English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :59/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  تتمة الآية : " 177  " .

تفريغ           : المهندس عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ ياسين رزق والسيد أحمد مالك.

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس التاسع والخمسين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السابعة والسبعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

      هذه الآية أيها الإخوة تمَّ شرح نِصفها الأول في الدرس الماضي ، بل شُرِح نصفها العَقَدِيّ وبقي نصفها الحَرَكِي ، الدين اعتقاد وعمل ، اعتقاد وسلوك ، منطلق نظري ، وسلوك عملي ، هذان الجانبان الكبيران..

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ

      الجانب العَقَدِي ـ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا ـ والجانب العملي : فَاعْبُدُونِي(25)

( سورة الأنبياء : من آية " 25 " )

     فالإيمان اعتقاد وسلوك ، وأيُّ إنسانٍ ، أو أية جهةٍ ، أو أية جماعةٍ اكتفت بأحد الشطرين فقد ضلَّت سواء السبيل ؛ هناك من يقول : أنا عملي طيِّب ، والله لن يحاسبني لا على عقيدتي، ولا على عباداتي . وهناك من يقول : أنا إيماني بالله قوي ، ولا أحتاج بعده إلى شيء . كلاهما ضلَّ سواء السبيل ، الإسلام إيمانٌ وعمل ..الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

( سورة البينة : من آية " 7 " )

أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ ـ العمل ـ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ

( سورة المؤمنون : من آية " 32 ")

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)

( سورة الأنبياء : من آية " 25 " )

      كلٌ منهما ؛ الاعتقاد والعمل شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ، فالذي يُرَكِّز على الاعتقاد فقط ويضعف عمله لم يُصِب الهدف ، والذي اعتنى بعمله ولم يصحَّ اعتقاده ، أو لم تصحَّ نيَّته لم يُصِب الهدف ، فالله عزَّ وجل يقول :

        هذه الشكليَّات ، وتلك الجُزْئيات ، وهذه التفاصيل إنها مطلوبة ، ولكن أن تكتفي بها ليس بــراً ، لابدَّ من أن تضع يدك على جوهر الدين . هذا الأعرابي الراعي الذي امتحنه ابن عمر ..

      ـ قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها .

      ـ قال له : ليست لي .

      ـ قال : قل لصاحبها ماتت

      ـ ليست لي .

      ـ خذ ثمنها .

      ـ ليست لي .

      ـ ثم قال له : إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني ، فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله؟!

       هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين .

       أيها الإخوة ... هذه الآية من الآيات الجامعة المانعة ؛ جمعت أركان العقيدة ، وأركان السلوك .

       أركان العقيدة ..

       ذكرت في الدرس الماضي أن هناك حقائق حسيَّة أداتُها الحواسُّ الخمس ، وأن هناك حقائق عقليَّة أداتها العقل ، وان هناك حقائق إخباريَّة أداتها الخبر الصادق ، والمؤمن الصادق يضع كل قضيةٍ في مكانها الصحيح ، فإن كان مكانها العقل أعمل عقله وآمن ، وإن كان مكانها الخبر أصغى إلى الخبر وآمن ، وإن كان مكانها الحِس استعمل حواسَّه وآمن ، فهذا الدرس الماضي .

       أما اليوم ..

   ما قيمة الإيمان إن لم تتحرَّك ؟ أنت في أمسَّ الحاجة إلى أشعة الشمس ، وأنت قابعٌ في غرفةٍ مظلمةٍ قميئة ، وجلدك بحاجةٍ ماسة لأشعة الشمس ، وقلت متفاصحاً : إنَّ الشمس ساطعة . بل أقسمت إن الشمس ساطعة ، بل قلت : إن كل خليةٍ في جسمي ، وكل قطرةٍ في دمي تؤمن أن الشمس ساطعة ، ماذا فعلت ؟

       أنت لم تفعل شيئاً لأنها في الأصلِ ساطعة ، لم تَزِد شيئاً إلا أنك اعترفت بحقيقةٍ صارخةٍ أمامك ، ولكن الشيء الذي يُجدي أن يشفى مرضك الجلدي من خلال أشعة الشمس ، فإن لم تتحرَّك لعرضِ جلدك على أشعة الشمس لا قيمة لإيمانك بها إطلاقاً ، هذه أهم نقطة في الدرس أيها الإخوة .

      الإسلام حركة ، الإسلام صدق ، الإسلام أمانة ، الإسلام دعوة ، الإسلام وفاء ، الإسلام أداء للحقوق ، الإسلام إتقان للعمل ، الإسلام رأبُ الصَدع ، الإسلام إنفاق المال ، الإسلام حركة .

      لا يوجد إسلام سكوني ، إنسان هكذا قابع في بيته ؛ لا يعمل ، ولا يقدِّم ، ولا يؤخِّر ، ولا يُعطي ، ولا يمنع ، ولا يغضب ، ولا يرضى ويقول إنه مسلم ، هذا إسلام سكوني ، هذا إسلام لا جدوى منه إطلاقاً .

      الإسلام عقيدة وسلوك ، الإسلام جانب عَقَدِي ، وجاني حَركي ، الإسلام مُنطلق نظري وتطبيق عملي ، الإسلام توحيد وعبادة ، هذان جناحا الإسلام ، والطائر لا يطير إلا بجناحين، بجناحٍ واحدٍ لا يطير ، وأيُّ اعتمادٍ على جانبٍ دون الآخر ، وأي تركيزٍ على جانبٍ دون الآخر إنما هو خللٌ في الفهم ، وخللٌ في السلوك .

       أيها الإخوة الكرام :

  أولاً : لو رجعنا إلى أول آيةٍ في سورة البقرة ..ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِيــــنَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)

      حياة المؤمن مَبنيةٌ على العمل الصالح ، حياةُ المؤمن مبنيةٌ على الإنفاق ، حياة المؤمن مبنيةٌ على العطاء . إن صحَّ التعبير له سياسة أساسيَّة ، لها مصطلح عصري ـ الاستراتيجيَّة ـ استراتيجيَّة المؤمن أنه يعيش ليُعطي ، يكسب المال لينفِقه ، يتعلَّم ليعلِّم ، يتزوَّج لينجب أولاداً صالحين ، يعمل عملاً حِرفياً لينفع المسلمين ، بُنيت حياته على العطاء ، لذلك أحد كُتَّاب السيرة ـ يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ـ قال : " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ " .

       المنحرفون يأخذون ولا يعطون ، المؤمن يعطي ولا يأخذ لأنه يأخذ من الله عزَّ وجل جنَّةً عرضها السماوات والأرض ، فإن أراد أن يأخذ على عطائه فكأنما اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً .

       مَلِك عظيم كلَّف معلِّماً أن يعطي ابنه دروساً ، وقال له : أنا سأكافئك ، والملك بماذا يُكافئ ؟ أقلُّ شيء يعطي عطاًء كبيراً جداً ، فهذا المُعَلِّم سأل هذا الطالب أن يُعطيه الأجر ، فأعطاهُ مبلغاً محدوداً جداً ، هل في رأس هذا المعلم ذرَّة عقل ؟ لا . لو أخذ الأجر من المَلك لكان أجراً كبيراً جداً ، فهذا الذي يطلُب على عمله الصالح عطاءً ، يطلب على عمله الصالح أجراً ، يطلب على تعليم الحَق للناس أجراً ، يطلب علىٍ خيِّرٍ أجراً ، هذا زهد بما عند الله ، وطمع بما عند المخلوقين فهذا خاسر خسراناً كبيراً .

       أيها الإخوة الكرام ... ولكن البر من آتى ، آتى بمعنى أعطى ، لكن يُقال : آتى ، لمن كان المال من كسبه ، أو أتاه بطريقٍ مشروع ، آتيتُه مالاً من مالي ، المال ما يُنتفع به ، ما يتموَّل ، وقد أودع الله في قلوب البشر حبَّ المال .. زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

        ولولا أن الله حبَّب المال إلينا لما كان هناك جدوى من إنفاقه ، ولما كان إنفاقه قربةً إلى الله عزَّ وجل ، لأن الله حبَّب المال إلينا كان إنفاقه قربةً إلى الله ؛ لأنك تنفق شيئاً تحبه ، لأنك تنفق شيئاً أنت حريصٌ عليه.. إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)

( سورة المعارج )

      يحبُّ المال ، يحب جمعه ، يحب ادّخاره ، يحب كَنْزَهُ ، يحب أن يتباهى به ، لأن الله ركَّب في الإنسان حُب المال ، وأمرنا بإنفاق المال كي نصل إلى الله تعالى ، وكي نرتقي إليه، ونصل به إلى الجنة .

      أيها الإخوة الكرام ...

      هذا الجانب العقَدي ، الاعتقادي ، العقيدة ، الجانب الحركي ، السلوكي الذي يجسِّد الجانب الاعتقادي ، الذي يؤكِّد ..

   أيها الإخوة الكرام ... دقِّقوا في كلمة " على حُبِّه " ، آتى المال ، وهو يحب المال ، الشيء إن أحببته وأردت أن يكون لك ، أردت أن تقتنيه ، أردت أن تضمَّه إليك ، أردت أن تدَّخره لأنك تحبه . العمل حركة مُعاكسة لمَيل النفس ، وهذه الحركة المعاكسة لميل النفس هي ثمن الجنة ، حركة معاكسة لمَيل النفس ؛ امرأةٌ جميلة ، إن نظرت إليها ، مشيت مع رغبة النفس ، مع هوى النفس ، فإن غضضت البصر عنها ، قُمت بحركةٍ معاكسةٍ لميل النفس ، هذا هو ثمن الجنَّة ..وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)

( سورة النازعات )

      فالله عزَّ وجل أودع في الإنسان حُبَّ المال بنص قوله تعالى :زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

       ذلك أن المال ـ كما قال بعضهم ـ : مادة الشهوات . أنت بالمال تشتري أي شيء ؛ تشتري البيت ، والسيارة ، والأثاث ، وتجلس في المَطعم وتأكل ، وتلبس أجمل الثياب ، وبالمال تسافر ، فالمال قيمة مُطلقة ، المال هو قيمة الجهد البشري ، إنسان صنع شيئاً بجهد عضلي ، أو جهد فني ، أو جهد علمي ، واستغرق مالاً ووقتاً ، أنت تشتري هذا الجهد بألف ليرة ، هذه القطعة اشتريتها بألف ليرة ، أنت ماذا فعلت ؟ اشتريت جهداً علمياً أو فنياً أو عضلياً بهذا المبلغ ، إذاً المال قيمةٌ مطلقة لكل الجهد البشري .

       الهاتف يُشترى بالمال ، والثلاَّجة تشترى بالمال ، وأن تجلس في فندق وأنت مسافر هذا مقابل مال تدفعه ، فالمال قيمة مُطلقة ، ما يتموَّله الإنسان ، ما يدَّخره ، ما كان محبَّباً إليه ، ما جعله الله قيمةً مطلقةً لكل شيء لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل .

       بتعريف الفقهاء : المال ما يُنتفع به ، له معنى واسع جداً ؛ البيت مال ، الكُرسي مال ينتفع به ، كأس الماء مال ، هذه المسجِّلة مال ينتفع به مباشرةً ، على كلٍ إذا أُطلق المال انصرف إلى النَقْد ، كهذه الورقة التي كُتِبَ عليها ألف ليرة ، أو إلى الليرة الذهبيَّة ، أو الفضيَّة، أو الأوراق الأخرى ـ العملات الأخرى ـ فهذا اختزال للشيء الذي ينتفع به، أو قيمةٌ مطلقةٌ لما ينتفع به ، هو هذا الورق ، أو هذا النقد ، أو هذا الذهب ، أو تلك الفضة ..

      آتى المال وهو يحبُّ المال ، إذاً هذا الإيتاء فيه قرب إلى الله عزَّ وجل ، ما دام هناك حركة معاكسة لرغبة النفس فأنت بها ترقى إلى الله عزَّ وجل ، ولولا أن هناك شيئاً ممنوعاً يجب أن تمتنع عنه ، وأنت تحبُّه ، أو أن شيئاً ينبغي أن تفعله على كرهٍ منك ، لما ارتقيت إلى الله عزَّ وجل.

      المعنى الأول :

     أي يحب المال ، فأنفقه ، فارتقى بإنفاقه .

      المعنى الثاني : آتى المال ؛ آتى من المال ما يحبه ، لم يطعم طعاماً فاسداً ، أو يقدِّم شيئاً بالياً ، أو يقدم شيئاً سقط من عينيه ، لا ، آتى المال أي ؛ آتى من المال ما يحب . النبي عليه الصلاة والسلام لقي السيدة فاطمة وهي تنظِّف ديناراً ، قال : " لِمَ تفعلين هذا يا بنيتي ؟ قالت : لأنني أريد أن أتصدَّق به " .

       يعطي أفضل شيءٍ من ماله ؛ أطيب طعامٍ ، أجود ثيابٍ ، حتى الصدقة فإنه يعطي العملة الجديدة . لدينا قاعدة اقتصادية أن العملة الجديدة تطرُد العملة الرديئة ، فالإنسان أحياناً يدفع العملة المهترئة ، أما المؤمن فعلى عكس ذلك ، إن أراد أن يدفع صدقةً ينتقي الشيء الجديد منها، هذا المعنى الثاني .

     المعنى الثالث : آتى المال على حبه أي ؛ على حب الإيتاء ، هو لماذا يؤتي المال ؟ لكسب مرضاة الله عزَّ وجل . إذاً آتى المال وهو يحبه، وآتى من المال ما يحب ، وآتى المال وهو يحب الإيتاء ، أحد الكرماء سألتْه امرأةٌ عطاءً ، فأعطاها فوق ما تتمنَّى ، فعاتبه بعضهم ، وقال : إنه كان يرضيها القليل ، وهي لا تعرف أنك كريم ، فقال : إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي .

      على حب المال ، وعلى أحب شيءٍ من المال ، أو على حب الإيتاء تقرُّباً إلى الله عزَّ وجل . والمال الشيء الذي يُنتفع به ، وبين قوسين (العلماء فرَّقوا بين الكسب ، وبين الرزق ، الرزق ما انتفعت به فقط ، والكسب ما كسبته ، ولم تنتفع به ) ، أي أن القميص الذي ترتديه هو رزق ، والسرير الذي تنام عليه هو رزق ، وهذه الزوجة هي رزق، وهذه الصحَّة هي رزق ، أما المُدَّخرات التي في اسمك ، أو في حسابك، أو في صندوقك ، ولم تنتفع بها ، هذا كسبٌ وليس برزقٍ ، لأن الكسب تحاسبُ عليه ولم تنتفع به ، بينما الرزق تحاسب عليه ، وقد انتفعت به .

       أيها الإخوة ...

     مَنْ أحق الناس بالعطاء ؟ ذوو القُربى . حتى أن بعض الفقهاء يقول : لا تقبل زكاة مالٍ من مزكٍّ ، وله أقارب محاويج ، والإنسان أعلم بأهل بيته ، أعلم بأقربائه ، يعلمهم حقيقةً ، أوراقهم مكشوفة ، لا توجد مشكلة ، لا يوجد احتيال ، لا يوجد كذب ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام شجَّع المؤمنين على أن يتكافل بعضهم بعضاً عن طريق إعطاء الأقارب ، لأن العطاء للقريب هو صدقةٌ وصلةٌ في وقتٍ واحد ، وليس من الضروري أن تقول لقريبك ، لأخيك ، لأختك ، لابنة أخيك : هذه صدقات ، أو هذا من زكاة مالي .. هذا شيءٌ لا يرضي الله عزَّ وجل ، فلك أن تقدم هذا المبلغ الذي هم في أمس الحاجة إليه بطريقةٍ أو بأخرى ، بطريقة هديةٍ في مناسبة ولادةٍ ، في مناسبة نجاح ابنٍ ، في مناسبة شراء بيتٍ ، في مناسبة عَقْدِ قرانٍ ، من قال لك ، ينبغي أن تقول لهذا القريب، وهو قريبك أقرب الناس إليك : هذا من زكاة مالي ، الله عزَّ وجل جعل أولى الناس بعطائك من هم حولك ، تعرفهم حقَّ اليقين ، تعرف حاجتَهم، تعرف خفاياهم ، أوراقهم مكشوفة ، كل شيء تعرفه ، فإن أعطيت هذا القريب جعلت المال في موقعه .

       ولكن هناك انحرافان في إعطاء المال : أناسٌ لا يحبون أن يعطوا أقرباءهم إطلاقاً ، كل أموالهم للآخرين ، هذا ابن أخيك على مشارف الزواج ، هذه بنت أخيك تحتاج إلى عمليَّة جراحيَّة ، ووالدها موظَّف ، ودخله محدود ، هي أولى الناس بهذا ، يحب أن يعطي الآخرين ، وهذه الحالات والله موجودة بعدد كبير ، تجده شديد البخل على من يلوذ به ، كثير السخاء على من لا يعرفه .

        بالمقابل لا يمكن أن يعطي شيئاً من ماله لغير أقربائه ، من أجل تأمين الأشياء الثانويَّة غير الأساسيَّة ، من أجل أن يحُل مشكلاتهم الفرعيَّة والتحسينَّية لا الضرورية ، في رمضان أُسأل مئات الأسئلة : أنه هل أعطي لابنتي لأنه ينقصها براد ـ مثلاً ـ ؟ أأعطي ابنتي لأنه  ينقصها تجديد غرفة ضيوفها ؟ يريد أن يضع هذا المال في أقربائه ، ولو كانوا غير مستحقين ، هذا انحراف ثانٍ ، فلابدَّ من الموازنة .

       أيها الإخوة ... أكادُ أقول : إن في الإسلام ضماناً اجتماعياً أساسه القرابة أو الموقع ، الله أمرنا أن نتكفَّل جيراننا .

" والله ما آمن ، والله ما آمن ، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم " .

       فهناك علاقة موقع جغرافيَّة ، وهناك علاقة قرابة ، فإذا تكفَّل كلٌ واحد منا بأقربائه ، إذا أكرم الله عزَّ وجل أحدنا بمالٍ وفير ، وتعهَّد الشباب في أقربائه فزوجهم ، هيَّأ لهم أعمالاً ، هذا من أعظم الأعمال عند الله عزَّ وجل ، لأنه يحقق التكافل الاجتماعي ، إذاً :

      فالمساكين والفقراء ـ كما قال علماء التفسير ـ : الفقراء والمساكين هاتان الكلمتان ، أو هذان المصطلحان إن اجتمعا تفرَّقا ، وإن تفرَّقا اجتمعا ، أي إذا قال الله : المساكين فقط فيعني بهذا الفقراء والمساكين ، وإذا قال : الفقراء فقط فيعني الفقراء والمساكين ، وإذا قال : الفقراء والمساكين ، على اختلافٍ بين العلماء ، بعضهم يقول : الفقير هو الذي لا يملك شيئاً ، والمسكين هو الذي لا يكفيه دخله .

       وهناك رأي معكوس المسكين هو الذي لا يملك شيئاً ، والفقير هو الذي لا يجد حاجته ، على كلٍ هناك إنسان دخله أقل بكثير من حاجاته الأساسيَّة ، سَمِّهِ مسكيناً أو فقيراً فلا فرق ، وهناك إنسان لا يملك شيئاً ، عاجز ، يحتاج إلى إنفاق كامل ، على كلٍ مصارف الصدقة ..

   المنقطع في الطريق ، والذي يسألك .." لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُُ ".

( من الجامع الصغير : عن " السيدة عائشة " )

    كان زمن الفتوحات إسلاميَّة ، وإنسان أُخِذَ أسيراً ، ويدخل مدرسة الإسلام العملية ، فأصبح مؤمناً ، ينبغي أن يُعتق نفسه بمالٍ يدفعه لسيده أحياناً ، قد يعتقه سيده بلا مال ، بلا مقابل ، على كلٍ إنفاق المال على نقل الإنسان من العبوديَّة إلى الحريَّة هذا أيضاً مما أُمرنا به .

       لكن هناك إشارة لطيفة جداً ، فحينما كُلِّفنا بعض الكفَّارات لإعتاق رقبة فقال :فَمَنْ لَمْ يَجِدْ

( سورة النساء : من آية " 92 " )

       أي سيأتي يوم وينتهي هذا النظام في الأرض ، كان هناك نظام عبودية الأفراد ، الآن يوجد نظام عبودية الشعوب بأكملها ..

      

الآن :

   الصلاة حركة ، الإنسان أحياناً يقول لك : أنا أتأمل بالله ، ولكن التأمُّل ليس بحركة ، أما الصلاة : توضَّأ وصلَّى ، وقد يصلي وهو متعب ، وقد يصلي وهو مسافر ، فالصلاة حركة . وإيتاء المال عبادة ماليَّة ، أما الصلاة عبادة شعائريَّة ، في عبادة بدنية ومالية كالحج ، وهناك عبادة مالية كالزكاة والصدقة ، هناك عبادة شعائريَّة كالصيام والصلاة ، وهناك عبادة تعامُلية كالصدق ، والأمانة ، والإحسان إلى الجار ، والوفاء بالعهد . صار عندنا عبادة تعامليَّة ، وعبادة بدنيَّة ، وعبادة ماليَّة ، وعبادة شعائريَّة ..

       الآن دقِّقوا ، فهذا ..

     إيتاء الزكاة شيءٌ لا علاقة له بالآية السابقة ، هذه فرضٌ على كل غني ، وللتوضيح : أنت عليك ضريبة لابدَّ من دفعها ، وإلا توجد غرامات ، يوجد جزاء ، توجد مساءلة قانونية ، فإذا أديت زكاة مالك أنت نجوت من العقاب فقط ، هذه فرض ، فرضٌ في مال الأغنياء للفقراء ، الزكاة تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ إلى فقرائهم ، الزكاة أيها الإخوة تؤخذ ، ولا تعطى ، بدليل قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ

( سورة التوبة : من آية " 103 " )

        تطهرهم ؛ تطهر الغني من الشُح والفقير من الحِقد ، تطهر المال من تعلُّق حق الغير به، تزكِّي الفقير ، يشعر بقيمته في المجتمع ، تنمو نفسه ، هناك من يهتمُّ به ، هناك من يرعى حاله ، هناك من يساعده ، هناك من يقلق له ، وتزكِّي نفس الغني فيرى أثر عمله ؛ ابتسامة الأطفال حينما تعطي أباهم مالاً وفيراً في أيام العيد ـ مثلاً ـ عند الحاجة ، في أوقات المِحَن  فالزكاة فرضٌ واجبٌ على كل غني ، بينما إنفاق المال إما على حب الله عزَّ وجل ، أو حباً للمال ، أو إنفاق أحب المال إليك ، أو الإنفاق حباً بالإنفاق .

       أربعة معانٍ : إما لأنك تحب الله أنفقت هذا المال ، أو لأنك تحب المال أنفقته وأنت تحبه، وبهذا ترقى ، أو لأنك أنفقت أحب المال إليك ، أو لأنك أنفقت المال حباً بالإنفاق وهذا تصعيدٌ رائعٌ جداً للإنفاق ، على كلٍ هذا الإنفاق لا علاقة له بالزكاة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : " إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ "*

( من سنن الترمذي : عن " فاطمة بنت قبيس " )

       هناك سؤال الآن : أنت أديت زكاة مالك بالتمام والكمال ، ولك جار مسلم بحاجة ماسَّة إلى عمليَّة جراحيَّة ، ماذا تقول له ؟ أنا أديت زكاة مالي . لا.. " إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ "*

      وقد استنبط العلماء من قوله تعالى  :وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)

       هي الزكاة .. وفي أموالهم حقٌ

لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)

( سورة المعارج )

       ـ من غير كلمة معلوم ـ

     هي الصدقة ، إنسان دفع الضريبة هل تقام له حفلة تكريم ؟ لا أبداً عليك ضريبة للماليَّة أديتها ، وأخذت إيصالاً بالوقت المناسب ، فلا يقدم لك كتاب شُكر ، ولا حفل تكريم ، أما إذا أنشأت مستوصفاً وقدَّمته لوزارة الصحَّة ، هناك إنسان قدَّم بناًء ضخماً ليكون جامعة في بعض المحافظات ، واللهِ هذا يقام له حفل تكريم ، ويُشْكَر بكتاب شُكر ، فالزكاة فرض إن أديتها نجوت من العقاب ، لكن الصدقة تطوُّع ، الزكاة قسرية أما الصدقة فهي طوعيَّة ، فلذلك جاءت كلمة " الحب " في إنفاق المال الذي تتجاوز به الزكاة المفروضة هذا دليل حبك لله عزَّ وجل ، ودليل تعلُّقك بما عند الله عزَّ وجل ، ومن قدَّم ماله أمامه سرَّه اللحاق به .

    الآن أيضاً توجد حركة ؛ الحركة الأولى ماليَّة ، الحركة الثانية شعائريَّة ـ أقام الصلاة ـ الحركة الثالثة ماليَّة ولكنها مفروضة ـ وآتى الزكاة ـ الحركة الرابعة وَعَدَّت أن تنفق يجب أن تنفق ..

" لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ـ دقِّقوا الآن ـ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ * " .

( من مسند أحمد : عن " أنس بن مالك " )

    والمسلمون عند شروطهم ، والمسلم يوفي بعهده ولو كلَّفه ما كلَّفه ، والمُنافق لا يفي بعهده ولو جُعلت سمعته في الوحل .

       الآن هناك حركة سلبيَّة ، جاءك ضغط ، ضغط صحي ، مرض لا سمح الله ، استسلمت لله ، صبرت ، أو جاءتك فاقة ماليَّة ، حاجة للمال شديدة ونفسك عزيزة ، فصبرت ، أو جاءك تهديد لتعصي الله فصبرت ، أو جاءك إغراء كي تخرُج عن منهج الله فصبرت ..

       متى ؟ قال :

      في الفقر الشديد ، وفي ..

     في الألم الشديد ..

      في ساحة المعركة . يصبر وهو مفتقر ، يقول لك : والله لا أملك ثمن أجرة طريق ، هذا صبر ، والآخرون ينفقون الأموال جُزافاً ، هذا صبر ولصاحبه أجر كبير ..

       والله أيها الإخوة هذه آيةٌ جامعةٌ مانعة ، فيها جانب عَقَدِي وجانب حركي ، والحركي جانب مالي أساسه الحب ، وجانب شعائري ، وجانب مالي أساسه الفَرض ، وفيها جانب أخلاقي أساسه الوفاء بالعهد ، وفيها جانب سلبي أساسه الصبر في ثلاث حالاتٍ كبيرة ؛ في حالة الفقر الشديد، وفي حالة الألم الشديد ، وحين البأس أي حين لقاء العدو .

    هؤلاء الذين صدقوا في إيمانهم ، هذا مِصداق إيمانهم ، هذا يؤكِّد صدقهم لله عزَّ وجل ..

     الذين اتقوا أن يعصوا ربَّهم ، أو اتقوا سَخَطَ ربِّهم ، أو اتقوا عذاب ربهم .

     أيها الإخوة ... جميلٌ بالمؤمن أن يكون وقَّافاً عند حدود الله ، وعند كلام الله . فهذه الآية منهج ؛ يجب أن تؤمن بكذا وكذا ، وأن تفعل كذا وكذا ، فإن جمعت بين الإيمان والعمل ، لا كما قلتُ في مطلع الدرس: الناس يركِّزون على الاعتقاد فقط ، يقول لك : ـ وهذه أشياء كلها جديدة ـ فلان له أرضية إسلامية ، أو خلفيَّة إسلامية ، أو نزعة إسلامية ، أو شعور إسلامي، أو انتماء إسلامي ، لم يفعل شيئاً ، سلوكه صفر ؛ لا يوجد التزام ، ولا يوجد عمل صالح ، ولكن أفكاره ، ومشاعره ، وعواطفه ، وأرضيته ، وخلفيته ، واتجاهه ، ونزعته إسلاميَّة ، ماذا يجدي ؟! . إنسان آخر يقول لك : أنا لا أؤذي أحداً ، أنا عملي طيِّب ، ولن أحاسب على أي شيء آخر . أيضاً هذا انحراف . يجب أن يجمع بين صحة العقيدة وانضباط السلوك ، أن تجمع بين الاعتقاد الصحيح والإحسان للخلق ، بل إن السيد المسيح عليه ، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال : وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)

( سورة مريم )

       الدين حركتان ؛ حركة نحو الله اتصالاً ، وتعبُّداً ، ودُعاءً ، واستسلاماً ، وحركة نحو الخلق إحساناً ..وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(2)

( سورة لقمان )

      أيها الإخوة ... بالجانب الأخير في الآية ..

    هذه صفات المتقين ، فكم من إنسان يعطي عهداً موثقاً ولا يَفي ، يُعطي وعداً دقيقاً ، ولا يفي بوعده ، أين هو من الإيمان ؟ الخطأ الكبير أن الناس توهَّموا أن كل إنسان صلَّى فهو ديِّن ، أو كل إنسان دخل المسجد فهو ديِّن، لا ، هذه صفات المؤمنين حقاً .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi