English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :61/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات : 180 ـ 184 .

تفريغ           : م . م . حسان العودة .

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الكرام مع الدرس الواحد والستين من دروس سورة البقرة ومع الآية الثمانين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

 

أيها الإخوة الكرام ... في هذه الآية الكريمة مركز ثقل ، ألا وهو الموت فالله عز وجل يقول : الَّذِي خَلقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ

(سورة الملك : 2)

ولأنه قدم الموت على الحياة فهناك حكمة بالغة بالغة ، ذلك أن الموت أخطر من حدث الحياة ، حدث الموت أخطر من حدث الحياة ، لأن الإنسان حينما يولد أمامه خيارات كثيرة ، وفوق هذه الخيارات كل أغلاطه  أو ذنوبه يمكن أن يتوب منها ، البدايات ، أما الموت حينما يأتيه الموت لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا   وليست التوبة : " حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن " .

( سورة النساء : 18 (  

خطورة الموت أنه يحدد مصير الإنسان الأبدي ، إلى ما شاء الله ومعنى كلمة أبدي؛ يعني ألف مليار سنة ، أعمارنا نحن بين الستين والسبعين كما ورد في بعض الأحاديث ، ألف مليار ، مليار مليار، مليار مليار، مليار ، إلى أن ينقطع النفس ، أكبر رقم تتصوره واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس ، مائة وستة وخمسون مليون كيلومتر أصفاراً بين كل صفرين مم ، هذا الرقم إذا نسب إلى لانهاية ، إلى الأبد فهو صفر، أي رقم مهما كبر إذا نسب إلى لا نهاية فهو صفر ، فما معنى ؟ " خالدين فيها أبدا " .

(سورة التغابن : 9 (

وما معنى ؟" نعيم مقيم " .

(سورة التوبة : 21 (

ما معنى ؟ " وما هم بخارجين " .

( سورة البقرة : 167 (

هذا هو النعيم المقيم ، وهذا هو النعيم الذي خلق الإنسان من أجله  أما هذه السنوات المعدودات ، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .

يا أيها الإخوة الكرام : حدث الموت إن لم يدخل في صميم حياتنا ، وفي صميم عقيدتنا وبرامجنا ، وسلوكنا ، فقد يكون حدثاً مؤلماً جداً .

" فإذا نقر في الناقور ، فذلك يومئذ يوم عسير ، على الكافرين غير يسير " .

( سورة المدثر : 8 ـ 10 (

والله قد تأتي على من شارف الموت تأتي عليه ساعة يقول لم أر خيراً قط ، من شدة الآلام التي تنتابه ، ألم الخسارة الكبرى .

" إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " .

( سورة الزمر : 15 (

يعني أكبر خسارة أن تخسر الآخرة ، وأكبر ربح أن تربح الآخرة ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : " أكثروا ذكر هاذم اللذات إنه مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات " .

(رواه الترمذي والنسائي – عن أبي هريرة)

قال :" عش ما شئت فأنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به "

يا أيها الإخوة ... وكما قال عليه الصلاة والسلام : " إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن العاقل من يتجافى عن دار الغرور ، ومن ينيب إلى دار الخلود ، ومن يغير نفسه لسكنى القبور ، وليوم النشور " .

يا أيها الإخوة الكرام ... هل من حدث في حياتنا جميعاً أشد واقعياً من الموت ، نقل حدث الغنى ، فقد يصيبنا ، وقد لا يصيبنا ، وحدث الفقر ، فقد يصيب وقد لا يصيبنا  ، وحدث المرض كذلك ، أما حدث الموت فلا يمكن أن ينجو منه أحد ، ومادام الموت انتقال من دار إلى دار ، من دار الفناء إلى دار الخلود ، فماذا أعد الإنسان لهذه الدار الطويلة ، في إنسان يسافر ولا يكون معه مبلغ من المال يصلح له في السفر .

أيها الإخوة الكرام : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت " ، لذلك فقد أدخل المؤمن حدث الموت في برامجه اليومية ، لأنه كلما وقف موقفاً ، وكلما دعي إلى عمل  وإلى قول ، ولقاء ، وسفر ، يسأل نفسه هذا السؤال ، ماذا أجيب الله يوم القيامة ، لم فعلت ، ولم لم تفعل .

" فوربك لنسألنهم أجمعين ، عما كانوا يعملون " .

(سرة الحجر : 92 ـ 93)

والنقطة الدقيقة هو أن كل واحد منا له عمراً ، كيف مضى ؟ مضى كلمح البصر ، وإن سأل نفسه هذا السؤال الحرج ، كم بقي ، وفي الأعم الأغلب ، عند معظم الكهول قد يكون الذي بقي أقل من الذي مضى ، مادام الذي مضى قد مضى كلمح البصر ، فالذي بقي يمضي أيضاً كلمح البصر ،  وما هي إلا ساعة وتعلن وفاة الإنسان ، ونحن كل يوم نستمع إلى عالم جليل ، إنسان له شأن خطير ، وافته المنية فجأةً ، وقد يكون ملكاً ، وقد يكون عالماً كبيراً ، وقد يكون بمنصب رفيع ، الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل .

البطولة أيها الإخوة... أن تعد لما بعد الموت ، الموت أهون مما بعده للمؤمن ، وللكافر الموت أقل مما سيكون من عذاب أليم ما بعد الموت .

"كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ، قال علماء الفقه ، وعلماء التفسير معاً : هذه الآية نسخت بآيات المواريث ، على كلٍ ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا وصية لوارث ، الوارث بآيات المواريث لا وصية له ، الوصية مالٌ يستحق بعد الموت ، أما الهبة فمالٌ يعطى في الحياة ، فالأب له أن يهب أولاده بالعدل في حياته ما يشاء  والأولى أن يعدل ، لأن النعمان ابن البشير أتى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يا رسول الله : اشهد أني نحلت ابني حديقة ، قال : ألك ولد غيره   قال : نعم ، قال : أنحلت كلاً منهم ما نحلت ابنك ، قال : لا ، قال : فأشهد غيري فإني لا أشهد على زور . فالعدل في توزيع الهبات من صفات المؤمن ، وقد يرجح الفقهاء أن تجعل الهبة لأولادك بحياتك مساوية لبعضهم بعضاً للذكور والإناث لأنها هبة، الأولى أن تكون مساوية ، بالتساوي ، أما بالإرث :

"للذكر مثل حظ الأنثيين " .

(سورة النساء : 11 (

إذاً أول نقطة في هذه الآية ، يجب أن نفرق بين الوصية وبين الهبة ،الوصية تستحق بعد الموت ، ولا وصية لوارث ، أما الهبة فتستحق بالحياة  والله عز وجل سيسأل هذا الإنسان ، لمَ أعطيت زيداً ،ولم تعطِ عبيداً ، ولمَ أعطيت ابنك هذا ،ولم تعطِ ابنك ذاك، فإذا كان معك جواب لله عز وجل واضح جلي ، فربما تثبت حجتك أمام الله ، قد يكون ابنك عاجزًا، مصابًا بعاهة دائمة ، لا يستطيع كسب قوت يومه ، فلو وهبت له في حياتك دكاناً يعيش من أجرتها فلا مانع ، معك عند الله جواب ، أما قد يكون لك ابن من زوجة تحبها ، وابن من زوجة لا تحبها ، فتعطي الابن الأولى ، وتحرم ابن الثانية ، فهذا ظلم شديد ، وسوف تحاسب عنه يوم القيامة .

" حقاً على المتقين " ، الذي يتقي الله عز وجل ، يتقي غضبه ، وسخطه يجب أن يوظف ماله للآخرين ، ولكن حينما يخصص الإنسان قبل موته مبلغاً لأعمال البر ، فهذا المبلغ يجب أن لا يزيد عن الثلث ، والأولى يجب أن لا يزيد عن الربع ، يعني الإنسان حينما يوصي ببعض ماله لطلاب العلم ، أو لبناء المساجد ، أو لأعمال البر ، ينبغي له ألاَّ يزيد هذا المال المخصص عن الثلث ، أو عن الربع ، والثلث كثير ، إذاً عن الربع .

أما لو ترك بيتاً صغيراً ، وترك أولاداً عدة ، وزوجة ليس لهم إلا هذا البيت فلا يمكن أن يوصي ببعض هذا البيت لطلاب العلم ، أو لأعمال البر ، لأنه إن فعل هذا فسيضطرون لبيع البيت ، وإلى أن يتشردوا ، فإذا كان تركت شيئاً قليلاُ فلعله يكفي أهلك الأقربين ، وأنت معفى من الوصية ، أما إن تركت مالاً وفيراً ، وخصصت من هذا المال للفقراء ، والمساكين  ، والمساجد ، ودور العلم ، وطلابه ، فهذا يمكن أن يكون مقبولاً ، على ألاّ تزيد الوصية عن الثلث ، والأولى ألاّ تزيد عن الربع ، الوصية تؤدى بعد الوفاة ، أما هذا الذي يوصي لابنه ببيت ، والابن وارث ، هذه وصية باطلة ، لك أن تهبه في حياتك ، لعلة و لسبب وجيه يقبله الله منك ، أما أن تخصص له بعد الموت شيئاً يزيد عن بقية الورثة فهذا باطلٌ شرعاً. 

يعني هذا المتوفى إن كتب وصية واضحة جلية أشهد عليها رجالاً عدولاً ، وسجلها بالمحكمة الشرعية ، أو عند كاتب العدل ، ثم جاء من بعده من يبدل هذه الوصية ، ومن يزورها ، ومن ينكرها ، فالإثم على من بدل لا على الموصي ، يعني هذا أدى ما عليه ، أما الآن وهذه نصيحة يعني أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون واضحة عند الناس ، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك ، يعني والعياذ بالله أكثر الأهل الآن لا تسخوا أنفسهم لتنفيذ وصية والدهم، أكثر من عشر وصايا في حوزتي ، يعني أودعت عندي أمانة ولم تنفذ ، ورجل ترك لأولاده عدة أبنية ، وصى بمئة ألف لم تنفذ ، لذلك درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق ، لا ينفق بعد مماتك ، لذلك الوصية يجب أن توثق ، آن لا يكفي أن تكتب ، إذ لابد أن توثق عند كاتب العدل ، أوفي المحكمة الشرعية ، كي تنفذ ، إن أردت أن تنفذ فعلاً ، أما إن كتبتها ، ولا تعلم ما سيكون فالأغلب أنها لا تنفذ .

في حالات يكون الأب جاهلاً ، يحب أحد أولاده محبة أساسها التملق لإحدى زوجاته ، فيكتب له ، أو يخصه في حياته بأكثر أمواله فلو أن هذا الابن عرف أن أباه سوف يدخل النار بهذه الوصية ، أو بهذا العطاء ، أو بهذه الهبة ، وتنازل عن وصيته إلى أخوته ،أو صلح هذه الوصية ، وجعلها وفق التشريع الإسلامي ، فلا إثم عليه ،بل بالعكس أنقذ والده من إثم كبير ، فإذا ظلم الأب ، وأعاد أحد أولاده الحق إلى نصابه  معنى ذلك أن هذا الابن البار أنقذ أباه من حساب عسير يوم القيامة " فمن خاف من موص جنفا أو إثما " ،أي انحرافاً عن الحق ،" أو إثماً " ،وانغماساً في الباطل " فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم "، فالله عز وجل ينظر إلى القلب ، إن كان في القلب رغبة بإنقاذ هذا المتوفى من عذاب الله ، ولاسيما وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرجل يعبد الله ستين عاماً فيظلم في الوصية ، فتجب له النار " فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ".

وبالمناسبة ثمة وصية واجبة ، إنسان له بيت باسمه ،ليس عنده مبلغ من المال، أودع عنده أمانة ، يجب أن يكتب وصية هذا المبلغ ليس لي ، لأن الإنسان إذا مات فالمال الذي بحوزته يكون حكماً له، ولو أن الورثة أصغوا إلى كل اعتراض ، ولكل طلب ، لجاء من يكذب ، لذلك لا يطالب الإنسان ورثةً إلا بالدليل والبيان ، فإذا كان في مال معك ليس لك وقد أودع عندك أمانة ، فيجب أن تضعه في حرز حريز ، وأن تكتب عليه ويجب أن تكتب وصية تشير فيها إلى أن هذا البيت ليس لي ، وهذا المبلغ ليس لي ، وهو لفلان ابن فلان ، يؤدى له عند الطلب ، وكم من مأساة وقعت ، وأناس ماتوا فجأةً ، وفي حوزتهم أموال ليست لهم ، لذلك إذا كان في حوزتك أموال ليست لك ، أو تسجيل صوري بالعقارات ، ينبغي أن تكتب وصية ،وأنت في الثامنة عشر من عمرك ، مهما يكن سن من أودعت عنده هذه الأموال قليلة فيجب أن يكتب الوصية .

فكلمة " كتب " .

" كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر" .

( سورة البقرة : 178 ) .

" كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت " ، " كتب عليكم الصيام " ، أوامر تشريعية ثابتة ، عندنا أمر تشريعي من عند الله عز وجل ، وببيان رسول الله ، وثمة أمر تنظيمي ، وفرق كبير بين الأمر التشريعي ، وبين الأمر التنظيمي ، يروي كتاب السيرة أن هؤلاء الذين أوصاهم النبي أن يقفوا على رأس جبل أحد ، وأن يكونوا مع الرماة ، وخالفوا وصيته ، ونزلوا إلى أرض المعركة ، طمعاً بالغنائم ، هؤلاء صلى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام ، ذلك أنهم خالفوا أمراً تنظيمياً ، ولم يخالفوا أمراً تشريعياً ، أما الأمر التشريعي الذي ورد في القرآن الكريم ، والذي ورد في السنة الصحيحة المطهرة ، فهذا أمر له حساب خاص ، " كتب عليكم " ، " كتب عليكم " ، " كتب عليكم " ، " يا أيها الذين آمنوا " .

ذكرت لكم في درس سابق أن الله يخاطب عامة الناس بأصول الدين ، ويخاطب المؤمنين بفروع الدين ، فالمؤمن آمن بالله ، رباً ، وخالقاً ، ومسيراً ، وواحداً ، وموجوداً ، وكاملاً ، فمادمت قد آمنت بالله عليماً ، حكيماً ، قديراً ، غنياً ، خبيراً ، هذا أمره ، تأتي التفاصيل للمؤمنين ، أما هذا الذي شرد عن الله ، وغفل عنه ، فينبغي له أن يؤمن به أولاً حتى يستجيب لأمره ثانياً .

" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " ، في هذه الآية إشارة إلى أن الشرائع السماوية متقاربة ، لأن الإنسان هو الإنسان ، عنده ثوابت ، عنده متغيرات ، وله نفس ، وعنده طباع ، في ميول  في رغبات ، والخالق واحد ففي الأعم الأغلب ينبغي أن تأتي التشريعات الإلهية متشابهة ، إلا إذا كان هناك ظروف خاصة جداً في مكان ، أو في زمان ، أو في أمة ، فقد تأتي تشريعات خاصة بها ، أما شريعة النبي عليه الصلاة والسلام فهي الشريعة الخاتمة لكل البشرية جمعاء ، ولذلك جاءت متوافقة مع كل حاجات المجتمعات ، ذلك أنها خاتمة الشرائع ، فهذه الإشارة إلى أن الصيام كتب على الذين آمنوا، وكتب على الذين من قبلهم ، قال : " لعلكم تتقون " .

أيها الإخوة ... بادئ ذي بدء العبادات في الإسلام نوعان ؛ عبادات تعاملية ، صدق وأمانة ، وإخلاص ، وتواضع ، وأداء حقوق ، ووفاء بالوعد ، وإحقاق الحق ، وإبطال الباطل، والإنصاف ، وأن تعطي كل ذي حق حقه ، هذه عبادات تعاملية ، وعندنا عبادات شعائرية ، الكلام الدقيق جداً هو أن العبادة التعاملية هي الأصل ، فإن صحت صحتْ معها العبادة الشعائرية  ، فالشعائرية أن تقف وتصلي ، ويأتي رمضان فتصوم ، وتذهب إلى الحج فتحج ، عبادات بعضها بدني ، وبعضها مالي ، بعضها بدني مالي ، وبعضها شعائري ، لها أوقات معينة ، في أماكن معينة كالحج ، في مناسك معينة في جزئيات معينة ، فهذه عبادات شعائرية ، يعني هي مناسبة كي تتصل بالله ، ومنوعة ، فالصلاة التي فرضها الله علينا خمس مرات في اليوم من أجل أن تتصل به ، والصيام الذي فرضه الله علينا ثلاثون يوماً في كل عام من أجل أن نتصل به ، والزكاة التي فرضها الله علينا على الأغنياء من أجل أن نتصل به ، والحج الذي فرضه الله علينا في العمر مرة من أجل أن نتصل به ، ولكن هي العبادة الشعائرية شحنة طاقة ، والتعاملية حركة ، وكلكم يعلم أنّ في الفيزياء طاقة ومادة ، العبادة التعاملية ، تخرج من البيت عينك لها عبادة ، فعبادتها غض البصر ، وأذنك لها عبادة، وعبادتها ألا تصغي للباطل ، وأن تستمع للحق ، ولسانك له عبادة ؛ أن يكون رطباً بذكر الله ، ورجلك لها عبادة أن تقودك إلى بيوت الله ، وإلى الأعمال الصالحة ، يدك لها عبادة أن تفعل فيها الخيرات ، لا أن تضرب بها ، فالعبادات تعامليه وشعائرية ، التعاملية هي الأصل ، إن صحت صحت العبادة الشعائرية ، والشعائرية تقف أمام ربك كي تخاطبه تقربياً ، وأرجو أن تكون الأمثلة واضحة ، بعض الشركات يأتي موظفوها الذين هم في الحقيقة مندوبو مبيعات يأتون إليها في الساعة الثامنة ، فيأخذون التعليمات ، ويذهبون طوال النهار يبيعون ويروجون بضائع هذه الشركة، وفي المساء يأتون لأخذ عمولتهم ففي تعليمات ، وعمولة ، وحركة ، ثماني ساعات في الأسواق ، وساعة قبض عمولة ، وساعة أخذ تعليمات، هذا مثل دقيق جداً ، تأتي إلى المسجد كي تتلقى تعليمات الخالق، وتنطلق إلى البيت ، وإلى عملك ، وفي البيت في تعليمات وأنت في البيت ، في تعليمات وأنت تأكل ، وأيضاً وأنت مع أهلك ، في تعليمات وأنت مع أولادك ، وكذلك إذا قمت إلى النوم ، وإذا استيقظت ، وإذا دخلت الحمام ، وإذا جلست إلى الطعام ، ضمن البيت هناك مئات التعليمات ، والآن لبست ثيابك وخرجت ، ثمة تعليمات في الطريق ، ووصلت إلى محلك التجاري ثمة تعليمات في البيع والشراء ، وأصول عرض البضاعة ، فليس هناك يمين كاذبة ، ولا تدليس ، ولا غش ، ولا احتكار ، ولا إلى آخره ، فأنت مع تعليمات دقيقة جداً ، تكاد تبلغ مئات الألوف ، منهج الله كامل ، فأنت أخذت التعليمات من المسجد في خطبة الجمعة ، أو في درس التفسير ، أو في أي درس آخر وانطلقت إلى البيت و إلى العمل ، وعدت في المرة الثانية كي تتصل بالله لتأخذ العمولة ، والأجر هو التجلي ، ما لم نفهم الدين هكذا ، من يفهم الدين أنه صلوات في المسجد ليس غير وهو حر في عمله يفعل ما يشاء فهذا إنسان فهمه خاطئ ، وبعيد جداً عن الواقع .

فيا أيها الإخوة الكرام ... الصيام عبادة شعائرية ، وكذلك الصلاة في اليوم خمس مرات ، فهي خمس شحنات ، وكل شحنة من الصلاة تكفيك للصلاة الثانية ، ولدينا شحنات أسبوعية وهي خطبة الجمعة ، هذه تكفيك أسبوعاً كاملاً ، عندنا شحنة سنوية ؛ رمضان الكريم ، ولدينا شحنة العمر وهو الحج ، فمن شحنة يومية ، إلى أسبوعية ،  إلى سنوية ، إلى شحنة العمر ، ولذلك من حج فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر ما تقدم من ذنبه .

أيها الإخوة الكرام :هذه الفريضة ، فريضة الصيام فرضها الله على الإنسان الذي آمن به وعرفه لحكم بالغة جداً ، فمن هذه الحكم أن الصيام يقوي الإرادة ، يعني في بالدين مباحات ، ومحظورات ، وفي رمضان تغدو المباحات محظورات ، الطعام والشراب ، وكأس الماء ، ولقاء الأهل ، هذا كله محرم في رمضان ، أو في نهار رمضان ، إذاً هذا الشهر يقوي في الإنسان إرادته ، فإذا مضى الشهر يرى أن الشيء الذي كان محظوراً أصبح مباحاً لذلك يتمسك بالطاعات ، وهو في رمضان ترك المباحات ، فلأن يترك المحظورات من باب أولى، إذا أحد حكم هذا الصيام أنه يقوي الإرادة  ، وأحد حكم الصيام أنه يعرف الإنسان بافتقاره إلى الله عز وجل ، يعني مادمنا في الإفطار كلما شعرنا بحاجة إلى الماء شربنا ، وكلما شعرنا بحاجة إلى الطعام أكلنا ، وننسى أننا عبيد لله عز وجل ، وننسى أن وجودنا متوقف على ماء وطعام ، ففي رمضان فيشعر الإنسان بشكل واضح وجلي بقيمة الطعام والشراب ، وبافتقاره إلى ما عند الله عز وجل ، فكأن الصيام درس من دروس العبودية لله ، وتقوية للإرادة ، وكأن الصيام عبادة الإخلاص  فقد تكون وحدك ، وليس أحد مطلع عليك ، لا يمكن أن تضع في فمك قطرة ماء ، وقد تكون في بيتك وحدك والثلاجة فيها ماء بارد عذب كالزلال   وأنت في شدة عطش شديد ومع ذلك لا  تشرب ، فالصيام عبادة الإخلاص يقوي إخلاص الإنسان لله عز وجل ، ويقوي شعوره بعبوديته لله   وافتقاره إليه ، ويقوي إرادته ، والصيام  الإنسان حينما يصوم ثم يقف في التراويح ليصلي يشعر أنه فعل شيئاً في سبيل الله ، أنه ترك شهوته ابتغاء مرضاة الله ، فكأن هذا العمل الطيب يعينه على أن يقبل على الله عز وجل فصار في برمضان صيام ، وقيام ، فالصيام هو الثمن ، والقيام قبض الثمن ثمن القيام الصيام ، لذلك من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه .

وهناك حكم بالغة لهذه الأيام الثلاثين فلو زادت عن الثلاثين لكان الصيام عبئًا على معظم الناس ، ولو قل عن الثلاثين لعله لم يحقق الفائدة المرجوة منه .

علة الإفطار في رمضان السفر أو المرض ، فالمريض أو المسافر له أن يفطر في رمضان ، لكن عليه أن يصوم مكان هذه الأيام التي أفطر فيها أيامًا بعد رمضان ، إن صمت رمضان في وقته فهو أداء ، وإن صمت أياماً من رمضان بعد مضيه فهي قضاء.

فالذي يطيق الصيام وهو مسافر ، أو مريض يطيق الصيام ويفطر فالأولى أن يضيف إلى قضاء رمضان فدية طعام مسكين ، وبعضهم قال : وعلى الذين لا يطيقونه ، على كلٍ القرآن حمال أوجه .

يعني حينما تصومون تشعرون بالقرب من الله عز وجل وهذا " خير لكم إن كنتم تعلمون " .

والحمد لله رب العالمين

*        *        *

Copyright © 2007 Nabulsi