English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :57/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات " 174 ـ 176 " .

تفريغ           : المهندس عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السابع والخمسين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الرابعة والسبعين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

      أيها الإخوة الكرام ... الله جل جلاله أنزل تشريعاً ومنهجاً على رُسُله ، ليضبط حركة الناس في الحياة ، لأن الناس كائناتٌ أودعت فيهم الشهوات ، بمقتضى هذه الشهوات يتحركون، الدافع إلى الطعام والشراب ، يدفع الإنسان إلى العمل ، ليشتري بأجرته طعاماً يأكله هو وأولاده ، وهذا من أجل الحفاظ على بقاء الفرد ، والدافع إلى الجنس يقتضي أن يحافظ الإنسان به على النوع ، وهذا يقتضي شراء بيت ، وتأثيث البيت ، وخطبة فتاة ، والاقتران بها ، وإنجاب الأولاد ، هذه الدوافع الأصيلة في الإنسان تدفع الإنسان إلى الحركة ، حركة الناس في الحياة .

       انظر إلى طريقٍ مزدحمٍ بالمارَّة والسيارات ، كل إنسانٍ يسعى إلى هدف ، هذه حركة ، لولا هذه الدوافع التي أودعها الله في الإنسان لما رأيت حركةً في الحياة ، حركة الناس في الحياة ، هذه الحركة جاء منهج الله ليضبطها ، ليجعلها في صالح الإنسان في دنياه وفي أخراه.

       أيها الإخوة ... الإنسان محكوم في هذه الدنيا بأحكام شرعية ، كل شيء له حكم شرعي؛ هذا حلال ، هذا مباح ، هذا حرام ، هذا مكروه ، هذا مكروه تنزيهاً ، هذا مكروه تحريماً ، هذه سنة ، هذه سنة مؤكدة ، هذا واجب ، هذا فرض ، أي شيءٍ يمكن أن تتحرك من خلاله، له حكمٌ شرعي ، لماذا جاء الشرع ؟ جاء ليضبط حركة الإنسان في الحياة ، ليأمره أن يفعل وألا يفعل ، إن أمره ألا يفعل ينبغي ألا يتوهم الإنسان أن هذا النهي قيدٌ لحريته ، إنما هو ضمانٌ لسلامته .

       فإذا حرم الله على الإنسان أن يسرق ، قد يتصور أن هذا قيد ، أنت محرمٌ عليك أن تسرق ، ومحرمٌ على ألف مليون أن يسرقوا منك ، لصالح من ؟ محرمٌ عليك أن تفعل الفاحشة، ومحرمٌ على ألف مليون أن يفعلوا مع من يلوذوا بك الفاحشة ، هذا الشرع لكل المؤمنين ، بالأصل لكل الناس كافةً لضبط حركتهم في الحياة ، حينما تتوهم أن هذا الشرع قيدٌ لحريتك فأنت لا تعرف شيئاً ، إنما هو ضمانٌ لسلامتك ، وإذا منعك من شيء ، منع كل الناس من هذا الشيء ضماناً لمصالحك ، وضماناً لحريتك ، وضماناً لكرامتك .

      إذن هذا المنهج هو الذي يسعد الناس في الدنيا ويسعدهم في الآخرة ، منهج الله ، الأمر والنهي ، ويسبقه معرفة الله ، هذا الذي يكتم هذا المنهج عن الناس ، أو يشوِّهه ، أو يزوِّره ، أو يختلق منهجاً ويعزوه إلى منهج السماء ، ماذا فعل ؟ هذا أفسد على الناس طريق سلامتهم وسعادتهم ، فأن تكتم الحق هذه جريمة كبيرة ، لأنك إن كتمت الحق أشقيت الناس ، الإنسان لا يسعد إلا إذا طبق منهج الله .

       لا يسعد ، و الأدق من ذلك لا يسلم ، ولا يسعد إلا إذا طبق منهج الله ، فإذا أغفلت هذا المنهج أو كتمته ، أو عتَّمت عليه ، أو شوَّهته ، أو زوَّرته، أو أدخلت فيه ما ليس منه ، أو حذفت منه ، ماذا فعلت ؟ هذه جريمة .

       لذلك هذا المنهج من يقيِّم ثمنه الحقيقي ؟ واضعه ، الذي أنزل هذا المنهج هو الذي يقيِّم ثمنه ، ثمنه الجنة ، هذا الثمن أبدي ، هذا الثمن مستمر، هذا الثمن تصاعدي ، أما هذا الذي يكتم المنهج ليأخذ بهذا الكتمان ثمناً قليلاً ، بخساً ، آنياً ، منقطعاً ، هو أكبر خاسر .

      فلو فرضنا أن معملاً فيه ألف عامل ، وفيه تعليمات دقيقة ، قد يكون معملاً كيميائياً ، أو معملاً إلكترونياً فيه طاقة عالية جداً ، وفيه تعليمات دقيقة جداً لسلامة العمال ، ولنجاحهم في عملهم ، فلو أن أحد الموظفين كتم هذه التعليمات ، فحصل انفجار أودى بثلثي عمال هذا المعمل ، هذه أكبر جريمة .

    هذا المثل يمكن أن يوسَّع :

      هذا الذي يكتم ما أنزل الله ، يعتِّم ، يزوِّر ، يدخل ما ليس فيه ، يحذف منه ما هو أساسي، شوَّه هذا المنهج ، لم يعُد صالحاً لسلامة الناس ولا لسعادتهم ، كفر الناس به ، ابتعدوا عنه ، أجرم بحق هؤلاء جميعاً .

       فلذلك تطبيق هذا المنهج ثمنه الجنة ، وهذا هو الثمن الذي وضعه الله لمن يطبِّقه .

       الآن قد يخطر في بال إنسان أن يفتي فتوى يرضي بها بعض الأغنياء ، سيعطونه مبلغاً كبيراً ، أو مكانةً عاليةً ، أو يهدونه شيئاً ثميناُ ، هو بقصور عقله توهَّم أن هذه المرتبة تساوي هذه الفتوى بثمن ، ماذا فعل هذا الإنسان ؟ اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ، لذلك قال الله تعالى :

   لماذا هم يكتمون ؟ من أجل عرضٍ من الدنيا قليل .. " الدنيا تغر وتضر وتمر " .

( من شرح الجامع الصغير : عن " عمرو بن مُرَّة " )

       الدنيا زائلة ، الدنيا منقطعة ، الدنيا فانية ، فهذا الذي أخذ ثمناً بخساً؛ مالاً ، أو مكانةً ، أو هديةً ، وكتم ما أنزل الله ، أي أفتى بخلاف ما يعلم ، لا أقول أفتى بلا علم ، هذا الآخر له حساب آخر ، ولكنه أفتى بخلاف ما يعلم، هو يعلم الحقيقة ، ويعلم الحكم الشرعي ، ويعلم المنهج الصحيح ، لكنه كتم هذا المنهج مقابل ثمنٍ بخسٍ في الدنيا ، وهذا المنهج ثمنه الجنة ، ثمنه جنةٌ عرضها السماوات والأرض خالدين فيها أبداً ، ثمنه سعادةٌ أبديةٌ مستمرةٌ متناهية ، فهو قبض ثمناً بخساً مقابل كتمان هذا المنهج ، فقال تعالى :

     فاليهود كتموا صفات النبي التي في توراتهم عن مشركي مكة ، وعن مشركي العرب ، حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ

( سورة البقرة : من آية " 109 " )

       بغياً وحسداً ، من أجل أن تبقى لهم زعامتهم ، ومكانتهم ، ورئاستهم فكتموا هذا المنهج ، وأي إنسان حفاظاً على مكاسبه الدنيوية سكت عن الحق ، هذا تنطبق عليه هذه الآية ، حفاظاً على مكانته ، حفاظاً على مكاسبه ، حفاظاً على ميزاتٍ حصَّلها بجهدٍ جهيد ، فكتم الحق ونطق بالباطل إرضاءً لقويّ ، هذا تنطبق عليه هذه الآية :

       بهذا الكتمان ..

       بهذا الكتمان ..

     خالق السماوات والأرض قال : هذا ثمن قليل ، فمثلاً لو كان عندك قطعة ألماس ، أنا شاهدت قطعة في متحف باستنبول قطعة ألماس ثمنها مائة وخمسون مليون دولار ، هي أضخم قطعة ألماس في العالم فيما كُتِبَ عنها ، لكن لو أن إنسانًا باعها بمائة ليرة ، ألم يبعها بثمنٍ بخس ؟! والأمر أبلغ من ذلك ، سعادة أبدية باعها ببيت ، باعــها بمنصب ، باعها بسيارة ..

      فالإنسان حاجته للثمن في الدرجة الأولى ليشتري به الطعام والشراب ، الحاجة الأولى هي الطعام والشراب ـ الجنس تأتي بعدها ـ ليشتري به طعاماً ، هذا الطعام الذي اشتراه به، الذي دفع ثمنه ، هذا المكسب الذي جاءه من كتمان العلم ، قال : هذا الطعام كأنه نارٌ تحرقه ، فهو في الحال طعام أما في المآل نار .

       لو أن إنساناً غشَّ المسلمين ببضاعةٍ ، عنده معمل أغذية وغشَّهم في هذه الأغذية ، وغشَّهم بشكلٍ مؤذٍ ، وحقق أرباحاً طائلة ، واشترى مثلاً مزرعة ، ومسبحاً ، وبيتاً جميلاً ، هذا الذي اشتراه هو في الحال مزرعة ، أما في المآل فجهنم ـ كلام دقيق ـ في الحال طعام أكله ، إذا كان لشخص دخل حرام قد يشتري أطيب الطعام ، وقد يسكن أجمل بيت ، وقد يركب أجمل مركبة ، لكن هذا الشيء حالياً طعام ، وبيت ، ومركبة ، أما مآلاً فنارٌ تحرقه ..

     هذا والله كلامٌ مخيف ، فقبل أن تقف موقفاً ، قبل أن توافق ، قبل أن ترفض ، قبل أن تداهن ، قبل أن تبتسم ، قبل أن تنافق ، قبل أن تقول كلاماً لست مقتنعًا به إطلاقاً ، عد للمليون  ، لأن هذا الموقف سُجِّل عليك ، وأنت محسوبٌ على المؤمنين ..

   طبعاً أنزلت هذه الآية في اليهود ، الذين كتموا صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، حفاظاً على زعامتهم ومكانتهم ومكاسبهم ، أو بغياً وحسداً منهم للنبي عليه الصلاة والسلام .

       ولكن هذه الآية وإن نزلت في هؤلاء الذين كتموا صفات النبي ، لا يمنع أن تكون عامةً شاملةً تشمل كل إنسانٍ سكت عن الحق إرضاءً لجهة ما ، وقد حقق من هذا السكوت مكاسب كبيرة ، هذه المكاسب بكل أنواعها إنما هي نارٌ سوف تحرقه .

       فأحياناً إنسان يكون كالمنديل ، تُمسَح به أقذر عملية ثم يلقى في المهملات ، أنت لله ، أنت أخطر من ذلك ، فهؤلاء الذين ..

      أيها الإخوة ... ربُنا عز وجل يقول  :الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ

( سورة الأحزاب : من آية " 39 " )

     إن لهؤلاء الدعاة آلاف الصفات ، الله عز وجل أغفلها كلها إلا صفةً واحدة ، هذه الصفة أنهم لا يخافون في الله لومة لائم ، ينطقون بالحق ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، لو أنهم نطقوا بالباطل خوفاً من جهةٍ ما ، أو نطقوا أو سكتوا عن الحق خوفاً من جهةٍ ما ، لسقطت دعوتهم ، ماذا بقي من دعوتهم ؟

       فيا أيها الإخوة الكرام ...

      أي أن كل المكاسب التي حصَّلوها إنما هي نارٌ سوف تحرقهم ، والله قال لي مرة أحدهم: إنسان له مهنة أساسها فيها ثقة ، كطبيب يقول لك : حلل ، تُحلل ، اشترِ هذا الدواء ، تشتريه، لابد من إجراء عملية ، عملية ، فالمهنة أصحابها موثوقون ، وفي الأعم الأغلب هؤلاء كذلك ، أما إذا كان في حالات شاذة ، كإنسان مثلاً من أجل تجميع أكبر ثروة ممكنة ، غش الناس في صحتهم ، اقترح عليهم إجراء عمليات ليسوا بحاجة إليها ، وحقق أرباحاً كبيرة منها ، واشترى بيت فخم ، واشترى مزرعة فخمة ، الإنسان البصير الذي أوتي فراسةً يرى أن هذا البيت كأنه يشتعل بهم ، وأن هذه المزرعة كأنها تشتعل بهم ، حينما تحصِّل مالاً حراماً على حساب صحة الناس ، أو على حساب سلامتهم ، أو على حساب أمنهم ، أو على حساب استقرارهم ، أو على حساب عواطفهم النبيلة .

       فبأوروبا هناك من يخطف الأطفال ، يطلب مليون دولار ، والأب يدفع ، لكن هذا استغل العواطف المقدسة التي بين الآباء والأبناء ، وابتز بها أموال الناس ، فكل إنسان يبتز أموال الناس وعلى حساب قِيَمه ومبادئه هذا يأكل النار ..

      طبعاً العلماء قالوا : لا يكلمهم كلاماً مؤنساً ، الله عز وجل يلعنهم ، رب العالمين قد يرسل الملائكة لتلقي السلام على المؤمنين .. تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ

( سورة الأحزاب : من آية " 44 " )

       رب العالمين آنس سيدنا موسى ، إنسان يجلس ببيت ، جاء طفل ابن صاحب البيت ومعه لعبة ، إذا أحب هذا الضيف أن يؤنس هذا الطفل الصغير ، ماذا يقول له ؟ ما هذه التي بيدك ؟ الضيف بالغ ، عاقل راشد، ألا يعلم ما هي ؟ لعبة ، يقول لهذا الطفل الصغير : ما هذه التي بيدك ؟ هذا كلام إيناس ، كلام تحبب ، كلام فيه مودة ، فربُنا عز وجل قال : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(17)

( سورة طه )

       هذا كلام إيناس ، سيدنا موسى كان يُجزئه أن يقول : عصا ، لكنها فرصة لا تعوّض أن رب العالمين يكلمه ، قال :قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ...

       مفهوم .. وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي

( سورة طه : من آية " 18 " )

       أيضاً مفهوم ، يريد أن يطيل الحديث ، أن يطيل الكلام مع الله عز وجل قال :قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي

( سورة طه : من آية " 18 " )

       وأراد أن يسمح الله له أن يطيل أكثر وأكثر فقال : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18)

( سورة طه )

       أي كأنه يتمنى أن يقول الله له : وما هذه المآرب يا موسى ؟ يريده حديثاً طويلاً جداً ، هذا كلام إيناس أيها الإخوة ، كلام تحبب ، كلام ود ، في الجنة كما تعلمون أنهار من عسلٍ مصفَّى ، فيها أنهارٌ من خمرٍ ..وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ

( سورة محمد : من آية " 15 " )

       وفيها ..وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ

( سورة محمد : من آية " 15 " )

فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ

( سورة محمد : من آية " 15 " )

       فيها جنَّات ، بساتين تجري من تحتها الأنهار ، فيها حور عين ، فيها ولدان مخلدون ، فيها فواكه مما يشتهون ..قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)

( سورة الحاقة )

لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ(33)

( سورة الواقعة )

       هذه كلها أشياء حسية ، لكن فيها أعظم من ذلك ، فيها النظر إلى وجه الله الكريم .

" إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر ".

)من رياض الصالحين : عن " جرير بن عبد الله " )

       قال تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)

( سورة القيامة )

       فأنت لو دخلت بيتاً ، ودعيت إلى طعام نفيس جداً ، الطعام ، والشراب ، والمُقبلات ، والفواكه ، والحلويات ، وبعدها تمتَّعت بمنظر صاحب هذا البيت له وجهٌ كالبدر ، أهذا أعلى شيء ؟ لا هناك أعلى ، الأعلى من ذلك أن يقول لك صاحب البيت : أهلاً وسهلاً ، أكرمتنا بهذه الزيارة ، أنِسنا بك يا أخي ، نوَّرت هذا السكن ، ترحيب صاحب البيت فوق التمتُّع برؤية وجهه ، وفوق التمتع بطعامه وشرابه ، لذلك قال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ

( سورة التوبة : من آية " 72 " )

       هناك جنةٌ فيها ما تشتهي الأنفس ، وتلذ الأعين ، وفيها نظرٌ إلى وجه الله الكريم ، وفيها إيناسٌ من الله ، وترحيبٌ منه لعباده المؤمنين ، لعل هذا كما قال الله عز وجل أعظم ما في الجنة ..وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ

( سورة التوبة : من آية " 72 " )

       فلذلك أكبر عقاب يعاقب به الإنسان يوم القيامة أن لا يكلمه الله ، هو الآن ميِّت ، الآن غائب عن الوعي ، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ، أعظم عقاب ..

      وهناك عقاب ثانٍ :كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(15)

( سورة المطففين )

       عقاب الحجاب وعقاب عدم التكليم ، الإنسان الآن مخدَّر بالشهوات، أما إذا  مات انقطعت عنه هذه الشهوات وعاد إلى فطرته .. لذلك ورد في الجامع الصغير :" إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى " .

( من الجامع الصغير : عن " جابر " )

       وذلك من عذاب الخزي والندم ، الله منحه نعمة الوجود ، منحه نعمة الإمداد ، منحه زوجة ، منحه أولاداً ، منحه عقلاً ، منحه شكلاً وسيماً ، منحه بيتاً ، منحه كل شيء ، فكان همه إيذاء الخلق ، كان همه الاحتيال عليهم ، ابتزاز أموالهم ، الإيقاع بينهم ، كان همه أن يبني مجده على أنقاضهم ، أن يبني غناه على فقرهم ، أن يبني أمنهم على خوفهم ، أن يبني حياته على موتهم ، ماذا يفعل ؟ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)

( سورة الإسراء )

       والله أيها الإخوة لعل الله جل جلاله يعجب من هؤلاء الذين يقعون في الكبائر ، يقول الله عز وجل :

( سورة البقرة )

       شيء عجيب ، أن يفعل إنسان شيئاً سيدمِّره إلى أبد الآبدين من أجل لقمةٍ من حرام ، من أجل دراهم معدودات يبيع دينه وآخرته ، يحلف البائع مائة يمين أنها ليست رابحة ، ولا يوجد منها ، وأوقفوا استيرادها ، وهي أحسن نوع ، ولم يربح منها شيئاً ، وكل هذه الأيْمان كاذبة ، ليبيع سلعةٍ فقط ، باع دينه ، وأشهد ربه كذباً على شيءٍ خسيس، لذلك هذا الذي يبيع النفيس بالخسيس إنسانٌ أحمق .

       والله أيها الإخوة إذا سمح الله لنا أن ننظر إلى وجهه الكريم ، وأن يكلمنا يوم القيامة ، لهي السعادة العظمى ، لأنه هو أصل الجمال ، أصل الكمال ، أصل النوال ، هو أصل كل شيء .

" ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء " .

       ونضرب مثلاً للتوضيح : ابن رُبَّيَ تربية عالية ، وله أبٌ حنون ، عطوف ، وقور ، كريم ، حليم ، هذا الابن المربى تربية عالية إذا أعرض عنه أبوه يكاد يحترق ، إعراضاً فقط، لم يضربه ، إعراض ، ما نظر إليه..

          الإنسان حينما يؤمن ، وحينما يستقيم على أمر الله ، وحينما يتَّصل بالله يزكيه الله ، مستحيل أن ترى مؤمناً حاقداً ، مؤمناً جباناً ، مؤمناً بخيلاً ، مؤمناً حقوداً ، مستحيل ، أن ترى مؤمناً مخادعاً ، مؤمناً ذا وجهين ، هذا ليس مؤمناً ، فالله يزكي المؤمن ، يزكيه في الصلاة ، إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ قال : " أدبني ربي فأحسن تأديبي " .

( من الجامع الصغير : عن " ابن مسعود " )

       يقولون : الماس أغلى شيء في الأرض ، بالقراريط ، وثمنها آلاف مؤلفة ، أساسه فحم فقط ، جاءه ضغط شديد وحرارة شديدة ، فالمؤمن أحياناً يضغط ضغوطاً متواصلة ، لكن كل ضغط ينمي فيه صفة راقية ، تجده حليماً ، أديباً ، حيياً ، عفواً ، صفوحاً ، ودوداً ، كريماً، شجاعاً ، وفياً ، هذه الصفات كلها نتائج تربية إلهية ، ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ قال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " .

( من الجامع الصغير : عن " ابن مسعود " )

       أيها الإخوة ... المؤمن له أدب عالٍ جداً ، تجده يغض نظره دائماً عن عورات الناس ، لسانه منضبط بالحق ، يذكر الله كثيراً ، حركته للإصلاح دائماً ، لا ينطلق بفاحشة ، ولا لإيذاء الناس ، يتحرك للإصلاح فيما بينهم .

 

     ليت العذاب ينتهي عند قوله : أن الله لا يكلمهم ، ولم يزكهم في الدنيا ، قال :

     فبربكم هل كان هؤلاء عقلاء حينما كتموا الحق ؟ والله هناك من يكتم الحق دائماً بكل عصر ، هناك من يكتم الحق .

       حدثني أحد علماء دمشق الأجلاء كان في مصر ، قال لي : من غرائب الصُدف أنني حضرت موتَ أحد كبار علماء مصر ، وهو على فراش الموت ، رفع يديه هكذا إلى السماء ومد إصبعيه ، وقال : " يا رب ، أنا بريء من كل فتوى أفتيتها في المصارف " ، فيبدو أنه حينما كان في منصبٍ دينيٍ رفيع أفتى إرضاءٍ لزيد أو عبيد ، وأصدر فتوى ، وعقب هذه الفتوى أُودع في بنوك مصر ثلاثة وثمانين مليار جنيه ، فهذه فتوى خطيرة جداً ، فهذا يعلم علم اليقين أن هذا حرام ، وهذا رباً ، ومن أشد أنواع المعاصي تلك التي توعَّد الله بها مرتكبيها بأن يحاربهم .. فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

 

 ( سورة البقرة : من آية " 279 " )

       ومع ذلك هناك فتاوى بأكثر المعاصي ، لمَ تصدر هذه الفتاوى ؟ من أجل ثمنٍ من الدنيا بخسٍ ، فلثمن بخس قليل باع دينه و آخرته .

       قال :

      فحينما أفتى هذه الفتوى ، أو حينما كتم هذا العلم استبدل الضلالة بالهدى ، بالمناسبة هناك قاعدة لغوية بعكس اللغة العامية ، لو قلت لكم مثلاً : فلان استبدل التجارة بالوظيفة ، ماذا نفهم منها الآن ؟ استبدل التجارة بالوظيفة ، الآن تاجر أم موظف ؟ يحدث التباس ، الباء تأتي مع الشيء المتروك ، باللغة الفصحى الباء تأتي متأخرةً مع الشيء المتروك ، فقال تعالى:

       أي باعوا الهدى وأخذوا الضلالة ..

     ما الذي يصَبِّرهم ؟ يقول الله عز وجل :

       فالحجة قائمة ، فعندما تنصح إنساناً مرة ، ومرتين ، وثلاثًا ، تبين له ، تعطيه الدليل ، ويركب رأسه ، يتحامق ، ويدفع الثمن باهظاً ، فلا يستطيع أن يتكلم ولا كلمة ، ولا حرفًا ، أما إذا لم تنصحه يضع اللوم عليك ، ذلك ، الله عز وجل بين كل شيء ، لأنه يقول :إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)

( سورة الليل )   

       الهدى على الله ، وحيثما جاءت على مع لفظ الجلالة معنى ذلك أن الله ألزم بها نفسه ..

أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ

( سورة البقرة : من آية " 5 " )

إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)

( سورة الليل )   

      الأب حينما ينصح ابنه مراتٍ ومرات ، ويوضِّح ، ويبين ، ويفصِّل ، ويأتي بالأدلة والشواهد ،  ومع ذلك يركب الابن رأسه ، ويمشي في طريقٍ غير صحيح ، حينما يدفع الثمن باهظاً ؛ يسجن ، أو يعاقب ، أو يبقى في مؤخرة الصف ، ويلتقي بأبيه ، لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة ، ولا كلمة أبداً ، لو أن شريكين أصر أحدهما على عمل غير شرعي ، الثاني رفض وفكَّ الشركة ، الأول سُجِن ، ذهب إليه شريكه ليزوره ، لا يستطيع أن ينظر إليه، ما الذي يسكت هؤلاء ؟ هذا العذاب الذي لا يحتمله أحد ..

  ما الذي يسكتهم ؟

      الكتاب فيه كل شيء ..

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا(15)

( سورة الإسراء )

وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(51)

( سورة القصص )

       وصَّل الله القول إليهم ، والآن لا توجد حجة أبداً ، أي مكان في العالم ، في أقاصي الدنيا ، علماء المسلمين جميعاً تأتي محاضراتهم إلى أقاصي الدنيا ، هذا التواصل الإعلامي شيء مخيف ، أي دعوةٍ في الأرض يمكن أن تنتشر في القارات الخمس ، القول يصل ، والوسائل منوعة جداً ، ولعل من حِكمةِ أنّ النبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء ، ذلك أن الله علم أنه سيكون هناك هذا التواصل ، فيما مضى كان لكل قومٍ هاد ، أما الآن بعثة النبي لكل الأمم قاطبةً إلى نهاية العالم ، فالحق واضح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" قد تركتكم على البيضاء : ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".

( من الجامع الصغير : عن " العرباض " )

       بل إن النبي عليه الصلاة والسلام ، ما من شيءٍ ولو كان صغيراً يقربنا إلى الله إلا أمرنا به ، وما من شيءٍ يبعدنا عنه إلا نهانا عنه ، من أراد الهدى فالهدى بين يديه ..إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)

( سورة الليل )   

       الذي يجعلهم يصبرون ، ويسكتون :

      أي أن الله عـز وجل يعلّمنا بخلقه ، هذا الكـون ، ويعلمنا بأفعاله ، كل أمة طغت ، وبغت يقصمها الله ، هناك أمم قوية جداً ؛ بل أقوى أمةٍ في العالم ، لا يوجد رأي فوق رأيها ولا إرادة تقهرها ، لكن الله فوق الجميع ، مليون إنسان أُخرج من بيته خوفاً من إعصارٍ لم يُرَ له مثيل من أربعين عاماً ، هذا الإعصار سرعته مئتان وثمانون كيلو مترًا ، لا يُبقي ، ولا يذر ، لا يدع بيتاً ، ولا بناءً ، ولا معملاً ، ولا مركبةً إلا حطَّمها ، الله عنده أدوية كثيرة.

       فالزلازل .. الزلزال في أربعين ثانية لم يبقِ شيئاً ، خمسون ألفًا مدفونون تحت الأنقاض ، ويحتاجون من أجل أن يعاد كل شيء ـ آخر خبر ، إلى ميزانية كاملة ، أي ما تنفقه هذه البلاد التي أصابها الزلزال في عام ، هذا المبلغ يمكن أن يغطي إعادة إعمار هذه المنطقة التي تهدمت ..إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)

( سورة البروج )

       الله يعلمنا بخلقه ..قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

( سورة يونس : من آية " 101 " )

       ويعلمنا بأفعاله :قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

( سورة الأنعام )

 

 

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ

( سورة النحل : من آية " 112 ")

       أحد إخواننا كان في رحلة إلى تركيا قبل الزلزال بأيام ، قال لي : بلاد جميلة ، خضراء، فنادق ، محلاَّت تجارية ، محطَّات وقود ، وسائل رفاه ، وسائل تسلية ، سواحل للسباحة ، فنادق من ذوات النجوم الخمس ، جمال ساحر ، قال لي : العين لا تصدق أن هذا الجمال أصبح أنقاضاً ، في أربعين ثانية !! هكذا فعل الله عز وجل .

        يوجد عند الله زلازل ، ويوجد عنده أعاصير ، وعنده فيضانات، وعنده مثل ما عندنا جفاف لا يوجد ماء ، فعنده أدوية كثيرة ، الله يعلمنا بخلقه ، ويعلمنا بأفعاله ، ويعلمنا بكلامه ، ويربينا تربية نفسية ، أحياناً ينقبض الإنسان ، أحياناً ينشرح ، يأخذ موقف جيِّداً ، يلقي الله في قلبه الانشراح والسرور والسعادة ، أحياناً يغلط فيلقي في قلبه الضيق ، والانقباض والخوف والقلق ، يربينا بأفعاله ، ويربينا بأقواله ، ويربينا بخلقه ، ويربينا بالتربية النفسية التي يفعلها في قلوبنا ، فالله عز وجل ..

      لاحظ إنساناً أخطأ مع الله ، الله حليم ، يرخي له الحبل ، أول مرة لم يعرف ، ثاني مرة نادم ، إذا استمر يأتي البطش الإلهي ، فالواحد يعرف بالضبط أنه استنفذ كل الفرص ، هناك تربية لكل إنسان ، لكل واحد ، والبطل الذي يفهم على الله عز وجل ، كل شيء بحساب .." ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر " .

( من الجامع الصغير : عن " البراء " )

 

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi