English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :55/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات "168 ـ 169 " .

تفريغ         : المهندس عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس والخمسين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثامنة والستين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة الكرام ... من رحمة الله بخلقه كلِّهم أن خاطب الناس جميعاً ، وقد ذكرت لكم في درسٍ سابق أن الله جل جلاله يخاطب المؤمنين تارةً ، ويخاطب الناس تارةً أخرى ، يخاطب المؤمنين بتفاصيل الشريعة ، ويخاطب الناس بأصول الدين ، ولكن قضية الحلال والحرام هذه قضيةٌ من شأن الله عزَّ وجل لأنه هو الخالق .

فالإنسان حينما يحكِّم عقله فيما يفعل ، وفيما لا يفعل يضل ضلالاً مبيناً ، ذلك أن الإنسان قد ينظر إلى الشيء من زاويةٍ واحدةٍ ضيِّقة ، وتغيب عنه الزوايا الأخرى ، لمَ لا يأكل لحم الخنزير ؟ هناك ميزات كثيرة ، ينمو سريعاً ، يذكر الذين يأكلونه ميزاتٍ كثيرةٍ ، وإذا قلت لهم : إن الله حرَّمه ، ماذا يقولون ؟ لماذا خلقه الله ؟ هل كل شيءٍ خلقه الله لتأكله ؟ هل كل شيءٍ تشتريه للبيت يُؤكل ؟

أحياناً يكون عندك مبيد حشرات هل تشربه ؟ مستحيل ، فكل حيوانٍ له مهمةٌ أناطه الله بها ، فمن هو الذي يعلم العلم اليقيني ، ماذا ينفعنا وماذا يضرنا ؟ إنه الله عزَّ وجل ، والدليل أن كل انحرافٍ عن منهج الله عزَّ وجل يسبِّب أخطاراً جسيمةً . أضرب لكم بعض الأمثلة :

ارتأى مربو الأبقار في بريطانيا أن يطعموها ـ طحين لحم الجيف ـ طبعاً لحم الجيف يعالج ، ويجفف ، ويطحن ، ويوضع هذا الطحين مع العلف، صمم الله جلَّ جلاله البقرة حيواناً نباتياً ؛ يعيش على النبات فقط ، ولم يصمَّمها على اللحم ، فلما أُطعمتْ طحين اللحم جنَّتْ  ، لذلك اضطرَّت بريطانيا ـ وهي أكبر دولة تربي الأبقار ـ أن تحرق ثلاثة عشر مليون بقرة ، ثمنها ثلاثون مليار جنيه إسترليني ، لماذا ؟ لأنهم أطعموا البقر ، وهو حيوان نباتي طحينَ اللحم .

فأي شيءٍ يفعله الإنسان يغير خلق الله عزَّ وجل يدفع ثمنه باهظاً ، ولعل الله عزَّ وجل يسمح له أن يمشي خطواتٍ في هذا الطريق ليدفع الثمن باهظاً ، الآن سبب فساد العالَم الخروج عن منهج الله عزَّ وجل .

مرَّة قال رئيس أمريكي : هناك خمسة أخطار تهدّد أمريكا ـ فإلى أن ذُكرت هذه الأخطار تصوَّرت الصين ، تصورت ألمانيا ، تصورت التكتُّل الأوروبي ـ ولكنه ذكر انهيار الأسرة ، وشيوع الجريمة ، وتفشي المخدرات ، الجريمة ، والمخدرات ، وانهيار الأسرة ، لماذا ؟ لأنهم خرجوا عن منهج الله عزَّ وجل . شرَّع الله عزَّ وجل الزواج ، الآن هناك مساكنة بلا عقد مدني ، ولا كَنَسَي ، ولا هم يحزنون ، امرأةٌ تسكن مع رجل ، فإذا ملَّ منها رَكَلَها بقدمه ، هم يدفعون الثمن باهظاً .

مرَّةً  صدر قانون في إحدى دول شمال إفريقيا يلزم المطلِّق أن يدفع لامرأته نصف أملاكه ، توقَّف الزواج كلياً ، فصار الأب يوقِّع سندًا لخاطب ابنته بمبلغ فلكي ، ويقول له : إن طلَّقت ابنتنا أبرز هذا السند ، كي تنجو من أخذ نصف المال ، توقَّف الزواج .

ارتأوا في الصين أن يكون للأسرة ولدٌ واحد قسراً ، ما الذي حصل ؟ تأتي البنت فتُخْنَق ، يأتي الذكر فيسجَّل ، الآن يوجد في الصين خمسون مليون شاب بلا زوجة ، الآن نشأت عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج ، عندما يشرِّع الإنسان يرتكب حماقة كبيرة ، لأنه ينظر إلى الشيء من زاوية واحدة ، أما خالق الكون فهو الخبير ، قال تعالى : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)

( سورة فاطر )

صمَّم الخبير هذا الحيوان أن يأكل نباتاً ، نحن كافحنا الأوبئة النباتية بمواد كيماوية ، إلى أن أصبحت التربة مالحةً ، إلى أن أصبح النتاج ـ خضار أو فواكه ـ ذو صفات فيزيائيَّة عالية ، وصفات كيماوية سيئة جداً؛ بلا طعم ، الآن عادوا إلى السماد الطبيعي ، وعادوا إلى المكافحة الحيويَّة ، أنا الذي أراه أنه كلَّما تقدَّم العلم كشف خطأه ، واقترب من الدين ، فإلى أن يتطابق العلم مع الدين تطابقاً تاماً تحل مشكلاتنا ، أما ما دام الإنسان يتوهَّم أنه مشرِّع ؛ يحلِّل ، ويحرِّم ، فالطريق لازال مسدوداً أمام حل مشكلاته .

هناك دراسة تؤكِّد أن الإنسان يتطبَّع ببعض طباع الحيوان الذي يأكله ، والذين يأكلون لحم الخنزير لهم عادات غريبة جداً ، كأن الغيرة نُزعت منهم انتزاعاً ، فالله عزَّ وجل حرَّمه ، لكن كلَّما ازداد إيمانك ، يزداد يقينك أن الذي حرَّمه الله ضارٌ بنا .

ذكرت لكم مرَّةً أن نقاشاً جرى بين عالمٍ من مصر وبين إنسان أمريكي أسلم حديثاً ، طرح موضوع لحم الخنزير ، وبدأ العالِم المصري يحدِّث زميله عن أخطار هذا اللحم ، وعن الدودة الشريطيَّة ، وعن تطبُّع الإنسان بطباع الخنزير ، وعن وعن ، فما كان من هذا المسلم الأمريكي إلا أن قال : يا أستاذ ، يا دكتور كان يكفيك أن تقول لي : إن الله حرَّمه ، فقط تكفيني هذه ، إذا الخبير قال لك : هذا حرام !!!

فالقضية قضية إيمان ، كلَّما ازداد إيمانك بالله يزداد تعظيمك لأمره ونهيه ، وكلَّما ازداد إجلالك لله يزداد إجلالك لأمره ونهيه ، ولكن من ضعف الإيمان أن نضع قضايا التشريع على بساط البحث ، مع أن المؤمن الصادق .. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

( سورة الأحزاب : من آية " 36 " )

فأول إشارة في هذه الآية : الله عزَّ وجل رحيمٌ بخلقه جميعاً ؛ مؤمنهم وكافرهم ، مهتديهم وضالُّهم، رحيمٌ بخلقه جميعاً ، فيا أيها الناس ، يا أيها الإنسان من أجل مصلحتك ، من أجل سلامتك ، من أجل سعاتك افعل ما أحللت وانته عما عنه نهيت ..

الحلال الطيِّب ، الطيِّب هو الذي تطيب به النفس ، الله عزَّ وجل خلق كل شيءٍ على صفةٍ كاملة ، فكل إنسان منحرف يفسد طبيعة هذا الشيء ، خلق الله المرأة زوجةً ، وأماً ، وأختاً ، وبنتاً ، لا يوجد في القاموس عشيقة ، لأنك تمتهنها ، لأنك تقطف جمالها ، ثم تلقيها في قارعة الطريق ، لأنها تعيش معك ، وهي ليست مطمئنةً ، ليس منها ولد ، ليس هناك ولد يرعاها حينما تكبر ، فانظر إلى التصميم الإلهي ؛ خلق الذكر والأنثى ، وخلق نظام الزوجية ، فأي علاقةٍ بين الرجل والمرأة خارج نطاق الزوجية فهي علاقة محرَّمة ، وعلاقة مُشقية للزوج وللزوجة .

أريد من هذه الآية أن يتضح لكم أنه انطلاقاً من حبك لذاتك ، أو بتعبيرٍ أكثر صراحةً انطلاقاً من أنانية الإنسان ، يجب أن يطيع الرحمن ، لأن كل طاعته لمصلحته ..

يا من آمنتم بي ويا من لم تؤمنوا بي ، خالق الكون يقول لكم :

فالخمرة حرمها الله ، والآن العالم الشرقي والغربي مع بعده عن الدين ، ومع إنكاره للأديان ، ومع كفره بالواحد الديَّان يعود إلى أحكام الدين لا على أنها دين ؛ ولكن على أنها نظامٌ ناجح . فالاتحاد السوفيتي قبل أن ينهار حرَّم الخمر ، قبل انهياره بعدة سنوات ـ على ما أذكر ـ حُرِمَ الخمر في كل البلاد طولها وعرضها ، لماذا ؟ لأنهم حسبوا الخسارة التي يدفعها الاتحاد السوفيتي من جرَّاء الخمر أرقاماً فلكيَّة ؛ ضعف في الإنتاج ، تشتُّت في الأسرة ، ضياع في الأموال ، حُرِم الخمر، والذي يحصل أن كلا الجهتين ـ شرقاً وغرباً ـ يعودون إلى الدين لا على أنه دين بل على أنه نظامٌ دقيق .

هل تصدقون أن بعض جامعات أمريكا خاصة للطلاب الذكور فقط ، وبعضها خاصة للطالبات ؟ هناك بلاد تجبر الوالد على تطهير ولده ـ على الختان ـ مع أنها سنةٌ إسلاميةٌ نبويَّة ، حينما يكتشف أن سرطان عنق الرحم يكاد يخلو من البلاد الإسلاميَّة بسبب الختان ، وكما اكتشف أن هناك أمراضاً علاجها بحركات الصلاة ، مرض انقلاب الرحم علاجه بحركاتٍ كالصلاة تماماً ، خالق الكون أمرك أن تصلي ، خالق الكون أمرك أن تصوم ، خالق الكون أمرك أن تحج ، أن تغضَّ البصر.

" ألكسي كرين " ، هذا مؤلف ألَّف كتاباً شهيراً ـ الإنسان ذلك المجهول ـ اكتشف لا من خلال النص الشرعي ؛ بل من خلال التجربة والتأمُّل والتحقق ، أن خير نظامٍ للبشرية أن يقصر الرجل طرفه على زوجةٍ واحدة ، أي غض البصر ، فحينما تكتشف ولكن بعد فوات الأوان أن غض البصر أحد أسباب السعادة الزوجية ، وأن الأكل المعتدل أحد أسباب الصحة، وأن التقيُّد بما أحل الله ، وترك ما حرَّم الله أحد أسباب السلامة ، الإنسان عندئذٍ يرى أن هذا الدين لصالحه .

أيها الإخوة ... لابدَّ من أن نفهم الأوامر والنواهي على أنها ضمانٌ لسلامتنا ؛ وليست حداً لحريَّتنا، لابدَّ من أن نفهم أوامر الدين على أنها ضمانٌ لسلامتنا وليست حداً لحريتنا ، إذا رأيت لوحة في الطريق كُتِبَ عليها " حقل ألغام ممنوع الاقتراب " ، هل تحقد على من وضع هذه اللوحة؟ أبداً ، بل يمتلئ قلبك امتناناً منه ، لأنه أراد سلامتك، هنا حقل ألغام لا تقترب ، فحينما تفهم أوامر الدين على أنها ضمان لسلامتك وليست حداً لحريتك ، عندئذٍ أنت قد فقهت أوامر الله عزَّ وجل.

فيا أيها الإخوة الكرام ...

ماذا يأكل الخنزير ؟ يأكل الجرذان ، يأكل الجيَف ، أكلته المفضَّلة أن يأكل خنزيراً ميِّتاً . نحن لو عقَّمناه ، لو وضعناه في مزارع ، هناك أخطار كثيرة قد لا ننتبه إليها ، ومن يقول : لمَ خلقه الله ؟ هذا حيوان له مهمة ، حينما تموت دابةٌ في الحقول ، وتفوح رائحةٌ منها لا تحتمل ، يأتي الخنزير فيأكلها ، وكأنه نظَّف هذا الحقل من هذه الجيفة ، مهمته أكل الجيَف ، فأصبح هذا الحيوان الذي مهمَّته أكل الجيف يُؤكل في بلادٍ طويلةٍ وعريضة ..

لا يوجد حرمان في الإسلام  ، دقِّق في قوله تعالى : وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ

( سورة البقرة : من آية " 35 " )

فالشيء المحرَّم نسبته إلى المحلَّل واحد بالمليار ، كم نوع لحم مسموح أن تأكله ؟ مئات ، بل ألوف، حُرِم لحم الخنزير فقط والميتة والدم ، كم نوع شراب محللٌ لك أن تشربه ؟ مئات ، بل عشرات المئات، محرمٌ عليك شرب الخمرة فقط ، فنسب الحرام للحلال نسبٌ ضئيلةٌ جداً ، ولابدَّ منها من أجل أن تصل إلى الجنة ، لو لم يكن هناك شيء محرَّم لما كانت هناك جنة ، كان الله عزَّ وجل قادراً أن لا يخلق خنزيراً ولا خمراً ، فبم تدخل الجنة ؟ كله مباح ، كله حلال ، فمن هو المطيع ؟ ومن هو العاصي ؟ لا جزاء ، ولا عقاب من دون منهج ، ومن دون تكليف ، فلابدَّ من التكليف ، ربنا عزَّ وجل أباح لنا كل الطيبات ، وحرَّم علينا الخبائث..

لكن ..

الشيطان أحياناً يغري بالمعصية ، تارةً لأسباب علميَّة ـ هكذا يوهم وليَّه ـ أنه مفيد ، إنتاجه غزير ، لحمه طري ـ فرضاً ـ دهنه جيد ، فهذا من اتباع خطوات الشيطان .

أنا مرَّة ـ القصة لها فائدة ـ كنت عند قريباً لي يعمل في إصلاح السيارات ، فنزع قطعةً من مكبح المركبة وألقاه ، قال : هذه القطعة لا لزوم لها . قلت له : ليس في الإمكان أن أناقشك في هذا الأمر ، لأنني لست مختصاً بالميكانيك ، ولكنني لا أصدق أن هناك خمسة آلاف مهندس في شركة عريقة جداً عمرها مئة سنة ، وأن تكون أنت أفهم من هؤلاء ، فأرجعها . استنباط عام ، أنا لا أصدق أن مخلوقاً يصيب والتشريع يخطئ ، مستحيل وألف مستحيل ، الله هو الخبير ، هو الخالق.

فكلَّما ازداد إيمانك بالله يزداد إيمانك بأحقية تشريعه ، إذا قال الله لك : غض بصرك ، ولو أتي مليون إنسان ليقنعوك أن إطلاق البصر يعمل توازناً ، يعمل راحة ، يخفِّف الضغط ، هذا كلام فارغ ، إذا كان خالق الكون يقول لك : غض البصر ، لا يوجد مخلوق يمكن أن تصغي إليه ، مستحيل ، إذا أمرك خالق الكون أن تؤدي الصلوات الخمس ، لا يمكن لمخلوق أن يقول لك : الصلوات تضيع الجهد ، كلَّما أردنا أن ننتج يأتي فرض الصلاة ، قف ، أذن ، توضأ ، ثم صلِّ ، هذا كلام فارغ ، بهذه الصلوات الخمس تُشحن شحنة روحيةً تعينك على أن تكون على منهج الله قائماً .

فعوِّد نفسك أنك إذا آمنت بالله الإيمان الصحيح ، لا يمكن أن تقبل من مخلوقٍ كائناً من كان كلاماً يصادم التشريع ، مستحيل ، هذا التشريع من عند الخالق .

عندك جهاز كمبيوتر أصابه خلل ، وبجانب بيتك محللان ؛ محل وكالة كمبيوتر وخضري ، بائع الخضار صالح جداً ، وتحبه كثيراً ، هل يمكن أن تدفع هذا الجهاز لصاحب البقالية ؟ مستحيل وألف مستحيل ، لأن هذا ليست اختصاصه ، هذا إنسان بائع جيد ، صاحب دين ، مستقيم ، طليق اللسان ، بشوش لكنه ليس مختصاً بهذا الجهاز ، أعطِ الجهاز للخبير .

وأنت أليس لك خبير ؟ أليس لك خالقٌ حكيم ؟ لماذا أمرك ونهاك هذا الخالق ؟ أليس ليسعدك ، ليسلِّمك ، فالعبرة أنه كلما ازداد إيمان الإنسان بالله ازداد تعظيمه لشرع الله ، وذلك حينما تؤمن بأن الله ذو الجلال والإكرام ، فكيف تجلُّ الله ؟ بإجلال أمره ونهيه ..

وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ( 30 )

( سورة الحج )

وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)

( سورة الحج )

فتعظيم الشعيرة ، وتعظيم الحرمات هذا دليل تعظيم الله عزَّ وجل..

كأن الله يريد أن يقول لنا ، أنا أطلب كل الناس للهدى ، أريد أن أسعد كل الناس ، أريد أن أهدي كل الناس ..

بالمناسبة أخطر شيء في حياة الإنسان ماذا يدخل إلى هذا الفم ، وماذا يخرج ؟ ماذا يدخل من طعام وماذا يخرج من كلام ؟ عدَّ الإمام الغزالي أربعة عشر آفةً من آفات اللسان ..

" إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ "*

( من سنن الترمذي : عن " أَبِي هُرَيْرَةَ " )

" لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ " *

( من مسند أحمد : عن "أنس بن مالك " )

 

ضبط اللسان جزء من الدين ؛ هناك غيبة ، ونميمة ، وبهتان ،  وسخرية ، ومحاكاة ، وتدليس ، وكذب ، واستهزاء هذه كلها من آفات اللسان ، أخطر شيء بالجسم هذا الفم ، ماذا يدخل إليه وماذا يخرج منه. قد تطعم نفسك طعاماً حلالاً طيِّباً ، لحم ضانٍ مذبوح وفق الشريعة الإسلاميَّة ، تكبيرٌ مع التزكية ، ولكنك اشتريت هذا الطعام بمالٍ حرام ، فهو حرام ..

"يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة "

( مجمع الزوائد )

إخواننا الكرام ... هناك نقطة مهمة جداً ، هناك حرامٌ لذاته وهناك حرامٌ لغيره . لو أكل الإنسان لحم الخنزير فهذا حرامٌ لذاته ، لأن لحم الخنزير محرَّم ، أما لو أكل لحم ضأنٍ بمالٍ حرام ، فهو حرامٌ لغيره ، فأطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة .

أهم شيء أن يكون مالك حلالاً ، اكتُسب لا عن طريق الكذب ، ولا عن طريق الاحتيال ، ولا عن طريق التدليس ، ولا عن طريق الاحتكار ، ولا عن طريق الإيهام ، ولا عن طريق الغش ، ولا عن طريق المُخادعة ، ولا عن طريق القوة والاغتصاب ، ولا عن طريق عملٍ لا يرضي الله عزَّ وجل ، لذلك ورد أنه يوم القيامة يحشر الناس أربعة فرقٍ ؛ فريق جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ أنفقه في حرام ـ على الموائد الخضراء والليالي الحمراء ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ الموضوع سهل جداً ، حساب سريع جداً ـ وفريق جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ أنفقه في حلال ـ تزوج واشترى بيتاً ـ فيقال : خذوه إلى النارـ طبعاً ومن باب أولى فريقٌ جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ، أما الذي جمع المال من حلال وأنفقه في حلال ـ هذا يحاسب ـ قفوه فاسألوه ؟ هل تاه بماله على عباد الله ؟ هل ضيَّع فرض صلاةٍ وهو منشغلٌ بماله ؟ هل قال من حوله : يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا ؟ يقول عليه الصلاة والسلام : " وما زال يسأل ويُسأل " ، فقضية أن تأكل طعاماً بمالٍ حلال قضية خطيرة جداً ..

"يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة "

( مجمع الزوائد )

فالعبد يكون .. " مطعمه حرامًا ، وملبسه حرامًا ، وغذي بالحرام ، يرفع يده فيقول : يا رب يا رب ، فأنى يستجاب لذلك " .

( تخريج أحاديث الإحياء )

هل من الممكن أن يكون عملك إصلاح أجهزة بنيت على إفساد الأخلاق ؟ ويقول لك : العمل عبادة . من قال هذا ؟ أي عمل عبادة !! ولو بعت أجهزةً تفسد الأُسر ؟! ولو بعت دخاناً ؟! ولو بعت شيئاً محرماً؟! من قال لك ذلك ؟ أخطر شيء بحياة المؤمن زوجته وعمله ، لأنهما ألصق شيءٍ به ، فالمؤمن الموفَّق يختار زوجةً صالحة ، وعملاً طيباً مشروعاً ، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، فهنا..

لها معنيان ، أن تأكل شيئاً أباحه الله لك فهو حلال لذاته ، وأن تأكل شيئاً حلالاً دفعت ثمنه من مالك الحلال ، أي لا يكفي أن تأكل تفاحاً، التفاح ليس هناك من يحرِّمه إطلاقاً ، أما إذا اشتريت التفاح بمالٍ حرام فمحرمٌ أن تأكله، فالحلال ما كان حلالاً لذاته وحلالاً لغيره ، والحرام ما كان حراماً لذاته وحراماً لغيره .

ولعل كلمة حرام أنها تحرم الإنسان من السعادة في الدنيا والآخرة، ولعل كلمة حلالاً طيباً أن النفس تحلو به وتطيب ..

كلامٌ دقيق ، يقول لك مثلاً : العمل حلال ، الشغل عبادة ، فإذا كان عمله في دار تطبع كتباً فيها الإلحاد ، فيها تزوير الحقائق ، يقول لك : هذه دار نشر أنا ليس لي علاقة ، هذا الكتاب طبعته أنت ، وروَّجته أنت، وبعته أنت ، وأفسد عقائد الناس فكيف ليس لك علاقة ؟ .

أنا أؤجر بيتاً ، أنت تؤجره بالليلة بعشرة آلاف وعلماً أن أجر أضخم فندق خمسة آلاف بالليلة الواحدة ، معنى هناك في مشكلة ، ليست قضية أناس نائمين فقط ، ولكن هناك قضية ثانية ، هذا البيت صار بيت دعارة ، وتقول : أنا ليس لي علاقة ، كلا أنت لك علاقة ، فقضية الإنسان أن يتحرى الحلال في دخله ، وفي طعامه ، وفي شرابه والله لا أبالغ لعل ذلك أربعة أخماس الدين أن يكون مالك حلالاً وطعامك حلالاً .

زرت رجلاً ـ والد صديقي ـ قال لي : أنا عمري ستة وتسعون سنة ، أجريت فحصاً كاملاً شاملاً للدم والبول ، قال لي : الحمد لله كله طبيعي ، ستة وتسعون سنة وكل فحوص الدم صحيحة، طبيعيَّة ، كل فحوص البول طبيعية ، قال لي : والله لم آكل قرش حرام في حياتي .

دخل رجل إلى بيتي زائراً قال لي : كم تقدِّر عمري ؟ قلت له : ستين ، قال لي : هو ستة وسبعون ، قال لي : والله قوتي كالحصان ، بإمكاني أن أهد هذا الحائط ولا أشكو شيئاً ـ على أنه لا يعتني بصحتنا إطلاقاً ـ قال لي : أنا عملت في سلك معين ، والسلك دقيق جداً ، وفيه مزالق دقيقة جداً ، عملت في هذا السلك أربعين عاماً ، ولم آكل ليرةً واحدةً حراماً ، قال لي : أصبت بإصابة كبيرة جداً كادت تودي بحياتي ، قلت لربي وأنا مضجع على طاولة العمليات : يا رب إن كنت آذيت لك عبداً من عبيدك واحداً فأمتني وإلا فعالجني يا رب ، قال لي : أنقذني الله .

قضية أساسية أن يكون دخلك حلالاً ، شيء مهم جداً أن يكون مالك حلالاً ، وأن تشتري به طعاماً حلالاً ، المال حلال ، والطعام حلال.. "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " .

( مجمع الزوائد )

رجل كان يعلِّم ، فتح مدرسة شرعية ، كان يعلم الطلاب ، بدأ التعليم بالثامنة عشرة من عمره ، واستمر حتى الثامنة والتسعين ، علَّم ثمانين عاماً ، وكان من عادته أنه إذا رأى أحد طلابه في الطريق يقول له : يا بني أنت طالب عندي ، يقول له : نعم يا سيدي ، وكان أبوك طالبًا عندي ، يقول له : نعم ، وكان جدك طالبًا عندي ، الأب والابن والجد طلاب هذا الإنسان ، علم ثمانين سنة ، والذي وصفه تماماً أنه كان منتصب القامة ، بصره حاد ، سمعه مرهف ، أسنانه في فمه . يا سيدي ما هذه الصحة ؟ يقول : يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً.

أيها الإخوة كل شيء بثمنه ، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، أطب مطعمك تعش حياةً هادئةً طيبةً مباركةً ، الحلال قليل ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله الحلال صعباً والحرام سهلاً ، وطبعاً كمثل حاد جداً :

الآن هناك صرعة بأمريكا ، أن يضع الإنسان آلة تصوير في غرفة نومه، ويعرض نفسه على الإنترنت ، دخله بالسنة مليونَا دولار ،وكذلك تهريب الحشيش غالٍ جداً ، إذا أردت أن تلغي القيَم فهناك دخول كبيرة جداً ،والحرام سهل ، وفير ، افتح ملهى ، تجد زبائن ليلاً ونهارًا ، والله قال لي شخص : أرباحه رقم فلكي ، الشيء المشروع صعب ، هذه حكمة أرادها الله ، أراد أن يكون الحلال صعباً والحرام سهلاً .

ما الذي يحصل لو أن الأمر معكوس ؟ لو كان الحرام صعباً ، والحلال سهلاً ، لأقبل الناس جميعاً على الحلال ، لا حباً بالحلال ، ولا طاعةً للرحمن ، ولا خوفاً من النيران ، أبداً بل لأنه سهل ، لكن ربنا عز وجل فرز الناس ، جعل امرأة تخدم بالبيوت ، ثماني ساعات بثلاثمئة ليرة، أما المومس فتأخذها في خمس دقائق ، تأخذ خمس آلاف في خمس دقائق ، فهناك الفرق كبير جداً ، لذلك الحلال صعب ، والحرام سهل .

قد تشتغل سنة ، تشتري بضاعة ، وتبيع البضاعة ، تجمع ثمن البضاعة ، وديون ، تربح ما يغطي  نفقاتك ، وهناك طرائق أخرى غير مشروعة للكسب ، تجد ملايين مملينة تأخذها بأشهر ، فلحكمةٍ بالغة ، بالغة، بالغة جعل الله الحلال صعباً ، وهو وسام شرف ، والحرام سهلاً، فإذا اختار الواحد الطريق الصعب هذا وسام شرف له ، ليفتخر ، لا يقول : رفيقي صار مليونيرًا بسنتين !! إذا  كان سقط بالمعصية لو كانت ولا كانت هذه الثروة ، أما أنت مقيم على أمر الله عز وجل .

سبحان الله الحلال معه سعادة ، أما الحرام فمعه لذَّة آنية تنتهي بكآبة ، لذة متناقصة تنتهي بكآبة ، يكون دخل الإنسان كله حلال ، بيته متواضع لكن الله عز وجل يضفي على هذا البيت تجلي ، سعادة ، فيصبح البيت قطعة من الجنة ، هو صغير ، فرشه متواضع ، الأكل درجة خامسة ، الثياب قد تكون درجة عاشرة ؛ لكن هناك استقامة ، والأمر الإلهي مطبق في هذا البيت ، الزوجة مؤمنة ، الزوج مؤمن ، تقام فيه الصلوات يذكر الله فيه ، بربك ألا تعلم أنك قد تكون في مكان متواضع جداً وأنت في قمة السعادة ، وقد تكون في مكان فخم جداً وأنت في عذابٍ شديد ، هذه قاعدة .. أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة  .

الآن دققوا :

أضرب أمثلة : أنت عندك عيال ، أيْ : غشَّ الناس ، ارتشِ ، اسرقْ ، عندك عيال ، هل إذا استقمت لا يرزقك الله ؟ الله يرزق فقط المنحرف ؟ لأنك خفت منه تعيش متسولاً ؟ هكذا ظنك بالله عز وجل ؟! والله ، والله ، والله لزوال الكون أهون على الله من أن تخاف منه ويضيِّعك ، أنت خائف منه ، هذه حرام لا أريدها ، هذه فيها شبهة لا أريدها ، هذه لا ترضي الله ، أتصبح وراء الناس !! والذي لم يسأل ، ولم يرد ، ولم يتَّعظ هو الغني ، أهكذا ظنك بالله ؟أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)

( سورة الجاثية )

وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا

( سورة القصص : من آية " 57 " )

هكذا ؟ هذا شيء يُطرح كل يوم ، إذا  لم أعمل هكذا أموت من جوعي ، لا إذاً اكذب ؛ غش ، واكذب ، ودلس ، أخي إذا أنا لم أكذب لا أعيش كمحام ، من قال لك ذلك ؟ محام مؤمن لا يتسلم إلا القضية التي فيها ظلم ، ويدافع عن المظلوم أيخذله الله عز وجل ؟ مستحيل ، صار هناك منطق ، للأحداث غريب جداً ، يجب أن تعصي الله .

يقول لك : أنت عندك أولاد ، أو يقول : ضع رأسك بين الرؤوس ، وقل : يا قطاع الرؤوس ، مثلك مثل هؤلاء الناس ، فإذا كان كل الناس منحرفين أتنجو أنت ؟! إذا انحرف الناس كلهم أخلصتَ أنت ؟ لا تخلص ، هذه خطوات شيطانية ، فلان معه مبلغ ، غني ، ليس له حاجة . من قال لك هذا ؟ الغنى والفقر ليس له علاقة بالحقوق ، أدِّ الذي عليك ولو كان غنياً .

أقصد من هذه الكلمة أن هناك آلاف الوساوس التي يلقيها الشيطان على الإنسان كي يعصي الله ..

كي لا تكسب مالاً حراماً ..

بعت واحداً بيعة ، جاءك بعد دقائق وقال لك : والله ندمت ، هل من الممكن أن أرجعها ؟ لكنك تجيبه : لا أستطيع ، فهذه البيعة تخسر ألف ليرة ، لمَ تأكل هذا المال ؟ لم يفكر بعد ، وهي مازالت بغلافها ، لك أن تنفذ البيع ، لأن البيع فيه إيجاب وقبول ، لعدم وجود الجهالة ، ولك أن تقيل عثرته ، ف .." من أقال نادماً بيعته ، أقال اللّه عثرته يوم القيامة " .

( نصب الراية )

أما أن تأخذ ألفاً مقابل إعادتها ، ليس لك حق أن تأخذها ، وهذه ليس لها وجه شرعي .

يا إخواننا الكرام ... رجاءً دققوا آلاف المرات في الكسب ، إذا كان الكسب حلال يبارك الله عز وجل بهذا الكسب ، يبارك به ، مبلغٍ ضئيل تفعل به الشيء الكثير ، ولكن والله لا أعلم كيف يتم لا أعلم ذلك ؟ تسميها العناية الإلهية المباشرة ، قد تجد إنساناً دخله غير معقول ، قليل ، ولا توجد عنده مشكلة ، أموره كلها ميسَّرة ؛ آكل ، شارب ، لابس ، نائم ، والله ليس معقول ، هذا اسمه البركة ، أتت من القرآن ، يقول لك: بارك الله بك ، أي أن الله عز وجل يعطيك الكثير من القليل ، إذا كان الإنسان حراماً يذهب الله عز وجل ماله بأسبابٍ تافهة ، تجد مصادرات ، ومخالفات ، وأخطاء بسيطة يدفع مبالغ طائلة .

عدوٌ مبين ، أي : أنتبه لأي وسوسة ، حدثني أحد إخواننا الدعاة ـ كان له والد صالح جداً ـ قال له : يا بني إذا حدثتك نفسك بعمل صالح ، أو بإنفاق ، ثم جاء الشيطان وقال لك : لا تنفق . عاقبه، قال له : كيف أعاقبه ؟ قال له : ادفع الضعف ، عاقبه . المؤمن الصادق دائماً عنده حساسية للشيطان ، هذا الخاطر شيطاني ، هذا التبرير شيطاني ، هذا التعليل شيطاني ، هذا التزيين شيطاني ، فكثير من الأشخاص يستجيب للشيطان ..

يأمركم بشيءٍ يسوؤكم ، ويأمركم بشيءٍ يفضحكم ..

عندنا أخ لديه محل ، عين موظفاً حديث عهد بالزواج ، له زوجة دنيوية مادية ، ضغطت عليه ، والراتب لا يكفي ، فصار يبيع ويضع المال في جيبه ، الأمر سهلاً ، يأتي المعلم الساعة الحادية عشر ، يكون قد باع بخمسمئة أو بستمئة وضعها في جيبه ، وجد صاحب المحل هناك نقصاً في البضاعة ، هناك خلل في المحل ، فهذا الأخ كلَّف صديقاً له أن يأتي إلى المحل الساعة العاشرة ويشتري حاجة بألف ليرة ، ثم أتى صاحبُ المحل الساعة الحادية عشر ، وقال له : يا فلان هل أتى أحد ؟ يقول له : أبداً ، هل بعت ؟ لا ، لم أبع ، وكان قد اتفق مع صديقه أن يرجع الساعة الثانية عشر ليرجع الحاجة ، فجاء : أريد أن أرجعها ، قال له : متى أخذتها ؟ قال له : اليوم الساعة التاسعة ، ما هذا الكلام ؟ ألم تقل لم أبع شيئًا ؟ انتهى ، طرده من العمل ، لم يترك واسطة للتوسط له ، وأصبح بلا عمل ، ماذا قال له الشيطان ؟ الآن صاحب المحل لا يدري ، ولا يوجد عنده جرد دقيق ، وأنت بحاجة ، هو حالته المادية جيدة ، لكن الله فضحه .

دقق في القصص : تجد إنساناً يمد يده للحرام ، يدمره الله ، يظن نفسه ذكياً إلى حين ، يزور ، يزيد صفراً ، أو يمحو صفراً ، ليدبر حاله ، يجمع ثروات طائلة ، بعد ذلك ، يبطش به ، يلقى في السجن ، يعذب ، فأين المال ؟ الشيطان دائماً يأمر الإنسان بعملٍ يسوؤه ، أو يفضحه .

مثلاً : هؤلاء الذين أخذوا الصائغ وقتلوه ، وأخذوا منه ثلاثة عشر كيلو ذهب ـ بالقلمون ـ بعد أيام عدة أعدموا جميعاً ، فأين المال ؟ استرد المال  ، أعطيكم حالات حادة ، هناك حالات أخف ، فكل إنسان يستجيب للشيطان يدفعه الله عز وجل الثمن باهظ ..

ما يسوؤكم ..

ما يفضحكم ..

يقول لك : لا تدقق ، لن يحاسبك الله ، النبي سيشفع لك ، الذين اخترعوا هذه الشفاعة ، الشفاعة حق يا إخواننا ، لكن لها شروط ، ولها تعاريف دقيقة ، ولها خصائص ، أما يفهمها الناس فهماً ساذجاً ، فهما سخيفًا جداً : " ادخل أنت ، وهو الجنة ، وخلصونا " ، مهما فعل من كبائر يدخل إلى الجنة بشفاعة النبي ، ومع أن الله عز وجل يقول : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)

( سورة الزمر )

 

مستحيل .. " يا فاطمة بنت محمد ، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ، لا يأتيني الناس بأعمالهم ، وتأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه " .

هذه :

     

إذاً :

ما يسوؤكم .

ما يفضحكم ..

إخواننا الكرام ... أريد أن أؤكد لكم أن الشيطان يدخل على بني آدم أو على المؤمن من باب كسب رزقه ، فخطواته أن هذه حلال ، هذه فيها فتوى ، هذه قضية خلافية ، هذه بلوى عامة ، هذه أنت مضطر ، أنت عندك أولاد ، هذا غني وليس له حاجة بالمبلغ ، لم يدر به فخذه ، هذه كلها خطوات الشيطان ، فكلما جاء للمؤمن خاطر من هذه الخطرات ، ينبغي أن يصدَّه ، وأن يقيم الدليل الشرعي على خطأ الشيطان..

فتكاد تكون كل مصائب الناس من اتباع خطوات الشيطان ، ادخل إلى السجن ، كل هؤلاء المساجين من دون استثناء ، أو ما خلا قلةً قليلةً دخلوا إلى السجن بسبب اتباع خطوات الشيطان ، طبعاً الجرائم المدنية ، الجرائم العادية ، معنى هذا أن الإنسان معرض لوسوسة الشيطان ، فإذا اتبعه هلك في الدنيا والآخرة ، فالإنسان يجب أن يكون يقظاً ، ينبغي أن يرفض أي خاطر يتناقض مع الكتاب والسنة ، ويتناقض مع منهج الله ، وأن يكون دقيقاً يقظاً ، والمؤمن كيسٌ ، فطنٌ ، حذر.

ثم يقول الله عز وجل :

      الإنسان مبرمج أن يقلد ، لكنه مبرمج أن يقلد لفترة محدودة من حياته ، الطفل الصغير يقلِّد آباه في مأكله ، ومشربه ، ومطعمه ، حتى أكثر أولاد المؤمنين إذا قام الأب ليصلي يصلي بجانبه ، هكذا فُطر الإنسان ، والتقليد لصالح الإنسان ، لكن بعد مرحلة معينة ينتهي التقليد لا بد من التحقيق .

لذلك : العقيدة الصحيحة لا تقبل إن كانت تقليداً ، لا تقبل إلا إن كانت تحقيقاً ، فالتقليد مرحلة من مراحل تربية الإنسان ، لكن بعد حين ! أما لذي يحصل أن هؤلاء الأتباع يقلدون المتبوعين فيما يحلوا لهم ، يقول لك : هكذا نشأت أنا . لكن كم إنسان نشأ في بيئة غير متعلمة ، وأخذ دكتوراه؟  لماذا لم يقبل بوضع أهله ؟ كم إنسان من نشأ في بيئة فقيرة ، وأصبح مليونيراً ؟ لماذا رفض هذا الشاب واقع أهله ؟ إذاً هو لا يقلِّد ، هو في الحقيقة يخط لنفسه منهجاً يراه صحيحاً ، أما حينما يدَّعي أنه يقلد أعجبه سلوك آبائه المنحرفين فقلدهم ..

هذا الكلام فيه كذب ، أنت في أمور دنياك لا تقلِّد ، كم إنسان خرج عن نمط أسرته ، وعن بيئته ، وخطط لنفسه خطاً آخر لأنه يحقق مصالحه ، أما حينما يدَّعي أنه يتبع آبائه ، هو لأنه أَلِفَ هذه المعاصي وراقت له ، فادعى أنه يتبع آباءه ..

لأن ما أنزله الله يحوي قيوداً ، قيوداً لشهواتهم ، هم يحبون التحرر من هذه القيود فيدعون أنهم يتَّبعون ..

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi