English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :60/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآية : " 178 " .

تفريغ           : المهندس عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثامنة والسبعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى  :

       أيها الإخوة الكرام ... ذكرت لكم سابقاً أن الله جلَّ جلاله يُخاطب عامَّة الناس بأصول الدين ..يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ

( سورة البقرة : من آية " 21 " )

       ويخاطب المؤمنين بفروع الدين ، ذلك أن بين المؤمن وربِّه عقداً إيمانياً ، أي يا أيها الذي عرفتني ، ويا أيها الذي آمنت بعدلي ، وبقدرتي، وبمنهجي ، وبأن الطريق التي رسمتها لك تُفضي إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض ، وكل المعاني الكبرى التي جاء بها الدين منطوية في قوله تعالى :

      يا من آمنتم بالله وحده ، يا من آمنتم به موجوداً ، كاملاً واحداً ، وآمنتم به خالقاً رباً مسيِّراً ، آمنتم بحكمته ، وعدله ، وآمنتم أنه لن يدع خَلقه من دون منهجٍ يسيرون عليه ، وآمنتم بأن الدنيا دارٌ فانية ، وأن الآخرةَ هي الحيوان ، كلُّ المعاني الكبرى التي جاء بها الدين مختزلة في قوله تعالى :

     أيْ أنت مؤمن ، وما دُمت مؤمناً فهذا منهج الله عز وجل ، أنت في الصلاة تقول : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ(7)

( سورة الفاتحة )

       ويقول الله عز وجل لك في الصلاة :

     وأنت حينما تقرأ السورة في الصلاة ينبغي أن تفهمها على أنها منهج الله ، وعلى أنك سألت الله قبلها ، وقلت له : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، اهدنا المَنهج القويم ، اهدنا الطريق الذي يؤدِّي إليك ، والذي يؤدي إلى سلامتنا وسعادتنا ، فأيَّة آيةٍ مصدرةٌ بقوله تعالى :

      ينبغي أن تفهم هكذا ، والذي لا يتأثر حينما يقرأ ، ولا يرى نفسه معنياً بها ، ففي إيمانه خللٌ خطير ، فالمؤمن الصادق الحق هو الذي إذا قرأ مثل هذه الآية رأى نفسه مخاطباً بالقرآن الكريم ، أنت مؤمن .

       أما كلمة :

      الكتابة ومشتقَّاتها في القرآن الكريم دليل الثبات ، كيف أنَّك إن اشتريت شراءً شفهياً قد تخشى أن ينكُل البائع ، وإن اشتريت بيتاً شراءً شكلياً ، شفهياً ، تخشى أن يأتي على البائع ساعةٌ فيندم على بَيْعَتِهِ فينسحب من هذه البيعة ، فأنت ماذا تفعل ؟ تريد عقداً مكتوباً ، يقول لك: وقَّعت عقدًا ، ولا يوجد عنده ربا عزَّ وجل كتابة ، كن فيكون ، لكن الكتابة أو مشتقاتها إذا وردت في القرآن الكريم فهي تطمينٌ لهذا الإنسان..كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ

( سورة الأنعام : من آية " 54 " )

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ(105)

( سورة الأنبياء )

       كل مشتقات الكتابة في القرآن الكريم دليل أن هذا الإنسان بحسب معطياته المادية ، وعلاقاته الاجتماعية ، وبحسب حركته في الحياة ، عنده قناعة أن الشيء المكتوب ثابت ، والشيء غير المكتوب غير ثابت، فربنا عز وجل تمشياً مع فِطرة الإنسان ومع جبلَّته يُطَمئْنِهُ ُبألفاظ : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ

( سورة الأنعام : من آية " 54 " )

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ(105)

( سورة الأنبياء )

       ولكم أن تراجعوا في البيت الكلمات التي جاءت في القرآن الكريم التي فيها معنى الكتابة ، لتروا أن الكتابة تطمينٌ لهذا الإنسان .

    القصاص من قَصَّ الشيء تتبعه ، وهناك اشتقاقات كثيرة من معنى قَصَّ ، مثلاً :وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ

( سورة القصص : من آية " 11 " )

       تتبعي أخباره ، المُجرم حينما يقتل لا بد ممن يتتبع مكانه ، فيقبض عليه ، ثم لا بد من محاكمته ، وإيقاع العقوبة به ، فتتبُّع الأخبار والمحاكمة وإيقاع العقوبة ، مجمل هذا النشاط اسمه قِصاص ، في محكمة جنايات في قصر العدل ، ذكر لي بعضهم : أن آيةً قُرآنيةً كبيرةً جداً وضِعت فوق رأس القاضي ، من يقرؤها ؟ المذنبون في قفص الاتهام ، كتب في هذه اللوحة :

       ووضعت آيةٌ فوق رؤوس المذنبين يقرأُها القاضي  :وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ

( سورة النساء : من آية " 58 " )

       وقد ورد في الأثر " أن عدل ساعةٍ يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً". وقد ورد أيضاً أن حجراً ضَجَّ بالشكوى إلى الله عز وجل ، قال: يا رب ؛ عبدتك خمسين عاماً ، ثم تضعني في أُسِّ كنيف !! أي في دورة مياه ، في الحمام ، لقضاء الحاجة ، ورد هكذا أن الله عز وجل قال له : " تأدَّب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم " ، أي أن مكانك في الكنيف أشرف لك ألف مرة من أن تكون في مجلس قاضٍ ظالم ، والله عز وجل هو الحق ، لذلك شرع القصاص .

       ولا بد من نظرةٍ متأنية لحقيقة القِصاص ، حقيقة القِصاص هي التأديب والإصلاح ، التأديبُ من أجل الإصلاح ، وهذان المعنيان ينطلقان من مفهوم التربية ؛ أي أنك أب ، أو معلم، أو مدير مدرسة ، أو حاكم، أو وزير ، أو بأي منصب ، وأساء عندك إنسان ، فهل يعقل أن تتخلى عنه لأنه أساء ؟! وهل يعقل أن يُؤخذ الإنسان بذنبٍ واحد ؟ هل يعقل أن يسحق الإنسان إذا أخطأ مرةً واحدة ؟! أما إذا أخطأ فعوقب ، فماذا فعل العقاب فيه ؟ ترك عنده خبرةً مؤلمةً ، وهذه الخبرة المؤلمة قد تردعُه عن أن يفعل هذا مرةً ثانية ، وهذه هي حقيقة القِصاص .

        فمستحيل أن يكون القصاص انتقاماً ، ولا يليق بالله عز وجل أن يوقع القِصاص بعباده انتقاماً ، لأن عباده ؛ إنسهم وجنهم لو وقفوا على صعيدٍ واحد ، وسأله كل واحدٍ منهم مسألته ما نقص في ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا غُمس في مياه البحر ، ولو أن عباده جميعاً انسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد منهم ما نقص في ملكه شيئاً ، ولو أنهم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما زاد في ملكه شيئاً .

       إذاً مستحيل أن يوقع الله عز وجل القِصاص انتقاماً ، لكنه يوقع القِصاص تأديباً ورحمةً ، فمبدأ القصاص مبدأ تربوي ، ينطلق من رحمة.

       لاحظ لو أنك مدير مؤسسة ، وطلبت موظفاً ، واشترطت عليه أن هناك ستة أشهر تجريب ، فكلما أخطأ سَجَّلت عليه خطأه ، فلما انتهت هذه المدة ، ورأيت أخطاءه كثيرة ، طردته من العمل بحسب العقد ، أنت محل تجريب ، لو كان هذا الموظف ابنك فماذا تفعل ؟ كلما أخطأ تنبِّهه ، فإن أصرَّ تعاقبه ، من أجل أن تصلحه ، من أجل أن يبقى عندك ، ويرقى ، فالرحيم يعاقب ، أما غير الرحيم  فلا يعاقِب ، ويتخلى مباشرةً .

        والآن الفرق بين مدير مؤسسة ، مدير مستشفى ، مدير مدرسة، وأب معلم رحيم ، فالرحيم يؤدب ويعاقب حتى يصلح ، حتى يسعد هذا الذي يصلحه ، أما غير الرحيم يأخذه بذنبه ولا يلتفت إليه ، ولذلك فالأقوياء لا يُسْتَرْضَون ، لكن الله يسترضى .

        إذاً أصل القصاص أن الله يحب عباده ، ولأنه يحب عباده إن انحرفوا أو أخطؤوا ويعاقبهم من أجل أن يدع عندهم خبرةً مؤلمةً كي لا يعيدوا هذا السلوك ، واسأل معظم المؤمنين ، أخطأ مرة فعاقبه الله ، هذا العقاب ردعه عن أن يعيد هذا الخطأ .

        إنسان في عنده محل ، معمل ألبسة ، فإنسان رقيق الحال دخل إلى هذا المعمل ، وطلب عدة قِطَع لأولاده ، صاحب المعمل رأى في هذا البيع الإفرادي إهانةً له ، فهو يبيع بالجملة ، فامتنع عن بيعه استكباراً ، فأدَّبه الله بأن صرف عنه الناس أكثر من ثلاثين يوماً ، فقال لي صاحب المعمل : كاد الدَمُ أن يجف في عروقي ، وعرفت ذنبي أنني ترفعت عن بيع هذا المسكين ، فأدبني الله عز وجل .

       فدائماً وأبداً الله عز وجل لا يتخلى عن المؤمن ، يؤدبه ، ويصلحه ، وقد يسوق له خبرات وعقابات مؤلمة ، وشدة الألم تتناسب مع حجم الذنب ، وكلما ازداد الذنب فداحةً كلما ازداد الألم إيقاعاً .

       يا أيها الإخوة الكرام ... الآية تقول :

    أي : يا من آمنتم بي خالقاً ورباً وإلهاً وموجوداً وواحداً وكاملاً ، ويا من آمنتم بمنهجي افعلوا كذا ، أو لا تفعلوا .

      فهل تتصور قانون في الأرض لا يوجد له مؤيِّدات ؟! تصور قانون سير بلا مؤيِّدات ؛ أن الأصل أن تمشي على اليمين ، وأن لا تقف وقوف مفاجئاً ، أليس ، من المفروض أن يطبق ذلك ؟ أما لو كل مادة لو خالفتها هناك غرامة ، وهناك سحب إجازة ، أو حجز مركبة ، وهذه اسمها بالقانون : المؤيدات القانونية ، ولولا العقوبات التي ترتبط بمخالفة القوانين لما طبق أحدٌ قانوناً .

        إذاً ربنا عز وجل أنزل منهجًا ، قال لك : افعل ولا تفعل ، والإنسان مخيَّر ، إن أراد أن يفعل ما حرَّمه الله ، أو أراد أن يمتنع أن يفعل ما أمره الله به ، لولا أن هناك عقوبات ، ومتابعات ، لما طبق أحدٌ منهج الله عز وجل ، فالقاتل يُقتل ، والزاني يُجلد ، إن كان محصناً يُرجم ، والذي يرمي المُحصنات يُجلد ثمانين جلدة ، والذي يشرب الخمر يفعل به كذا وكذا ، إذاً هذه العقوبات من نِعَمِ الله الكبرى أنها روادع ومعالجات ، هذا إنسان إن لم يفعل فقد ردعته العقوبة ، وإن فعل وجاءه العقاب ، تأدَّب مع الله عز وجل ، وترك هذا الفعل الشنيع كلياً ، إما أنه تطهير أو ردع ، العقوبات تطهير لمَن وقع في الآثام ، وردع لمن لم يقع فيها ، وهذه من نِعَم الله الكبرى ، ثم إنك إن دخلت إلى مسجد وكان لك ـ وهذا شيء مستحيل ـ علمٌ بأحوال الحاضرين ، لوجدت أن معظمهم قد اصطلح مع الله على أثر عِقاب أو تأديب ، فإنسان أخطأ فأدبه الله فتاب إلى الله ، لذلك :

    الجاهليون قالوا : القتل أنفى للقتل ، أو القتل أوفى بالقتل ، لكن ربنا عز وجل يقول :

       أيْ حياة القلب ، إنسان تزل قدمه ، فلو فرضنا أنه زنا ، يتأدب أمام الناس ، تساق إليه بعض الشدائد ، فيتوب إلى الله توبةً نصوحاً ، ويقبل عليه، ويذوق طعم القرب منه ، فهو أسعد الناس لهذا القرب من الله بسبب هذا التأديب الذي ساقه الله إليه .

       ولعلكم تسألون : ما أسباب نزول هذه الآية ؟

       روى الإمام البخاري والنسائي عن ابن عباسٍ قال : كان في بني إسرائيل القِصاص ولم تكن فيه الدِيَّة . فقال الله لهذه الأمة :

   

   أي : وقع في جريمة قتل ، فعفا عنه وَلِيّ المقتول .

    

  أي قَبِلَ وليُّ المقتول أن يأخذ الدِيَّة دون أن يوقع القِصاص .

   

   أي يؤدِّي هذا القاتل الديَّة بإحسان ..

  

       مما كُتِبَ على من كان قبلكم ، أيْ : يبدو أن شرع من كان قبلنا القاتل يجب أن يقتل ، ولا يوجد حل ثانٍ ، أما في شرع النبي عليه الصلاة والسلام الأخير ، القاتل يُقتل أو أن عُفِيَ عنه، فيؤدِّي الدية فينجو من القتل ، قال :

      ثم إن الله عز وجل يقول :

أي إذا قتل الحُر الحر ، فيقتل القاتل ، وإذا قتل العبد عبداً فالقاتل يُقتل ، وإن قتلت المرأة امرأةً ، فالقاتلة تُقتل ، والقتل كما يقول الجاهليون: أنفى للقتل . لكن يقول الله عز وجل :

      ومعنى حياة ؟! استنبط بعض علماء البلاغة من هذه الآية أكثر من عشرين استنباط ، حينما يوقن القاتل أنه إذا قتل لا بد من أن يقتل ، فإنه يحجم عن أن يقتل ، فماذا حصل ؟ ضمنا حياتان ؛ حياة المقتول سلِمت وحياة القاتل سلمت ، حينما يوقن ، إذا في قوانين رادعة ، في متابعة ، فأنت حينما تَسُنُّ قانوناً رادعاً ، وتتابع تطبيقه إلى أقصى الحدود ، تزول هذه المخالفة كلياً ، وحينما يوقن القاتل أو من شرع بالقتل ، أو من أراد أن يقتل أنه لا بد من أن يقتل ، فإنه يكفُّ عن القتل ، فنكن بذلك كم روح أنقذنا ؟ أنقذنا روحين ، إنسانيين ؛ المقتول بقي حياً والقاتل بقي حياً، هذا معنى قوله تعالى :

   أما :

     أي ثَبَتَ ، وفُرِض ، وهذا أمر تشريعي ، لذلك العلماء فرقوا بين أمرٍ تشريعي ، وبين أمرٍ تنظيمي ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام للرماة : اقبعوا في هذا المكان ، وانتظروا الأوامر ، فهذا أمر تنظيمي ؛ أما الأمر التشريعي هو الذي جاء في القرآن الكريم ، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام .

       أيها الإخوة ... القصاص بشكل مُجْمَل العقاب ، وحينما نتتبَّع المجرم فنقبض عليه ونحاكمه ، ونصدر حكماً عليه ، ونعدمه إذا كان قاتلاً ، فهذه العملية بأكملها تسمى قِصاصًا ..

    لكن حينما قال الله عز وجل :

   أيْ إذا قتل حُر حُراً مثله يقتل القاتل ، وإذا قتل العبد عبداً مثله يقتل القاتل ، وإذا قتلت المرأة امرأةٌ مثلها فالقاتِلة تقتَل ، لكن العلماء قالوا : لكن الحُرَّ يقتل بالعبد ، والمسلم يقتَل بغير المسلم . فإذا قتل المسلم غير مسلم، قتل ذُمِّياً ، فالقاتل يقتل ولو كان مسلماً ، وهذه الآية أصل في هذا العقاب ، بيَّنت إذا كان في قتل تم بين فئة واحدة فالقاتل يقتل ، أما لو تم بين فئتين متفاوتتين ؛ لو أن سيداً قتل عبداً ، أو أن عبداً قتل سيداً ، أو أن رجلاً قتل امرأةً ، أو أن المرأة قتلت رجلاً فالقاتل يقتل ، ولو كان بين القاتل والمقتول تفاوت ، وهذا لقول النبي عليه الصلاة والسلام :" المسلمون تتكافأ دماؤهم ... " .

( من الجامع الصغير : عن " ابن عمرو " )

       حتى ولو قتل أعلى إنسان بالعلم إنسان جاهل فالعالم يقتل به ، فإنسان معه دكتوراه بالرياضيات قتل آذن أُمِّياً ، فيقتل به ، وإنسان يحمل أعلا شهادة يقتل بمن قتله ولو كان أُمياً ، لو قتل رجل امرأةً يُقتل بها .

" المسلمون تتكافأ دماؤهم ... " .

( من الجامع الصغير : عن " ابن عمرو " )

        المسلمون في مرتبةٍ واحدة في قضية الدم ، تتكافأ دماؤهم ، وهذا صونٌ للحياة ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه :" يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً " .

       أيها الإخوة الكرام ... لكن الله عز وجل أراد أن يحملنا على العفو، مبدئياً كلكم يعلم قوله تعالى :وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)

( سورة الشورى )

       لكن :وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا

( سورة الشورى : من آية " 40 " )

       هذا الذي يقوله الناس : سأكيل له الصاع عشرة أَصْوُع ، هذا كلام غير إسلامي ، وغير شرعي ، الشيء الشرعي :وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا

( سورة الشورى : من آية " 40 " )

       فقط . لكن حينما يغلب على ذهنك ، أو على ظنِّك أنك إذا عفوت عنه أصلحته ، وكم ممن استوجَب العقاب ، فلما عُفِيَ عنه صار بطلاً ، دائماً وأبداً في حقائق نفسية غريبة ، إذا أخطأ إنسان ، وندم أشد الندم ، واعتذر، وطلب أن تسامحه ، وعفوت عنه ، ملكته ، فإن أنزلت به العقاب خسرته ، ففي الآية الكريمة قال تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ

( سورة الشورى : من آية " 40 " ) 

       وإذا غلب على ظنِّك أن عفوك عنه يصلحه ، فعندئذٍ انتظر الجزاء من الله ، وكلمة : فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، أي أن الإله كريم يعطي عطاءً مدهشاً ، فمثلاً سائق يمشي بتؤدة وبدقة بالغة، فقفز طفل أمامه فقتله ، وهذا السائق فقير الحال لا يوجد خطأ منه ، فالقانون مع أهل الطفل فيمكنك أن تضعه في السجن وتجعله يدفع دية كبيرة ، وقد لا يستطيعها ، أنت لما علمت أنه لا يوجد خطأ من السائق ، في اهتمام بالقيادة ، والسرعة معتدلة ، والخطأ من الابن، لكن القانون مع المقتول دائماً أي مع الضحية ، فأنت عفوت عنه ، فلعل هذا العفو يجعلك في أعلى عليين .

فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ

       أي من غلب على ظنه أن العفو  يصلح هذا الجاني قال :فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ

       ولذلك انتظر الله عز وجل منا أن نعفو فقال :

         انظر إلى كلمة من أخيه ، أي أن هذا الذي اقترف الجرم أخوك في الإنسانية ، والمؤمن دائماً يرعى هذه النظرة ، والدول الغربية ـ والعياذ باللهـ بقدر ما هم إنسانيون ، أو بقدر ما هم عنصريون مع مجتمعاتهم بقدر ما هم وحوش مع غيرهم ، أما النظرة الإسلامية الصادقة هذه فيفتقر لها أناسٌ كثيرون ، وشعوبٌ كثيرة ، أي أنت تعامل الإنسان كإنسان ، فهذا أخوك بالإنسانية ..

   قاتل معتدِ ، سفك دماً ، بالقرآن جاء :

      والذي أراه أن المؤمن لا يرقى عند الله عز وجل إلا إذا رأى أن كل إنسانٍ أصلاً أخوه في الإنسانية ..

     ولذلك فالمؤمن لا يحقِد ، أما إذا عاقب ، وهو هادئ ، وهو يرى أن العقاب لا بد منه . كسائق أرعن ، مسرع سرعة غير معقولة دهس طفل ، فيمكن ننزل به أشد العقاب لكي نردعه ، كلما عمل عملاً سيئًا ، فكلما قتل طفل نسامحه ، فهذه قضية سهلة جداً ، ما أورثناه خبرة مؤلمة ، فلا بد من أن نوقع به عقاباً أليماً كي يرتدع ، فالمؤمن لا يحقد لكنه يفعل ما هو مُناسب ، وقد يعفو ، والعفو أنسب وأحكم ، وقد يوقِع العقاب أنسب وأحكم .

    أي أن الدية تؤدَّى إلى وليّ المقتول بالإحسان بدون مماطلة ، فأحياناً يعفو إنسان عن القاتل أو عن القتل خطأ أكثر شيء ـ بحوادث السير تقريباًـ فلا يعطون الدية ، فلما عفا عنه ، أسقط حقه ، صار في مماطلة ، أما هنا الآية :

    وعلى كلٍ تشير هذه الآية إلى شرع من كان قبلنا .

     فمن كان قبلنا القاتل يُقتل ، ولا يوجد العفو ، أما عندنا في هذا الشرع العظيم فالقاتل يُقتل ، إلا أن يعفو وليّ المقتول ، فعندئذٍ تنقلِب عقوبة القتل إلى أداء ديةٍ بإحسان ، قال :

   وهناك عادة سيئة جداً منتشرة في أرياف العالم العربي والإسلامي هي الأخذ بالثأر ، والأخذ بالثأر لا من القاتل بل من أيّ شخصٍ من قبيلة القاتل ، وهذا شيء لا يقبلُه عقل ، ولا يقبلُه منطق ، والآية الكريمة : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا

( سورة الإسراء : من آية " 33 " )

       فوليّ المقتول معه سُلطان ، تقتل إنسان من قبيلة القاتل فهذا ليس له ذنب ، وهذا اسمه إسراف في القتل ، وألا تقتل اثنين بواحد ، وألا تقتُل واحداً لا علاقة له بهذه الجريمة ، وهذا الشيء وصمة عار بحق أي مجتمع يأخذ بالثأر بشكل عشوائي ، لأن الله عز وجل قال :وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

( سورة الأنعام : من آية " 164 " )

فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا(33)

( سورة الإسراء )

       وهناك نقطة في هذه الآية ...

       سيدنا عمر رضي الله عنه قال : " لو أن أهل بلدةٍ اتفقوا جميعاً أو تمالؤوا جميعاً على قتل واحد ، لقتلتهم جميعاً به " ، وهذا من ورع سيدنا عمر رضي الله عنه ، فنعمة الأمن لا تقدَّر بثمن ، بل إنه بالحكم الشرعي لا يجوز أن تسكن في بلد ليس فيها أمن ، وفي بعض البلاد المجاورة الإنسان ثمنه رصاصة ، يموت بأتفه سبب ولا توجد محاكمة ، في أثناء الحرب الأهلية هناك حكم شرعي : " لا يجوز أن تقطن في بلدٍ ليس فيه أمن " ، والأمن كيف يكون ؟ بالقصاص . إنسان يقتُل ، فيعدم في مكان الجريمة ، وبعد فترة وجيزة جداً ، هذا مما يدعو إلى ردع الآخرين ، ولذلك القِصاص فيه الحياة ، ولولا القِصاص الذي ينفَّذ كل يوم ، لما استطاع إنسان أن يمشي في الطريق ، ونعمة الأمن في بلدٍ لا تعدلها نعمة ، فالإنسان آمن على بيته ، على ماله ، على أولاده .

        فيا أيها الإخوة الكرام سيدنا عمر قال : " " لو أن أهل بلدةٍ تمالؤوا جميعاً على قتل رجل، لقتلتهم به جميعاً " .

        ثم يقول الله عز وجل :

      أيْ أخذ الدية وعفا ، ثم قتل ، ثم أخذ بالثأر ، أو قتل إنساناً ـ غير القاتل ـ أو قتل اثنين بواحد وهذا اسمه عدوان . قال :

     والآية الأخيرة :

   فالعوام يقولون : العصاة من الجنة ، فإذا كان البيت فيه شدة تجده منضبطًا ، الأولاد يأتون في الوقت المناسب ، ويجلسون على مائدة واحدة، ويأوون إلى فراشٍهم في وقت مبكِّر ، ويحصِّلون دراساتهم بشكل جيِّد ، إنها أسرة منضبطة سببها قيادة حكيمة وأب شديد يوقع العقاب بأولاده إذا أخطؤوا ، فالإنسان حينما يُحِسُّ أن في عقاب ، فهذا سبب انضباط الناس؟ فانضباط الناس بسبب العِقاب ، أما لو تفلَّت الناسُ من العقاب ، لرأيتهم يقتُلُ بعضهم بعضاً ، مثل ما قال سيدنا عثمان فيما أذكر: " إن الله يزرع بالسلطان ما لا يزرعه بالقرآن " ، أي أن السلطان ظِلُّ الله في الأرض ، لأنه يقيم الحدود ، ويقطع يد السارق ، ويحاسب الناس إذا أخطؤوا ، فالأمور تنضبط .

    ثم في الدرس القادم ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi