طاعة الله لا قيمة له ، إيمانٌ إبليسي ، فهو آمن بالله عزيزاً ، وآمن بالله خالقاً .. خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(76)

( سورة ص )

       ربي . آمن به رباً ..فَبِعِزَّتِكَ

 ( سورة ص : من آية " 82 " )

      آمن به عزيزاً .. أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(14)

( سورة الأعراف )

     آمن باليوم الآخر ، ولكن مجمل هذا الإيمان ما حمله على طاعة الله، أبى واستكبر ، إذاً لا قيمة لهذا الإيمان ، وكل إنسان يقول لك : أنا مؤمن والحمد لله ، والله مؤمن يا أخي ، تبحث في تفاصيل حياته لا ترى فيها انضباطاً ، ولا ورعاً ، ولا التزاماً ، أنا يخطر في بالي أن هذا الإيمان إيمان إبليسي ، فهو عرف وانحرف .. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ(7)

( سورة الفاتحة )

      من هم المغضوب عليهم ؟ هم الذين عرفوا وانحرفوا ، من هم الضالون ؟ هم الذين ما عرفوا وانحرفوا .

     أرسل النبي عليه الصلاة والسلام فيما تروي كتب الحديث ، سيدنا معاذ إلى قبيلة ليعلِّمهم ، فلما عاد إلى النبي قال : " يا رسول الله إنهم كالإبل المتوحِّشة ـ بهائم ـ همهم شاةٌ وبعير ... " . وأنت قد تجد إنساناً لا يفقه شيئاً، همه الدرهم والدينار . جلس عالِم من علماء مصر الأفاضل في حديقة بأمريكا إلى جانب أمريكي ، فسأله عن بلده ؟ قال له : أنا من مصر ، سأله عن دينه ؟ قال له  : أنا مسلم ، فقال له : حدثني عن دينك ـ وهو عالِم كبير ، وله تفسير شهير ـ فحدثه ساعة عن الإسلام بكلام دقيق مختصر، مفيد ، مع أدلة ، فما كان من هذا الذي سأله أن يحدثه عن الدين إلا أن أخرج من جيبه دولاراً ، وقال : أنا هذا إلهي أعبده من دون الله ، قد تجد إنساناً همه الدرهم والدينار ، همه بطنه ، همه شهوته .. " تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ "*

( من سنن ابن ماجة : عن " أبي هريرة " ) 

      فهذا الصحابي قال : " هؤلاء يا رسول الله كالإبل المستوحشة همهم شاةٌ وبعير " ، لا يوجد أمل ، قال له : " يا معاذ هناك أعجب منهم ـ أعجبت منهم؟ ـ " قال : " من هو يا رسول الله ؟ " . هل هناك إنسان أوحش من ذلك ؟ قال له : " هذا الذي عرف ما عرفتم ثم انحرف " .

     أي إذا كان المسلم يعرف الجنة حق والنار حق ، وهذا أمر إلهي ، وهذه حرام ، وهذه حلال ، وهناك موت ، وجنة ، ونار ، وهو غارق بالمعاصي ، هذا كيف حاله ؟ هذا حاله أشد من جاهل ، فإذا قال الله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ

 ( سورة البقرة : من آية " 21 " )

      يخاطب الناس بأصول الدين ، إذا قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

( سورة التوبة : من آية " 119 "  )

     أي يا من آمنتم بعلمي ، وقدرتي ، ووحدانيتي ، يا من آمنتم بخبرتي ، آمنتم برحمتي ، افعلوا ولا تفعلوا .

     فالآية الكريمة :

أي بعض الناس ..

يتخذ نِدَّاً لله ، قديماً أصنام ، حديثاً أشخاص ، أيَّة جهةٍ تعبدها من دون الله هي ليست إلهاً ـ بالتأكيد ـ لكنك جعلتها بمرتبة الإله ؛ فخضعت لها ، ورجوتها ، وخفت من شرها ، خضوع ، رجاء ، خوف ، طاعة ، هي ليست إلهاً ، ولكنك عاملتها كإله ، فاتخذتها من دون الله نداً ، والند هو المثيل والمُشابه ، وكل إنسان يطيع مخلوقاً ويعصي خالقه ، يطيع زوجته ويعصي ربه ، يأكل المال الحرام لتكثر ثروته ولا يعبأ بحكم الله عزَّ وجل ، ماذا فعل هذا ؟ هذا اتخذ المال نداً لله ، هذا اتخذ شهوته نداً لله ، هذا اتخذ سمعته نداً لله ، حينما يتجه الإنسان إلى غير الله فقد أشرك ، لماذا ..

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ

 ( سورة النساء : من آية " 48 " )

      ضربت مرَّة مثلاً بسيطاً أنك قد تركب قطاراً إلى حلب ، حيث يمكنك أن تحصل مبلغاً ضخماً جداً ، والوقت مناسب ، قد ترتكب في القطار عشرات الأخطاء ، لكن القطار في طريقه إلى حلب ، وسيصل في الوقت المناسب ، قد تأخذ مثلاً بطاقة درجة أولى ، وتجلس في الدرجة الثالثة خطأً ، هذا خطأ ، قد تجلس مع شُبَّان ليسوا مهذبين فتنزعج منهم ، هذا خطأ ثانٍ ، قد تتلوى جوعاً ولا تعلم أن في القطار عربة مطعم ، هذا خطأ ثالث ، قد تجلس عكس اتجاه القطار فتصاب بالدوار ، هذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب ، وسيصل في الوقت المناسب ، وستأخذ هذا المبلغ ؛ أما الخطأ الذي لا يغتفر هو أن تركب قطار درعا ، هنا لا يوجد هدف أبداً ، الطريق مغلق هنا ، لا يوجد قبض مثلاً .

      لذلك الشرك خطأ لا يغتفر ، لأن الطريق مسدود ولا يوجد شيء ، اتجهت إلى غير الله لا يوجد شيء ، غير الله عزَّ وجل ضعيف ، فقير، قد يكون أحياناً لئيما ، لا يستجيب لك ، وقد لا يسمعك ، ولو سمعك قد لا يستجيب ..

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ

 ( سورة النساء : من آية " 48 " )

      فيا أيها الإخوة الجاهل من يتخذ من دون الله آلهة ، قديماً ؛ اللات والعُزى ، حديثاً ؛ شخص زيد وعُبيد ، وفلان وعلان ، هو شخص قوي يقول لك : أنا أنتفع منه ، أمره بمعصية فعصى ، أمره بفعل شيء منكر ففَعَله ، يراه إلهاً ، هو جعله كإله ، هو ليس إلهاً هو إنسان ضعيف جداً ، ولكن الجهل أوهمك أن هذا الإنسان بيده نفعك أو ضرك ، بيده أن يرفعك ، بيده أن يخفضك ، بيده أن يعزَّك ، بيده أن يذلَّك ، بيده أن يعطيك ، بيده أن يمنعك ، توهَّمت أنه يأخذ دور الإله فعاملته كإله ، فخضعت له ، ورجوته ، وخفت منه ، وعصيت الله من أجله ، هذه مشكلة المشاكل .

      أحياناً ابن له أب غني جداً ، لكنه بعيد عن الدين كلياً ، الأب يعطيه توجيهات ؛ إذا لم تفعل كذا أحرمك من الإرث ، إذا لم تفعل كذا لا أشتري لك سيارة ، إذا لم تفعل كذا ... هذا الابن لضعفه وجهله يجعل أباه إلهاً له ، فحفاظاً على بيتٍ فخمٍ ، وعلى مركبةٍ ، وعلى زواجٍ ، وعلى دخلٍ كبير يعصي الإله ويطيع أباه ، هذه مشكلة المشاكل ، حينما تضعف رؤيتك ، أو تنحرف رؤيتك فتتوهم أن بعض الأشخاص يستطيعون أن يعطوك أو أن يمنعوك ، أنت اتخذتهم آلهة دون أن تشعر، اتخذتهم أنداداً لله ، عاملتهم كآلهة ، رجوت خيرهم ، وخفت من شرِّهم ، وأطعتهم وعصيت الله عزَّ وجل ..

" مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ "*

( من سنن الترمذي : عن " السيد عائشة أم المؤمنين " ) 

     الدين كله كلمة واحدة : الدين توحيد ؛ لا إله إلا الله ، لا مسيِّر ، لا معطي ، لا مانع ، لا معز ، لا مذل ، لا مسعد ، لا مشقي ، لا خافض ، لا رافع إلا الله ، هذا هم الدين ، هذه المقولة سهلة كفكرة وليست صعبة ، أما أن تعيشها فأنت تحتاج إلى جهد كبير ، أنت أحياناً تقرأ قوله تعالى :وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)

( سورة الأحزاب )

      هذه آية واضحة جداً ، لا تحتاج لا إلى تفسير ، ولا إلى شيخ ، لأنها واضحة ، أما حينما تكون في بلدة ، لك رفيق شاب صديق لك ، كنت وإياه على مقعد واحد ، فأنت تعاني من ضيق العَيش ، ومن الدخل القليل ، وصديقك معه الملايين ، وهو غارق في الزنا ، والفجور ، والخمر، والنساء ، والسفر ؛ وأنت خائف من الله ، من جامع إلى جامع ، وترجو الله أن يسامحك ، حينما ترى نفسك محروماً ، وأن الله قد أعطاه ، أنت لم تفهم هذه الآية أبداً ، ولم تعشها ، قراءتها سهلة ، وسهل أن تشرحها لنا ، أما أن تعيشها فهذا يحتاج إلى إيمان كبير ، يحتاج إلى أن تشعر أنك بطاعة الله أغنى الناس ، وأنك بطاعة الله أقوى منه ، وأنك بطاعة الله أسعد منه ، ولو كنت فقيراً ، هذه السكينة ، أن تسعد بها ولو فقدت كل شيء .

     السكينة ، إذا أنزل الله على قلبك السكينة تسعد بها لو فقدت كل شيء ؛ وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .

      يا أيها الإخوة الكرام ...

      

       أحياناً يعمل زوجته نداً ، تحمله على معصية يرضخ ، يرى سلامتها أغلى عنده من علاقته بالله ، أحياناً يدفعه لمعصية ، أحياناً يأكل المال الحرام ليرضي أسرته من شدة الطلب والإلحاح ، ماذا رأى هذا ؟ هذا رأى أن سلامته في بيته مع زوجته ، وأولاده أغلى عنده من طاعة الله عزَّ وجل ، صحابي جليل طلبت منه زوجته طلباً . فقال : " اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهنَّ على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بكِ من أجلهن ، أهون من أن أضحي بهن من أجلك " ، هذا مقياس .

      قالت له أمه : " يا سعد إما أن تكفر بمحمد ، وإما أن أدع الطعام حتى أموت " ، فقال : " يا أمي لو أن لكِ مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً ما كفرت بمحمد ، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي " . فأكلت بعد ذلك .

       هذا هو المؤمن ، المؤمن مواقف ، مبادئ ، يقول : لا بملء فمه ، ولا يخشى في الله لومة لائم ، يقول : لا ، وألف لا . إذا شيء مخالف للشرع ، وكان فيه معصية ، أو فيه أكل مال حرام، أو فيه شهادة زور، لا ، هذا المؤمن ، فلو قطعته إرباً إرباً لا يعصي الله ، هنا قوة المؤمن ، أما..

من دونه ، لا يوجد بينهما نسبة ، الله كل شيء ، وهذا لا شيء ، أنداداً ، يتوهمه قوياً ، يتوهم سعادته بإرضائه ، سبحان الله ! الإنسان يرتكب أحياناً حماقة كبيرة ، ويخسر الدنيا والآخرة معاً ، هذا الذي آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، وهذا الذي آثر رضا الله على دنياه ربحهما معاً ..

      ماذا يحب الإنسان بشكل علمي ؟ الإنسان يحب الجمال ، ويحب الكمال ، ويحب النوال . إذا أعطاك إنسان مبلغاً ضخماً جداً حللت فيه كل مشاكلك ، وكان هو قميءَ القامة ، ألا تحبه على دمامته ؟ لا تنام الليل إلا وأنت تذكره ، مع كونه دميماً ، أعطاك مالاً ، الإنسان يحب الكمال ، ولو أن الكمال ما أصابه ، يحب الكرم ، يحب الشجاعة ، يحب الحلم ، يحب العدل ، يحب الكمال، ويحب الجمال ، ويحب النوال .

      فهؤلاء يحبونهم كحب الله ، أي أنهم يحبونهم حباً يشبه حب المؤمنين لله ، المؤمن بصراحة لا يليق به أن يكون لغير الله ، لا ينبغي للمؤمن أن يكون لغير الله ، هو لله وحده .. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ

 ( سورة البقرة : من آية " 130 " )

      حينما يكون الإنسان لغير الله يحتقر نفسه ، لا يعرف قدرها ، هانت عليه نفسه فكان لغير الله .

       أنت خلقك الله عزَّ وجل إنساناً أولاً ، مخلوقاً مكرَّماً ، أنت لله ، لا تكن تابعاً لإنسان بل كن تابعاً لله عزَّ وجل .

      فهؤلاء يحبون الأنداد حباً يشبه حب المؤمنين لله ؛ يعظِّمونهم ، يخافونهم ، يرجون ما عندهم، يعصون الله من أجلهم ، وهذه أكبر المصائب أن تكون خطأً لإنسان .. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54)

( سورة الزخرف )

      هان أمر الله عليهم فهانوا على الله ، هذا ملخَّص الملخَّص ، وهو حال المسلمين الآن هان أمر الله عليهم فهانوا على الله ، احتفالاتهم ، أعراسهم ، كسب مالهم ، فكجاراتهم ، بيوتهم ، صرعات العصر كلها في بيوتهم ، لا يوجد عندهم شيء حرام ، ولكن لديهم صلاة وصوم وحج وزكاة ، هذا الإسلام العظيم الذي هو خمسمئة ألف بند ، والذي هو منهج تفصيلي بقي خمسة فقط.

     تجد حياته في واد ، والإسلام في واد ؛ بيته ، أولاده ، بناته ، زوجته ، دخله ، تجارته ، ولا يشعر أن هناك مشكلة ، دار نشر تروِّج كتاباً كله كفر ، يقول لك : هذه مصلحتي ، ماذا أفعل ؟ مطعم يبيع خمر ، يقول لك : لا يمكن ألاَّ يكون الخمر ، لأنه مطعم خمسة نجوم ، يقيم دعاية أحياناً كلها نساء كاسيات عاريات ، وهو يصلي في أول صف ، كيف يكون متوازناً ؟ كيف جمعت بين النقيضين ؟ قال لي شخص يصلي في الصف الأول : أنا عندي مطعم يباع فيه الخمر، ولكن هذا العمل في رقبة شريكي ، فأنا ليس لي ذنب !! توازن فكره بهذه الطريقة أنه وضعها (في رقبة شريكه) ، وانتهى الأمر .

       الإنسان الجاهل الغافل هو الذي يطيع مخلوقاً ، ويعصي خالقاً ، يطيع زوجته ، ويعصي ربه ، يطيع شريكه ، ويعصي خالقه ، يطيع أولاده ، ويغضب ربه ، يكسب المال الحرام ليرضي أسرته ، وهذه لا تنفعه عند الله شيئاً ، من هنا قال الله عزَّ وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ

 ( سورة التغابن : من آية " 14 " )

     عدواً لكم يوم القيامة قال العلماء : " هذه عداوة مآل وليست عداوة حال " ، في الحال زوجته يحبها حباً جماً ، وأولاده ، أما يوم القيامة حينما يرى أنه استحق دخول النار بسببهم ، عندئذٍ يعاديهم ، حينما يوضع الرجل في النعش وتمشي الجنازة ـ هكذا ورد في الأثر ـ ترفرف روحه فوق النعش تقول : "يا أهلي يا ولدي جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حلِّه وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي " .

     سئل أحدهم إلى أين أنت ذاهب ؟ والله بالحرف الواحد وإن كانت كلمة قبيحة ، فأجاب : أنا ذاهب لأسكر على روح أبي ، ترك له أموالا طائلة ، ولم يعرفه بالله عزَّ وجل ، فهذا المال الذي بين يديه حمله على المعاصي والآثام ، لذلك :" أندم  الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار " .

    قد يورث أحدهم أولاده مالاً وفيراً ، وأولاده صالحون ، فدخلوا بهذا المال الجنة ، هو جمعه من حرام فدخل بهذا المال النار ، وقد تقف فتاةٌ يوم القيامة تقول : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه ما عرَّفها بالله ، ما حملها على طاعة الله ، القضية خطيرة جداً .

      أنا أعيد هذه الفكرة مرَّات عديدة ، هناك كلام تستمع إليه فتتثاءب ، وتنام بعده ، لأنه كلام تافه ، وهناك كلام تستمع إليه فلا تنام بعده الليل ، لأن هذا الكلام يضعك أمام مسؤوليَّاتك ..

أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ(59)وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ(60)وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ(61)

( سورة النجم )

       هناك كلام يجب أن يبكي له الإنسان . هذه الآية أيها الإخوة مهمة جداً :

المؤمن هو الذي يحب الله حباً حقيقياً .

       إخواننا الكرام ... علاقة المؤمن مع الله علاقة حب ، لأن الحب أساسه العطاء ، منحك نعمة الوجود ، أنت موجود ، من أوجدك ؟ منحك نعمة الوجود .

      أمدَّك بكل ما تحتاج ؛ أمدَّك بالهواء ، أمدك بالماء ، أمدك بزوجة ، بأولاد ، ببيت ، بحرفة تكسب منها رزقك ، أعطاك ذاكرة ، أعطاك قوة ، أعطاك قلبًا ، رئتين ، دسَّامات ، كليتين ، أجهزة كلها كاملة ، فالمؤمن يحب الله عزَّ وجل ، منحه نعمة الوجود ، نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ، ونعمة الهدى والرشاد .

     إنهم يحبون هؤلاء الأنداد الصغار الحقيرين كما يحب المؤمن ربَّه ، حب طاعة ، حب انقياد، حب خوف ، حب رجاء ، لذلك إذا رأيت إنساناً يحب جهةً ما من دون الله كحبه لله ابكِ عليه ، مسكين ، قد ضيَّع عمره سُدى ، جعل نفسه سيِّئةً من سيِّئات فلان ، أنت لله .

      الماء للتراب ، والتراب للنبات ، والنبات للحيوان ، والحيوان للإنسان ، والإنسان لله .

     الإنسان التافه يعيش ليأكل ، والأقل تفاهة يأكل ليعيش ، والمؤمن يعيش لمعرفة الله ، يعيش لهدف كبير ..

هنا ... لماذا هم أشد حباً لله ؟ المؤمن يحب الله في السراء والضرَّاء ، يقول عليه الصلاة والسلام: " عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا "*

( من مسند الإمام أحمد : عن " صهيب " )

      حينما يحب الكافر أنداداً من دون الله حباً كحب الله ، يفاجأ حينما تكشف له الحقيقة ، في الدنيا أحياناً يطلبه فلا يلبِّيه ، أحياناً يتنكَّر له ، علماً أنه ساعات الشدَّة لا يلجأ إلا لله وحده .

      مرَّة حدَّثني صديق عن طائرة تقل خبراء من بلدٍ منهار الآن ، من بلد شعاره لا إله ، نشأ هؤلاء الخبراء على الإلحاد ، دخلت فالطائرة في سحابةٍ مكهربة ، ومنخفضاتٍ كثيرة فاضطربت اضطراباً كبيراً ، لدرجة أنها كادت تسقط ، فما كان من هؤلاء الخبراء الملحدين إلا أن قالوا : يا الله . عند الشدة لا تذكر إلا الله .

       أريد أن أوضِّح لكم أن الشرك نوعان ؛ جليٌ وخفي ، قلما نجد شركاً جلياً في العالم الإسلامي ـ والحمد لله ـ لكن ما أكثر ما نجد شركاً خفياً ..وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)

( سورة البقرة )

       هذا متكئ على إنسان غني ، وهذا على إنسان قوي ، وهذا يطيع مخلوقاً ويعصي خالقاً ، وهذا يرى أن هذا المال خيرٌ له من طاعة الله ، فيغش المسلمين ، وهذا يكسب المال الحرام ليرضي زوجته وأولاده ، هذا بشكلٍ قطعيٍ اتخذ من دون الله أنداداً فحملوه على معصية الله ، أحبهم كما ينبغي أن يحب المؤمن ربه فأطاعهم ، وخاف من شرهم ، ورجا ما عندهم ، وهذه مشكلة العالم الإسلامي اليوم ، مليار ومئتا مليون ليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا ، ولأعدائهم عليهم ألف سبيلٍ وسبيل ، لأنهم ..

أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)

( سورة مريم )

       وقد لقي المسلمون ذلك الغّي .

       دققوا الآن :

ظلموا أنفسهم ، خيَّرناك مثلاً بين أن تأخذ جوهرة ثمنها مئة وخمسين مليون دولار ، وبين أن تأخذ فحمة ثمنها قرشين ، فاخترت الفحمة .

        كنت أضرب مثلاً طريفاً : قطرميز ثمنه عشرون ليرة ، بجانبه كأس كريستال ثمنها ألف ليرة ، وإلى جانبه جوهرة ثمنها مئة وخمسون مليونًا ، قلنا لك : انتقِ ، فانتقيت القطرميز ، استكبرته ، معناها أن الوضع سيئ جداً ، لا يوجد إنسان لا يحب ، لكن من هو البطل ؟ الذي ينتقي محبوباً لا يموت ، هو الذي ينتقي شيئاً أبدياً ، أي بالتعبير العامي ـ فقط أعرف من تنتقي ـ كل إنسان يحب ، وكل إنسان يبحث عن سلامته وسعادته ، لكن أعلم علم اليقين أن سعادتك بطاعة الله ، والشقاء بمعصيته .

      فيا أيها الإخوة الكرام ...

هؤلاء الذين أحبوا زوجةً ، أو أحبوا ولداً ، أو أحبوا قوياً ، أو أحبوا غنياً ، فأطاعوه وعصوا ربهم..

       هنا توجد نقطة مهمة ، لماذا أطعت هذا ؟ لأنك توهَّمت أنه قوي ، وأنك إن عصيته أوقع بك الأذى الشديد الذي لا يحتمل ، وأنك إن أطعته أعطاك الدنيا ، لأنك تراه قوياً ، قوياً في ماله ، أو قوياً في عقابه ، فأطعته؛ لكنك يا أيها الذي فعلت هذا لو ترى مصيرك بين يدي الله ، وكيف أن هذا القوي معك في العذاب .. وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

( سورة التحريم : من آية " 6 " )

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ(98)

( سورة الأنبياء )

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ

 ( سورة إبراهيم : من آية " 22 " )

     ماذا يفعل الإنسان ؟

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِي (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ( 22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ( 23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ( 24 )وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30 )ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ

(سورة الحاقة)

      فعلت من أجل الدنيا وقد زالت عنك الدنيا وبقي العذاب ، قيل أن المؤمن حينما يأتيه ملك الموت ، ويرى مقامه في الجنَّة يقول : "  لم أر شراً قط " ، ينسى كل متاعب الحياة ، والكافر حينما يرى مكانه في النار عند النزع الأخير يقول : " لم أر خيراً قط " ، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال : " يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ "*

( من صحيح مسلم : عن " أنس بن مالك " )

     سيدنا علي يقول : " يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنة بشر ، وكل نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " .

حينما يرى أنه ..

إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)

( سورة الغاشية )

      فهذا الذي ركب طائرةً وفي ظنه أنها تقلُّه من نيروبي إلى أمستردام ، فإذا بها تقلُّه إلى أنقرة ـ وهو مطلَوب هناك ـ ماذا حصل له ؟ بعيداً عن ملابسات الحادث ، إنسان سيق إلى الحساب الشديد .

إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)

( سورة الغاشية )

       هذا الذي أطعته خوفاً من بطشه ، لن يستطيع أن ينقذك من النار ، هو معك في النار ، هذا شيء لا يحتمل ..

       إذا توسعنا قليلاً ، أو فهمنا الآية فهماً إشارياً ، قوة الجمال عند الله، وقوة الكمال عند الله ، وقوة النوالِ عند الله ، والله هو كل شيء ، فإن أحببت هذه طمعاً في جمالها ، لو علمت أن السكينة التي تتنزَّل على قلبك وأنت مع الله ، تفوق أضعاف أضعاف لذَّة النظر إليها ، حينما تغض بصرك عن محاسن امرأةٍ لا تحل لك ، يورثك الله حلاوةً في قلبك هي أضعاف مضاعفة من لذة النظر لو نظرت إليها ، تركت شيئاً لله ، فعوضك الله خيراً منه في دينك ودنياك .

              حينما تدع مالا حراماً وتقول : معاذ الله ، الله هو الغني .

" إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل علي غضبك ، أو تنزل علي سخطك ، ولك العتبى حتى ترضى " .

( من الجامع الصغير : عن " عبد الله بن جعفر " )

        إذا كان الطريق إلى القوة هو المعصية ترى الضعف وسام شرف لك ، إذا كان الطريق للمال هو المعصية ترى الفقر وسام شرف ، ترضى بفقرك..

      هل تغبط إنسان ربى ثروة عن طريق المعصية ؟ ـ قال أحدهم : كنت أنا موظفًا بسيطًا لا يكفي راتبي يومين أو ثلاثة ، فتح خمسة بيوت دعارة فصار عنده دخل فلكي مثلاً ، فهل تحسده على هذا الشيء ؟ مرحباً بالفقر إذا كان طريق الغنى هكذا .

      المؤمن عنده نظر ثاقبة جداً إذا كان طريق القوة أن أعيش على أنقاض الناس ، أن أعيش على همومهم ، أن أعيش على كوارثهم ، مرحباً بالفقر إذا كان الطريق إلى الغنى معصية الله عزَّ وجلَّ ، ومرحباً بالضعف إذا كان طريق القوة معصية الله عزَّ وجل .

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)

( سورة آل عمران )

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42)

( سورة إبراهيم )

       أيها الإخوة ..

       هذا الذي خفت منه فأطعته وعصيت الله ، الله وحده القوي ، ولو كنت مع الله لكان الله معك، كن مع الله ترى الله معك ، وقَالَ أصْحَابُ مُوسَى بالمنطق ، بالمعطيات الواقعية ، فرعون بقوته ، وبطشه ، وجبروته، وجنده ، وآلياته وراء سيدنا موسى وأصحابه ، والبحر أمامهم، كن واقعياً هل يوجد أمان ؟ الأمن صفر .

وقَالَ أصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي(62)

( سورة الشعراء )

       أمره الله عزَّ وجلَّ أن يضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً .

       سيدنا يونس في بطن الحوت ، هل هناك أمل بالنجاة ؟ إذا وقع أحدهم في بطن حوت ، كان يركب سفينة ، وغرقت ، ووضعه الحوت ـ حوت أزرق ـ لقمة واحدة في بطنه ، فهل هناك أمل ؟ ..

فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

( سورة الأنبياء )

      اقرؤوا القرآن يا إخوان ، هذا كلام الله ، هل هناك مصيبة أشد من أن تجد نفسك فجأةً في بطن الحوت في الليل ؟ في ظلمة البحر ، وظلمة الليل ، وظلمة بطن الحوت ، نادِ ربك وقل : يا رب .. لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ .

    والله هناك أخ أصيب بمرض خبيث ، ودعا الله من أعماق قلبه ، وتصدَّق مما يملك ، ذهب بعد أربعة أشهر إلى بلد غربي ليجري عملية ميؤوساً من نجاحها ، ومعه التقارير ، ومعه الصور، فحصوه ، فكان كلام الطبيب أن هذه الصور ليست لهذا الإنسان ـ قصَّة واقعيَّة ـ قال لهم الطبيب في بريطانيا : هذه الصور وهذه التحاليل ليست لهذا الإنسان ، على أنها له .

       فأنت تنادي خالق الكون ، أنت تنادي الذي كل شيء بيده ؛ نمو الخلية بيده ، الدسَّام بيده ، لمعة الشريان بيده ، العَصب بيده ، الخثرة بيده ، كله بيده ؛ زوجتك بيده ، ابنك بيده ، أقوى منك بيده ، دونك بيده ، كله بيده، عندما توحِّد ترتاح .

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)

( سورة الشعراء)

      إذا ورَّط رجلٌ شخصاً بالتهريب ، فقبض عليه ، أخذوه إلى السـجن ، كم يحقد على هذا الذي ورطه ؟ لا تكن ضحية أحد ، لا تكن غلط إنسان ، لا تكن سيئة إنسان ، لا تكن مجيَّراً لإنسان ، أنت لله عزَّ وجلَّ ، كن لله وحده . هذه آية توحيد :

وإذا عاتبه ألم تقل لي أنت ؟ يجيبه : أين كان عقلك ؟ يشمت فيه أيضاً ، الحقيقة موضوع الندم شيء لا يحتمل ، إنسان ورَّطك ، أوقعك في شر عملك ، وتبرأ منك ..

       قال العلماء : " الحسرة حينما تقع في مشكلةٍ لا حل لها " ، أما مادام هناك أمل فليس هناك حسرة .

       فيا أيها الإخوة ... لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ، لا تكن مجيَّراً لإنسان ، لا تكن ذَنْبَ إنسان ، لا تكن سيِّئة إنسان ، لا تكن محسوباً على إنسان ، كن لله الواحد القهَّار ، أطع ربك ولا تعبأ بأحد ، لا تأخذك في الله لومة لائم ، ليس إلا الله بيده كل شيء ..

إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة هود : من آية " 123 " )

      ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده ، وهذا الموقف موقف فيه تخلِّي ، إنسان اتبعته ، وعظَّمته ، وعصيت الله من أجله؛ وفي النهاية ما دافع عنك ، ولا نجَّاك من عذابٍ مقيم ، هذا ألم لا يحتمل .

       وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع هذه الآيات .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi